القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كنت أعلم أن زوجتي السابقة ستتزوج رجلاً فقيرًا، فقررت الذهاب للسخرية منها

 كنت أعلم أن زوجتي السابقة ستتزوج رجلاً فقيرًا، فقررت الذهاب للسخرية منها



كنت أعلم أن زوجتي السابقة ستتزوج رجلاً فقيرًا، فقررت الذهاب للسخرية منها


ما زلت أتذكر ذلك المساء كما لو كان حدثا وقع بالأمس.

كنت جالسة في مقهى وسط المدينة أتصفح هاتفي بلا اهتمام وأرتشف لاتيه الكراميل المبالغ في ثمنه حين رن هاتفي فجأة. كانت صديقتي القديمة من أيام الجامعة كلارا. كان في صوتها ذلك اللمعان الفضولي الذي يجعل المرء ينتبه رغما عنه.

قالت دون حتى أن تلقي تحية

تخمين واحد من التي ستتزوج

سألتها بفتور

من

ضحكت ضحكتها الخبيثة المعتادة وقالت

أنتونيو. نعم تلك الأنتونيو خاصتك.

انقبض معدتي. أنتونيو خاصتي. لم أسمع اسمها منذ سنوات طويلة.

لكن كلارا لم تمهلني لأفكر بل تابعت وهي تزداد سخرية

ولن تصدقي بمن ستتزوج عامل بناء. لا مال ولا نسب ولا خلفية محترمة. رجل فقير ربما تفوح منه رائحة الإسمنت


طوال النهار.

ضحكتضحكة عالية مصطنعة مريرة.

قلت هكذا إذا من حفلات كلية الحقوق إلى الطوب والمجارف

ضحكنا معا تلك الضحكة السطحية التي يلجأ إليها الناس حين ېكذبون على أنفسهم بأنهم بخير.

لكنني لم أكن بخير.

كانت أنتونيو صديقتي السابقة. ليست حبيبة سابقة رسميا لكن شيئا بيننا آنذاك كان يمكن أن يتحول إلى حب. كانت زميلتي في السكن خلال سنتنا الأخيرة في الجامعةجميلة ذكية لطيفة وصبورة إلى حد يثير الغيظ. كنت أعجب بها وأغار منها في الوقت ذاته. الجميع كان يحبها. الأساتذة الزملاء وحتى الغرباء.

كنت أظنها أفضل من الجميع.

لعله السبب الذي جعلني أعتبرها أمرا مسلما به شيئا مضمونا لا يمكن أن يرحل.

بعد التخرج افترقنا. وجدت عملا مرموقا

في شركة استثمارية وتقدمت بسرعة وصنعت لنفسي الحياة التي ظننت أنني أستحقهاسيارة فاخرة ملابس مصممة وسفرات نهاية الأسبوع.

أما أنتونيو

توقفت عن متابعة حساباتها منذ زمن. رؤية سعادتها كانت تربكني وتؤلمني.

لذا حين سمعت أنها ستتزوج رجلا فقيرا شعرت بارتياح قاس ارتياح احتوى شيئا من الخبث.

قلت لنفسي

ممتاز. لنر كيف سينتهي خيالها الوردي الآن.

في يوم الزفاف وصلت إلى القاعة. ما إن ترجلت من سيارتي حتى شعرت بالأنظار تتبعنيتلك النظرات التي تمتزج بالإعجاب والفضول. كنت أرتدي فستانا أخضر حريريا خصص لي وحدي وجذوعي تتأرجح في كعب فخم ثمنه يعادل راتب شهر كامل لشخص عادي.

أخبرت نفسي أنني جئت بدافع الفضول لكن الحقيقة أنني أردت إثبات شيء

أنني

ربحت وأن حياتي أفضل وأن خروجها من عالمي كان خسارة لها.

دخلت القاعة. كانت بسيطةزهور شرائط بيضاء موسيقى كمان هادئة. لا فخامة لا بهرجة. فقط دفء حقيقي.

كان هناك شيء مقدس في البساطة.

وجوه تبتسم بصدقليست ابتسامات المصلحة أو الاجتماعات الرسمية بل ابتسامات قلبية.

ثم تغيرت الموسيقى.

استدار الجميع نحو المدخل.

العريس كان يدخل.

للوهلة الأولى لم أتعرف عليه.

كان يرتدي بدلة بيج بسيطة بلا ربطة عنق بلا ماركات. لكن الطريقة التي سار بها كانت تحمل قوة هادئة.

لاحظت شيئا آخروقفة غير مستوية وساق اصطناعية تظهر من ثنية ساق البنطال.

ثم ضړبتني الذكرى فجأة.

العكاز

الخطوة الثقيلة

الوجه الهادئ

العيون الطيبة

إميليو.

جف حلقي.

كان زميلنا في

الجامعةهادئا متواضعا من النوع الذي

 

لا ينتبه إليه أحد لأنه لا يطلب اهتماما.

تذكرت حاډثه أثناء سنتنا الأخيرة. فقد ساقه في حاډث حافلة بينما كان في طريقه إلى عمله الوظيفي الجزئي. جمع الأساتذة مبلغا بسيطا لمساعدته ثم عاد الجميع إلى حياتهم.

عاد إلى الجامعة بساق اصطناعية وابتسامة أربكت الجميعلأنها كانت شجاعة أكثر مما ينبغي لشخص خسر كل ذلك دفعة واحدة.

بعد التخرج اختفى من الساحة. سمعت أنه يعمل في البناءمرة مشرفا مرة عاملا مرة نجارا.

لم أفكر فيه كثيرا.

وها هو الآن

عريس أنتونيو.

ثم دخلت أنتونيو.

حين رأيتها خفت من شدة جمال اللحظة.

لم تكن ترتدي ثوبا فاخرا. كان فستانها بسيطاأكمام دانتيل تنورة ساتان بلا مجوهرات.

لكنها كانت تضيء.

ليس ضوء الثروة ولا التجميل.


بل ضوء الرضا والطمأنينة.

حين التقت عيناها بعينيه أدركت فجأة أنني لم أبتسم في حياتي كلها لشخص كما ابتسمت هي له.

لم أعد أسمع كلمات الكاهن. كل ما رأيته هو نظراتهما المتبادلةنظرات لم أر مثلها في علاقاتي كلها.

وفي الصف الخلفي كان رجلان يتحدثان همسا.

قال أحدهما

هل تعلم أنه ادخر لسنوات ليشتري لها بيتا

فرد الآخر

نعم وبنى جزءا منه بيده. ورغم ساقه الاصطناعية لا يتوقف عن العمل. يرسل المال لوالدته كل شهر. رجل نادر.

لسعت عيناي دمعة ساخنة.

هذه لم تكن قصة مأساة.

ولا زواج شفقة.

كانت قصة حب صافية.

وأنا شعرت بأنني صغيرة ضئيلة بلا شيء أقدمه.

بعد انتهاء المراسم تجمع الجميع حول الزوجين.

وقفت وحدي لا أعرف لماذا أتيت.

اقتربت أنتونيو

حين رأتني.

ابتسمت بصدق وقالت بدهشة سعيدة

إيما لا أصدق أنك هنا! حقا جئت

كان صوتها كما عهدتهدافئا جميلا.

ابتسمت بصعوبة.

بالطبع جئت. كيف أفوت هذا اليوم

ضحكت برقة.

أنت رائعة كما كنت دائما.

بلا تحفظ.

هذا وحده كان كافيا ليكسرني من الداخل.

قلت لها تبدين سعيدة.

أجابت ببساطة أنا سعيدة. هو أعظم ما حدث لي.

ثم نظرت إلى إميليو نظرة حملت ما

لا تستطيع الكتب وصفه.

وأضافت

يذكرني كل يوم بأن الحب ليس ما يملكه الإنسان بل ما يقدمه.

لم أجد ما أقوله.

تلاشت كل كلماتي الأنيقة.

ووقفت صامتة عاجزة.

في المساء حين رقصا سوية لأول مرةإميليو يستند على عكازه وهي تمسكه برفقبكى الكثيرون. أما أنا فشعرت بشيء ينهار داخلي.

لأنني رأيت في تلك الرقصة

حبا لم أعرفه من قبل.

حبا لا يحتاج ثروة ولا مظهرا.

حبا حقيقيا فقط.

بعد الزفاف جلست طويلا في سيارتي أحدق في نفسي في المرآة.

لأول مرة لم أر امرأة ناجحة.

رأيت امرأة ضائعة تخلط بين الكبرياء والقوة وبين الغرور والثقة وبين الوحدة والحرية.

فكرت في إميليوالطالب الذي لم أنتبه إليه يوما.

الرجل الذي وقف رغم فقدانه أقوى من معظم الرجال الذين يملكون ساقين.

فكرت في أنتونيوالفتاة التي لم تتنافس مع أحد ومع ذلك ربحت كل شيء.

مرت السنوات.

وذات يوم التقيت بهما مصادفة. كانت حاملا تتأبط ذراع إميليو في سوق المزارعين. كان يحمل سلة الخضار ويضحك معها كأن عليهما نورا.

دعتني للغداء.

ذهبت.

تحدثنا حديثا بسيطا صادقا.

سألتها مرة

ألا تخافين

من المستقبل من الصعاب

ابتسمت

الحياة صعبة يا إيما لكنه يجعلها

 

تستحق العيش.

وهنا فهمت أخيرا.

بعد أعوام تلقيت دعوة لحضور عيد ميلاد ابنها. ذهبت.

كان المنزل صغيرا لكنه مليء بالضحكات.

إميليو يشوي في الحديقة ساقه الاصطناعية تلمع في الشمس.

أنتونيو تركض خلف طفلها وهي تضحك.

قدمت له هديةقطارا خشبيا صغيرا.

ابتسم إميليو قائلا

سيعشقه. شكرا لك.

وبينما كنت أشاهدهمعائلة بنيت على الحب والصبرشعرت بسلام غريب.

أدركت أن السعادة ليست في التفوق على الآخرين.

بل في أن يختار الإنسان اللطف حين يسلبه كل شيء آخر.

أنتونيو لم تخسر شيئا حين اختارت رجلا بساق واحدة وبيتا بسيطا.

لقد ربحت الحب الذي يبحث عنه كثيرون ولا يجدونه.

وإميليو

لم يكن يبني المنازل فقط

كان يبني بيتا

من دفء ووفاء.

أما أنا فتركت ذلك اليوم بلا غيرة بلا تلك الوخزة القديمة التي كانت تخنق صدري كلما رأيت سعادة الآخرين.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم أشعر بحاجة إلى الركض نحو صورة مصقولة أقدمها للعالم صورة المرأة الناجحة التي لا تهزم التي تملك كل شيء وتضحك دائما وكأنها مصنوعة من زجاج مصقول لا يتشقق.

مشيت نحو سيارتي بخطوات بطيئة وكأن الأرض نفسها تطلب مني أن أتريث قليلا أن أستوعب.

جلست خلف المقود وأغمضت عيني.

لم أر أمامي إلا مشاهد بسيطة يد تمسك يدا ضحكة صادقة نظرة ممتلئة بالطمأنينة طفل يركض رجل بساق واحدة يقف بثبات عجيب امرأة أحبت دون شروط فاستحقت أن تحب بالطريقة نفسها.

كنت أشعر

للمرة الأولى أن شيئا كان معطلا بداخلي قد تحرك أخيرا.

ليس حسدا ولا ندما فقط بل وعيا جديدا مؤلما وجميلا في آن واحد.

أدركت أنني أنفقت سنوات من حياتي في مطاردة أمور لا تزيدني إلا فراغاوظيفة مرموقة لتعجب الآخرين حقيبة غالية لأبدو أفضل سفرات مظاهر علاقات لا تحمل سوى ضجيج السطحيات.

كنت أظنني أتقدم في الحياة بينما كنت أبتعد عن نفسي أكثر فأكثر.

وفي تلك اللحظة شعرت بامتنان لم أعرفه يوما.

امتنان لأن الحياةبطريقتها القاسېة والرحيمة في الوقت نفسهوضعتني في ذلك المكان أمام تلك الأسرة الصغيرة كي أفهم شيئا كنت عمياء عنه لسنوات

أن الحب ليس بطولة ولا منافسة ولا سباقا يفوز فيه الأجمل أو الأغنى أو

الأذكى.

الحب هو القدرة على أن ترى الإنسان كما هو بكل ضعفه وقوته بجراحه وأحلامه وتختاره رغم ذلكبل بسببه.

خرجت من مكان الحفل وأنا لست المرأة نفسها التي وصلت قبل ساعات.

تركت خلفي الغرور الذي كنت أحمله كدرع وشيئا من القسۏة التي اكتسبتها عبر السنين وتركت أيضا تلك الفكرة المزيفة عن أن النجاح وحده يكفي لملء الروح.

وللمرة الأولى أحسست أن قلبيالذي ظننته مېتا منذ زمنقد عاد ينبض بهدوء كأنه وجد أخيرا الطريق نحو حياة أكثر صدقا وامتلاء.

وهكذا أدركت بكل يقين أن الحياة أحيانا لا تعطينا ما نريد بل ما نحتاجه لنفهم.

وفي ذلك اليوم تحديدا فهمت أخيرا كيف يبدو الحب الحقيقي وكيف يلمع حتى في أبسط البيوت

وأصغر اللحظات وأكثر القلوب تواضعا.

 تمت 

تعليقات

close