وداعاً.. لآخر كذبه
وداعاً.. لآخر كذبه
كريم كان لسه بيترعش، الورقة في إيده بتتهز مع دقات قلبه اللي مسموعة في أوضة النوم بوضوح. حاول ينطق، يحاول يبرر، يرمي كلمتين من اللي هو حافظهم عن "سوء التفاهم" أو "الزميلة الدرامية في الشغل"، بس لسانه كان تقيل، زي ما يكون أدرك لأول مرة إن "اللعبة" اللي كان فاكرها مضمونة ومستخبية ورا ضهري، انتهت خلاص وبانت على حقيقتها.
بصيتله من غير أي شفقة، كنت واقفة قدام المرايا بلملم حاجتي، مش بلملم "هدومي"، لأ.. كنت بلملم "كرامتي" اللي كنت مستنية اللحظة دي عشان أستردها وألملم شتاتي اللي هو بعتره سنين.
"فريدة.. استني.. اسمعيني بس، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة!" قالها بصوت مخڼوق ومكسور، بيحاول يستعطفني بدموع التماسيح اللي متعود عليها.
لفتّ له ببطء، وابتسمت
ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد خلاص مبقاش فارق معاه يكمل في المسرحية البايخة دي:
"أسمعك؟ أسمعك هتقول إيه يا كريم؟ هتقولي إن سها دي مجرد زميلة بتهزر؟ ولا إن السكرين شوت دي فوتوشوب؟ وفر مجهودك ده. أنا طول السنين اللي فاتت كنت بسمعك لما كنت بتكذب وأنا عارفة، دلوقتي جه الدور إنك تسمع الحقيقة، والحقيقة إنك من لحظة ما بصيت في تليفونك ده، مبقاش لينا أي عيش وملح، والبيت ده مبقاش بيتي."
كريم قام من على السرير، حاول يقرب مني عشان يمسك إيدي، بس نظرة واحدة حادة مني وقفت حركته في مكانه
"الورق على السفرة. كل حاجة مكتوبة بالتفصيل. الشقة، كل اللي فيها، حتى حساب البنك اللي كنت بتخبي فيه مصاريف 'هزارك' مع سها.. كل ده بقيت عارفاه وموثقاه. مفيش
ثغرة هتعرف تهرب منها، ولا محامي هيعرف يقلب الترابيزة."
"إنتي عملتي إيه؟ إنتي دمرتيني!" صوته كان ضعيف، ملامحه كانت بتدبل وتتكسر قدامي.
"عملت اللي أي حد بيحترم نفسه بيعمله لما يكتشف إنه عايش مع 'غريب'. أنا مش محتاجة أزعق، ولا أكسر، ولا أعمل فضايح في الجيران. أنا أذكى من إني أضيع وقتي في خناقة مع واحد أصلاً مش فاهم يعني إيه أمان." بقلم منــال عـلـي
لبست شنطتي، وفتحت باب الشقة. وقبل ما أخرج، بصيت له بصه أخيرة، كان لسه قاعد على حرف السرير، ماسك الموبايل كأنه طوق نجاة، بس النجاة كانت عدت من قدامه سنين ضوئية.
"بالمناسبة يا كريم.. سها لسه بعتت رسالة دلوقتي وأنت مشغول بالورق. بتقولك: 'مراتك عرفت؟'. رد عليها أنت بقى.. وقلها إن 'المغفلة' هي اللي كانت بتدير حياتك
وهي ساكتة، ودلوقتي هي اللي بتنهيها بـ ضړبة معلم."
قفلت الباب ورايا بهدوء، صوت "التكة" بتاعة القفل كانت أحلى موسيقى سمعتها في حياتي. في الشارع، الهواء كان بارد بس كان أنضف هواء شميته من سنين. الموبايل في إيدي رن.. كان رقم كريم، ومكالمة تانية من "سها".
عملت "بلوك" للأرقام دي وكل ما يمت للماضي بصلة في ثواني. مفيش رجوع، ومفيش نقاش، ومفيش "فرصة تانية".
بعد ما قفلت الباب ورايا، كنت حاسة بخفة غريبة.. كأن وزني بقى نص وزني. الشارع كان لسه بيصحى، والناس بادئة يومها بـ "صباح الخير" العادية، وأنا كنت بادئة يومي بـ "وداعاً" لكل حاجة كذابة.
ركبت عربيتي، ومشيت.. مش عارفة رايحة فين بالتحديد، بس عارفة حاجة واحدة بس: إن "الدراما" خلصت، وبدأ وقت "فريدة" الحقيقي اللي عاشت مېتة
سنين عشان خاطر واحد ميسواش.


تعليقات
إرسال تعليق