القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مـلح نـاقص..و حـياه كامله 




مـلح نـاقص..و حـياه كامله 


كمل كريم طريقه وطلع "البلكونة"، ولع سيجارته ببرود كأن مفيش أي حاجة حصلت. صوت الباب الألوميتال وهو بيجري كان خفيف، ودخلت معاه لسعة هوا ساقعة. وقف بره وساب الشوربة مدلوقة والبوتاجاز لسه شغال على نار هادية، ونور السيجارة كان بيعلى ويطفي مع كل نفس عميق بياخده.


بقلم منال علي

نادية رمشت بعنيها، ومسحت آثار الشوربة اللي جت على عينها بظهر إيدها، وسابت مكانها بقعة زيت ومادة دهنية على وشها.

طفت النار، وشالت الحلة بإيدين بتترعش وحطتها في الحوض بالراحة. دخلت الحمام وفتحت حنفية الدش على الساقع؛ المواسير عملت صوت كركبة مكتومة، وملى المكان صوت مية نازلة بهدير كئيب.

دخلت تحت المية بهدومها كاملة.. المية التلج كانت صدمة لفروة راسها اللي بتغلي من الحرق. بدأت الشوربة والدهون تنزل من شعرها وهدومها خيوط بيضا بتلف حولين المصفاة بتاعة البلاعة. قميصها لزق على جسمها، والبنت ركلت تاني بقلق، كأنها بتعترض على الساقعة المفاجئة دي متوفره على روايات واقتباسات غسلت شعرها من الطبيخ ببطء وبنظام، صوابعها كانت بتخلل خصلات شعرها بتدور على أي حتة لسه ملزقة. ريحة الفراخ والبصل فضلت لازقة فيها حتى بعد ما المية بقت نازلة نضيفة.

لما بصت لنفسها في المراية بعد ما قفلت المية، شافت حاجة خوفتها أكتر من القلم اللي خدته:

عنيها كانت هادية.

مش متبنجة، ولا مكسورة.. لسه محصلش انكسار. كانت هادية وصامدة. كان فيه خط عند زاوية بوقها مكنتش


تعرفه، كسرة بسيطة لتحت خليتها تبان أكبر من سنها (28 سنة) بكتير.

فكرت في سرها: «إذا كان عمل كل ده عشان شوية ملح.. أمال هيعمل إيه لما البنت تتولد وتفضل تعيط طول الليل؟»

التفكير ده مجاش معاه موجة رعب، جه كأنه حقيقة باردة وواضحة. تخيلت عيلة صغيرة وشها أحمر ومحتاجة اللي يساعدها، وإيديها الصغيرة بتخبط في الهوا.. وتخيلت وش كريم لما ميعرفش يسكت الزن ده.. وتخيلت إيده وهي بتترفع تاني.

بطنها اتنفضت.

افتكرت رقم تليفون مكلمتوش من سنين. "سارة لبيب"، صاحبة المدرسة، صاحبة الضحكة العالية والجدعنة اللي متتوصفش. كريم عمره ما قابل سارة، لأن نادية كانت مخبية الجزء ده من حياتها عنه؛ وقتها كان بيتهيألها إن أحسن حاجة إن عوالمها متختلطش ببعض، بس دلوقتي اكتشفت إن ده كان أكبر غلط.

في أول أيامها مع كريم، لما كان بيتحكم فيها تحت قناع "الحماية والغيرة"، الصاحبات القدام بدؤوا يختفوا. كان دايماً يقولها: «دول ميفهموناش.. دول هيوقعوا بينا بس». بطلت تتصل، وبطلت ترد، لحد ما السكوت بقى هو العادي.

بس فيه أرقام بتفضل محفورة في العضم.      بقلم منــال عـلـي 

خرجت نادية من الحمام، والأرض تحت رجليها الحافية كانت ساقعة وتلج. كريم كان لسه في البلكونة، وطرف سيجارته المنور باين من ورا إزاز الباب. كان مدديها ضهره وكتافه منحنية شوية.

اتحركت بخفة ناحية تربيزة صغيرة في ركن الصالة، كان عليها مفرش قديم بورد باهت


كانت مامتها الله يرحمها مهدياه لها. تحت المفرش، في الدرج، كانت شايلا حاجات كريم مبيفكرش يدور فيها.. وصولات قديمة، شريط صور فورية ليها هي وسارة وهما بيعملوا حركات مضحكة بوشهم، ونوتة صغيرة.

فتحت الدرج. شنطتها كانت هناك، بطاقتها، كارت التأمين الصحي. ووراهم النوتة الصغيرة، مليانة تواريخ وكلمات وتهديدات مكتوبة بخط منظم، هي نفسها مكنتش مصدقة إن ده خطها.

قلبت الورق بسرعة:

* 12 يناير – رمى الطبق في الأرض. قال إن الغلط عندي لأني "نرفزته".

* 3 فبراير – زقني. وقعت على ركبي. الحمد لله البنت بخير.

* 9 مارس – قال لي مفيش حد هيصدقك.. وأني محظوظة إنه "مستحملني".

كل كلمة كانت زي طوبة تقيلة بتتحط فوق صدرها.

موبايلها اتهز في جيبها.

مسحت إيدها في البنطلون المبلول قبل ما تطلعه. الشاشة نورت برسالة من كريم:

«نظفي القرف ده قبل ما أدخل.»

قرت الرسالة ببرود. بره، سمعت صوت جزمته وهو بيدوس على السيجارة يطفيها.

فتحت الأسماء، وجابت "سارة – موبايل".

صابعها وقف ثانية. حست إنها واقفة على حرف جبل عالي، والهوا بيزق ضهرها بالراحة.

طلبت الرقم.

الخط رن مرة، اتنين.. مع كل رنة كانت بتتخيل حياة سارة دلوقتي؛ يمكن اتجوزت، يمكن مشغولة.. في الرنة التالتة، الخط فتح.

«ألو؟» جه صوت سارة، وفي الخلفية دوشة خفيفة.. راديو أو صوت مواعين. «أنا سارة..»

«سارة..» نادية قالتها، واتفاجئت بقد إيه صوتها طالع واطي ومخنوق.

السكة سكتت لحظة. الدوشة


اللي عند سارة هديت، كأنها راحت أوضة تانية.

«نادية؟» سارة قالتها، وفي الكلمة دي كان فيه تاريخ طويل من السهر، والأسرار، وأيام المصيف. «دي أنتي يا نادية؟»

«أنا لازم أمشي النهاردة»، نادية قالتها بهدوء. الكلمات كانت تقيلة بس واضحة. «أنا حامل.. ومبقتش في أمان هنا».

مفيش تردد.. مفيش أسئلة من نوعية "ليه اتأخرتي في الرد" ولا عتاب.

نادية سمعت نفسها وهي بتاخد نفس عميق، كأن جبل انزاح من فوق صدرها. قالت بصوت ثابت رغم الرعب اللي جواها:

«أنا محتاجة مكان أمان ليا وللبنت».

سكتت سارة لحظة، وبعدين صوتها جه دافي ومطمن:

«تعالي لي يا نادية.. بيتي مفتوح لك. متخافيش، هنعرف نحميكي ونعمل كل اللي لازم يتعمل».

ابتسامة باهتة اترسمت على وش نادية لأول مرة من شهور. حطت إيدها على بطنها، كأنها بتبشر بنتها: «متخافيش.. هنبقى كويسين».

لمت نادية اللي قدرت عليه من حاجتها بسرعة، وسابت وراها كل حاجة—الحلة المقلوبة، المطبخ اللي يضرب يقلب، والوجع اللي كان كابس على نفسها. حست بتقل القلق بيخف مع كل خطوة ناحية الباب.

وفي الشارع، تحت أنوار العمارات، حست لأول مرة من زمان بالحرية.. حرية إنها تختار تعيش، وتحمي بنتها من أي حد يحاول يكسرها.

وصلت لعربية سارة، وقبل ما تقفل الباب وراها، سارة مسكت إيدها وقالت:

«خلاص يا نادية.. مش هتبقي لوحدك تاني أبدًا».

بصت نادية للسما، وأدركت إن الليلة دي مش نهاية الخوف، دي بداية حياة جديدة.. حياة هتبنيها بنفسها، حياة فيها قوة وأمل وحرية.

تمت


تعليقات

close