ربّيتهم كأبنائي فتركوني في الفقر… وبعد 25 عامًا عادوا ليقلبوا القرية رأسًا على عقب!
ربّيتهم كأبنائي فتركوني في الفقر… وبعد 25 عامًا عادوا ليقلبوا القرية رأسًا على عقب!
توفي زوجي، فتكفّلتُ بتربية إخوته الثلاثة الصغار. لكن حين أنهوا دراستهم، تركوني، وأصبحتُ موضع سخرية أهل القرية جميعًا. وبعد خمسةٍ وعشرين عامًا، وصلت قافلة فاخرة إلى باب كوخي القديم، فأخرستهم جميعًا.
أنا روزا. لم أكن قد تجاوزت الثانية والعشرين حين توفي زوجي توماس في حادثٍ داخل مصنعٍ للإسمنت. لم يمضِ على زواجنا سوى عامين، ولم نرزق بأطفال. لكن بموته، تُرك على عاتقي عبءٌ ثقيل إخوته الثلاثة الصغار الذين فقدوا والديهم أيضًا. كانوا بن في العاشرة، وكلارا في الثامنة، وليو في الخامسة.
في يوم جنازته، كان السماء ملبّدة، والمطر ينهمر بغزارة. وبينما كان نعشه يُنزَّل إلى القبر، اقترب مني بعض أقاربه البعيدين وجاراتنا كثيرات الثرثرة.
قالت آلينغ نينا، أكثرهن تطفّلًا وتعاليًا، وهي صاحبة أكبر متجر في القرية روزا، فكّري بعقل. أنتِ ما زلتِ شابة وجميلة، ويمكنك الزواج من رجلٍ ثري! سلّمي هؤلاء الأطفال إلى الجهات المختصة. لا تضيّعي حياتك في خدمة من ليسوا من دمك. انظري إليهم بائسون!
نظرتُ إلى الأطفال
الثلاثة. كانوا مبتلّين بالمطر. كان ليو الصغير يتشبّث بساقي وهو يبكي، بينما كان بن وكلارا يحتضنان نعش أخيهما، ينتحبان ويرتجفان من الخوف، كأنهما أدركا أنهما فقدا آخر سندٍ لهما في هذا العالم.
تحطّم قلبي. أبعدتُ يد آلينغ نينا عن كتفي.
قلتُ بصوتٍ ثابت رغم دموعي ليسوا أشياء تُرمى متى نشاء. هم إخوة زوجي، وهم إخوتي وأبنائي أيضًا.
عند قبر توماس، ركعتُ في الوحل، وضممتُ الأطفال الثلاثة إلى صدري، وتعهدتُ أمام الله وأمام روحه ألا أتخلى عنهم أبدًا، وأن أعتبرهم من دمي ولحمي، مهما بلغت قسوة الطريق.
لكن الوفاء بهذا الوعد لم يكن سهلًا. لكي أوفّر لهم الطعام والتعليم، ضحّيت بصحتي. عملتُ ثلاث مرات يوميًا. من الفجر حتى الصباح أغسل الملابس وأكويها لدى العائلات الميسورة في البلدة المجاورة. وفي الظهيرة أزرع الخضروات في حديقتنا الصغيرة لأبيعها في السوق. وفي الليل أخيط قطع القماش بعينين مثقلتين بالسهر والتعب.
في إحدى الليالي، ونحن نتناول العشاء، لاحظ ليو طبقي.
قال ببراءة أختي روزا، لماذا حساؤكِ مجرد
ماءٍ ساخنٍ مع الملح؟ لماذا لا تأكلين السمك؟ وحاول أن يقدّم لي القطعة الوحيدة التي اشتريتها.
حبستُ دموعي وابتسمتُ له أنا شبعانة يا ليو. لقد أكلتُ كثيرًا في البيت الذي عملتُ فيه اليوم. كُل أنت مع أخيك بن وأختك كلارا، لتكبروا أقوياء وأذكياء.
تحمّلتُ كل شيء الجروح في يديّ، التعب الذي أثقل صدري، والسعال الذي لم يفارقني، وسخرية الناس التي لم تنقطع.
لكن تضحياتي لم تذهب سدى. نشأ الأطفال صالحين ومجتهدين. كانوا يدرسون تحت ضوء المصباح الزيتي حين تنقطع الكهرباء، ويثابرون حتى تفوقوا جميعًا. حصل بن على منحة كاملة لدراسة الطب في جامعة مرموقة في مانيلا. وأصبحت كلارا من المتفوقات وسافرت إلى الولايات المتحدة كطالبة تبادل لدراسة الهندسة المعمارية. أما ليو، فنال منحة في إدارة الأعمال في مدرسة دولية معروفة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وعندما حان وقت رحيلهم واحدًا تلو الآخر لمتابعة أحلامهم في المدينة وفي الخارج، رافقتهم إلى محطة الحافلات.
قال بن وهو يحتضنني باكيًا أختي سنعود من أجلك. سننقذك من هذا الفقر. هذا وعد.
وعندما غادرت
الحافلة، بكيت طوال الليل في كوخنا الخالي. لم يكن ذلك من الحزن، بل من فخرٍ عميق لأنني استطعتُ أن أوصلهم إلى هذا الحد رغم كل ما عانيناه.
لكن المستقبل الذي انتظرته لم يأتِ كما تخيّلت.
في العامين الأولين، كانوا يرسلون الرسائل وبعض المال. كنت أنتظر ساعي البريد كل يوم. لكن مع مرور الوقت وازدهار حياتهم، بدأت الرسائل تتناقص، ثم انقطعت تمامًا. حاولتُ مراسلتهم، لكن الرسائل كانت تعود إليّ مكتوبًا عليها العنوان غير معروف.
مرّت السنوات خمسٌ وعشرون سنة منذ وفاة توماس. أصبحت في السابعة والخمسين. انحنى ظهري من ثقل العمل، وتعبت عيناي من السهر الطويل، وما زلت أعيش في الكوخ نفسه، الذي تتسرّب إليه مياه المطر في كل موسم، ويبرد فيه الجسد حتى العظم في ليالي الشتاء.
وأصبحتُ موضع سخرية أهل القرية.
في أحد الأيام، كنت أقف عند طرف الطريق أنتظر ساعي البريد، كما اعتدت كل يوم، رغم أنني في داخلي كنت أعرف أنه لن يأتي بشيء. رأتني آلينغ نينا، فضحكت بسخرية، وقالت بصوتٍ عالٍ أمام الجميع ما زلتِ تنتظرين؟ أما زلتِ تحلمين؟ لقد نسوكِ!
استغلوكِ حتى خرجوا من الفقر، ثم تركوكِ خلفهم! كم أنتِ ساذجة!
ضحك من حولها ضحكًا قاسيًا، لا رحمة فيه.
لم أردّ. لم أرفع رأسي حتى. فقط عدتُ إلى كوخي بصمت، وأنا أحمل في صدري وجعًا أثقل من كل السنوات التي مضت.
في الليل، جلستُ أمام المصباح الخافت، أنظر إلى صورتنا القديمة أنا وهم الثلاثة، بملابس بسيطة ووجوه مليئة بالأمل. لم أكرههم يومًا. لم أندم. كنت فقط أتساءل هل يمكن أن تُمحى كل تلك السنوات من ذاكرتهم بسهولة؟
لكن رغم كل شيء كنت أدعو لهم. كل ليلة.
وفي صباح يوم أحد، بينما كنت أكنس أوراق الشجر المتساقطة أمام كوخي، شعرتُ باهتزاز خفيف في الأرض كأن شيئًا كبيرًا يقترب.
رفعت رأسي ببطء.
ومن الطريق الترابي الضيق، بدأت تظهر سيارات لم أرَ مثلها في حياتي واحدة تلو الأخرى سوداء، لامعة، فاخرة قافلة طويلة تشق طريقها وسط الغبار.
توقفت المكنسة في يدي.
خرج أهل القرية من بيوتهم، يتجمعون،
يتهامسون، يحدّقون بدهشة لا تخفى.
من هؤلاء؟!
هل جاء مسؤول كبير؟!
هل سيشترون الأراضي؟!
لكن
القافلة لم تتوقف في وسط القرية بل واصلت التقدم حتى وصلت
إلى كوخي.
توقفت أمامي مباشرة.
في تلك اللحظة لم أعد أسمع شيئًا.
لا همسات لا أصوات فقط صوت دقات قلبي.
نزل رجال ببدلات سوداء بسرعة منظمة، واصطفوا على الجانبين، ثم فُتح باب السيارة الطويلة ببطء.
خرج ثلاثة أشخاص.
في البداية لم أصدق.
لكن شيئًا في طريقة وقوفهم في نظراتهم في ملامحهم جعل قلبي يرتجف.
بن
كلارا
ليو
كبروا تغيروا أصبحوا أشخاصًا آخرين لكنهم ظلوا هم.
سقطت المكنسة من يدي.
شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملانني.
قبل أن أتحرك كانوا هم من تحركوا.
ركضوا نحوي دون تردد دون حساب للمكان أو الناس أو الملابس.
وفي لحظة واحدة سقطوا على ركبهم أمامي في الوحل. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أختي روزا!
كان صوت بن مكسورًا يحمل في داخله كل السنوات التي غابوا فيها.
نحن هنا
سامحينا
مدّ ليو يده وأمسك يديّ الخشنتين بكلتا يديه، كأنه يخشى أن أختفي إن تركني.
أما كلارا فكانت تبكي وهي تقبّل وجهي ويديّ بلا توقف.
لم أستطع الكلام.
فقط نظرت إليهم وكأنني أخاف أن أغمض عينيّ فأستيقظ على أن كل هذا حلم.
قلت بصوتٍ متقطع لماذا لماذا تركتموني كل هذا الوقت؟
ساد صمت قصير ثم رفع ليو رأسه، وقال لم نترككِ يومًا
أضاف بن وهو يبكي كنا نعدّ الأيام لكننا وعدنا أنفسنا بشيء
قالت كلارا وهي تمسك بيدي ألا نعود إلا عندما نصبح قادرين على أن نمنحكِ الحياة التي تستحقينها.
لم أفهم.
لكنهم بدأوا يشرحون
سنوات من العمل من التعب من الكفاح كل واحد منهم سلك طريقه، ونجح، وبنى اسمه، وثروته، ومكانته لكنهم كانوا يجتمعون دائمًا على وعد واحد
أن يعودوا إليّ لا كأطفال أنقذتهم بل كرجال ونساء قادرين على ردّ الجميل.
ثم تقدّم ليو خطوة، ونظر إلى أهل القرية، وخاصة آلينغ نينا التي كانت واقفة
كتمثال، وجهها شاحب، وعيناها لا تصدقان.
قال بصوتٍ ثابت، يحمل قوة لم أعرفها فيه من قبل هذه المرأة ليست كما ظننتم.
وأشار إليّ.
هذه هي التي صنعتنا هي التي أطعمتنا عندما كانت تجوع علمتنا عندما كانت تتعب وضحت بكل شيء لأجلنا.
ثم أخرج ملفًا من يده، وقال وأول ما سنفعله هو أن نعيد لها حقها.
ساد صمت ثقيل.
كل هذه الأراضي أشار بيده إلى القرية كلها، أصبحت باسمها الآن.
شهقت الأصوات.
وهذا الكوخ سيصبح مكان قصر يليق بها.
بدأ بعض الناس يتراجعون خطوة إلى الخلف وكأن الأرض التي يقفون عليها لم تعد لهم.
آلينغ نينا لم تستطع الكلام.
خفضت رأسها للمرة الأولى.
أما أنا
لم أعد أرى شيئًا بوضوح.
دموعي كانت تحجب كل شيء.
نظرت إليهم إلى وجوههم إلى عيونهم التي لم تتغير.
ثم فتحت ذراعيّ.
احتضنتهم
احتضانًا جمع كل السنوات كل الألم كل الانتظار
وفي تلك اللحظة
لم أعد تلك المرأة التي كانت تُسخر منها القرية.
كنت فقط أمًا عادت إليها أبناؤها.
واختفى كل الألم كأنه لم يكن.


تعليقات
إرسال تعليق