تجاهل كل البنات
تجاهل كل البنات
تحت سماء القاهرة في ليلة هادئة، والنجوم باينة فوق، كان قصر الكيلاني واقف في التجمع الخامس كأنه عالم لوحده… عالم مليان فلوس ونفوذ وناس من طبقة مختلفة تمامًا.
الليلة دي كانت حفلة كبيرة جدًا، من النوع اللي بيحضره رجال أعمال كبار ومشاهير المجتمع. العربيات الفخمة كانت واقفة قدام القصر، والحراس منتشرين في كل مكان، والضيوف داخلين ببدل وفساتين أسعارها ممكن تشتري شقق كاملة.
وسط كل ده… كان واقف أحمد الكيلاني.
أحمد عنده سبعة وتلاتين سنة، واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر، لكن عينيه كانت بتحكي حزن قديم.. وجع ساكن جواه من عشرين سنة لما فقد حبه الأول “أمل” في حادثة قدام باب القصر، ومن يومها قلبه اتقفل.
نقطة التحول
الساعة عشرة ونص، أحمد كان واقف في الشرفة بياخد نفس، ولمح سلمى.
سلمى بنت “فاطمة” الشغالة القديمة في القصر، عندها أربعة وعشرين سنة، لابسة زي الخادمات البسيط، لكن ملامحها وطريقة حركتها كانت فيها عزة نفس غريبة. شافها وهي بترد بذكاء على واحد من الضيوف المتكبرين، وشافها وهي بتساعد ست عجوزة بحنية.. في اللحظة دي، افتكر كلمة “أمل” قبل ما تموت: “الحب الحقيقي ساعات بييجي في شكل ما تتوقعوش.”
بدأت موسيقى الفالس، والقاعة سكتت مستنية “أحمد الكيلاني” يختار واحدة من بنات العائلات الكبيرة.. ليلى أو نورهان أو ياسمين. لكن أحمد مشى بخطوات ثابتة، عدى من جنبهم كلهم، ووقف قدام سلمى اللي كانت بتلم الكاسات الفاضية.
مد إيده وقال بصوت هادي سمعته القاعة كلها:
— “تسمحيلي بالرقصة دي؟”
العاصفة
سلمى اتجمدت في مكانها، والصينية اتهزت في إيدها. بصت في عيون أحمد لقت فيهم رجاء غريب، حطت الصينية بتردد ومدت إيدها. في لحظة، تحولت القاعة لبركان من الهمس والاعتراض.
عثمان الكيلاني، عم أحمد والراجل اللي بيفكر بس في المظاهر، مشى ناحيتهم بغضب ووقف الموسيقى:
— “أنت اتجننت يا أحمد؟ بتهين اسم العيلة قدام الناس عشان خاطر بنت الشغالة؟ البنت دي تخرج بره القصر حالاً!”
أحمد مش بس مسابش إيد سلمى، ده قربها منه أكتر وقال بصوت مرعب في قوته:
— “القصر ده ملكي، والحفلة دي باسمي.. وسلمى مش هتخرج. ولو هي خرجت، أنا هخرج معاها ومش هعتب القصر ده تاني.”
عثمان اتراجع لورا وهو مش مصدق، والضيوف بقوا يبصوا لبعض بذهول. أحمد شاور للفرقة تكمل، وبدأ يرقص مع سلمى وسط القاعة الفاضية.. كانت رقصة كأنها من زمن تاني، سلمى كانت بتتحرك بخفة خلت الكل يسكت ويتفرج بذهول، كأنها أميرة متخفية في لبس بسيط.
السر والمواجهة
بعد الرقصة، أحمد خد سلمى للجنينة بعيد عن العيون.
— “أنا عارف إنك مستغربة.. بس أنا شفت فيكي حاجة ملقيتهاش في كل اللي جوه دول.”
سلمى بصت له وعينيها مليانة دموع:
— “أحمد بيه.. أنا مش مجرد بنت فاطمة. أمي فضلت مخبية السر ده سنين.. أنا كنت موجودة يوم الحادثة، كنت طفلة صغيرة وشفت أمل وهي بتموت.”
أحمد اتصدم، وسلمى كملت:
— “أمل قبل ما تموت، عطت لأمي “سلسلة” وقالتلها خلي دي معاكي، ولما البنت دي تكبر وتشوف أحمد حزين، ابقي اديهاله.. أمي كانت خايفة من نفوذ عيلتك، بس أنا الليلة دي قررت ألبس السلسلة تحت هدومي.”
سلمى طلعت سلسلة فضة بسيطة من تحت لبس الشغل.. كانت سلسلة “أمل” اللي ضاعت يوم الحادثة. أحمد انهار وبكى لأول مرة من عشرين سنة، حس إن أمل هي اللي بعتت له سلمى عشان تداوي جرحه.
النهاية
بعد الليلة دي، الدنيا اتقلبت. عثمان حاول يهدد أحمد بسحب الاستثمارات، لكن أحمد كان أقوى، أعلن رسميًا خطوبته على سلمى كارم.
الصحافة اتكلمت عن “سندريلا المصرية”، والناس في الأول انتقدوا، لكن لما شافوا ثقافة سلمى وذكاءها، وإزاي قدرت تطور مؤسسة الكيلاني الخيرية بقلبها الطيب، الكل احترمها.
وفي يوم فرحهم..
أحمد وقف مع سلمى في نفس الشرفة اللي شافها منها أول مرة، وبص للسما وقال بصوت واطي: “شكراً يا أمل.. أنا بصيت كويس، ولقيت الحب فعلاً في المكان اللي مكنتش أتوقعه.”
سلمى بابتسامتها الهادية ضغطت على إيده وقالت:
— “الحب مبيعرفش طبقات يا أحمد.. الحب بيعرف بس القلوب اللي شبه بعضها.”
وانتهت الليلة بضحكة صافية طالعة من قلب “قصر الكيلاني”، اللي مابقاش مجرد حيطان رخام، بقى بيت حقيقي مليان روح وحياة.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق