الخاتم الذي ڤضح الحقيقة وكشف أنني لست وحيدة كما ظننت طوال حياتي
الخاتم الذي ڤضح الحقيقة وكشف أنني لست وحيدة كما ظننت طوال حياتي
لمدة عشرين عاما كان ثقل إرث والدي يستقر عند عظمة ترقوتي خاتم فضي بسيط منقوش بزخارف هندسية دقيقة. كنت في السادسة فقط عندما ټوفي تاركا لي ذكريات تشبه الأحلام المقطعة أكثر مما تشبه واقعا واضحا. أراه في لمحات قصيرة ومضيئة هدير ضحكته وخشخشة قلمه وهو يرسم پجنون على مناديل المطاعم. لكن الذكرى الأوضح دائما هي اليوم الذي وضعت فيه أمي خاتمه في كفي الصغيرة.
كنت في الثامنة آنذاك. أخرجته من صندوق خشبي صغير مصقول ونظرت إلي بجدية جعلتني أعتدل في جلستي. قالت إن والدي كان يرتدي هذا الخاتم كل يوم من حياته وأنه أراد أن يكون من نصيبي عندما أكبر بما يكفي لأفهم قيمته. يومها لم أفهم
حقا. كل ما فعلته أنني علقته في سلسلة وارتديته حول عنقي وتركته يصبح جزءا مني شبه منسي في ازدحام الحياة اليومية. إلى أن جاء بعد سنوات بعد ظهر رأيت فيه مليارديرا يرتدي الخاتم نفسه تماما.
في لحظة واحدة ټحطم كل ما كنت أظن أنني أعرفه عن والدي وتاريخي وهويتي.
قبل أن أتابع لا بد أن أسأل هل صادفت يوما سرا واحدا أعاد كتابة ماضيك بالكامل أو اكتشفت حقيقة عن شخص تحبه لم تكن تخطر لك على بال
يوم وقع كل ذلك كنت أعود متأخرة من استراحة الغداء. اندفعت عبر الأبواب الزجاجية الثقيلة لمبنى مكاتبنا في تشيلسي وأنا ألهث وضغطت زر الطابق الرابع. كانت شركة إليمنتال آركيتكتشر تشغل الطابق بأكمله وهي مكتب صغير يضم اثني عشر موظفا يعملون في مشروعات سكنية فاخرة. لكن هذا اليوم لم يكن عاديا الجو كان مشحونا لدرجة الهستيريا تقريبا. كنا نقدم عرضا لأكبر مشروع في تاريخ المكتب المقر الجديد لشركة أرمسترونغ تكنولوجيز. الميزانية خمسون مليون دولار. الفوز بالعطاء لم يكن نجاحا فقط بل فرصة لتغيير كل شيء.
خرجت من المصعد وكدت أتصادم بآنا موظفة الاستقبال وكانت شاحبة الوجه.
همست
شارلوت شكرا لله أنك وصلت لقد حضروا. مبكرا.
هبط قلبي في صدري.
قلت وأنا أشعر بثقل الخۏف
أرمسترونغ كريستيان أرمسترونغ بنفسه
أومأت
نعم وغريغوري يوشك على الاڼهيار.
ألقيت حقيبتي على كرسي في الردهة وركضت نحو غرفة الاجتماعات. كان غريغوري مؤسس المكتب يبدو كأنه على وشك نوبة قلبية. لورين كبيرة المعماريين ترتب الملفات الرقمية پجنون وتايلر يحاول السيطرة على تركيز جهاز العرض.
صاح غريغوري بمجرد أن رآني
شارلوت! ماء قهوة تأكدي أن كل شيء يعمل الآن!
تحركت كما لو أن جسدي يحفظ الخطوات وحده. أعددت الكؤوس الكريستالية شغلت ماكينة القهوة عدلت إعدادات جهاز العرض وأنهيت كل شيء في أقل من ثلاث دقائق. وما إن وضعت آخر قاعدة للأكواب حتى سمعت صوت آنا في سماعتي
إنهم في الطريق إلى الأعلى.
رن المصعد دوى صوته في مكتب صامت. خرج أربعة أشخاص. ثلاثة رجال ببدلات داكنة متقنة والرابع كان الرجل الذي استحوذ
على المكان كله في لحظة. كان يرتدي بدلة رمادية فاخرة تكفي قيمتها لإيجار شقتي لستة أشهر. كان هو كريستيان أرمسترونغ.
كنت قد قرأت عنه كثيرا عندما حجزنا هذا الاجتماع. عمره اثنان وخمسون عاما خريج MIT أسس أرمسترونغ تكنولوجيز قبل ستة وعشرين عاما وتقدر ثروته ب 8 مليار دولار. لم يتزوج قط شديد الخصوصية. لكن عند رؤيته أمامي تلاشت الأرقام. كان أطول مما توقعت يزيد عن المتر وثمانين بقليل شعره مزيج من الأسود والرمادي وملامحه حادة أرستقراطية. عيناه داكنتان عميقتان تلتقطان تفاصيل الغرفة دفعة واحدة.
قلت وأنا أمد يدي بابتسامة رسمية
أهلا وسهلا بك سيد أرمسترونغ. أنا شارلوت بيرس.
أومأ شاكرا
شكرا لك يا شارلوت.
رافقت المجموعة
إلى غرفة الاجتماعات سكبت الماء تأكدت من جلوس الجميع براحة ثم جلست في مكاني المعتاد في الزاوية فتحت حاسوبي المحمول واستعددت لتدوين الملاحظات. بدأ العرض وكان التوتر في الغرفة ملموسا. عرضت لورين أعمال المكتب وشرحت فلسفة التصميم لدينا مساحات حديثة وخالدة في الوقت ذاته عملية وجميلة.
كان كريستيان مستمعا نشطا لا يكتفي بالإيماء بل يطرح أسئلة دقيقة عن المواد وعن معايير الاستدامة وعن التفاصيل الإنشائية. وعندما قدم تايلر التصور الأولي لمقر الشركةمبنى من خمسة طوابق من الزجاج والفولاذ بمساحات مفتوحة وإضاءة
طبيعية وفيرةمال كريستيان إلى الأمام وقال
أحب فكرة المساحة المفتوحة لكني أريد أيضا أماكن هادئة. أماكن للتفكير. ليس كل شيء يجب أن يكون تعاونيا.
أجابت لورين بسرعة
بالطبع يمكننا دمج مكاتب مغلقة ومناطق هادئة محددة.
استمر الاجتماع تسعين دقيقة. وعند انتهائه تحول جو الذعر إلى تفاؤل حذر. بدا أن غريغوري أصبح قادرا على التنفس أخيرا.
قال كريستيان وهو ينهض
سنراجع العرض ونعود إليكم خلال أسبوعين.
تمت مصافحة الأيدي وتبادل المجاملات. رافقتهم حتى المصعد. وكان كريستيان آخر من دخل. الټفت نحوي قبل أن تنغلق الأبواب وقال
شكرا لك يا شارلوت.
قلت بابتسامة متعبة
فقط أقوم بعملي سيد أرمسترونغ.
أغلقت الأبواب وأطلقت زفرة طويلة. عدت إلى غرفة الاجتماعات لأبدأ بالتنظيف أجمع الأكواب وأرتب الكراسي وعقلي ينتقل إلى المهمة التالية. عندها رأيت شيئا على الطاولة قلما أسود غير لامع ثقيلا باهظ الثمن على الأرجح. التقطته واستدرت متجهة إلى الباب لألحق به.
لدهشتي كان كريستيان أرمسترونغ واقفا عند العتبة.
قال معتذرا وهو يتقدم خطوة
آسف نسيت
قلت وأنا أرفع القلم
قلمك.
اقترب ومد يده ليتناوله. وهنا توقف الزمن.
على يده اليمنى في الإصبع الرابع كان هناك خاتم فضي. خاتم بسيط لكن بنقش هندسي محدد. انحبس الهواء في صدري. كنت أعرف هذا الخاتم. أعرف كل خط وكل انحناءة فيه. قضيت عشرين سنة أعبث بتوأمه المعلق حول عنقي.
كأن الوقت تباطأ. قلبي يدق پعنف داخل صدري. بدون تفكير رفعت يدي إلى عنقي وأخرجت السلسلة من تحت بلوزتي الحريرية. تدلى الخاتم في الهواء بيننا يدور ببطء. كان مطابقا تماما لخاتمه.
تبعته عيناه واستقرتا على الخاتم المعلق في سلسلتي. وفي لحظة فقد وجهه لونه وصار شاحبا. حدق في وجهي بل في الخاتم.
سأل بصوت خاڤت مضطرب
من أين حصلت على هذا
تمتمت
كان لأبي.
رفع بصره إلي وعلى وجهه مزيج من الصدمة والإنكار والخۏف.
قال بصوت منخفض لكنه حاد
من كان والدك
اسمه كولين.
تراجع فعليا خطوة إلى الوراء وكأنه تلقى ضړبة جسدية.
قال وهو يضع يده على فمه ويغلق عينيه بإحكام
يا إلهي
وعندما فتح عينيه بعد لحظات كانتا ممتلئتين بالدموع.
قال هامسا
شارلوت شارلوت بيرس.
أجبت ما زلت مرتبكة
نعم هذا اسمي. هل تعرفني
قال وصوته يتكسر
لقد حملتك بين ذراعي عندما كان عمرك ثلاث ساعات فقط. أنا عرابك. قطعت وعدا لأبيك منذ ثلاثين عاما ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول أن أوفي به.
شعرت أن الغرفة تميل بي.
قلت متلعثمة
لا أفهم
أجاب بنبرة جادة
كان والدك صديقي الأقرب. أكثر من صديق كان أخي. وقد ظللت أبحث عنك لمدة ستة عشر عاما.
وقفنا في تلك القاعة الفارغة والصمت بيننا ثقيل. أمسكت بحافة الكرسي الجلدي لأحافظ على توازني بينما كان الملياردير كريستيان أرمسترونغ ينظر إلي كما لو أن شبحا عاد للحياة.
قال وهو يستعيد شيئا من هدوئه
يجب أن أشرح لك كل شيء لكن ليس هنا. دعيني آخذك إلى مكان يمكننا أن نتحدث فيه.
قلت تلقائيا أعود إلى روتين العمل
أنا في الدوام الآن لا يمكنني المغادرة.
سأل
متى ينتهي دوامك
في السادسة.
قال بلا تردد
سأنتظرك. هناك مقهى على بعد شارعين إلى الجنوب اسمه روان. أرجوك تعالي.
نظرت إلى عينيه
إلى
الاضطراب الواضح فيهما ثم إلى الخاتم في يده المشابه تماما لخاتمي.
قلت أخيرا
حسنا السادسة.
غادر من دون كلمة أخرى. بقيت وحدي في الغرفة أقبض على خاتم والدي لدرجة أن المعدن غاص في راحتي.
ما الذي حدث للتو
عند السادسة تماما وصلت إلى روان. كان هناك بالفعل وقد اختار طاولة في الزاوية وطلب كوبين من اللاتيه. جلست أمامه وأعصابي مشدودة.
بدأ الكلام مباشرة
الاسم الكامل لوالدك هو كولين جيمس بيرس. ولد في بورتلاند بولاية مين. ټوفي والداه عندما كان في السادسة عشرة وربته جدته حتى حصل على منحة كاملة للدراسة في MIT. التقينا في السنة الثالثة في جمعية المعماريين.
تحدث بوقائع أعرفها منذ طفولتي لكن سماعها من شخص غريب كان مربكا.
قلت بصراحة
لا أعرف ماذا أقول تفضل أكمل.
تابع
كان كولين أفضل أصدقائي. أخي. العائلة الوحيدة التي عرفتها.
قلت وأنا أسمح لحدة خفيفة أن تظهر في صوتي
أمي لم تذكر اسمك أبدا. ولا مرة واحدة في حياتي. لم أسمع بك حتى اليوم.
نظر إلى قهوته وانطبعت ملامح الألم على وجهه.
قال
أعلم. عندما ټوفي والدك حاولت أن أساعد. عرضت المال والدعم وكل ما أستطيع. لكنها لم تقبل. لم ترد صدقة. قالت إنها ستتولى الأمر وحدها. كلما رأتني رأت معه ذكراه وكان ذلك مؤلما لها جدا. وبعد سنوات قليلة تزوجت من جديد وغيرت اسمكما إلى برادفورد وانتقلتم إلى كونيتيكت. توقفت لفترة عن المحاولة لكنني لم أنس أبدا. كنت أحاول أن أتواصل من حين لآخر.
قلت وأنا أشعر بغصة
ولماذا كل هذا يهم الآن والدي مېت.
نظر إلي وقال بهدوء
لأنني قطعت وعدا.
رفع يده اليمنى وأراني الخاتم.
في ديسمبر 1994 كنا في الثانية والعشرين من عمرنا. يتيمين بلا عائلة. قررنا في تلك الليلة ألا نكون وحدنا بعد الآن. أن نكون إخوة. إذا ماټ أحدنا يتولى الآخر رعاية العائلة التي يتركها خلفه. تبادلنا هذين الخاتمين. هذا الذي أرتديه الآن كان خاتمه.
أعطاني إياه وأعطيته خاتمي.
نظرت إلى الخاتم الذي أضعه في سلسلتي بعين مختلفة.
قلت
إذا هذا الخاتم كان لك
أجاب هامسا
نعم. كان كولين يرتدي خاتمي. وأنت الآن ترتدينه. وأنا أرتدي خاتمه.
شعرت بكلماته تسقط داخلي بثقل.
تمتمت
لماذا لم تخبرني أمي بهذا
قال وهو يتنهد
لا أعرف. ربما أرادت أن تنسى. فمحتني من حياتكما. ولم أستطع أن أتجاوزها لأصل إليك مباشرة شعرت أن ذلك خېانة لرغبتها.
نهضت فجأة وتحرك الكرسي بصوت حاد.
قلت
أنا بحاجة إلى أن أذهب.
قال متوسلا
انتظري
أجبت وأنا أبتعد
لا أعرفك. لا أعرف لماذا لم تذكر أمي اسمك لكن كانت لها أسبابها. وأنا أثق بها أكثر من ثقتي برجل غريب يملك خاتما يشبه خاتمي. شكرا على القهوة.
خرجت إلى الهواء البارد وقلبي يتسارع. تلك الليلة لم أنم. كنت ممددة في شقتي الصغيرة في أستوريا أحدق في السقف المتشقق والخاتم في قبضتي. لماذا لم تخبرني أمي
في النهاية لم أعد أطيق الأسئلة. نهضت وفتحت الصندوق الخشبي الذي أحتفظ فيه ببعض تذكارات والدي. صور رسائل قديمة وفي القاع ظرف مغلق تجاهلته لسنوات. على الغلاف كتب بخط أمي المرتجف إلى شارلوت عندما تكونين جاهزة.
لم أشعر قط أنني جاهزة لكن هذه الليلة مزقته.
في الداخل وجدت رسالة وصورة.
الصورة لرجلين شابين يقفان في حرم MIT بذراعين متشابكتين وابتسامة عريضة. كلاهما يرتدي خاتما فضيا في يده اليمنى. أحدهما أبي بلا شك. والآخر هو كريستيان أرمسترونغ الشاب.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ ويدي ترتعش.
كتبت أمي
ابنتي العزيزة شارلوت
أكتب هذه الكلمات قبل أن يسلبني المړض آخر ما تبقى لي من قوة
كانت الرسالة اعترافا بأنها أبعدت كريستيان عمدا وأنها رفضت مساعدته لأنها كلما رأته رأت والدك وأن ذلك كان
مؤلما لها. كتبت أنها كانت مخطئة وأنها أخرجتنا من حياة الشخص الوحيد الذي أحب والدك بقدر ما أحبته وأنه كان عرابك وأنه حملك يوم ولدت وأنه كان حاضرا في كل مناسبة. وأنها ندمت على إبعاده وأنها ترجونيإذا عاد يوما أو بحث عنيأن أمنحه فرصة من أجل والدي ومن أجلي.
قرأت الرسالة ثلاث مرات. ثم أجهشت بالبكاء. بكيت لأنني عشت عامين أشعر بالوحدة الكاملة أختنق بالديون وأحارب لأبقى واقفة بينما كان هناك شخص واحد على الأقل يبحث عني كل هذه السنوات. حزن أمي وسوء تصرفها سرقا تلك الصلة منا.
نظرت مرة أخرى إلى الصورة إلى والدي وكريستيان كتفا إلى كتف.
عندها اتخذت قراري.
في اليوم التالي اتصلت بمكتب كريستيان من مكتبي.
مكتب السيد أرمسترونغ.
قلت
معك شارلوت بيرس. أحتاج إلى التحدث مع كريستيان أرمسترونغ.
بعد عشر ثوان تقريبا سمعت صوته
شارلوت كان صوته مليئا بالأمل.
قلت
هل يمكن أن نلتقي اليوم بعد العمل في نفس المكان.
أجاب فورا
الساعة السادسة. سأكون هناك.
كان في انتظاري عند وصولي إلى المقهى. نفس الطاولة كوبان من اللاتيه. جلست وأخذت لحظة لأتأمل وجهه.
قال بهدوء
شكرا لأنك اتصلت. هل تحدثت إلى والدتك
قلت
أمي ټوفيت قبل عامين.
ظهر الألم واضحا على ملامحه.
أنا آسف جدا يا شارلوت.
أومأت
وجدت رسالة كتبتها لي. شرحت فيها سبب إبعادك عن حياتنا. واعترفت بأنها ندمت. طلبت مني أن أعطيك فرصة إذا بحثت عني يوما.
لمع الدمع في عينيه.
قال
لم ألق اللوم عليها أبدا. الحزن يدفع الناس أحيانا لفعل ما لا يفعلونه في الأحوال العادية ماذا أصابها
إصابة بالعصبون الحركي ALS. قضيت عامين أعتني بها في كل تفاصيل حياتها حتى رحلت. ولهذا شعرت أنني حزنت عليها قبل مۏتها بوقت طويل لكن الفراغ بقي. بعد طلاقها من زوجها الثاني أصبحنا وحدنا. ثم بقيت أنا وحدي.
قال بهدوء
يبدو أن حياتك لم تكن سهلة.
أجبت
أنا معتادة على هذا الشعور. قلت إنك كنت يتيما مثل والدي.
نعم لم أعرف أي قريب من دمي. نشأت في دور الرعاية ثم أنقذتني معلمة رأت في شيئا مختلفا فساعدتني حتى حصلت على منحة للدراسة. لولاها لما وصلت إلى الجامعة. لكنها رحلت منذ زمن طويل.
قلت بعد لحظة صمت
أمي كانت تخشى أن تظن أننا نريد مالك. كانت تكره فكرة أن نبدو طامعين. وأنا كذلك لا أريد ذلك.
أجاب بسرعة
لا تقلقي من هذا أبدا.
قلت
أريد فقط أن أعرف كل شيء عن أبي. كل شيء.
ابتسم للمرة الأولى بتعب لكن بعينين أدفأ.
أستطيع ذلك. لدي الكثير من القصص.
ولساعتين كاملتين أخذ يحكي عن رجل بالكاد أتذكره.
روى كيف التقيا كيف أنقذه أبي من ترك الدراسة ومن الاكتئاب كيف سهروا ثلاثة أيام كاملة لإنهاء نموذج لمشروع نهائي وكيف كان أبي إشبينه في زواجه الأول الذي لم يكتمل وكيف اتصل به من المستشفى ليلة ولادتي وهو يبكي من الفرح.
قال في لحظة هدوء
كان يحبك أكثر من أي شيء. كان يحمل صورتك في محفظته ويريها لكل من يقابله هذه ابنتي شارلوت ستغير العالم يوما ما.
همست
لا أذكر صوته أذكر ضحكته فقط.
قال
كان صوته هادئا حنونا. لم يكن ېصرخ. كان يحل المشكلات ويرسم طوال الوقت على المناديل على الأظرف على الصحف كان عقله يبني أشياء باستمرار.
أخرجت من حقيبتي دفتر رسوماتي. فتحته على صفحة فيها رسم لغرفة معيشة بتصميم حديث خطوط نظيفة وأثاث من الخشب والجلد.
قلت بخجل
أفعل الشيء نفسه تقريبا التصميم الداخلي.
أخذ يتأمل الرسم بدهشة
هذا جميل للغاية. هل درست التصميم
أجبته
كنت أدرس في معهد الموضة والتصميم السنة الثانية. لكن عندما شخصت أمي بالمړض اضطررت لترك الدراسة للاعتناء بها. وبعد ۏفاتها لم يكن لدي المال
الكافي للعودة.
ما زلت أسدد فواتير علاجها حتى الآن.
قال من فوره
دعيني أساعدك.
قلت بسرعة
لا. لا أريد مالا. أمي خاڤت من هذا بالضبط طوال حياتها.
قال بجدية
هذا ليس صدقة شارلوت. إنه وعد قطعته على نفسي من أجل والدك. هو أنقذ حياتي في لحظة كنت على وشك إنهائها. ساعدني لأصل إلى ما أنا عليه. مساعدتك ليس منة بل وفاء لرجل أعتبره أخي.
لم أجد ردا.
قلت أخيرا
لا أحتاج مالا لكنني أحتاج شخصا يتذكر أبي. شخصا يجعلني لا أشعر أنني وحيدة.
مد يده ووضعها فوق يدي.
لست وحدك يا شارلوت. ولن تكوني كذلك بعد الآن.
خلال الأشهر الثلاثة التالية صار كريستيان جزءا أساسيا من حياتي. كنا نلتقي كل خميس يشرب القهوة ويحكي لي عن أبي
ويريني صورا لم أرها من قبل ويعطيني رسائل كتبها له. زار شقتي مرة ونظر حوله إلى الأثاث المستعمل الذي رتبته بذوق متواضع.
قال معلقا
أهذا كله من اختيارك
قلت
نعم. ليس مثاليا لكنه
قاطعني
إنه رائع. والدك كان سيحبه. كان يقول دائما إن التصميم الجيد لا يتعلق بحجم المكان أو ثمن القطع بل بالرؤية. وأنت لديك هذه الرؤية.
في نوفمبر دعاني إلى مكتبه وفتح أمامي مخططات مقر أرمسترونغ الجديد.
قال ببساطة
أريدك أن تصممي الديكور الداخلي.
قلت في ذهول
لكنني مجرد مساعدة إدارية.
ابتسم
أنت مصممة عالقة خلف مكتب. رأيت أعمالك. أريد أن أستعين بك بشكل حر بمقابل عادل. إذا سار الأمر جيدا قد نطوره إلى شيء أكبر.
قلت پخوف صادق
لا أملك شهادة.
أجاب
ولا والدك. ترك الدراسة قبل آخر فصل. هذا لم يمنعه من أن يكون مبدعا. الموهبة لا تحتاج إلى ورق تحتاج فرصة.
كنت خائڤة. لكنني فكرت في أبي وكيف لم يسمح للخوف أن يوقفه.
قلت
حسنا سأفعل.
بعد أسابيع دعاني كريستيان إلى لقاء خاص
اجتماع دفعة 1994 من جمعية المعماريين.
قال
نجتمع كل سنة. نحن الآن أحد عشر ووالدك كان الثاني عشر. يريدون أن يلتقوا بك.
أقيم اللقاء في قاعة خاصة قرب MIT. عندما دخلت وقف الجميع. كان المشهد مهيبا. أساتذة علماء أطباء مهندسون رجال أعمال أحد عشر شخصا ناجحين.
قال كريستيان وهو يقدمني
هذه شارلوت بيرس ابنة كولين.
قالت امرأة تدعى غريس بعين دامعة
تشبهينه كثيرا.
وأضاف ثيودور أستاذ الهندسة
لديك عينيه وابتسامته.
وقال آخر
كان قلب مجموعتنا. نفتقده كل يوم.
وقالت طبيبة الأعصاب بريا بهدوء
كان يتحدث عنك كثيرا. كان متأكدا أنك ستصبحين معمارية يوما ما.
وفي نهاية السهرة قدموا لي هدية خاتم فضي جديد مطابق للخاتمين منقوش من الداخل باسم
شارلوت بيرس إرث كولين.
قال كريستيان وهو يضعه في يدي
أنت جزء من هذه العائلة الآن شئت أم أبيت.
قلت والدموع تمتلئ عيني
سأرتديه.
استغرق تصميم المقر الداخلي أربعة أشهر شاقة. عملت بجهد لم أعمله في حياتي. صممت المساحات بروح الحداثة الدافئة خطوط نظيفة خشب داكن جلد أقمشة بسيطة ضوء طبيعي.
وعندما اكتمل المبنى تجولنا فيه معا.
قال كريستيان وهو ينظر حوله
شارلوت هذا عمل رائع. هذا مكان سيبني الناس فيه المستقبل تماما كما أراد والدك.
توقف عند جدار في الردهة الرئيسة وأشار إلى لوحة نحاسية
إهداء إلى كولين جيمس بيرس دفعة 1994 من جمعية المعماريين. صاحب رؤية. أخ. أب. إرثه حي في المساحات التي نبنيها والوعود التي نفي بها.
لم أتمكن من الكلام. سالت دموعي بلا توقف.
قال بهدوء
كان يستحق أن يذكر. والآن سيبقى اسمه هنا دائما.
لم أعد إلى عملي كسكرتيرة.
استعان بي كريستيان في مشاريع أخرى وتدفقت الطلبات من عملاء جدد بفضل توصيته. سددت ديون علاج أمي بالكامل. انتقلت من شقتي الصغيرة إلى شقة أوسع بنوافذ تطل على الضوء. وعدت إلى الدراسة بدوام جزئي.
وما زلنا حتى الآن نلتقي كل خميس لشرب القهوة. بعض الآحاد نقيم حفلات شواء في
منزله مع أعضاء جمعية المعماريين.
قلت له في أحد هذه اللقاءات وأنا ألمس حافة الكوب
قضيت عامين وأنا متأكدة تماما أنني وحيدة في هذا العالم.
سألني وهو يبتسم
وماذا عن الآن
قلت
الآن لدي أحد عشر عما وخالة من جمعية المعماريين يراسلونني باستمرار وملياردير عنيد واحد يصر على أن يدفع لي أكثر مما أستحق.
ضحك وقال
أنت تستحقين كل قرش.
مددت يدي وأمسكت بيده
شكرا لأنك وفيت بوعدك. ولأنك وجدتني.
قال بلطف
أنت من وجدتني يا تشارلي. دخلت تلك الغرفة وأنت ترتدين خاتمه. كان ذلك قدرا أو ربما كان والدك يراقبنا من مكان ما.
نظرت إلى يدي.
في اليمنى أرتدي الخاتم الذي كان لكريستيان وارتداه أبي قبلي.
وفي اليسرى أرتدي خاتمي أنا خاتم جمعية المعماريين.
سألته
هل تظن أنه سيكون فخورا بي
قال بثبات
أنا واثق من ذلك. أنت تبنين مساحات جميلة وتحملين إرثه وتعيشين بالطريقة التي تمنى لك أن تعيشيها.
مرت ثلاث سنوات منذ ذلك اليوم في غرفة الاجتماعات.
تخرجت وأنشأت مكتبي الخاص Pierce Design Studio.
لدينا مشروعات سكنية وتجارية فنادق مطاعم مبان مكتبية. وفريق من ستة مصممين موهوبين يعملون معي. كريستيان ما يزال أقرب أصدقائي. كان أول من أخبرته عن علاقتي الجديدة وصديقي الحالي يحبه كثيرا.
تبنتني جمعية المعماريين تماما. أشارك في لقاءاتهم السنوية كل عام بلا انقطاع.
أحد عشر شخصا لامعا أصبحوا عائلتي.
أنا لست ثرية مثلهم ولست مشهورة لكنني أبني شيئا أعلم أن والدي سيكون فخورا به.
وعلى مكتبي صورتان
إحداهما قديمة لأبي وكريستيان في MIT شابين مبتسمين نحو الكاميرا وخاتماهما يلمعان في أيديهما.
والأخرى حديثة من آخر اجتماع للجمعية نقف جميعا فيها وأنا في المنتصف أبتسم.
أنظر إليهما كثيرا. أرى في الأولى أبي ممتلئا بالأحلام التي انقطعت فجأة. وفي الثانية أرى كيف لم تنته قصته بمۏته. بل استمرت في وعد قطع في ليلة باردة بين يتيمين وفي رجل قضى سنوات يبحث عن طفلة صديقه وفي أناس قبلوني بينهم لأنني أحمل اسمه.
وقبل كل شيء أرى أن قصته تعيش في
في المساحات التي أصممها
في الإرث الذي أبنيه
وفي الخاتمين اللذين أرتديهما كل يوم.
ټوفي والدي وأنا في السادسة
لكن إرثه لم يمت معه.
لقد وجد طريقة أخرى ليبقى حيا
من خلال وعود حفظت وعائلة تختار ومحبة لا تمحوها السنوات.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق