قصة عشر سنوات ربيت ابني بدون أب
قصة عشر سنوات ربيت ابني بدون أب
عشر سنوات ربيت ابني بدون أب؛ سخرت مني القرية بأكملها، حتى جاء اليوم الذي وصلت فيه سيارات فاخرة إلى باب منزلي… ومعها الحقيقة التي أبكت الجميع.
كانت ظهيرة حارّة في القرية، وأنا أنحني أجمع الأغصان الجافة لأشعل النار.
في المدخل وقف ابني، طفل في العاشرة، يحدّق بي بعينين بريئتين، وقال بصوت خافت:”ماما… ليه أنا ما عنديش أب زي أصحابي؟”
تجمّدت. لسنوات طويلة لم أجد إجابة، لسنوات حملت العار والسخرية وحدي.عندما أصبحتُ حاملاً، بدأت همسات القرية تلاحقني:
“يا الله! حامل بدون زوج؟”
“عار على عائلتها!”
“أكيد الرجل هرب منها!”
تحمّلتُ كل شيء. ومع كل شهر يكبر بطني، كنت أعمل أي عمل يُكسبني لقمة العيش:
جمع الأعشاب… حصاد الأرز… غسل الصحون في مطابخ القرى.بعض الناس رمو القمامة أمام بيتي، وآخرون كانوا يصرخون عليّ:
“مين بده يتحمل مصيبة زي هاي؟”
ولم يعرفوا… أن الرجل الذي أحببته كان أوّل من فرح عندما أخبرته أنّي حامِل. أخبرني أنه سيذهب لوالديه ليباركوا زواجنا، وصدقته من كل قلبي.
لكن في اليوم التالي… اختفى.
هكذا، دون أثر… دون رسالة… دون وداع.ومنذ ذلك اليوم، ربيتُ ابني وحيدة.
كنت أعمل ليل نهار لأرسله للمدرسة، أحوش كل قرش، وأكتم كل دمعة.
وعندما كان زملاؤه يسخرون منه لأنه بلا أب، كنت أضمه لصدرى وأقول:
“إنت عندك أم يا روحي… وهذا يكفي.”لكن الحقيقة؟ كلمات الناس كانت تطعنني كل يوم.وفي الليالي الطويلة… كنت أنظر إلى المصباح وأسترجع ذكرياته… ابتسامته… صوته… وأبكي بصمت.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
“لكن ما لم أتخيّله… أن الصفحة القادمة ستقلب قدري رأسًا على عقب.”
“استعدّي… فالحدث الذي سأرويه الآن غيّر حياتي كلها في لحظة واحدة.”
في صباح ممطر، كنت أخيط ملابس ابني عندما سمعت أصوات محركات قوية تقترب من منزلنا الصغير.
خرج الجيران من بيوتهم، يحملون فضولاً حارقاً.أمام بيتنا المتواضع، توقفت عدة سيارات سوداء فاخرة، نظيفة لدرجة تعكس وجوه الواقفين حولها.
رجلان ببدلات رسمية خرجا منها، وبدا على الجميع الذهول.
همسات الجيران بدأت تتطاير:
“مين هدول؟”
“شكلهم من المدينة!”
“أكيد حدا مهم!”
وقفت أمام الباب، وقلبي يدقّ كأنه سيسقط من صدري.
لم يكن لديّ أدنى توقع لما سيحدث…ومن وسط الرجال…
نزل رجل طويل، أنيق، ملامحه مألوفة حدّ الألم.
رفع رأسه…
نظر إليّ…
ثم قال بصوت خافت ارتعشت له ركبتاي:“أنا… والد الطفل.”
تجمّد الهواء من حولي.
الوجوه صُعقت.
ابني اقترب وأمسك بثوبي بخوف.
والقرية كلها وقفت تشاهد المشهد الذي انتظرته عشر سنوات… دون أن أتخيّل أنه سيأتي بهذه الطريقة.
لكن ظهور والد الطفل لم يكن نهاية الصدمة… بل كان بداية شيء لم أكن مستعدة له أبداً. في الصفحة الثالثة…
ابني اختبأ خلفي، وهو لا يدرك أن الرجل الواقف أمامه هو الدم الذي يجري في عروقه. الرجل اقترب خطوة…
ثم أخرى…
ثم توقّف على مسافة تسمح لي بأن أشم رائحة المطر العالق في ثيابه. قال بصوت متردد، كأنه يُجبر نفسه على الكلام:
“أنا… لم أهرب. لقد اختفيت… لأنني كنت في المستشفى بين الحياة والموت.”
تشتت عقلي.
كيف؟ ولماذا الآن؟ ولماذا أمام كلّ الجيران؟ تابع وهو يخفض رأسه:
“في اليوم الذي أخبرتكِ فيه أنني سأعود إلى أهلي… تعرّضتُ لحادث مروّع. استيقظت بعد أشهر… فاقداً الذاكرة تماماً.”
صوت الجيران خفَت.
الكل أصبح ينصت بذهول. “قبل شهر فقط…”
رفع رأسه نحو ابني، وعيناه تلمعان كأنهما رأتا الحياة لأول مرة:
“عادَت ذاكرتي بالكامل… وتذكرتكِ. وتذكرته… ابني.”
كنت أرتجف.
هل أصدّق؟
هل أكذّب؟
أم هل أبكي عشر سنوات من الوجع مرّة واحدة؟
اقترب رجل من الرجال الذين كانوا معه، يبدو كمساعد أو محامٍ، وقال باحترام:
“سيدتي… السيد ظل يبحث عنكما منذ أن عاد وعيه. وقد أصرّ أن يأتي بنفسه، دون إعلام أي جهة، ليرى ابنه لأول مرة.”
ابني رفع رأسه نحوي وهمس بخوف:
“ماما… هو فعلاً… بابا؟” تجمدتُ.
سؤال واحد فقط… كسر قلبي كله.
الرجل انحنى على ركبتيه أمام الطفل، وفتح ذراعيه ببطء:
“أنا… كنت أحلم بهذه اللحظة عشر سنوات.” لكن الطفل تراجع خطوة.
لم يندفع.
لم يعانق.
فهو لا يعرف هذا الوجه… ولا يعرف معنى كلمة “أب” إلا من قصص الآخرين.
نظرتُ إلى الرجل، إلى عينيه التي فيها حزن السنين…
ورغم الألم… شعرتُ أن الحقيقة أكبر منّي ومنه. لكن ما حدث بعدها…
كان الشيء الذي قلب حياتي كلها. فبينما نحن واقفون أمام البيت، تقدمت امرأة من إحدى السيارات… سيدة أنيقة… وقفت بجانب الرجل ونظرت إليّ ببرود.
وقالت جملة لوّعت صدري كله: “أنا زوجته.”والصمت الذي تلا كلماتها…
كان أقسى من كل السنوات التي سبقت.


تعليقات
إرسال تعليق