القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 صوره قديمه 



صوره قديمه 


بكـل فخـر عرضـتُ علـى أهـل خطيبـي صـورة لجـدتي وهـي تحتـ.ضنني رضيـعة، فصـرخوا برعـب وطـردوني مـن منـزلهم!

لم أكن أتخيّل يومًا أن صورة واحدة قد تهدم حياتي بهذه القسوة… لكنها فعلت.

أبلغ من العمر 26 عامًا، أرتبطت بخطيبي ياسر منذ 3 سنوات. عائلته عائلة المرشدي من أغنى العائلات في القاهرة، ويعيشون في فيلا فاخرة بالتجمع الخامس.

في مساء أمس، كنا نجلس في منزلهم الواسع لننهي قائمة المدعوين لحفل زفافنا. كل شيء كان يسير بهدوء ورسمية… حتى أخرجتُ حقيبتي الصغيرة…

كنت قد أحضرتُ مجموعة من الصور القديمة لأعد منها عرضًا مرئيًا يُعرض في قاعة الفرح.

أردتُ أن أخصّ بالذكر جدتي رحمة المرأة التي ربتني بعد وفاة والدي، وكانت لي الأم والسند والحياة كلها.

ابتسمتُ وأنا أريهم صورة لجدتي وهي تحتضنني رضيعة بين ذراعيها.

في الصورة، كانت ترتدي جلبابًا بسيطًا باهت اللون، يبدو عليه أثر السنين، لكنها كانت تبتسم بعينين مليئتين بالحنان.

فجأة… تغيّر كل شيء..

شحب وجه والدة ياسر، واتسعت عيناها كأنها رأت شبحًا.

انزلقت كأس العصير الفاخر من يدها، وتحطمت فوق أرضية الرخام اللامعة، وتناثر الشراب الأحمر كأنه بقعة دم.

أما والده، فخطف الصورة من يدي بعصبية، وحدق فيها طويلًا، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.

ثم رفع نظره نحوي… وكانت نظراته مليئة بالصدمة والغضب.

صرخ بصوت دوّى في أرجاء الصالة: اطلعي برّه فورًا!

تجمّدتُ في مكاني، ظننتُ أنني لم أسمع جيدًا.

لكنه أكمل، وهو يشير نحو الباب: الفرح اتلغى! لا إنتِ ولا الست دي ليكم مكان وسط عيلتنا!

شعرتُ بأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.

لم أفهم… كيف يمكن لصورة قديمة، لامرأة بسيطة احتـضنت حفيدتها بحب، أن تثير كل هذا الرعب؟

كنتُ على وشك أن أعرف… أن الماضي الذي حاولتُ جدتي دفنه لسنوات، لم يكن قد مات بعد… صلي على محمد وتابع معايا👇👇👇


خرجتُ من الفيلا وأنا لا أشعر بقدميّ تحملانني كان الهواء باردًا رغم أن المساء لم يكن قد تأخر كثيرًا والسماء فوق التجمع الخامس صافية كأن شيئًا لم يحدث وكأن العالم لا يبالي بانهيار قلبي في تلك اللحظة سمعت الباب الثقيل يُغلق خلفي بقسوة فارتجف جسدي كله لم ألتفت لم أرد أن أرى الوجوه التي كانت قبل دقائق فقط تستعد لمشاركتي فرحتي ثم تحولت فجأة إلى وجوه قاسية تطردني كأنني ارتكبت جريمة لا تُغتفر

وقفت للحظات عند الرصيف أتنفس بصعوبة أحاول أن أستوعب ما جرى كيف يمكن لصورة قديمة أن تُلغي زفافًا وتُسقط ثلاث سنوات من الحب والوعود في لحظة واحدة كانت صورة عادية جدًا جدتي رحمة تجلس على كرسي خشبي قديم في فناء بيتنا الصغير تحتضنني رضيعة وتبتسم ابتسامة صافية لا تحمل سوى الحنان ما الذي رآه أهل ياسر فيها ولم أره أنا

اهتز هاتفي في يدي كان ياسر يتصل لم أرد في البداية شعرت بغصة في حلقي وخوف غامض من سماع صوته لكن الاتصالات توالت ثم جاءت رسالة واحدة فقط افتحي ضروري لازم أشرح لك وقفت مترددة ثم ضغطت زر الإجابة جاءني صوته متوترًا ومبحوحًا اسمعيني أرجوك اللي حصل مش زي ما أنت فاكرة حاولت أن أتكلم لكن الكلمات خانتني سألته بصوت مرتعش زي إيه يا ياسر إيه اللي يخلي أبوك يطردني بالشكل ده علشان صورة جدتي

صمت للحظة طويلة شعرت خلالها أن قلبي سيتوقف ثم قال أمي وأبويا يعرفوا الست دي من زمان جمد الدم في عروقي أعرفوا إزاي جدتي عمرها ما خرجت بره قريتنا غير نادرًا قال بصوت خافت كانوا عايشين في نفس الحي زمان قبل ما حالتنا تتحسن كانت في مشاكل كبيرة حصلت بين العيلتين بس عمري ما سمعت التفاصيل

لم أفهم أكثر بل ازداد ارتباكي قلت له مشاكل إيه اللي تخليهم يخافوا بالشكل ده رد وهو يتنهد مش بس مشاكل الموضوع أكبر من كده الصورة دي فتحت جرح قديم كانوا فاكرينه اتقفل

عدت إلى بيتي تلك الليلة وأنا أشعر أنني أحمل فوق كتفيّ ثقل سنوات لا أعرفها جلست أمام جدتي رحمة التي كانت تنتظرني بقلق منذ خروجي ارتجفت شفتاي وأنا أحكي لها ما حدث كنت أراقب وجهها مع كل كلمة أقولها رأيت لونها يشحب ببطء وعينيها تغرورقان بدموع حاولت أن تخفيها

سألتها بصوت خافت جدتي إيه اللي بينهم وبينك ساد الصمت في الغرفة دقائق طويلة لا يُسمع فيها إلا صوت ساعة الحائط القديمة ثم قالت بصوت مكسور كنت عارفة إن اليوم ده هييجي بس كنت بدعي ربنا ما يجيش أبدًا اقتربت منها أكثر أمسكت بيديها المتجعدتين جدتي فهميني

تنهدت بعمق وبدأت تحكي قبل أربعين سنة تقريبًا كنت شابة أعمل خياطة في بيوت الناس في الحي نفسه اللي كان فيه بيت عيلة المرشدي كانوا وقتها مش أغنيا زي دلوقتي بس برضه كانوا معروفين وفي يوم حصلت سرقة كبيرة في بيتهم مجوهرات وفلوس اختفت فجأة والكل كان بيدور على حد يعلّقوا عليه التهمة

شعرت بقلبي يخفق بسرعة قلت لها ما تقوليش إنهم اتهموك أومأت برأسها ببطء قالت كنت بشتغل عندهم قبلها بيومين بس ده كان كفاية عشان يشاوروا عليّ الناس صدقتهم بسهولة لأني كنت غلبانة وملهاش ظهر حاولت أدافع عن نفسي لكن محدش سمعني

شهقت وأنا أستمع إليها هل دخلتِ السجن قالت لا ربنا ستر في آخر لحظة ظهر شاهد قال إنه شاف حد غريب بيهرب من البيت ليلة السرقة بس رغم ده السمعة اتشوّهت الناس فضلت تبصلي بشك وأنا قررت أسيب الحي كله وأسافر القرية وابدأ من جديد

شعرت بغضب يتصاعد داخلي يعني هما عارفين إنك بريئة ومع ذلك اتصرفوا كده قالت وهي تمسح دموعها الظلم لما يكبر مع السنين بيتحول لكبرياء يمكن كانوا خايفين الحقيقة تطلع تاني

في اليوم التالي جاء ياسر إلى بيتنا وجهه شاحب وعيناه حمراوان من السهر جلس أمام جدتي مطأطئ الرأس وقال أنا آسف يا طنط رحمة اللي حصل امبارح كان صدمة لينا كلنا والدي اعترفلي إنهم وقتها ضغطوا على الشرطة عشان تقبض عليك حتى قبل ما يتأكدوا وفضلوا سنين شايفينك سبب الفضيحة اللي حصلت لهم قدام الناس

رفعت جدتي رأسها وقالت بهدوء رغم الألم أنا سامحت من زمان بس الظلم عمره ما بيتنسى نظرت إلى ياسر وقلت له وإنت موقفك إيه سكت لحظة ثم قال أنا بحبك ومش شايف في جدتك غير ست اتظلمت بس عيلتي رافضة تمامًا وبيقولوا لو تم الجواز يبقى أنا اخترتكوا عليهم

كان القرار أصعب مما تخيلت هل أطلب منه أن يترك عائلته هل أقبل أن أعيش حياة تبدأ بقطيعة وأحقاد أم أتنازل عن حبي لأجل راحة الجميع قضيت ليالٍ طويلة أفكر أستعيد كلمات جدتي ونظرات ياسر الممزقة بيننا

في إحدى الليالي استيقظت على صوت جدتي تناديني دخلت غرفتها فوجدتها تمسك بصندوق خشبي قديم لم أره من قبل فتحته أمامي وأخرجت أوراقًا صفراء قديمة وقالت دي كانت الدليل اللي احتفظت بيه طول السنين كان فيه خطاب من الشاهد اللي برأني وقتها كتب فيه إنه عرف السارق الحقيقي لكنه خاف يتكلم لأن عيلة المرشدي هددته

اتسعت عيناي بدهشة ليه ما استخدمتيش الخطاب ده قالت كنت عايزة أعيش بسلام بعيد عن المشاكل لكن يمكن دلوقتي لازم الحقيقة تطلع



شعرت بقوة تسري في عروقي للمرة الأولى منذ تلك الليلة السوداء قلت لها مش هنسكت لازم يعرفوا إنك بريئة مش بس علشاني علشان اسمك وكرامتك

اتصلت بياسر وطلبت منه أن يجمع عائلته في نفس الصالة التي طُردت منها عندما دخلت هذه المرة لم أشعر بالخوف نفسه كان معي حقي وكرامة جدتي جلست أمامهم بهدوء وأخرجت الخطاب وقرأته بصوت ثابت رأيت الوجوه تتغير مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن الخوف هو المسيطر بل الارتباك

تحدث ياسر بقوة لم أرها فيه من قبل وقال كفاية ظلم أربعين سنة لو في حد لازم يعتذر النهارده فهو إحنا ساد الصمت طويلاً ثم تنهد والده وقال بصوت خافت يمكن أخطأنا وربنا ابتلانا بالمال بعد الفقر عشان يختبرنا بس نسيّنا أصلنا

لم يكن الاعتذار كاملاً ولا سهلًا لكن شيئًا انكسر داخل تلك العائلة غرور قديم تراجع خطوة للأمام قالت والدة ياسر بصوت مرتجف إحنا كنا صغيرين وخفنا على سمعتنا سامحينا يا رحمة

نظرت إلى جدتي فوجدت الدموع في عينيها لكنها ابتسمت وقالت المسامح كريم

خرجت من تلك الفيلا مرة أخرى لكن هذه المرة لم أكن مطرودة كنت مرفوعة الرأس لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك احتجنا وقتًا طويلاً لنعيد بناء الثقة ونتجاوز الجراح القديمة لكنني تعلمت درسًا لن أنساه أبدًا أن الحقيقة قد تُدفن سنوات طويلة لكنها لا تموت وأن صورة بسيطة قد تكشف ما يخفيه الناس خلف جدران الفخامة

بعد أشهر أقيم زفافنا في قاعة متواضعة لكنها مليئة بالحب جلست جدتي في الصف الأول ترتدي جلبابًا جديدًا بسيطًا وتبتسم بنفس العينين المليئتين بالحنان اللتين ظهرتا في تلك الصورة القديمة وعندما عُرضت الصورة على الشاشة الكبيرة لم يصرخ أحد هذه المرة بل صفق الحضور احترامًا لامرأة صمدت أمام الظلم وانتصر حقها أخيرًا

أمسكت بيد ياسر وهمست له أن الماضي مهما كان ثقيلًا لا يجب أن يحكم مستقبلنا طالما نملك الشجاعة لمواجهته ابتسم لي وقال إن تلك الصورة التي كادت تفرقنا كانت السبب في أن نتعلم معنى العدل والوفاء

وهكذا أدركت أن ما ظننته نهاية حياتي لم يكن سوى بداية طريق جديد طريق أعرف فيه قيمة اسمي وأصلي وأهلي وأن الحب الحقيقي لا يقوم على المال أو المكانة بل على الصدق والشجاعة وأن جدتي رحمة لم تكن مجرد امرأة بسيطة في صورة باهتة بل كانت رمزًا لقوة لا تنكسر مهما طال الزمن


مرّت سنة كاملة على زفافنا لكن آثار تلك الليلة لم تختفِ تمامًا كانت تهدأ أحيانًا ثم تعود كنسمة باردة تذكّرنا بأن الماضي لا يختفي بسهولة بل ينتظر لحظة ضعف ليطل برأسه من جديد

انتقلتُ إلى بيت ياسر بعد الزواج كان بيتًا واسعًا في التجمع الخامس مختلفًا تمامًا عن بيت جدتي الصغير الذي كبرت فيه حاولت أن أتأقلم مع الحياة الجديدة ومع نظرات بعض الأقارب الذين لم ينسوا بعد قصة الصورة كنت أشعر أحيانًا بأنني دخيلة على عالمهم رغم اعتذارهم القديم

ياسر كان يحاول بكل جهده أن يعوّضني عن أي إحساس بالنقص كان يقف بجانبي في كل موقف ويُشعرني أنني اختياره الأول لا التزامًا بل قناعة لكن شيئًا ما كان يزعجني نظرات والده الطويلة إلى جدتي كلما زارتنا كأن في صدره كلامًا لم يخرج بعد

في إحدى الأمسيات دعانا والد ياسر إلى العشاء في الفيلا نفسها التي بدأت فيها العاصفة جلستُ على نفس الأريكة تقريبًا وشعرتُ بقشعريرة خفيفة سرت في جسدي كأن الجدران تتذكر صرخة الطرد القديمة لكن الأجواء هذه المرة كانت هادئة أكثر دفئًا

بعد العشاء طلب والد ياسر أن يتحدث معي ومع جدتي على انفراد تعجبت لكنني وافقت جلسنا في مكتبه الفخم وأغلق الباب بهدوء ثم فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون وضعه أمام جدتي وقال هذا بقاله عندي سنين طويلة

نظرت جدتي إلى الظرف بارتباك ثم فتحته بيدين مرتجفتين كان بداخله إيصال أمانة قديم يحمل توقيعًا باسم السارق الحقيقي الذي ذكره خطاب الشاهد قالت جدتي بدهشة ده اسمه فعلًا هو اللي اتقبض عليه بعدين في قضية تانية

تنهد الرجل بعمق وقال الحقيقة إننا عرفنا بعدها بفترة إنك بريئة لكن كبرياءنا منعنا نعترف قدام الناس خفنا يقولوا إننا ظلمنا بنت غلبانة عشان نحمي نفسنا فاخترنا الصمت والصمت كان أكبر غلط عملناه

سادت لحظة ثقيلة من الصراحة لم أعهدها فيه من قبل ثم تابع بصوت مكسور أنا خسرت راحتي طول السنين دي يمكن ربنا ساق الصورة دي لبيتي علشان يجبرني أواجه نفسي

نظرت إلى جدتي فرأيت في عينيها شيئًا يشبه التحرر كأن عبئًا كان جاثمًا على صدرها منذ أربعين عامًا وآن له أن يسقط قالت بهدوء اللي فات فات المهم إننا ما نورّثش الكره لأولادنا

خرجنا من المكتب وأنا أشعر أن فصلًا جديدًا بدأ ليس فقط في حياتي أنا وياسر بل في حياة العائلتين معًا

لكن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد أشهر قليلة مرضت جدتي فجأة اشتد عليها التعب ونقلناها إلى المستشفى جلستُ بجانب سريرها أستعيد كل لحظة مرت في حياتي معها كانت تمسك يدي وتبتسم ابتسامتها الهادئة نفسها

قالت لي في إحدى الليالي بصوت ضعيف متخافيش عليّ أنا عشت وشفت حقي راجع قدام عيني وده كان كفاية ليّ أهم حاجة إنك تعيشي مرفوعة الرأس

كنت أحارب دموعي وأخبرها أنها ستعود إلى بيتها قريبًا لكنني في داخلي كنت أشعر بأن الوقت يسرقنا

في صباح هادئ رحلت جدتي رحمة كما كانت دائمًا بصمت ووقار شعرت أن جزءًا مني انطفأ معها لكنني تذكرت كلماتها عن عدم توريث الكره

في جنازتها حضر والد ووالدة ياسر بأنفسهم وقفوا بجواري يستقبلون المعزين لم يكن حضورهم مجرد واجب اجتماعي بل اعتراف أخير بقيمتها أمام الجميع

بعد الدفن اقترب مني والد ياسر وقال لي بصوت خافت وعد مني إن اسم رحمة هيفضل متكرم طول ما أنا عايش

وبالفعل بعد أسابيع أعلن عن تبرع كبير لبناء مشغل خياطة خيري في الحي القديم يحمل اسم رحمة لدعم السيدات البسيطات شعرت يومها أن روح جدتي تبتسم في مكان ما

مرت الأيام وحملتُ بطفلي الأول عندما علمت بالخبر كان أول ما خطر في بالي هو تلك الصورة القديمة أدركت أنني سأصنع صورًا جديدة لأطفالي لكنني لن أخجل أبدًا من جذوري أو من بساطة أصلي

وعندما وُلدت ابنتي الصغيرة حملتها بين ذراعي ووقفت أمام صورة جدتي المعلقة في غرفة المعيشة قلت لها همسًا وعدتك إن كرامتك تفضل عالية وهعلّم بنتي تحبك وتفخر بيكي

نظر إليّ ياسر وهو يبتسم وقال أحيانًا ربنا بيستخدم أصغر حاجة صورة قديمة علشان يغيّر قلوب ناس كتير

أدركت حينها أن ما حدث لم يكن مجرد فضيحة عائلية أو سوء فهم قديم بل كان امتحانًا كشف معادن الجميع كشف ضعفي ثم قوّاني كشف كبرياءهم ثم ليّنه

وهكذا انتهى فصل الألم لكن بقيت الذكرى تذكّرني دومًا أن الحقيقة قد تتأخر لكنها تصل وأن الكرامة أثمن من أي زواج أو مال وأن صورة لامرأة بسيطة تحتضن حفيدتها يمكن أن تهز قصرًا كاملًا لكنها في النهاية تبني بيتًا أقوى قائمًا على الصدق والمغفرة والحب


كبرت ابنتي رحمة الصغيرة وسط حب كبير لم أتخيله يومًا كانت ضحكتها تملأ البيت دفئًا وكأن روح جدتي عادت لتسكن بين جدرانه من جديد كنت أحيانًا أراقبها وهي تحبو فوق السجاد الفاخر في صالة الفيلا فأبتسم للمفارقة قبل أعوام قليلة فقط كنت أخرج من هذا المكان مطرودة والآن تجري حفيدتي فيه بحرية وكأنها وُلدت لتكون هنا

ورغم كل ما حدث لم يكن كل شيء مثاليًا كما يبدو في الصور العائلية اللامعة فبعض الأقارب ما زالوا يتهامسون خلف ظهري يذكرون الماضي همسًا وكأنه سر لا يجب أن يُنسى كنت أسمع أحيانًا كلمات مثل دي بنت الخياطة أو أصلها بسيط وأشعر بوخز خفيف في قلبي لكنني كنت أستحضر وجه جدتي فأبتسم وأتجاوز

في إحدى المناسبات الكبيرة التي جمعت معظم أفراد العائلة اقتربت مني سيدة لم ألتقِ بها من قبل عرفت أنها أخت والد ياسر نظرت إلى ابنتي في عربة الأطفال ثم قالت ببرود واضح الزمن غريب فعلاً مين كان يصدق إن بنت رحمة تبقى سيدة في عيلة المرشدي

لم يكن كلامها سبًا صريحًا لكنه حمل نبرة تعالٍ واضحة شعرت بوجهي يحمر للحظة ثم تذكرت أنني لم أعد تلك الفتاة المرتبكة التي طُردت يومًا من هنا نظرت إليها بثبات وقلت بهدوء فعلاً الزمن غريب بيعلّمنا إن الأصل الطيب هو اللي بيفضل مهما اتغيرت الظروف

سمعت ياسر خلفي يقول بابتسامة حازمة وإحنا فخورين بأصلها قبل ما نفخر بأي حاجة تانية

تلك اللحظة الصغيرة كانت إعلانًا غير مباشر أن المعركة القديمة انتهت فعلًا وأن أي محاولة لإحيائها لن تنجح

لكن القدر خبأ لنا اختبارًا جديدًا لم نتوقعه

بعد ثلاث سنوات من زواجنا تعرضت شركة والد ياسر لأزمة مالية مفاجئة صفقة كبيرة انهارت وخسائر ضخمة تكبّدتها العائلة انتشرت الشائعات بسرعة في دوائر رجال الأعمال وبدأت الأسماء اللامعة تفقد بريقها شيئًا فشيئًا

تغيرت الأجواء في البيت أصبح القلق ضيفًا دائمًا على المائدة والوجوه التي اعتادت الثقة المطلقة بدت متجهمة متوترة

في تلك الأيام عدت أتذكر حديث جدتي عن المال وكيف يمكن أن يكون ابتلاءً مثلما يكون نعمة

وذات مساء جلست مع ياسر في الشرفة كان صامتًا يحدق في أضواء المدينة البعيدة قلت له بصوت هادئ مهما حصل إحنا مع بعض هو ده الأهم

التفت إليّ وقال بصراحة يمكن لأول مرة أحس إننا بنفهم معنى الخسارة زمان لما ظلمنا جدتك كنا بنخاف على سمعتنا دلوقتي بنخاف على شركتنا يمكن ربنا بيفكرنا إن الكبرياء ما بيدومش

لم يمضِ وقت طويل حتى اضطروا لبيع جزء من ممتلكاتهم لتسديد الديون من بينها الفيلا الكبيرة نفسها التي شهدت بداية قصتي المؤلمة



عندما عُرض البيت للبيع شعرت بمزيج غريب من المشاعر حزن على ذكريات متناقضة وارتياح لأن المكان الذي حمل صرخة الطرد سيصبح مجرد ذكرى

انتقلنا إلى منزل أصغر كثيرًا في حي هادئ لم يكن فخمًا لكنه كان مريحًا بسيطًا أقرب إلى بيت جدتي القديم من عالم القصور

في أول ليلة لنا هناك جلست أرضع ابنتي في غرفة صغيرة مطلية بلون أبيض بسيط شعرت براحة لم أشعر بها من قبل كأنني عدت إلى جذوري دون خجل أو خوف

بدأ ياسر مشروعًا جديدًا من الصفر بعيدًا عن اسم العائلة الكبير عمل بجد وتواضع تعلّم كيف يبدأ خطوة خطوة دون اعتماد على إرث أو نفوذ

كنت أعمل إلى جانبه أحيانًا أساعده في تنظيم الحسابات وأحيانًا أبيع منتجات بسيطة عبر الإنترنت مستلهمة مهارة جدتي في الخياطة حتى قررت أن أفتتح مشغلًا صغيرًا باسمي يحمل اسم رحمة

لم يكن المشروع ضخمًا لكنه كان صادقًا كانت النساء البسيطات يأتين للعمل معنا وأشعر كل يوم أنني أحقق وصية جدتي دون أن أنطق بها

وذات يوم دخلت إلى المشغل فتاة شابة تبدو خجولة قالت إنها سمعت عن المكان من إحدى الجارات وتريد فرصة عمل أخبرتني قصتها كانت قد اتُهمت ظلمًا في بيت عملت فيه بالخدمة وطُردت دون دليل شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كأن التاريخ يعيد نفسه

نظرت إليها طويلاً ثم قلت لها هنا محدش هيسألك عن ماضيك طول ما إيدك نظيفة وقلبك طيب

عندما عدت إلى البيت تلك الليلة تأملت صورتي القديمة مع جدتي المعلقة على الحائط أدركت أن تلك الصورة التي كادت تدمر حياتي كانت بذرة لكل هذا التحول لو لم تُعرض يومها لما انكشفت الحقيقة ولما تغيرت قلوب ولما تعلمنا معنى العدل

مرت السنوات وأصبح مشغلي معروفًا في الحي وصار مشروع ياسر الصغير يكبر بثبات ليس بسرعة الثراء القديم لكن بنجاح متزن لا يعتمد على استعراض أو غرور

وفي احتفال بسيط بمناسبة مرور عشرة أعوام على زواجنا جمعنا الأهل والأصدقاء في قاعة متواضعة علّقنا فيها صورًا كثيرة من رحلتنا من بينها بالطبع صورة جدتي وهي تحتضنني رضيعة

وقفت أتأملها طويلًا لم تعد صورة تثير الرعب أو الصدمة بل أصبحت رمزًا لرحلة كاملة من السقوط والقيام من الظلم والمغفرة من الفقد والبداية

اقتربت ابنتي التي أصبحت في العاشرة من عمرها وسألتني ماما ليه الصورة دي مهمة قوي كده

ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت لأن الست دي علمتني إن الكرامة أهم من أي حاجة وإن الحقيقة حتى لو اتأخرت بتيجي

نظرت إلى الصورة ثم قالت بفخر يبقى أنا عايزة أبقى زيها

في تلك اللحظة شعرت أن الدائرة اكتملت وأن الماضي الذي حاول البعض دفنه أو إنكاره صار حجر أساس لمستقبل أقوى

لم أعد أخشى الصور القديمة ولا ذكريات الألم لأنها لم تعد سلاحًا ضدي بل قصة قوة أحكيها دون خوف

وهكذا بدأ فصل جديد لا يقوم على الهروب من الماضي بل على احتضانه كما احتضنتني جدتي يومًا بين ذراعيها بحب بسيط صادق حب استطاع أن يهز قصرًا ويغيّر عائلة ويبني حياة كاملة من جديد


تمت 

تعليقات

close