يقول صاحب المطعم كل يومين منذ شهر تآتي جارتنا
يقول صاحب المطعم كل يومين منذ شهر تآتي جارتنا
كنت أجلس في محلي الصغير الذي تعبت في تأسيسه مطعم شعبي بسيط يبيع أكلات يومية يعرفها كل الناس الفول الفلافل الشوربات الدجاج المشوي والمقبلات. المكان ليس كبيرا لكنه أصبح ملاذا للعمال والطلاب والفقراء وحتى الموظفين.
ومع مرور الأيام بدأت ألاحظ شيئا غريبا يتكرر بشكل منتظم. امرأة في منتصف العمر أو ربما أكبر بقليل تأتي كل يومين تقريبا منذ أكثر من شهر تطلب كميات كبيرة من الطعام كميات تفوق حاجتها كفرد واحد يعيش وحده.
في البداية لم أكن أركز كثيرا ربما لديها ضيوف ربما ترسل الطعام لغيرها. لكن الغريب أنها تعيش في بيت فقير في آخر الحارة ونعرف جميعا أنها لا تملك من الدنيا سوى ابن واحد مسافر إلى الخارج تركها منذ سنوات ولم يعد.
كانت تأتي بصمت تختار الطلبات وتدفع ثمنها دون نقاش. لم تساومني يوما على السعر لم تشتك من الغلاء ولم تطلب مني أن أساعدها أو أن أقسط لها المبلغ. ومع أني أعرف وضعها المادي إلا أنها كانت تدفع وكأن المال لا يشكل عائقا.
أنا وجاري صاحب محل الأدوات المنزلية لاحظنا الأمر وبدأ الفضول ينهشنا. كنا نتساءل
لماذا تشتري هذه المرأة كل هذا
لمن تطبخ تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
من يأكل كل هذه الكميات
وفي يوم جلسنا مع صديقنا بائع الخضار القريب وسألناه إن كان يعرف شيئا. ابتسم بائع الخضار وقال
نعم لقد أتتني قبل أيام وأخذت تقريبا كل الخضار التي عندي!
هنا بدأنا نشعر أن الأمر أكبر من مجرد شراء عادي. قلت لصديقي
تخيل! جاءتني وطلبت كمية تكفي لثلاثين
شخصا أو أكثر. لا بد أن وراءها قصة غريبة.
كلنا اتفقنا أننا نريد أن نفهم ما سر هذه المرأة ولماذا تفعل ذلك
مرت الأيام ولم تعد المرأة تأتي. أسبوع كامل ثم أسبوع ثان وبدأ القلق يتسلل إلى قلبي. هل أصابها مكروه هل مرضت هل ماتت
كنت أفتقد حضورها الغامض. صارت جزءا من يومياتي.
ثم وبعد أسبوعين من الغياب ظهرت فجأة من جديد. دخلت المطعم بخطواتها البطيئة وجهها الشاحب وابتسامتها البسيطة. لكنها هذه المرة طلبت كمية مضاعفة أكثر من أي مرة سابقة.
لم أتمالك نفسي. قلت لها بلطف
يا خالة الطلب كبير جدا وصعب أن تحمليه وحدك. أخبريني أين تريدين إيصاله وسأساعدك.
لكنها رفضت بابتسامة مؤدبة وشكرتني ثم حملت الأكياس ومضت.
وقفت أحدق في ظهرها وهي تبتعد قلبي مليء بالفضول والشفقة في الوقت ذاته.
قررت أن أرسل أحد موظفي ليتبعها خفية. لم يكن الهدف التجسس بل المساعدة. أردت أن أعرف قصتها أردت أن أمد لها يد العون.
عاد الموظف بعد ساعات وعيناه دامعتان وصوته مختنق.
قلت له بلهفة
ماذا حصل هل ساعدتها
قال وهو يبكي
يا أستاذ هذه السيدة معجزة. لقد تبعتها دون أن تشعر. كانت كل خطوة تتوقف لتستريح ثم تواصل المشي. عرضت عليها المساعدة لكنها رفضت بإصرار. تابعتها حتى وصلت إلى مكان لم أتوقعه دار أيتام.
تجمدت في مكاني والدم يسري في عروقي كالنار.
دار أيتام!
نعم دخلت وهي محملة بالأكياس وهناك عشرات الأطفال ينتظرونها بفرح كأنها أمهم جميعا. عندما رأوها ركضوا نحوها يضحكون
ويهتفون. فتحت الأكياس وبدأت توزع عليهم الطعام. كانت لحظة لا توصف.
شعرت أن الدنيا تدور بي. امرأة فقيرة وحيدة مريضة ومع ذلك تنفق بسخاء على أطفال لا يمتون لها بصلة!
لم أستطع أن أنام تلك الليلة. في الصباح ذهبت إلى دار الأيتام بنفسي وسألت عن هذه المرأة.
أخبروني أنها تأتيهم منذ فترة طويلة تحمل الطعام والملابس وحتى الألعاب. الأطفال يحبونها جدا والمدير يصفها بالملاك الحارس.
لكنني أردت أن أعرف أكثر. من تكون من أين تأتي بالمال
أحد العاملين هناك قال لي
إنها ورثت مبلغا كبيرا من عائلتها وكانت تحتفظ به لابنها الوحيد. لكن ابنها تركها وسافر وتزوج ولم يعد يسأل عنها أبدا. ذات يوم دخلت دار الأيتام وجلست تبكي لأن أحد الأطفال يشبه ابنها كثيرا. ومنذ ذلك الحين وهي تعتبر هؤلاء الأطفال أبناءها.
ثم أضاف بحزن
هي مريضة جدا وأيامها معدودة. حاولت أن تتواصل مع ابنها لتراه قبل أن تموت لكنه لم يبال. لهذا قررت أن تضع كل أموالها هنا للأيتام لا لابنها.
شعرت بغصة في حلقي. تمنيت لو كانت أمي لأرعاها وأقبل يديها كل يوم.
لما خرجت من دار الأيتام جلست على الرصيف القريب أشعر أني أثقل من أن أتحرك.
تذكرت وجهها حين كانت تقف أمامي في المطعم صامتة عيناها متعبتان لكن فيهما نور غريب. لم أكن أعرف أن خلف هذا الصمت حكاية من ألف حكاية.
بدأ عقلي يرسم صورا من ماضيها
امرأة في ريعان شبابها تربي ابنها الوحيد بكل حب تسهر على مرضه تحرم نفسها لتطعمه تبتسم حين
يبتسم وتبكي حين يبكي.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ثم كبر الولد شب على كتفيها سافر بعيدا ليبني حياته لكنه نسيها. تركها في بيتها الصغير تنتظر رسالة اتصال كلمة حنان لكنها لم تأت.
كم مرة نظرت إلى الهاتف تنتظر صوته كم مرة نامت على وسادتها تبكي كم مرة سألت نفسها هل قصرت في حقه هل كان ينقصه شيء
لكنها لم تكره لم تحتقد. قلبها أوسع من أن يحمله حقد. لهذا حين رأت طفلا يشبه ابنها في دار الأيتام تعلقت به وكأنه هو. ثم تعلقت بجميع الأطفال. صاروا أبناءها جميعا.
بعد أن عرفت الحقيقة لم أستطع أن أبقيها سرا في قلبي. عدت إلى جاري صاحب محل الأدوات المنزلية وإلى بائع الخضار وجلست معهما أحدثهما.
أتدرون أين تذهب بالطعام
إلى أين قل لنا لقد متنا فضولا.
إنها تذهب إلى دار أيتام يا أصدقائي.
ساد الصمت ثم نزلت الدموع من عيني بائع الخضار وقال بصوت مرتجف
والله هذه المرأة أطهر منا جميعا. نحن نظن بها الظنون وهي تفعل ما يعجز عنه الكبار.
ومنذ ذلك اليوم تغير شعورنا نحوها. لم تعد مجرد امرأة غامضة نراقبها بل أصبحت قدوة لنا. صرنا نرى خطواتها وهي تمشي مثقلة بالأكياس فنشعر بالخجل من أنفسنا.
مرت أسابيع قليلة ثم بدأت أخبار سيئة تنتشر. الخالة هكذا كنا نسميها مريضة جدا. قيل إنها لا تستطيع القيام من فراشها أحيانا. ومع ذلك كانت تصر على الذهاب لدار الأيتام.
كنت أراها تدخل محلي وهي تتصبب عرقا يداها ترتجفان لكن عينيها فيهما بريق العطاء.
قلت لها ذات مرة
يا خالة لماذا تتعبين نفسك هكذا أنت مريضة. دعينا نحن نوصل الطعام.
ابتسمت وقالت
يا
بني أنا أعيش فقط حين أحمل هذه الأكياس. لو تركتها سأموت قبل أواني.
تجمدت كلماتي في حلقي. ما هذه القوة ما هذا القلب
لم يكن بإمكاني أن أظل صامتا. قررت أن أبحث عن ابنها. سألت وعرفت أنه يعيش في الخارج في مدينة بعيدة متزوج ولديه عمل جيد.
اتصلت به وأخبرته أن أمه مريضة وتحتاج إليه. رد ببرود
مشغول. لا أستطيع أن أعود الآن. دبروا أمركم.
صعقت. كيف يمكن لابن أن يتخلى عن أمه بهذه السهولة أغلقت الهاتف ودموعي تسيل.
عدت إليها وأخبرتها أنني حاولت التواصل بابنها. ابتسمت بحزن وقالت
أعلم يا بني. لقد مات ابني في قلبي منذ تركني.
ذات مساء جلست بجوارها في بيتها الصغير. كانت مرهقة جدا. ناولتني ورقة صغيرة وقالت
هذه وصيتي. كل ما ورثته من عائلتي وكل ما جمعته سيكون للأيتام. لا أريد أن يأخذ ابني شيئا فهو لم يعد ابني.
أخذت الورقة وأنا أشعر أني أحمل جبال الدنيا. أي قلب هذا أي قوة
لم تمض أيام حتى وصلني الخبر الذي خشيت سماعه الخالة رحلت.
رحلت بصمت كما عاشت. لكن جنازتها لم تكن صامتة. خرج أهل الحارة جميعا وخرج أطفال دار الأيتام يبكون كأنهم فقدوا أمهم الحقيقية.
حين حملنا نعشها شعرت أني أحمل نعش أمي. تمنيت لو كنت ابنها لو كنت أستحق أن أناديها أمي.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بعد أيام علمت أن دار الأيتام استلمت المبلغ الكبير الذي تركته. صار المكان أجمل الأطفال يأكلون جيدا يلبسون ملابس جديدة يلعبون. وكل هذا بفضلها.
جلست في محلي بعد فترة أتذكر
كل شيء. لم تعد تأتي لم تعد هناك خطوات بطيئة تحمل الأكياس لم تعد الابتسامة البسيطة. لكن أثرها باق.
علمتنا أن العطاء لا يحتاج إلى غنى ولا إلى قوة بل إلى قلب حي. علمتنا أن الأمومة لا تقاس بالدم بل بالرحمة.
ومنذ ذلك اليوم أقسمت أن أزور دار الأيتام بانتظام. لم أكن أملك الكثير لكني أحمل معهم ما أستطيع. وكلما نظرت إلى الأطفال تذكرت الخالة وقلت في نفسي رحمك الله يا أمي الثانية.
بعد أيام قليلة من جنازتها صار أهل الحارة يتحدثون عنها أكثر من أي وقت مضى. كل واحد صار يروي موقفا شخصيا عاشه معها.
بائع الخضار قال وهو يبكي
والله كانت تدخل محلي وعيوني تدمع من طيبتها. ما كانت تسأل عن السعر كانت تقول زن لي كما يزن قلبك. ما معنى هذا أي قلب يحمل مثل هذه الكلمات
صاحب الدكان المجاور قال
أتدرون ذات مرة تركت عندي مئة دينار وقالت إذا مر طفل فقير ولم يجد ثمن شيء من الحلوى أعطه مما عندك واحسبه علي. لم يخطر ببالي أنني أتعامل مع ولية من أولياء الله.
حتى الأطفال في الشوارع صاروا يتذكرونها. كانت تجلس أحيانا على الرصيف وتوزع عليهم قطع البسكويت البسيطة. لم تكن تملك رفاهية كبيرة لكن كان لديها قلب يسع الدنيا.
بعد أن وصل الميراث لدار الأيتام تغير حال الأطفال تماما.
صار لديهم طعام يومي أفضل غرف جديدة بنيت وأدخلت ألعاب وأثاث جديد.
لكن الأهم من كل ذلك أن الأطفال لم ينسوا أمهم. كانوا يضعون صورتها التي التقطها أحد المتطوعين
في الصالة الكبيرة ويجلسون حولها كأنها ما زالت بينهم.
مدير الدار قال لي يوما
المال مهم نعم. لكنه ليس أهم ما تركته. أهم ما تركته هو أثرها في نفوس هؤلاء الصغار. صاروا يؤمنون أن هناك من يحبهم حتى لو لم تكن لهم عائلات.
لم يهدأ بالي تجاه ابنها. كيف يمكن أن يعيش مرتاحا وقد ترك أمه تموت وحدها
قررت أن أواجهه. اتصلت به مجددا وقلت له
أمك رحلت.
ساد صمت على الطرف الآخر ثم قال ببرود
الله يرحمها.
صرخت فيه
ألا تخجل من نفسك! تركتها وهي تناديك. حرمتها من كلمة واحدة من نظرة من لمسة. أتدري ماذا فعلت بمالها أعطته للأيتام. لم تترك لك شيئا.
تلعثم للحظة ثم قال
هي حرة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أغلقت الهاتف في وجهه. شعرت أن هذا الرجل فقد إنسانيته. تمنيت لو كنت أنا ابنها بدلا منه.
في إحدى الليالي رأيتها في منامي. كانت تلبس ثوبا أبيض تبتسم وتقول
لا تحزن علي يا بني. أنا لم أمت أنا أعيش في قلوب الأيتام.
استيقظت ودموعي على وجهي. شعرت أن رسالتها وصلتني اكمل ما بدأته.
منذ ذلك اليوم لم أعد مجرد صاحب مطعم يبيع الطعام. أصبحت شخصا آخر.
بدأت أخصص جزءا من دخلي لدار الأيتام. صرت أذهب بنفسي لأطبخ لهم مرة في الأسبوع.
وصار جاري بائع الخضار يفعل الشيء نفسه. حتى أصحاب المحلات الأخرى بدأوا يتسابقون لفعل الخير.
كل هذا بسبب امرأة واحدة امرأة كانت وحيدة لكنها صنعت من وحدتها جيشا من المحبين بعد رحيلها.
بعد فترة جاءني أحد الأطفال
من دار الأيتام يحمل ورقة مطوية. قال
هذه تركتها الخالة لك.
فتحت الورقة فإذا بها بخط يدها المرتعش
يا بني أشكرك لأنك كنت تبتسم لي كلما دخلت محلك. قد لا تعلم لكن ابتسامتك كانت تسندني حين يخذلني العالم. أوصيك أن تظل تبتسم فالابتسامة قد تنقذ إنسانا من الانكسار. وإن استطعت فأطعم جائعا أو امسح دمعة فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
قرأت الكلمات مرارا ودموعي تنهمر. شعرت أنني صرت ابنها حقا.
بدأنا نروي قصتها في الحارة لكل صغير وكبير. صار اسمها يتردد كأنها رمز.
الخالة الفاضلة.
أم الأيتام.
الملاك الذي عاش بيننا.
حتى المسجد القريب خصص خطبة جمعة للحديث عن سيرتها. الإمام قال
هذه المرأة لم تكن غنية ولم تكن قوية لكنها فهمت معنى العطاء الحقيقي. نحن جميعا مسؤولون أن نحمل رسالتها.
مرت سنوات وكبر بعض الأطفال في دار الأيتام. صاروا شبابا بعضهم التحق بالجامعة وبعضهم فتح محلات صغيرة.
لكنهم جميعا ظلوا يذكرونها. كانوا يقولون
لولاها لما شعرنا أن لنا أما.
أحدهم واسمه سامر وقف أمامي وقال
أريد أن أكون مثلها أن أعطي كما أعطت.
أدركت حينها أن أثرها لن ينتهي.
ها أنا الآن بعد سنوات من رحيلها أكتب قصتها لأرويها للعالم.
قصة امرأة لم يعرفها أحد لكنها علمتنا جميعا معنى الرحمة.
قصة أم تركها ابنها لكنها لم تترك أبناء غيرها.
قصة إنسانة بسيطة لكنها صنعت فرقا أكبر من ألف غني.
وأنا أكتب أشعر أني أسمع صوتها
لا تتوقفوا عن العطاء. فالدنيا لا تبقى لأحد لكن الأثر يبقى خالدا.


تعليقات
إرسال تعليق