سكريبت الـوجوه المستعارة كامله
الـوجوه المستعارة
كنت واقفة ورا خالص في صوان العزاء، ساندة إيدي على شنطتي السوداء، وعيني بتراقب الناس وهي ماشية في طوابير هادية قدام الخشبة. "الحاجة فاتن" كانت نايمة جوه الكفن وكأنها في غيبوبة طويلة،
شعرها الأبيض متسرح ووشها هادي من كتر المكياج والإضاءة الخافتة اللي حواليها.
أنا مكنتش أعرف فاتن كويس، علاقتي بيها كانت من بعيد لبعيد، بصفتها أم "ريم" مرات ابني "شريف". ريم وشريف متجوزين من 8 سنين، وفاتن طول عمرها كانت ست "ذوق" بس بزيادة، من النوع اللي يسلم بابتسامة باهتة...
ويسأل عن أحوال المزرعة والبلد، وقبل ما تاخدي منها عقاد نافع، تلاقيها اتسحبت وخلعت. كانت ست غامضة، قافلة على حياتها بالضبة والمفتاح.
ريم كانت واقفة في أول القاعة، وشها مخطوف وشاحب، ولمّة شعرها الأصفر "كعكة" مشدودة لورا. شريف ابني كان ساند إيده على ضهرها، بيطمنها بحنيته المعهودة. ...
ابني طالع لأبوه "الحاج محمود" وطالع للأرض اللي ربيناه فيها؛ اتعلم إن الراجل الحقيقي قوته في ثباته مش في صوته العالي....بقلم منــال عـلـي
كان شكلهم وهما واقفين جنب بعض يخلي الناس في السوبر ماركت تشاور عليهم وتقول: "بسم الله ما شاء الله، لايقين لبعض". كنت حاسة بفخر بيهم، رغم الحزن اللي إحنا فيه.
وفجأة.. الباب اتفتح، ودخلت ست قلبت كيان المكان.
نفس طول ريم.. نفس القوام.. نفس الشعر الأصفر بس سايباه على كتافها براحتها. فستانها كان رمادي غامق مش أسود، والروج أغمق، وعينيها متكحلة بتقل. لو ريم هي النسخة اللي بتروح الجامع، فالست دي هي النسخة اللي بتطلع في المجلات حصري على صفحه روايات واقتباسات
الشبه كان يرعب! الرؤوس كلها لفت، والهمس ملى القاعة.
ريم طول عمرها بتقول لنا إنها "وحيدة ماليش إخوات". فاكرة كويس إن الكلمة دي هي اللي خلت قلبي يحن ناحيتها في الأول.. بنت وحيدة يتيمة الأب من وهي عندها 12 سنة، مين فينا ميحبش يضمها لعيلة ويحسسها بالدفا؟
الست دي قربت من الخشبة، وقفت لحظة، وبعدين راحت لريم عدل. ريم جسمها اتخشب لثانية، وبعدين فكت وكأنها قررت تمثل الدور اللي الناس مستنياه منها.
وقفوا يتوشوشوا وصوتهم واطي خالص وسط صوت تلاوة القرآن ومراوح السقف. في اللحظة دي، بطني اتمغصت.. غريزة عندي بقالها سبعين سنة، هي اللي بتحس بالعاصفة قبل ما الأرصاد تقول.
شريف ابني لاحظ إني مبرقة، فسابهم وجالي.
"يا ماما؟" همس في ودني،...
"إنتي كويسة؟ مالك وشك جاب ألوان كأنك
شوفتي عفريت؟"
شاورت بعيني ناحية ريم و"مرايتها" اللي واقفة قدامها وقلت له: "مين دي يا شريف؟"
رد عليا ببرود وكأن الموضوع عادي: "آه.. دي فريدة، أخت ريم."
الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة.
"أختها؟" قلتها وصوتي كان هيعلى غصب عني.
كشر باستغراب وقال: "ليها أخت توأم، بس مش قريبين من بعض. حصلت مشاكل بينهم من سنين وريم مابتحبش تجيب سيرتها.". بقلم منال علي
توأم! تمان سنين عزومات، وأعياد، ومواسم في المزرعة، ومناسبات.. تمان سنين وعمرها ما نطقت!
مش وجود الأخت هو اللي جنني، اللي جنني هو "الكدب المنظم". إن ريم تقدر ترسم لنا صورة، وترسم لابني صورة تانية خالص.
حاولت أخد نفسي، بس الصوان فجأة بقى خنقة، والجو حر، وريحة بخور العزاء بقت تقيلة على صدري.
قلت لشريف: "أنا رايحة الحمام"، واتسحبت للممر الجواني.
الحمام كان في آخر ممر هادي. وأنا ماشية، سمعت صوت جاي من ركن بعيد، ركن فيه كنبة ولوحة قديمة.. صوت ريم.
وقفت مكاني، وسندت إيدي على الحيطة بالراحة.
سمعت ريم بتقول: "دلوقتي بعد ما غارت، مش هتعرف تفتح بوقها تاني.." صوتها كان غريب، بارد، فيه نبرة راحة مرعبة. وكملت: "محدش هيعرف حاجة، إحنا أخيراً في أمان."
رد عليها صوت تاني، طبق الأصل من صوتها، وكأنها بتكلم نفسها في المراية:
"إنتي متأكدة يا فريدة؟ طب والورق؟ والسجلات؟"
ردت ريم: "أمي كانت قافلة على كل حاجة، بس لما تعبت، نقلت كل الورق هنا. أول ما أحرق اللي فاضل، مش هيبقى فيه أي خيط يربطنا بـ (إسكندرية)."
إسكندرية؟
ريم كانت قايلة لي إنها مولودة ومتربية في المنصورة!
قلبي بدأ يدق لدرجة إني حاسة به في زوري. لزقت ظهري في الحيطة، ...
وكنت خايفة ...
حتى أتنفس لـ يكشفوني...
وووووو... أكمل 👀 👀 ✨
الجزء الثاني والاخير
يا ساتر يا رب! كانت الوقفة خلف تلك الحيطة الباردة في الممر الضيق أصعب على قلبي من مراسم العزاء نفسها. كنت أسمع صوت "ريم" وزوجة خالتها "فريدة"، ولم يكن صوتهما يحمل ذرة من حزن الفقد، بل كان فحيحاً يخطط لمحو تاريخ كامل وكأنه مجرد خربشات بقلم رصاص تمسحها أستيكة الغدر.
كتمت أنفاسي وأنا ملتصقة بالجدار، شعرت أن دقات قلبي المتسارعة لها صدىً مسموع قد يفضحي في أي لحظة. ريم، زوجة ابني التي طالما ادعت الرقة، كانت توشوش فريدة بنبرة حادة:
"بكرة الصبح أول ما الشمس تطلع، هنكون في شقة إسكندرية.. لازم نخلص على العفش القديم وكل الورق اللي في الخزنة المستخبية، ونقفل الصفحة دي للأبد. شريف المسكين فاكر إننا رايحين نخلص إجراءات المدافن وتصاريح الدفن المتأخرة، مبيشكش في حرف مني، سلمته دقنه وهو مغمض."
سمعت ضحكة فريدة؛ كانت ضحكة خافتة تقبض الروح، ردت عليها بتهكم:
"طول عمرك ممثلة قديرة يا ريم.. عرفتي تلبسي توب الست المؤدبة وحرم المهندس المصون، وأنا اللي شيلت الليلة هناك سنين طويلة عشان نأمن الرجعة دي متوفره على روايات واقتباسات انسحبت بظهري ببطء شديد، ورجعت إلى صوان العزاء وقدماي لا تكادان تحملانني. لمحني "شريف" وأنا أمسح عرقاً بارداً غطى جبيني، اقترب مني بقلق: "يا ماما، إنتي اتأخرتي ليه؟ وشك
أصفر كدة ليه يا حبيبتي؟ إنتي تعبانة؟"
نظرت في عيني ابني، ورأيت فيهما تلك الطيبة الفطرية التي تصل أحياناً لحد السذاجة المؤلمة. ضغطت على يده بقوة وكأني أستمد منها الثبات وقلت: "مفيش يا حبيبي، شوية هبوط من الزحمة وكتمة النفس.. خدني على البيت يا شريف، مش قادرة أكمل دقيقة كمان هنا."
طوال طريق العودة، كانت ريم تجلس في المقعد الخلفي، تضع منديلاً على عينها وتمثل دور الابنة المكسورة التي فقدت أمها لتوها. كنت أراقبها عبر مرآة السيارة؛ كنت أرى وجهاً شيطانياً آخر غير الذي نعهده في العزومات والمناسبات.
في الصباح الباكر، بمجرد أن غادر شريف وريم المنزل "على أساس رحلة إسكندرية للمدافن"، لم أنتظر ثانية واحدة. أمسكت هاتفي واتصلت بالأستاذ "عادل"، المحامي وصديق عمر زوجي الراحل الحاج محمود.
"يا أستاذ عادل، أرجوك.. ابحث لي عن أي شقة في منطقة سموحة بالإسكندرية مسجلة باسم فاتن هارتلي أو ريم.. أريد أن أعرف ما هو الرابط السري الذي يجمعهما بتلك المدينة، وبأقصى سرعة."
ساعتان مرتا كأنهما دهر، ثم جاء الرد بصوت يرتجف:
"يا حاجة سعاد، الموضوع طلع كارثة! فاتن هذه لم يكن اسمها فاتن، كانت منتحلة شخصية للهروب من قضية توظيف أموال ضخمة في إسكندرية منذ 15 عاماً. وبناتها الاثنين -ريم وفريدة- كنّ شريكات أساسيات. ريم هي من غيرت اسمها بالكامل وانتقلت للمنصورة
لتبدأ (على نظيف) وتصطاد شاباً مرموقاً مثل شريف يحميها بلقبه وسمعته، بينما فريدة كانت الذراع المالي التي تدير الأموال المهربة في حسابات خارجية."
بقلم منال علي دارت بي الدنيا. هل يعقل أن ابني، مهجة قلبي، متزوج من "نصابة دولية"؟ تعيش معنا بوجه ملاك وهي غارقة في دماء وأموال ناس بسطاء خربت بيوتهم؟
عندما عادوا في المساء، كانت ريم تحمل حقيبة أوراق صغيرة، ووجهها "منور" وكأنها عائدة من رحلة استجمام. دخلت المطبخ لتبحث عن قهوتها، فدخلت خلفها مباشرة. وقفت أمامها وبكل هدوء الجبال قلت:
"يا ترى شقة سموحة لسه ريحة الورق المحروق فيها واضحة يا ريم؟ ولا فريدة لحقت تخلص المهمة وتحول باقي الحسابات لسويسرا؟"
سقط فنجان القهوة من يدها وتحطم إلى مئة قطعة. تحول وجهها للون الكفن، حاولت جاهدة استجماع قواها: "ماما.. إنتي بتقولي إيه؟ سموحة إيه وكلام إيه؟ إنتي أكيد تعبانة!"
في تلك اللحظة، دخل شريف على صوت التحطم. ارتمت ريم في حضنه وهي تبكي بهستيريا مصطنعة: "شريف! الحقني! مامتك بتقول كلام مرعب.. شكل الحزن على ماما فاتن أثر على عقلها، دي بتخرف يا شريف!"
نظرت لابني وقلت له كلمة واحدة هزت أركانه:
"يا بشمهندس، الورق اللي في الشنطة اللي في عربيتك هو اللي هيقولك مين اللي عقلها طار.. ومين اللي باعتك وباعت شرفك عشان تداري على جريمة عمرها 15 سنة. افتح الشنطة
يا ابني لو كنت راجل."
تجمد شريف، ونظراته تذبذبت بيني وبين ريم التي كانت ترتجف بين يديه. فجأة، أفلتها وخرج يجري نحو السيارة. في تلك اللحظة، سقط القناع تماماً عن ريم؛ اختفى البكاء وحل محله "غل" مخيف. صرخت في وجهي:
"كنتي سكتي يا حاجة سعاد.. كنتي سبتينا نعيش في حالنا.. إنتي اللي فتحتي على نفسك وعلى ابنك باب جهنم!"
ضحكت بوجع ورددت: "يا بنتي، الأرض دي اتروت بعرق الحاج محمود، والمال الحرام مبيثمرش في بيوت ولاد الأصول. البيت اللي يتبني على وجع الغلابة، لازم يتهد على دماغ اللي بنوه."
رجع شريف وهو يحمل الملف.. كان وجهه شاحباً كالموتى، وكأنه كبر عشرين سنة في دقيقتين. فتح الملف ونثر الصور والبطاقات القديمة تحت قدميها:
"إنتي مين؟ ريم اللي حبيتها ولا (راوية) النصابة اللي في الصور دي؟"
لم يطل الانتظار، فقد كان الأستاذ عادل قد أبلغ السلطات مسبقاً. كان البوليس على الباب، وخرجت ريم بالكلبشات، لتجد فريدة بانتظارها في سيارة الترحيلات بعدما تم القبض عليها على الطريق السريع.
جلس شريف على الكنبة، وضع رأسه بين يديه وانفجر في بكاء مرير.. بكاء الرجل الذي اكتشف أن حياته كانت كذبة كبيرة. اقتربت منه، طبطبت على كتفه بقلب الأم وقلت له:
"معلش يا ابني.. الوجع دلوقتي أحسن من العيشة في الحرام طول العمر. إحنا ولاد أصول، والأصول مبتفرطش في الحق، وربنا
أراد ينقذك قبل ما تغرق أكتر في رملهم الناعم."
تمت


تعليقات
إرسال تعليق