الملف الازرق
الملف الازرق..
سُوقت العربية ورحت على "مستشفى القصر العيني" وأنا بترعش لدرجة إني وقفت على جنب الطريق أكتر من مرة. أفكاري كانت بتخبط في بعض..
المستشفيات مش بتكلم حد وتقول له تعالَ فوراً إلا لو في مصيبة سودة.. أو معجزة مكنتش على البال.
إستقبلتني موظفة هناك في مكتب صغير جنب العناية المركزة، كان اسمها "مدام ليلى"، وشها كان هادي ومريح وبان عليها إنها شافت ياما من الحالات دي. شرحت لي إن الحادثة كان فيها حريقة ومطر شديد، وإن في زوجين تانيين اتنقلوا لمستشفيات تانية، وحصل لغبطة في المتعلقات الشخصية والبطايق. واحد من الحالتين اتوفى، والتاني حالته حرجة، واتسجلوا بأسماء غلط لحد ما الشرطة خلصت تحرياتها.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بابا وماما لسه عايشين!
ماما كان عندها كسر في الحوض وضلعين وارتجاج، وبابا كان عنده نزيف داخلي وكسر في رجله وحروق بسيطة في دراعه. كانوا تحت تأثير البنج وتعبانين جداً، بس "عايشين". في اللحظة دي طلعت مني صرخة بين الضحك والبكاء.. وبعدها بلحظة، الوجع إتحول لغل ونار بتاكل في قلبي متوفره على روايات واقتباسات
هاني طردني من البيت في أقل من يوم وهو فاكرهم ماتوا!
مدام ليلى سألتني لو في مشكلة في بيانات "أقرب الأقارب"، لأن المستشفى حاولت تكلم الرقم اللي متسجل ومحدش رد. اديتها رقمي، وسألتها مين اللي غير البيانات؟ بصت في السجل وقالت لي إن في حد اتصل الصبح وقال إنه هو المسؤول عن العيلة وطلب إن أي تواصل يكون معاه هو وبس.
طبعاً.. هاني.
دخلت شوفت بابا الأول.. خراطيم، وأجهزة، وجروح، ووشه اللي حافظة تفاصيله أكتر من نفسي كان متغير من
التعب. لما فتح عينه بالعافية وشافني، قال بصوت مبحوح: "منال؟"
مسكت إيده وفضلت أعيط وأبوسها كأني بحاول أثبت لنفسي وليه إنه لسه موجود. بقلم منــال عـلـي
بعدها بشوية، الدكتور قال لي إن ماما بدأت تفوق، دخلت لها. كانت باينة ضعيفة وهشة لدرجة خوفتني أكتر من منظر الدم. بس أول ما عرفت إني جنبها، فتحت نص فتحة وهمست: "مفتاح البيت فين يا منال؟"
هي دي أمي.. حتى وهي بتموت، بتفكر في الأصول والبيت.
حكيت لها اللي حصل بالراحة وعلى أجزاء.. إن هاني في البيت، وقال إن معاه توكيل وطردني.
وشها اتغير، ورغم تعبها، عينيها لمعت بغضب: "لأ.."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قربت منها وسألتها: "يا ماما هو بابا مضاه على حاجة؟ معاه أي ورق؟"
ضغطت على إيدي وهمست بالعافية: "الدرج.. المكتب.. الملف الأزرق."
في الليلة دي، وخالتي سميرة كانت وصلت المستشفى، رحنا سوا على البيت. هاني كان راكن عربيته مكان عربية بابا، ومنور أنوار الشقة كلها كأنه بيعلن سيطرته. لما فتح الباب وشافنا، مكنش طايق نفسه.
— "محدش يدخل هنا، البيت ده في عهدتي"، قالها بجبروت.
خالتي سميرة زقته وقالت له بحسم: "أوعى من وشي يا هاني."
هاني قعد يضحك باستهزاء.. لحد ما قلت له إن بابا وماما عايشين.
عمري ما هنسى شكل وشه. مكنش فيه ذرة فرحة، كان فيه "حسبة برمة" بتدور في دماغه.. وبعدها خوف.
حاول يلم الدور بسرعة، وقال إنه كان "بيحمي البيت"، وإني "فهمت غلط"، وإنه خاف عليا أقعد لوحدي. بس وهو بيرغي، خالتي سميرة راحت لدرج مكتب بابا، وفتحت الدرج التاني، وطلعت "الملف الأزرق".
الملف كان فيه عقود البيت،
والوصية، وتوكيل رسمي بابا كان عامله لخالتي سميرة — مش لهاني — بعد أزمة قلبية جات له من تلات سنين، عشان هي اللي تتصرف لو جراله حاجة. والبيت متقسم شرعاً بيني وبين هاني بس "بعد" وفاتهم. يعني ملوش حق يطردني ولا يغير قفل.
هاني كان بيكذب في كل كلمة.
حاول يخطف الملف، بس خالتي شالته وقالت لي: "اطلبي النجدة يا منال."
وفي اللحظة دي، الستار وقع وكل حاجة انكشفت.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في الأول البوليس اتعامل مع الموضوع كأنه خناقة عائلية، بس الورق والتوكيل غيروا كل حاجة. هاني ملوش أي صفة، وملوش حق يطردني، ولا يغير بيانات المستشفى. الضابط سأله لو كان انتحل صفة "المسؤول الوحيد"، وبدأ هاني يتلجلج بكلمات المتهمين:
— "يا باشا أنا كنت بحاول أساعد أختي بس.". بقلم منــال عـلـي
الضابط أمره يلم حاجته ويمشي من البيت فوراً.
خرج وهو بيصوت ويقول إني بسخن الناس عليه، كأن اللي عمله ده عادي. وقفت في البلكونة مع خالتي، وشنطي لسه في العربية، وحسيت براحة مش قادرة أوصفها.. مش بس انتصار، لكن حسيت إن الأرض رجعت تحت رجلي تاني. الحزن كان مهوهو عليا، بس الحقيقة هي اللي سندتني.
الأسابيع اللي بعد كدة كانت صعبة. كنت متبهدلة بين المستشفى، وشركات التأمين، وتوضيب البيت. عرفت إن هاني كان بدأ يقلب في ورق بابا، وكلم سمسار عشان يثمن البيت، وحتى كان بيحاول يبيع "عدة الميكانيكا" بتاعة بابا من الجراج. مكنش بيحزن.. كان بيعد "الغنائم".
بابا خف الأول، ولما فاق وركز، حكيت له كل حاجة. سمعني وهو ساكت، وبعدين طلب موبايله. وبما إنه مكنش قادر يتكلم كتير، خالتي كلمت المحامي بتاعه،
وفي آخر الأسبوع، هاني استلم إنذار رسمي بمنعه من التصرف في أي حاجة تخص بابا وماما.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ماما خفت ببطء، بس لما رجعت لها صحتها، كانت أشد واحدة فينا. هاني جه المستشفى في يوم وجايب ورد وبيعيط وبيمثل الندم. سابته يتكلم دقيقة، وبعدين قالت له:
"أنت حزنت عليا يا هاني قبل ما ربنا يقبض أمانته.. استعجلت موتنا عشان الورث."
بكي ساعتها، مش عارفة ندم ولا خوف من اللي ضاع منه. قال إنه كان "مزنوق في قرشين" والشيطان إتشطر عليه. بس بابا طرده وقال له ميرجعش إلا لما يفهم إن "المسامحة" مش معناها إنه يدخل البيت تاني.
مرت الشهور.. بابا وماما رجعوا البيت، تعبانين شوية بس منورين الدنيا. الزرع رجع يملى البلكونة، وماما بدأت تمشي بالعكاز، وبابا قاعد قدام التليفزيون بيشتكي من الأفلام الجديدة. الحياة رجعت.. وكل تفصيلة فيها بقت غالية عندي.
هاني اختفى فترة، وبعدين بعت لي رسالة. مكنش بيطلب فلوس، بس اعترف إنه لما افتكر إنهم ماتوا، شاف قدامه فرصة ومقدرش يقاوم طمعه. الخوف خلاه أناني، والطمع خلاه جاحد.
مردتش عليه وقتها.. الحياة مش فيلم بنهاية سعيدة 100%. في جروح بتلم، وجروح بتسيب أثر ميروحش.
أما أنا، فتعلمت درس عمري: عمري ما هخلط بين السكوت والضعف. كنت فاكرة نفسي ماليش ضهر، بس الحقيقة إن الورق، والدليل، وكلمة "لأ" في وقتها.. هما اللي بيعملوا الفرق.
النهارده، بابا وماما لسه معايا. بنتجمع كل يوم جمعة على الغدا. هاني بيحاول يرجع بالراحة، بس بشروطنا إحنا، مش شروطه هو. وأنا رجعت كملت دراستي وبنيت حياتي، وعرفت إن "البيت" مش بس حيطان.. البيت هو المكان اللي حقك فيه محفوظ، والناس اللي فيه بيخافوا عليك بجد.


تعليقات
إرسال تعليق