رفضت ادفع الفاتوره
رفضت ادفع الفاتوره
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
حماتي وفاتورة المطعم بقلم نرمين عادل همام
لما رفضت أدفع الفاتورة في المطعم الفخم ده، بص لي كأني واحدة غريبة عنه. أمه ابتسمت وهي بتستمتع باللحظة.. وفجأة تششش! كاس عصير اتدلق في وشي بغل. هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص هنا وحالاً، قالها وهو بيتمطوح من العصبية. حسيت بالسكوت وهو بيقطع في جلدي، وقلبي.. ولّع نار. مسحت وشي براحة، وبصيت في عينيه مباشرة وقلت له تمام أوي. لأن اللي عملته بعدها م خلاهومش بس مذهولين.. ده خلاهم في حتة سد ومسدود عليهم كل الأبواب.
أنا اسمي نور، ولحد الليلة دي كنت لسه بحاول أقنع نفسي إن جوازي من حازم مجرد فترة صعبة وهتعدي. أمه، ناهد هانم، عزمتنا على العشا في مطعم غالي أوي في الزمالك من النوع اللي إضاءته خافتة، وكاساته كريستال، والويترية بيتكلموا فيه وهم بيوشوشوا. من أول ما وصلنا، وناهد هانم عايشة دور الملكة طلبت الأكل للكل من غير ما تسألنا، عدلت على كلام السوميلييه، وكل كلمة سم كانت بتقولها كانت بتغلفها بابتسامة صفرا شيك. يا نور، إنتي دايماً.. عملية زيادة عن اللزوم، كانت بتقولها كأنها شتيمة. وحازم كان بيضحك معاها. ضغطت على الفوطة اللي في إيدي،
وأخدت نفس عميق، وقلت لنفسي استحملي عشان المركب تسير.
العشا كان عبارة عن عرض مسرحي. مقبلات م اختارتهاش لحمه من اغلا نوع لحمه ياباني ، سعرها يخض حازم صمم يطلبهمعشان ماما تستاهل، وحلوى ناهد اختارتها بس عشان تلمح إن اختياري أنا كان هيبقى بلدي وبسيط. لما الفاتورة جت، الويتر حطها قدام حازم بمنتهى الشياكة. هو م بصش فيها حتى.
زقها ناحيتي بكل برود. ادفعي إنتي، قالها كأن ده الطبيعي والعادي. اتجمدت مكاني. أفندم؟ حازم رفع حواجبه بنفاد صبر ماما هي اللي عزمتنا وجابتنا هنا. مش هنصغر نفسنا ونعمل فضيحة. ادفعي. بصيت لناهد كانت مبتسمة، ومستنية العرض يبدأ.
بصيت على الرقم الإجمالي. كان رقم خيالي، وكان فيه إضافات م طلبتهاش أصلاً. الموضوع مكنش موضوع فلوس الموضوع كان الفخ، الذل، الرسالة الواضحة إني لازم أسمع الكلام وأنا مغمضة. أنا مش هدفع تمن حاجة م أكلتهاش، رديت ببطء وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت. حازم بص لي كأنه أول مرة يشوفني. ناهد طلعت ضحكة رفيعة كأنها دبوس دخل في قلبي. يا حبيبي يا حازم، مش أنا قلت لك إنها... بدأت كلامها، بس حازم قاطعها وهو بيرفع إيده.
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، حازم مسك الكاس بتاعه وحذف العصي في وشي بكل غل. حسيت ببرودة السائل
وهو بيغرقني، وريحته لزقت في جلدي، وفستاني اتبل، ونظرات الناس اللي في المطعم بدأت تتصوب ناحيتي زي السكاكين. هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص هنا وحالاً، قالها وهو بيميل عليا وضامم سنانه على بعضها وبيهددني. المطعم كله سكت، كأن الهوا نفسه وقف مبيتحركش. مسحت خدي بالراحة مكنتش هادية، كنت بركان غضب بس كاتماه. رفعت عيني وبصيت في عينيه مباشرة وهمست تمام.. اللي تشوفه. ومديت إيدي في شنطتي.. بس مكنتش بطلع الفيزا.. كنت بطلع الموبايل.
لما فتحت الموبايل، لاحظت إن صوابعي كانت بترتعش، بس عقلي كان صافي لدرجة خضتني. مكنتش هصوت ولا هعيط هنا عشان ماديهمش متعة الانتصار دي. حازم رجع بضهره لورا على الكرسي بابتسامة صفرا، كأنه خلاص كسب الجولة. ومدام ناهد فضلت تضحك وهي بتبص حواليها، ومبسوطة أوي باللمة والفرجة اللي حصلت علينا. أخدت نفس عميق وشاورت للويتر لو سمحت، عاوزة مدير المطعم فوراً عشان يراجع الفاتورة دي.. وكمان تطلب لي الأمن. الويتر تردد ثانية، بص لوشي اللي غرقان عصير، وبص لحازم، وبعدين هز راسه بسرعة وجري من قدامنا.
حازم خبط بلسانه كدة بحركة مستفزة ماتعمليش فضيحة يا نور، لمي الدور. م رديتش عليه. فتحت أبليكيشن البنك بتاعي ووريت له الشاشة، من غير
ما ألفها ل ناهد. الفيزا اللي إنت عاوزني أدفع بيها دي مربوطة بحسابنا المشترك. الحساب اللي بيموله في الأساس هو مرتبي أنا. وأنا مش هدفع مليم عشان أمول إهانتي بنفسي. حازم وشه بدأ يصفر.. صفار خفيف بس أنا لقطته. إنتي بتقولي إيه؟ بقول إني مش دافعة. وبقول إن اللي إنت عملته حالا ده له عواقب. فكه اتشنج وقال محدش هيصدقك.. ده كان حادثة والكاس اتزحلق من إيدي. رديت عليه بمنتهى البرود مفيش حادثة بييجي معاها تهديد يا حازم.
في اللحظة دي ظهر المدير راجل ملامحه صارمة اسمه أستاذ إبراهيم ووراه اتنين من أمن المطعم. أستاذ إبراهيم بص لفستاني، ولجي، وللمنظرة اللي على التربيزة يا مدام، حضرتك كويسة؟ قلت له لأ.. وعاوزة تفريغ الكاميرات حالاً. ناهد هانم بدأت تتكلم بنبرة الضحية يا خبر! إيه المبالغة دي! ده ابني بس كان أستاذ إبراهيم قاطعها بذوق بس بحزم يا فندم، أنا محتاج أسمع من المدام. هزيت راسي وقلت له أنا عاوزة الفاتورة تتصلح، فيه حاجات محطوطة إحنا م طلبناهاش. وعاوزة محضر بالواقعة دي عشان هقدم بلاغ اعتداء. حازم قام وقف وهو هينفجر من الغيظ، بس الأمن قرب منه خطوة.. م لمسوهوش، بس وجودهم كان كفيل يحجمه ويحسسه إنه ملوش سلطة هنا.
أستاذ إبراهيم طلب من الويتر يجيب
الفاتورة بالتفصيل. وأنا مستنية، فتحت واتساب وبعت رسالة لشخص واحد رنا، المحامية وصاحبة عمري من أيام الجامعة. أنا اتعرضت للاعتداء في مطعم.. وفيه كاميرات صوّرت كل حاجة. محتاجة رأيك دلوقتي. رنا ردت في ثواني اثبتي مكانك. اطلبي منهم يتحفظوا على التسجيلات. م تمضيش على أي حاجة. واطلبي النجدة فوراً لو فيه أي تهديد. كلامها خلاني أحس براحة ناشفة وعملية كأني بربط حزام الأمان قبل الصدام.
الفاتورة وصلت. وفعلاً، كان فيه طلبات اضافيه ، وبند إضافات خاصة محدش عارف يفسره. أستاذ إبراهيم اعتذر وأمر بتعديل الحساب. ناهد حاولت تتدخل، بس السيطرة خلاص م بقتش في إيدها. مسكت موبايلي وبصيت لحازم إنت كنت بجد متوقع إني هدفع كل ده.. بعد ما حدفت العصير في وشي وفرجت الناس عليا اهنتني في البيت وقولت معلش جوزي وماحدش شايف لكن انت فرجت الناس عليا
حازم وطّى صوته وهو بيحاول يرجع سيطرته المزيفة نور، ياللا نمشي.. إنتي بتصغري نفسك قدام الناس.
ابتسمت لأول مرة، بس مكنتش ابتسامة فرح إنت اللي صغرت نفسك لما افتكرت إنك تقدر تعاملني كدة قدام الكل وتعدي بسلام.
حازم قرب مني وهمس بمنتهى الغل لو طلبتِ البوليس، انسيني.. كل اللي بيننا هينتهي هنا. قالها كأنها تهديد
أخير، كأنه فاكر إن ده أكبر كابوس ليا. ثبت عيني في عينه ورديت بكلمة واحدة وده بالظبط اللي أنا عاوزاه. وقدام المدير والكل، ضربت رقم 122.
لما رد، حسيت إن المطعم كله بدأ يتنفس تاني، وكأن الواقع رجع لمجراه. مساء الخير، محتاجة نجدة.. أنا اتعرضت للاعتداء والتهديد في مطعم، وفيه كاميرات مصورة كل حاجة. حازم اتسمّر مكانه، محبوس بين كبريائه والناس اللي بتتفرج. ناهد هانم حاولت تعمل دور الست الشريفة المظلومة إيه الجنان ده! ابني مستحيل يعمل كدة..! بس صوتها مابقاش له أي هيبة. أستاذ إبراهيم، بمنتهى الهدوء والاحترافية، هز راسه
وقال تحت أمرك يا فندم، إحنا هنتحفظ على تسجيلات الكاميرات.
الشرطة وصلت بسرعة. دخل أمين شرطة وظابطواحد اتكلم معايا، والتاني اتكلم مع حازم. حكيت اللي حصل بالظبط من غير أي تزويد الفاتورة، والضغط اللي عملوه، وكاس العصير اللي اتحدف في وشي، والكلمة اللي قالها بالحرف هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص هنا وحالاً. الظابط كان بيكتب كل كلمة. أستاذ إبراهيم أكّد إن الكاميرات صورت الواقعة وإنهم مستعدين يسلموا التسجيلات. لما سمعت كدة، شفت أول شرخ حقيقي في وش حازم نظرة بتقول إن الموضوع خرج عن سيطرته تماماً. ناهد، من ناحيتها،
فضلت تمثّل، بس المرة دي كانت بتمثل لنفسها بس، محدش كان مهتم يسمعها.
الليلة دي مخلصتش وأنا في قسم الشرطة بعيط. خلصت وأنا في بيتي، مع صاحبتي، بقلع فستاني المتبهدل وباخد قراراتي. تاني يوم، رنا المحامية راحت معايا عشان نقدم البلاغ الرسمي ونطلب أمر عدم تعرض. وفي وسط الإجراءات دي، بدأت أشوف بوضوح حاجات كنت فاكراها عادية التريقة اللي كانت بتقلل مني، والضغط عشان أدفع عشان المنظرة، وإزاي حازم كان دايماً في صف أمه كل ما أحاول أحط حدود. كاس العصير مكنش غلطة لحظية.. ده كان القشرة اللي بانت من جبل جليد كان بيكبر بقاله سنين.
حازم بدأ يبعت رسايل بتتحول من تهديدات لاعتذارات في خلال ساعات. إنتي دمرتيني، سامحيني كنت متنرفز، أمي هي اللي استفزتك، تعالي نرجع ونصلح اللي انكسر. رديت عليه مرة واحدة بس إنت مستفزتنيش.. إنت كشفت نفسك وبس. وبعدها، عملت بلوك لكل أرقامه. لميت حاجتي في وجود حد من قرايبي. وقفت الحساب المشترك قانونياً وبالورقة والقلم. مكنش موضوع سهل، بس كان نضيف. أكتر حاجة وجعتني مكنتش خسارة الجواز؛ اللي وجعني بجد إني اكتشفت كام مرة بلعت إهانتي وضغطت على نفسي.. عشان هما بس يحسوا إنهم مرتاحين.
بعد أسابيع، عرفت من معارف مشتركين إن الحكاية
في شلتهم اتغيرت مية مرة. مرة يقولوا إنها كانت هزار، ومرة إني أفورت في رد فعلي، ومرة إن نور طول عمرها غاوية لفت نظر.
بس الغريب إن محدش فيهم عرف يفسر ليه المطعم اضطر يفرغ الكاميرات وليه فيه محضر رسمي بالواقعة. م دخلتش في مهاترات ولا حاولت أصلح روايتهم؛ لأني اتعلمت حاجة بسيطة الحقيقة مش دايماً بتحتاج تزعق عشان تتسمع، هي بتبقى واقفة وطولها هيبة لوحدها.
أنا بحكي الحكاية دي لأني عارفة إن ستات كتير هيعرفوا المشهد ده كويس الابتزاز اللي متغلف بكلمة اعملي كدة عشان خاطرنا، والإهانة العلنية اللي بيستخدموها كتكتيك لكسر العين، والتهديد بالانفصال اللي بيتقدم كأنه دليل حب. لو حصل معاكي حاجة شبه كدة، أو لو حد قبل كدة حسسك بالذنب عشان بس حطيتي حدود لنفسك، حابة أسمع منك.
كنتي هتعملي إيه مكاني؟ كنتي هتدفعي عشان تلمي الدور وتتجنبي الفضيحة، ولا كنتي هتطلبي النجدة زي ما عملت؟ وهل تفتكري إن فيه فرصة تانية ممكن تنفع بعد اعتداء بالشكل ده؟
نور النهاردة بتبني حياة تانية خالص، حياة مفيهاش فواتير ذل ولا منظرة كدابة. اتعلمت إن أغلى حساب دفعته في حياتها مكنش فاتورة المطعم، كان السنين اللي ضاعت وهي بتحاول ترضي ناس مبيعرفوش يرضوا أبداً.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق