خداع
خداع
أجبرني زوجي أن أكون أمًا بديلة لرئيسة عمله حتى يحصل على ترقية… لكن السبب الحقيقي كان أسوأ بكثير مما تخيلت.
أنا وزوجي لدينا طفل واحد اسمه آدم، عمره خمس سنوات.
كان زوجي سامي يعمل في شركة إعلانات كبيرة في القاهرة، وكان دائمًا يحاول الصعود في السلم الوظيفي بأي طريقة.
رئيسته في العمل، مدام نادين، كانت امرأة في بداية الأربعينات من عمرها. شخصية صارمة ومخيفة، وكانت تتعامل مع الجميع وكأنهم أقل منها شأنًا.
في إحدى الليالي، عاد سامي إلى البيت وهو يبدو… متحمسًا بطريقة غريبة.
قال لي:. يا حبيبتي، مدام نادين تمر بمشكلة شخصية. هي لا تستطيع الإنجاب… وهي تبحث عن أم بديلة تحمل طفلها…. ثم نظر إلي وقال: سألتني إن كنت أعرف امرأة مسؤولة يمكنها فعل ذلك… وفكرت فيك.
في البداية ظننت أنه يمزح.
لكن سامي لم يبتسم… قال بجدية: الموضوع مجرد تسعة أشهر فقط. وهي ستدفع مبلغًا كبيرًا جدًا. نستطيع سداد ديون البيت، ونبدأ في توفير المال لمستقبل آدم… فكري في الأمر. أنتِ ستساعدين شخصًا يحتاج ذلك… وهي قالت إنه لو سار كل شيء جيدًا، قد أحصل على ترقية كبيرة. بدأ يكرر الموضوع مرة بعد مرة.
كلما قلت له لا… كان يجعلني أشعر بالذنب.
كان يقول:ه ل تريدين أن يكبر آدم ونحن نعاني ماليًا؟
أو يقول: أنتِ أنانية… أنتِ لا تفكرين في مستقبل ابننا.
استمر الضغط أسابيع طويلة.
وفي النهاية… استسلمت.. حملت ذلك الطفل في بطني.
تحملت الغثيان طوال الشهور، وتورم قدميّ، والأرق كل ليلة.
كنت أكرر لنفسي أن الأمر يستحق… وأن المال سيمنح ابني مستقبلًا أفضل.
عندما وُلد الطفل…لم تنظر لي نادين حتى.
أخذت الطفل بين ذراعيها وقالت ببرود:
أخذت الطفل بين ذراعيها وقالت ببرود: لقد قمتِ بدورك. كانت كلماتها قصيرة لكنها سقطت على قلبي كالحجر. لم تقل شكرًا، لم تنظر حتى في عيني، وكأنني مجرد آلة استُخدمت ثم انتهى دورها. بقيت واقفة في غرفة المستشفى لبضع ثوانٍ وأنا أشعر بفراغ غريب في صدري، ذلك الفراغ الذي تشعر به كل أم بعد الولادة، لكن فراغي كان مختلفًا، لأنني لم أكن أستطيع حتى أن أحتضن الطفل الذي حملته تسعة أشهر. حاولت أن أقنع نفسي أن هذا كان الاتفاق منذ البداية، وأنني فعلت ذلك من أجل آدم، من أجل مستقبلنا، من أجل المال الذي سيغير حياتنا، لكن الحقيقة أنني شعرت للحظة أن شيئًا من روحي قد خرج مع ذلك الطفل عندما أخذته نادين وغادرت الغرفة دون أن تلتفت خلفها.
بعد يومين خرجت من المستشفى وعدت إلى المنزل. كنت متعبة، جسدي ما زال يؤلمني، لكنني كنت أكرر لنفسي أن كل شيء سينتهي قريبًا، أن سامي سيحصل على الترقية، وأننا سنبدأ حياة جديدة. في الطريق إلى البيت كنت أفكر في آدم وكيف سأحـ,ـضنه عندما أراه، فقد اشتقت إليه كثيرًا خلال الأيام التي قضيتها في المستشفى. عندما فتحت باب الشقة كان البيت هادئًا على غير العادة. ناديت بصوت خافت: سامي؟ آدم؟ لم يجبني أحد. ظننت أنهم ربما خرجوا لشراء شيء أو لزيارة أحد الأقارب، لكن عندما دخلت غرفة النوم شعرت بأن قلبي يتجمد في صدري. الخزانة كانت مفتوحة ونصفها فارغ. ملابس سامي اختفت. حقيبته السوداء التي كان يأخذها معه إلى العمل لم تكن في مكانها. نظرت حولي بسرعة وكأنني أبحث عن تفسير لما أراه. توجهت إلى الطاولة الصغيرة بجانب السرير حيث كنا نضع أحيانًا المال للطوارئ، لكنها كانت فارغة. عندها بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي.
خرجت مسرعة إلى الصالة، وهناك رأيت شيئًا جعل معدتي تنقبض. على طاولة المطبخ كانت هناك ورقة مطوية. اقتربت منها ببطء، وكأنني أخشى أن ألمسها. فتحت الورقة بيدين ترتجفان وقرأت الكلمات التي كتبها سامي بخط سريع: لا تبحثي عني. لقد حصلت على ما أريده. المال موجود في حسابي الآن. نادين ستعتني بالطفل، وأنا سأبدأ حياة جديدة. اعتبري أن كل ما حدث كان صفقة وانتهت. لا تحاولي الاتصال بي.
لم أفهم في البداية ما كنت أقرأه. بقيت أحدق في الورقة وكأن الكلمات ستتغير إذا نظرت إليها لفترة أطول. ثم شعرت بأن الأرض تدور من حولي. جلست على الكرسي القريب وأنا أحاول أن أتنفس. سامي هرب. أخذ المال وتركنا. تركني أنا وآدم بعد كل ما فعلته من أجله. بعد كل الألم الذي تحملته. بدأت الدموع تنزل من عيني دون أن أشعر. كنت غاضبة، مجـ,ـروحة، ومصدومة في الوقت نفسه. لكن أكثر ما كان يؤلمني هو فكرة أن آدم سيعود من المدرسة ليجد أن والده اختفى.
في تلك اللحظة رن هاتفي. كان رقمًا غير معروف. ترددت للحظة قبل أن أجيب، لكن فضولي غلبني. عندما وضعت الهاتف على أذني سمعت صوتًا أعرفه جيدًا. كانت نادين. قالت بصوت هادئ بارد كعادتها: أعتقد أنك اكتشفت الأمر الآن. شعرت بدمائي تغلي في عروقي. قلت بصوت مرتجف: أين سامي؟ ماذا فعلتما؟ ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: لا تكوني ساذجة. زوجك لم يكن يهتم بالترقية كما كنتِ تظنين. هو جاءني بالفكرة من البداية. شعرت وكأن أحدهم ضـ,ـربني في معدتي. ماذا تقصدين؟ قالت: كان يحتاج إلى المال. كثير من المال. وأنا كنت أحتاج إلى طفل. اتفقنا على صفقة. أنت تحملين الطفل وأنا أدفع المال له مباشرة. أما قصة الترقية فكانت مجرد حكاية ليقنعك.
شعرت بأن الغرفة تضيق حولي. قلت بصوت ضعيف: إذًا… كل هذا كان كذبة؟ قالت ببرود: تقريبًا. لكن لا تقلقي، لقد حصلتِ على ما أردتِ أيضًا، أليس كذلك؟ لقد ساعدتِ امرأة لا تستطيع الإنجاب. ثم أغلقت الخط قبل أن أتمكن من الرد. بقيت جالسة في المطبخ لفترة طويلة لا أعرف كم من الوقت مر. كنت أحاول أن أستوعب ما حدث. زوجي باعني حرفيًا مقابل المال. استخدمني لأحمل طفل امرأة أخرى ثم اختفى عندما انتهى كل شيء. لكن عندما سمعت صوت باب الشقة يفتح أدركت أنني لا أملك رفاهية الانهيار.
دخل آدم وهو يركض نحوي بابتسامة واسعة. ماما! اشتقت لك! انحنيت بسرعة واحتضنته بقوة. كان صغيرًا جدًا ليفهم ما يحدث، لكنني شعرت أنني يجب أن أكون قوية من أجله. سألني ببراءة: أين بابا؟ ابتلعت الغصة في حلقي وقلت: بابا… مسافر قليلًا يا حبيبي. نظر إلي بعينيه الواسعتين ثم هز رأسه وكأن الأمر عادي. في تلك اللحظة أدركت أن حياتي تغيرت تمامًا. لم يعد لدي زوج أستند إليه. لم يعد لدي المال الذي وعدني به. لكن لدي ابني. وكان علي أن أبدأ من جديد مهما كان الثمن.
مرت الأيام التالية كأنها ضباب. حاولت الاتصال بسامي عشرات المرات لكن هاتفه كان مغلقًا. ذهبت حتى إلى شركته لكنهم أخبروني أنه استقال قبل أيام. وكأنه اختفى من الوجود. بدأت أفكر كيف سأدفع الإيجار وكيف سأعتني بآدم. كنت ضعيفة جسديًا بعد الولادة لكن لم يكن لدي خيار سوى أن أتحرك. في إحدى الليالي بينما كنت أجلس في الصالة بعد أن نام آدم، رن هاتفي مرة أخرى. نظرت إلى الشاشة فرأيت اسمًا لم أتوقعه أبدًا. كان الرقم الخاص بمكتب نادين.
ترددت طويلًا قبل أن أجيب، لكن في النهاية ضغطت على زر الرد. جاء صوتها هادئًا كالعادة: أريد أن أراكِ غدًا. لدينا أمر مهم لنتحدث عنه. قلت ببرود: ليس لدي ما أقوله لك. لكن كلماتها التالية جعلت قلبي يتوقف للحظة. قالت: الأمر يتعلق بالطفل… وبزوجك أيضًا.
عندها فقط أدركت أن القصة… لم تنته بعد.
في تلك اللحظة أدركت أن القصة لم تنته بعد. بقيت ممسكة بالهاتف لثوانٍ بعد أن أغلقت نادين الخط، وأنا أشعر بأن قلبي يخفق بسرعة. لم أكن أعرف لماذا تريد رؤيتي، ولا لماذا ذكرت سامي والطفل في نفس الجملة، لكن شيئًا بداخلي قال لي إن هناك شيئًا أكبر مما فهمته حتى الآن. تلك الليلة لم أنم تقريبًا. بقيت أتقلب في السرير وأفكر في كل ما حدث خلال الأشهر الماضية، كيف أقنعني سامي، كيف ضغط عليّ، كيف جعلني أشعر بالذنب حتى وافقت، وكيف اختفى بعد أن حصل على المال. كنت أشعر بالغضـ,ـب، لكن خلف الغضب كان هناك شيء آخر… إحساس بأنني تعرضت لخدعة أكبر مما أتصور.
في صباح اليوم التالي أخذت آدم إلى المدرسة كعادتي. كان يمسك بيدي ويتحدث بحماس عن درس الرسم الذي سيحضره اليوم. كنت أنظر إليه وأشعر بوخز في قلبي، لأنني أعرف أن حياتنا لن تكون سهلة بعد الآن. عندما تركته عند البوابة وقبلته على جبينه، وعدت نفسي بشيء واحد: مهما حدث، لن أسمح لأحد أن يؤذيه أو يستغله كما فعل سامي معي.
بعد ذلك توجهت إلى العنوان الذي أرسلته لي نادين. لم يكن مكتب الشركة، بل كان منزلًا كبيرًا في حي راقٍ من القاهرة. عندما وصلت وقفت للحظة أمام البوابة الحديدية الضخمة وأنا أشعر بالتردد. جزء مني كان يريد أن يستدير ويغادر، لكن جزءًا آخر كان يريد إجابات. ضغطت الجرس، وبعد لحظات فتح الحارس البوابة وأشار لي بالدخول.
قادني إلى صالة واسعة ذات نوافذ طويلة تطل على حديقة خضراء. كان المكان هادئًا جدًا، لدرجة أنني كنت أسمع صوت خطواتي على الأرضية الرخامية. بعد لحظات دخلت نادين. كانت ترتدي بدلة أنيقة كما رأيتها دائمًا في الشركة، لكن هذه المرة كانت تحمل الطفل بين ذراعيها. الطفل الذي حملته تسعة أشهر.
شعرت بشيء يعتصر صدري عندما رأيته. كان نائمًا بسلام، وكأن العالم كله لا يعنيه. رفعت عيني إلى نادين وقلت ببرود: لماذا طلبتِ أن تريني؟
جلست على الأريكة المقابلة لي وقالت: لأن هناك أشياء يجب أن تعرفيها.
قلت بحدة: لا أريد أن أسمع أي شيء منك. أنتِ وزوجي خدعتماي.
لم تبدُ متأثرة بكلامي. قالت بهدوء: نعم، سامي خدعك. لكنه خدعني أنا أيضًا.
تجمدت في مكاني. ماذا تقصدين؟
تنهدت قليلًا ثم قالت: عندما جاءني سامي بفكرة الأم البديلة، ظننت أنه يفعل ذلك بدافع إنساني… وأنه يريد مساعدتي فقط. لكنه في الحقيقة كان يطلب المال منذ البداية. مبلغًا كبيرًا.
قلت بمرارة: وقد أعطيته له.
هزت رأسها ببطء. نعم… لكن ليس كله.
شعرت بأنني لا أفهم ما يحدث. قلت: ماذا تعنين؟
قالت وهي تنظر إلى الطفل: سامي لم يكن يريد الترقية فقط… كان يريد الهروب.
الهروب؟
قالت: كان غارقًا في ديون ضخمة. قروض، مراهنات، وأشياء أخرى. عندما جاءني بالعرض، أدركت أنه يريد المال بأي طريقة.
بدأت الكلمات تتجمع في رأسي مثل قطع أحجية مرعبة. قلت بصوت خافت: إذًا… كل هذا كان خطة؟
قالت: نعم… لكنه لم يكن يتوقع أنني سأكتشف الأمر.
رفعت رأسي بسرعة. اكتشفت ماذا؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: اكتشفت أنه حاول الاحتيال عليّ.
شعرت بأن قلبي يخفق بقوة. قالت: بعد أن تم الاتفاق، طلب أن يُحول المال إلى حسابه مباشرة، بحجة أنه سيتولى كل الإجراءات الطبية والاتفاقات القانونية. لكنني لم أكن غبية. لذلك دفعت جزءًا فقط، والباقي كان سيُدفع بعد الولادة.
قلت ببطء: لكنه اختفى بعد الولادة مباشرة…
قالت: بالضبط. لأنه كان يظن أنني دفعت كل المال.
ساد الصمت بيننا للحظة.
ثم قالت شيئًا لم أكن مستعدة لسماعه.
قالت: لكنه لم يختفِ وحده.
تجمدت في مكاني. ماذا تقصدين؟
نظرت إلي مباشرة وقالت: سامي لم يهرب… بل اختفى.
اختفى؟
هزت رأسها. نعم. منذ أسبوعين لم يتمكن أحد من العثور عليه.
شعرت ببرودة تسري في جسدي. قلت: هل تتوقعين مني أن أقلق عليه بعد ما فعله؟
قالت: ليس هذا ما أعنيه.
ثم انحنت قليلًا إلى الأمام وقالت بصوت منخفض: الشرطة تبحث عنه.
الشرطة؟
قالت: لأنه أخذ المال… لكنه لم يكن الوحيد الذي يبحث عنه.
بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي. قلت: من؟
صمتت للحظة قبل أن تقول: الأشخاص الذين كان مدينًا لهم.
شعرت بأن الغرفة أصبحت أصغر فجأة. قالت: سامي اقترض المال من أشخاص خطرين جدًا… وكان يظن أن الصفقة معي ستنقذه.
قلت: لكنه اختفى…
قالت: نعم… وهذا يعني أنهم سيبحثون عنه.
نظرت إليّ بعينين ثابتتين وقالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي.
قالت: وإذا لم يجدوه… فقد يبحثون عن عائلته.
شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
قلت بصوت مرتجف: ماذا يعني هذا؟
قالت بهدوء: يعني أنكِ أنتِ وآدم قد تكونان في خطر.
بقيت صامتة لثوانٍ طويلة وأنا أحاول استيعاب ما قالته.
ثم سألتها: ولماذا تخبرينني الآن؟
قالت: لأنني أعتقد أنكِ تستحقين معرفة الحقيقة… ولأنني لا أريد أن يحدث لكِ شيء بسبب غباء زوجك.
وقفت من مكاني ببطء وأنا أشعر بأن حياتي كلها انقلبت رأسًا على عقب مرة أخرى.
لكن قبل أن أصل إلى الباب قالت شيئًا أخيرًا.
قالت: هناك أمر آخر يجب أن تعرفيه.
التفت إليها ببطء.
قالت وهي تنظر إلى الطفل: هذا الطفل… قد يكون الشيء الوحيد الذي سيقودنا إلى سامي.
لم أفهم ما قصدته في تلك اللحظة.
لكنني لم أكن أعرف أن الأيام القادمة… ستكشف سرًا أكبر بكثير مما تخيلت.


تعليقات
إرسال تعليق