القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دخلت المطعم بتاعي 



دخلت المطعم بتاعي 

دخلت المطعم بتاعي، اللي بيقدم أغلى حتة لحمة في مصر، وأنا لابس لبس "شحات" ومبهدل.. طلبت أغلى طبق في المنيو، بس الورقة اللي الجرسونة زحلقتهالي على الترابيزة خلت جسمي يتنفض وغيرت حياتي للأبد.


أنا حسين الشاذلي، عندي كل حاجة الفلوس تشتريها.. كل حاجة إلا الحقيقة.


في سن الاتنين وأربعين، وأنا رئيس مجلس إدارة "مجموعة الشاذلي القابضة"، ثروتي كانت معدية الـ 10 مليار دولار. بمتلك أبراج إزاز في العاصمة، وبحرك البورصة بكلمة، وقاعد على قمة إمبراطورية فنادق ومطاعم "ستيك" الصفوة بيروحوا يدفعوا فيها آلاف الجنيهات عشان بس يحسوا إنهم مهمين لمدة ساعتين.


من بره، حياتي كانت زي الحديد. من جوه، كانت "فشنك".


ورا شبابيك مكتبي في التجمع الخامس، كنت بحس إن كل كلمة مدح متسمّعة، وكل ابتسامة وراها مصلحة. مفيش حد بقى بيقولي الحقيقة.. لا الموظفين، ولا المديرين، ولا حتى الستات اللي بيضحكوا بصوت عالي على نكتي البايخة.


عشان كدة، كل كام شهر، كنت بختفي.


من غير سكرتارية.. من غير المرسيدس والسواق.. من غير البدلة الـ "كاستم ميد".


كنت


بغير الهدوم الماركة بهدوم بالة قديمة، وجزمة مقشرة، ونضارة نظر رخيصة. في مراية حمام بنزينة على الطريق، الملياردير كان بيتبخر.. واللي بيبان مكانه هو "عم حسين"، راجل غلبان ومطحون، باين عليه إن الإيجار متأخر عليه، وإن الدنيا مدياله ضهرها من سنين.

الليلة دي، رجلي جابتني لمطعم "البرنس الذهبي"، الجوهرة اللي في تاج إمبراطوريتي.


عمري ما دخلته قبل كدة بصفتي الحقيقية.


كنت بقرا التقارير طبعاً؛ "عصام فوزي" مدير قطاع الضيافة كان بيقولي إن المكان "فوق الممتاز". خدمة ملوكي، أرباح قياسية، وزبون طاير من الفرحة. بس أنا عارف إن الورق بيعرف يكذب بوش مكشوف، والأرقام ممكن تلمع وتحتها بلاوي.


زقيت الباب البرونز التقيل ودخلت.


ريحة الشوي والزبدة والبرفانات الغالية خبطت في وشي. الصالة كانت منورة بنور هادي، والناس الأكابر قاعدين يهمسوا ببريستيج. عند الاستقبال، كانت فيه بنت شقراء رفعت عينيها وهي مجهزة الابتسامة اللي متدربة عليها..


أول ما شافت قميصي الكاروهات الباهت، وشها قلب في ثانية.


"في حجز يا فندم؟" سألت بلهجة ناشفة تقطع


الوش.

رديت بصوت واطي: "لأ.. تربيزة لفرد واحد بس."


شفايفها اتمطت بضيق: "المطعم محجوز كله.. ممكن أقعدك جنب باب المطبخ."


أوحش تربيزة في المكان.


قريب من الصهد، وصوت زعيق الشيفات، وخبط الأطباق.


ابتسمت لنفسي وقلت: "تمام.. زي الفل."

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وقلت في سري: ده فعلاً المكان اللي استاهله دلوقتي.


من مكاني المتطرف ده، بدأت أراقب المطعم زي العالم اللي بيفحص عينة ملوثة. الجرسونات كانوا بيتحركوا بشياكة، بس معاملتهم كانت بتتغير حسب الماركة اللي لابسها الزبون. الضحكة بتطلع أسهل للي "شكله دفع"، والاهتمام بيزيد للي باين عليهم العز.


وفي نص الصالة، كان مدير المطعم، "علاء"، بيتحرك ببدلة ضيقة شوية، يضحك في وش الزبائن "التقيلة"، ويلف الناحية التانية يدي أوامر بالزعيق للجرسونات اللي باين في عينيهم الرعب.


كل حاجة ماشية زي الساعة.. كل حاجة بتجيب فلوس.. بس كل حاجة كانت "ميتة".


لحد ما شفتها.


بنت في العشرينات، شعرها ملموم "ديل حصان"، وتحت عينيها سواد من كتر السهر والتعب. اسمها على الكارت "مريم". لبسها كان زي الفل، بس كعب جزمتها كان


متآكل وبايظ.

قربت من تربيزتي بنفس الاحترام اللي بتديه لأي حد تاني.


"مساء الخير يا فندم،" قالت بصوت تعبان بس واثق. "تحب تشرب حاجة في الأول؟"


قصدت أطلب أرخص حاجة في المنيو.


ولا الهوا.. مريم مظهرش على وشها أي تعبير تقليل مني.


"تحت أمرك،" قالت بهدوء، وراحت جابت الطلب.


لما رجعت، رفعت عيني فيها وطلبت أغلى حاجة في المطعم.


"عايز الـ 'إمبايور كات'.. قطعة الـ 1200 جرام.. وعليها إضافات الترافل."


إيدها اللي بتكتب وقفت لحظة.


وهو كملت: "وعايز أعتى نوع عصير معتق عندكم."


هنا مريم متمالكتش نفسها.


لأول مرة بصت على كم قميصي المنسل، وبعدين بصت في عيني. مكنتش نظرة قرف، ولا حتى شك.. كانت نظرة "خوف عليه".


كأنها بتحاول تفهم هو الراجل الغلبان ده عارف هو بيعمل إيه؟ عارف هيدفع كام في الآخر؟


وفي اللحظة دي، عرفت إن مريم هي أول "وش حقيقي" أشوفه طول الليل.


مريم سابتني ومشيت وهي بتبص وراها بقلق، وأنا فضلت قاعد أراقب المسرحية الهزلية اللي بتحصل في مطعمي. "علاء" المدير كان بيمسح جوخ لراجل أعمال قاعد بعيد، وفي نفس الوقت بيدي


"نظرات نار" لمريم كل ما تعدي من جنبه، وكأنه بيحذرها إنها بتضيع وقت مع "زبون جربان" زيي.

 

بعد نص ساعة، مريم رجعت ومعاها الطلب. حطت الأطباق بقمة الشياكة، وقبل ما تمشي، مالت عليا وكأنها بتمسح الترابيزة، وزحزحت ورقة صغيرة مطبقة تحت حرف الطبق.


فتحت الورقة بصباعي تحت الترابيزة، وقلبي بدأ يدق بسرعة مكنتش متوقعها. كان مكتوب فيها بخط إيد مهزوز:


"يا حاج، لو سمحت بلاش تطلب الحاجات دي.. السعر اللي في المنيو حقيقي مش هزار، والمدير هنا معندوش رحمة، لو مكنش معاك تمنها هيطلبلك البوليس وهيهينك قدام الناس. أنا لغيت الطلب الغالي من السيستم وهنزل لك وجبة موظفين على حسابي.. كل واتكل على الله قبل ما المدير ياخد باله."


بصيت لمريم وهي بعيد، كانت بتبصلي بخوف حقيقي، مش خوف من المدير، ده خوف "عليّ" أنا. البنت دي كانت مستعدة تضحي بشغلها، وربما بمرتبها اللي


هي محتاجاه عشان جزمته المقشرة، بس عشان تحمي راجل غلبان هي متعرفوش من "بهدلة" محتملة.

في اللحظة دي، الدم غلي في عروقي. مش عشانها، عشان "علاء" والسيستم اللي أنا بنيته وخلى الناس الطيبة اللي زي مريم تعيش في رعب.


طلبت الحساب.


مريم جت وهي وشها جايب ألوان، وحطت قدامي فاتورة صغيرة جداً (تمن المية بس).


في اللحظة دي، "علاء" المدير ظهر فجأة زي القضا المستعجل، وسحب الفاتورة من إيدها.


"إيه ده يا مريم؟ الراجل ده طالب 'الإمبايور كات'.. فين الحساب؟"


مريم بدأت تتلعثم: "يا فندم هو.. هو غير رأيه وأنا.."


علاء قاطعها بصوت عالي لفت نظر المطعم كله: "انتي هتستهبلي؟ أنا شايفه وهو بيطلب الطلب الغالي! انتي فاكرة إننا فاتحينها تكية؟ ولا انتي بتقبضي من ورايا يا بت؟"

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بصلي


باحتقار وقال: "وأنت يا شاطر.. فاكر إنك هتدخل تتمنظر وتخرج ببلاش؟ ادفع تمن اللي طلبته وإلا والله العظيم ما هخرجك من هنا غير على القسم، وهخليك عبرة لكل الأشكال اللي زيك."

قمت وقفت ببطء. مريم كانت بتعيط وصوت شهقاتها واصل لي.


قلتله بهدوء مستفز: "أنا هدفع.. بس هدفع التمن اللي المكان ده يستحقه فعلاً."


طلعت تليفوني، واتصلت برقم واحد. "عصام فوزي؟ انزلي حالاً عند 'البرنس الذهبي'.. أنا واقف في صالة المطعم."


علاء ضحك بسخرية: "بتكلم مين يا روح أمك؟ عصام بيه فوزي؟ أنت اتجننت؟"


خمس دقائق والمطعم كله سكت. عصام فوزي، مدير قطاع الضيافة، دخل بيجري، ووشه أصفر زي الليمونة أول ما شافني باللبس ده.


"حسين بيه؟! خير يا فندم؟"


علاء وقع من طوله، والزبائن سكتوا تماماً.


بصيت لعلاء وقلت بصوت هز حيطان المكان:


"المكان ده من اللحظة دي 'مقفول' للصيانة.. مش صيانة الحيطان، صيانة 'النفوس'. أنت يا علاء، مطرود، ومش عايز أشوف وشك في أي شركة شايلة اسم الشاذلي تاني. والآنسة اللي كانت في الاستقبال تلحقك."


بصيت لمريم اللي كانت واقفة مذهولة، دموعها لسه على خدها بس عينيها مش مصدقة.


روحت عندها وقلت لها: "يا مريم، الورقة بتاعتك دي أغلى من كل الدهب اللي في المطعم ده. من بكرة، انتي مديرة الفرع ده.. وبمرتب المديرين، وأي حد هيتعامل مع زبون بناءً على لبسه، حسابه معايا أنا شخصياً."


طلعت من المطعم وأنا حاسس لأول مرة من سنين إن الهوا نظيف.


ركبت تاكسي بسيط، وبصيت للقاهرة من الشباك.. عرفت إن الحقيقة مش في المكاتب المكيفة، الحقيقة في قلوب


الناس اللي لسه بتخاف على بعضها من غير مقابل.

 

تعليقات

close