القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الامومه اختيار 




الامومه اختيار 


تبنّيتُ أفضل طالب عندي بعد ما لقيته نايم في جراج سيارات — وبعد سنين، ناداني على المسرح قدام الكل.

عمري 53 سنة، مدرسة فيزياء في مدرسة ثانوية حكومية في الإسكندرية. عمري ما خلّفت. جوازي انتهى جزئيًا بسبب الموضوع ده. كنت فاكرة إن ده قدري… لحد ما ظهر كريم.

كان من النوع اللي أي مدرس يحلم بيه. ذكي بشكل غير عادي، فضولي، مهووس بالكون. ثقوب سوداء، تمدد الزمن، ميكانيكا الكم… كان بيستوعب كل حاجة بسرعة مذهلة. كنت أخرج من الحصة وأبتسم لنفسي وأقول: الولد ده هيغير الدنيا.

لكن لما دخل سنة تالتة ثانوي، كل حاجة بدأت تتغير.

بقى يتأخر على الحصص. يسلم واجبات ناقصة. عينه دايمًا مرهقة، ورأسه على الديسك طول الوقت. حاولت أتكلم معاه بعد الحصة.

قلت له:

“يا كريم، إنت أذكى من إنك تضيع نفسك بالشكل ده.”

رد بصوت واطي:

“أنا كويس يا مس مريم.”

بس هو ما كانش كويس.

في يوم سبت بارد من شهر يناير، خرجت أجيب طلبات من السوبر ماركت في محطة الرمل. المطر كان تقيل، والهواء ساقع، والطريق زلق. ركنت عربيتي في الدور التالت في جراج مول قريب.

وأنا نازلة من العربية، لمحته.

كان في حد متكور جنب الحيطة في ركن بعيد. في الأول افتكرت متشرد. لكن لما قربت شوية، قلبي وقع.

كان كريم.

كان نايم على الأرض، الشنطة تحت راسه كوسادة، والجاكيت ملفوف حواليه بإحكام.

همست:

“يا نهار أبيض… كريم؟!”

فتح عينه فجأة وبصلي بفزع. للحظة كان شكله زي طفل محاصر.

قال بسرعة:

“مس مريم… بالله عليكي ما تقولي لحد!”

صوتي كان بيرتعش:

“إنت بتعمل إيه هنا؟! إزاي نايم في جراج؟”

بص للأرض، سكت شوية، وبعدين قال:

“هحكيلك… بس أوعديني محدش يعرف.”

وعدته.

أخذ نفس عميق، وصوته كان بيتكـ,ـسر وهو بيحكي.

أبوه اتوفى من سنتين، وأمه اتجوزت واحد قاسي. الراجل ده كان شايفه عبء. كل شوية خـ,ـناق وضـ,ـرب. من أسبوع طرده من البيت بعد ما قاله “مش هصرف على حد مش ابني.”

كريم ما كانش عايز يبلغ حد. كان بيبات في الجـ,ـراجات، وفي بعض الأيام عند صاحب له، وبيحاول يكمل المدرسة عادي عشان محدش يشك.

لما خلص كلامه، حسيت الدنيا بتهتز تحتي.

قلت:

“إنت بقالك قد إيه كده؟”

قال بهدوء موجع:

“حوالي شهر.”

شهر… والولد بيحضر حصصي كل يوم وكأنه طبيعي.

رجعته البيت معايا الليلة دي. قلت له إنه مؤقت لحد ما نلاقي حل.

بس الحل ما بقاش مؤقت.

بلغت الشؤون الاجتماعية بطريقة قانونية، وبعد تحقيقات طويلة وإجراءات، قدرت آخد وصاية قانونية عليه.

الناس استغربت. بعضهم قال إني بجازف. بعضهم قال إني بعوض حرماني من الإنجاب.

يمكن كان في جزء من ده صحيح.

بس الحقيقة إن كريم أنقذني زي ما أنا أنقذته.

السنين عدت. دخل كلية الهندسة قسم هندسة فضاء في جامعة القاهرة. كنت أحضر كل محاضرة مفتوحة يشارِك فيها. كل مسابقة علمية كان يدخلها.

وفي يوم، بعد 12 سنة من الليلة دي في الجراج، اتدعيت لحفل تكريم علمي كبير في دار الأوبرا بالقاهرة.

كنت قاعدة في الصفوف الخلفية. اسمه اتنادى على المسرح كأصغر باحث مصري يحصل على منحة دكتوراه في فيزياء الفضاء في ألمانيا.

طلع على المسرح، لبس بدلة شيك، ابتسامته واثقة.

وبعد ما شكر اللجنة، قال:

“في شخص لازم أشكره… لو ما كانتش شافتني في جراج في يوم مطر، يمكن ما كنتش واقف هنا النهارده.”

قلبي وقف.

بص ناحية القاعة وقال:

“مس مريم… ماما… ممكن تطلعي لي؟”

الدنيا سكتت.

طلعت المسرح ودموعي نازلة.

حـ,ـضني قدام الناس كلها وقال:

“إنتي علمتيني إن العلم مش أهم حاجة… الإنسان هو الأهم.”

في اللحظة دي عرفت إن حياتي ما كانتش ناقصة.

كانت مستنية بس حد اسمه كريم.


بعد الحفل رجعنا البيت متأخر. الشقة كانت هادية زي العادة، بس الليلة دي كان في شعور مختلف في الجو. كريم حط الدرع على السفرة وقال وهو بيضحك:


– فاكرة أول مرة دخلت بيتك؟


ابتسمت وقلت:


– فاكرة إني كنت مرعوبة أكتر منك.


قعدنا نشرب شاي، ولأول مرة حسيت إن المسافة بين “مس مريم” و“ماما” اختفت تمامًا.


بعد شهور قليلة، سافر كريم ألمانيا عشان يبدأ الدكتوراه. يوم السفر في مطار القاهرة كان من أصعب الأيام في حياتي. كنت بحاول أبان قوية، لكن قلبي كان بيتقبض.


قال لي قبل ما يدخل بوابة السفر:


– إنتي مش فقداني ابن… إنتي بتصدريه للعالم.


ضحكت رغم الدموع.


– بس ترجعلي سليم.


من يومها بقينا نتكلم كل يوم تقريبًا. فيديو كول من شقته الصغيرة في برلين، يحكي عن المعمل، عن أبحاثه، عن إحساسه بالغربة. وفي كل مرة كان بيقول:


– البيت هناك… مش هنا.


بعد سنتين، حصل على جائزة بحثية كبيرة. اتعرض عليه عقد في وكالة فضاء أوروبية. ناس كتير كانت هتعتبر ده نهاية الرحلة… النجاح الكامل.


لكن كريم رجع مصر فجأة في إجازة طويلة.


قلت له:


– حصل حاجة؟


قال وهو بيبصلي بجدية:


– آه. حصل إني فاهم دلوقتي إنتي عملتي إيه عشاني. وأنا عايز أعمل حاجة شبهها.


بدأ يشتغل على مشروع لتأسيس برنامج دعم للطلبة المتفوقين اللي ظروفهم المادية صعبة. تعاون مع وزارة التربية والتعليم، ومع مدارس حكومية، وبدأ يزور الفصول بنفسه.


وفي يوم، كنت واقفة في مؤخرة فصل براقبه وهو بيشرح للأطفال عن النجوم. فجأة شفت في عينيه نفس اللمعة اللي كانت موجودة زمان وهو قاعد في أول صف عندي.


بعد الحصة، جه ولد صغير وسأله:


– هو ينفع أبقى عالم فضاء وأنا من هنا؟


كريم ركع قدامه وقال:


– ينفع… لو لقيت حد يشوفك.


الكلمة دي رجعتني سنين لورا.


بعد سنة، افتتح مركز تعليمي باسمي. كتب على اللوحة:


“مركز مريم للعلوم – لأن فرصة واحدة ممكن تغير حياة كاملة.”


لما قص الشريط، مسك الميكروفون وقال:


– زمان حد شافني وأنا في أسوأ لحظة في حياتي… وما مشيش. أنا النهارده بوعد أي طفل يدخل هنا إننا مش هنمشي.


وقفت وسط التصفيق، وافتكرت ليلة الجراج، والولد اللي كان نايم على الأرض خايف من الدنيا.


دلوقتي بقى راجل بيحمي غيره من نفس الخوف.


وفي مساء هادي، وأنا قاعدة في البلكونة، كريم قعد جنبي وقال:


– عارفة أكتر حاجة غيرت حياتي إيه؟


قلت:


– إيه؟


قال:


– إنك ما شفتيش طالب… شفتي إنسان.


بصيت للسماء، للنجوم اللي كان دايمًا بيحبها، وحسيت إن الكون أوسع بكتير مما كنت متخيلة.


أنا ما خلفتش طفل.


لكن ربنا بعتلي ابن في جراج…


علشان أتعلم إن الأمومة مش دـ,ـم،


الأمومة اختيار.


 تمت 

تعليقات

close