سكريبت صاحـبه الـبيت كامله
صاحـبه الـبيت
بـصت فـي عـيني بـكل بـرود وقـالت لي: «إبـعدي عـن حـياتنا وانسـينا». مابكيتش ولا نزلت مني دمـوع إلا لما سمعـت رزع بـاب الشقة وراها، الرزعة اللي حسيتها شقت قلبي نصين.
أنا ست مصرية أصيلة، من اللي بيوتهم دايماً ريحتها خبيز وشاي بالنعناع، وعمري ما بخلت بنقطة صبر من روحي. ربيت ابني الوحيد في شقة صغيرة في حي شبرا .....
في بيت المروحة فيه مابتفصلش في شهر سبعة، والجيران لسه بيسألوا على بعض في الرايحة والجاية. طول عمري كنت فاكرة إن الأمومة هي الحبل الوحيد اللي مابينقطعش، مهما الدنيا اتشقلبت أو الناس اتغيرت، كنت فاكرة إن "ضنايا" هو سندي اللي مش هيخونني أبداً. بقلم منال علي
عشان كده، اللي حصل ده لسه بيتعاد قدام عيني زي مشهد في فيلم تراجيدي مش عارفة أقدمه ولا أوقفه.
كانت واقفة في الصالة، مفاتيح عربيتها في إيد وشايلة ابنها على كتافها. وجوزها مستني تحت في العربية والموتور داير. كنت بطلب منها حاجة بسيطة، لدرجة إني كنت مكسوفة وأنا بقولها: «يا بنتي، وحشتيني.. مش ناوية ترفعي سماعة التليفون وتسألي؟ ولا تيجي تشقري عليا؟». قلتها براحة خالص، وكأني خايفة الكلمة تكسر حاجة بيننا.
نفخت بضيق كأني طلبت منها لبن العصفور.
قالت لي: «إحنا مشغولين يا ماما، إحنا لينا حياتنا ومسؤولياتنا». ده
رديت بكسرة: «عارفة يا حبيبتي، والله ما قصدي أتقّل عليكي.. أنا بس.. وحشتني بنتي».
عينيها زاغت عني.. لا كان فيه غضب ولا دموع، كانت نظرة باردة تخوف، النظرة اللي بيشوفها الواحد لما الطرف التاني يكون خلاص خد قراره وقفل قلبه.
قالت لي: «خلاص يا ماما، أنا جبت آخري.. مش عاوزاكي تتدخلي في حياتنا أكتر من كده».
وبعدين رمت الكلمة اللي جمدت الدم في عروقي:
«ابعدي عن حياتنا».
ما صرختش.. ولا اترجيتها. عمري ما كنت بتاعة مشاكل ولا صوت عالي. أنا من النوع اللي بيسكت لما اللي قدامه يزعق، وبقول «حصل خير» عشان ماعملش فضيحة. وقفت في بيتي، واتفرجت على بنتي وهي بتكلمني كأني واحدة غريبة شحّاتة من الشارع.
كملت وقالت: «لو سمحتي ماتتصليش.. لو احتاجنا حاجة، إحنا هنبقى نكلمك».
«لو احتاجنا حاجة»!
الكلمة دي هي اللي ذبحتني.. إني أتحول لمجرد نمرة للطوارئ، أو "سبير" محطوط على الرف لما العوزة تندهني.
خرجت ورزعت الباب. سمعت صوت عربيتها وهي بتبعد وتختفي في الزحمة. وفجأة، البيت اللي كان مليان بضحكتها وصوتها بقى زي المتحف المهجور. دخلت أوضتها القديمة، ومشيت صوابعي على الخدش اللي في الباب من يوم ما رزعته وهي مراهقة.. زمان كانت بترجع تصالحني بعد عشر دقايق، وكان الصلح سهل.. لكن المرة دي، الباب اتقفل بجد.
ليلتها قعدت على طرابيزة المطبخ، القهوة بردت مني وأنا بقلب في الورق اللي قدامي. فواتير.. إعلانات.. وجواب من المحامي اللي ساعدني من سنين أكتب وصيتي. طول عمري كنت حاطة في بالي إن كل حاجة هتروح لها.. الشقة، والقرشين اللي شايلاهم للزمن، والميراث اللي ورثته عن أبويا الله يرحمه وشلتهلها عشان أضمن مستقبلها. كنت بتخيلها وهي مطمنة بسببي.
بس كلمة «ابعدي» كانت بتزن في ودني، وطلع سؤال غلس من وسط الوجع:
«لو هي مش عاوزاني في حياتها، يبقى بأي حق تاخد حتة من حياتي اللي شقيت فيها عشانها؟».
الفكرة خوفتني في الأول. قلت لنفسي ده لؤم.. دي أنانية.. "الأمهات الطيبات" مابيفكروش كده. بس بعد شوية، لقيت إن دي أول حقيقة صادقة أقولها لنفسي من سنين.
أنا مش بنتقم.. أنا بس تعبت. تعبت أكون "خيار بديل". تعبت أستنى فتافيت الحنية. تعبت أمثل إن كوني مطلوبة "وقت الحاجة" معناه إني محبوبة.
أخدت قراري: «هرجّع اللي ليا». مش غل.. بس عشان أقدر أعيش اللي فاضل لي بكرامتي.
بعد يومين، كنت في مكتب المحامي بوقع الورق الجديد. إيدي كانت بتترعش، بس مش ضعف.. كانت قوة، كأن جسمي بيتعرف على حدود لأول مرة في حياتي أسترجل وأرسمها.
وبمجرد ما الورق ده بقى حقيقة.. الصمت اللي كان بيننا اتهد.
في ظرف كام يوم، الدنيا اتقلبت عليا. أختي كلمتني الأول وهي بتلومني: «إزاي تعملي كده في بنتك؟». وبعدها أخويا.. وبعدين قرايبي اللي ماشفتش وشهم من سنين، فجأة بقوا مهتمين بمبادئي وأخلاقي. في نظرهم، بنتي "غلبانة" وأنا الأم اللي لازم تستحمل وتطبطب وتتأكل لحم وتترمي عضم.
ماحدش فيهم سأل: «إنتي إحساسك إيه لما اللي ضحيتي عشانهم قالوا لك مالكيش لزمة؟». ماحدش سأل الأم المفروض تبلع الوجع لحد إمتى قبل ما الوجع ده يقتلها؟
عشان كده، بطلت أبلع. بدأت أنزل أتمشى الصبح في "تراك" النادي. دخلت جمعية للزرع والورد. بدأت أرسم لوحات بسيطة بالألوان الماية، وافتكرت إن إيدي دي ممكن تخلق جمال، مش بس تطبخ وتغسل وتخدم. .....
ساعات الوحدة بتنهش فيا بليل، بس تحت الوجع ده فيه حاجة تانية بدأت تكبر.. إحساسي بكرامتي.
والقوة دي، هي بالظبط اللي بنتي ماكنتش عاملة حسابها عليها
ووووو
الجزء الثاني
مرت شهور، والبيت اللي كان "متحف للذكريات" بقى بيت لـ "فوزية" الست اللي اكتشفت إن عندها حياة تانية غير الطبيخ والمراعاة. في يوم، تليفوني رن.. كان رقمها. قلبي دق دقة غريبة، مش خوف، ولا لهفة.. كانت دقة حد بيشوف نتيجة امتحان قديم.
فتحت الخط، وجالي صوتها مخنوق، بس المرة دي مكنش خنق "زهق"، كان خنق "مصلحة".
«ماما.. هو بجد اللي المحامي قاله ده؟ إنتي شيلتي اسمي من الشقة والوديعة؟ إزاي تعملي فينا كده وأنا وجوزي بنرتب ننقل لمكان أحسن عشان خاطر حفيدك؟»
سكتت لحظة، شميت ريحة الياسمين اللي زرعته في البلكونة، وقلت بهدوء غريب عليا:
«أنا عملت اللي إنتي طلبتيه
يا بنتي.. "بعدت عن حياتكم". والبعيد ملوش مكان في الحسابات، ولا إيه؟»
بدأت تعلي صوتها، وتفكرني بـ "واجب الأم" و"صلة الرحم"، وكأن صلة الرحم دي طريق إجباري بيمشي فيه طرف واحد بس. قالت لي: «إنتي بتنتقمي مني عشان كنت مشغولة؟ إنتي أنانية يا ماما!
هنا، وقفت قدام المراية، وشوفت الست اللي ملامحها بدأت تورد تاني بعد ما كانت دبلانة. قلت لها:
«يا بنتي، الأنانية هي إنك تعوزي "جيبي" وإنتي رافضة "قلبي". أنا مش بنتقم، أنا بس قررت أصرف اللي باقي من عمري على الست اللي نسيت نفسها عشانك تلاتين سنة. الشقة دي هتبقى دار أيتام أو صدقة جارية لما أقابل ربنا، والقرشين اللي حيلتي
هسافر بيهم أشوف الدنيا اللي مشفتهاش وأنا محبوسة بين المطبخ ومذاكرتك.»
قفلت السكة قبل ما أسمع ردها. لأول مرة أنا اللي أقفل الباب، مش هي.
بعد أسبوع، لقيتها مخبطة على الباب، ومعاها ابني الصغير "ياسين". كانت فاكرة إن سلاح "الحفيد" هو اللي هيكسرني. دخلت وهي بتحاول تبوس إيدي وبتقول: «حقك عليا يا ماما، كنا مضغوطين، والشيطان دخل بيننا».
بصيت في عينيها، مكنش فيه ندم، كان فيه "خوف على الميراث". طبطبت على راس ياسين، واديت له حتة كيكة من اللي لسه عاملاها، وقلت لها بصوت واثق:
«يا بنتي، الباب مفتوح ليكي كبنت، في أي وقت تعوزي حضني أو نصيحتي أو لقمة تاكليها معايا.. أهلاً بيكي. لكن "فوزية الشغالة"
و "فوزية البنك" ماتت. حياتي اللي جاية ملكي، وعلاقتنا هتبتدي من الصفر.. من غير شروط، ومن غير ورق محاميين. لو عايزاني عشان أنا أمك، أنا موجودة.. لو عايزاني عشان اللي هورثهولك، يبقى كأنك ماشفتنيش.»
بصت لي بذهول، كأنها بتشوف ست تانية غير اللي كانت بتسكت وتطاطي. خدت ابنها ومشت وهي مش عارفة تقول إيه.
قعدت في بلكونتي، شربت الشاي بتاعي وأنا بتفرج على الغروب في سما القاهرة. الوجع لسه موجود غزة خفيفة، بس فوقيه طبقة سميكة من الرضا. عرفت إن الأمومة مش صك ملكية، والوفاء مش فرض بيتفرض بالعافية.
أنا دلوقتي مش مجرد "جهة اتصال للطوارئ".. أنا "صاحبة البيت"، والبيت ده مابيدخلوش غير اللي مقدر قيمته.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق