القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثلاثون 30 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات

 

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثلاثون 30 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات





رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثلاثون 30 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات


✧❀༺༻❀✧

رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔

العودة (عناق الدم)❞

بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ

✧❀༺༻❀✧

{لم أطلب من الحياة سوى أن تراني عائلتي، لكنهم لم يشعروا بي يوما، كأنني سراب بلا عنوان. حاولت أن أجد مكانا في قلوبهم، فحولوني إلى مسخ بقلب أسود، لا يعرف طريقا للعودة، ولا يحمل أثرا لطفولة كانت تسكنه.}

ليلةعادل✍️

                  الفصل الثلاثون🤫♥️


                  [بعنوان: انكسار علي الملأ]


دخل شوقي يلهث: الحقنا يا رشدي بيه مصيبه!


أنزل يده ببطء وهو يبتعد عن عماد: مصيبة إيه؟


ابتلع شوقي ريقه: كوبري من المشروع الجديد وقع! كلمت حضرتك كتير أنا والمهندس رياض، وحضرتك مكنتش بترد.


اعتدل رشدي واقفا بصدمة، بينما اتسعت أعين الجميع، فالأمر لم يكن بسيطا بل كارثه.


تقدم عزت، وصاح: وقع أزاي؟ وإمتى؟


هز شوقي رأسه: والله يا باشا أنا لسه الخبر جايلي لأنهم مش عارفين يوصلوا لرشدي بيه، فكلموني.


أخرج رشدي هاتفه وجده على وضع الصامت، ووجد عشرات المكالمات الفائتة.


صاحت فايزة بحدة وهي تقترب منه: عايزين نفهم الموضوع ده بسرعة يا رشدي!


أومأ لها، واجري اتصالا: ألو... إيه يا رياض؟! إيه الموضوع؟ أنهي كوبري؟...طيب، طيب... خلاص أنا جاي.


تساءل عزت: كوبري إيه؟


رد وهو يتحرك: كوبري لسه تحت الانشاء، أنا مش فاهم حاجة، رايح أشوف.


عزت بعصبية: يلا بسرعة!


تحرك مسرعا نحو الخارج، لكن عينيه توقفتا لحظة أعلى الدرج، ممزقا بين أن يصعد ليهدئ مابينهم، أم يذهب ليعرف حجم الكارثة؟!


وبعد لحظات من التفكير، أدرك أن الوقت لا يسمح، فالأفضل أن يتركها تهدأ ويواجه المصيبة التي حلت عليه أولا. 


تنفس بعمق، وأكمل طريقه بخطوات سريعة، فذلك المشروع كان بمثابة معركة خاضها ليغير نظرة العائلة له، وأي خطأ سيكلفه الكثير.


بينما أخرج عزت هاتفه واجري اتصالا: ألو يا ماهي، ابعتي رسالة حالا لكل المديرين إن في اجتماع طارئ في المجموعة كمان ساعة.


اغلق الهاتف، فاقترب منه سليم: أنا شايف إننا لازم نبعت لجنة فحص نفهم منها اللى حصل ده تقصير واهمال ولا بفعل فاعل.


صمت لحظه ثم تابع بخبث: والأهم إن الموضوع ده ميتسربش؛ لأنه لو حصل هتبقى كارثة..


وأشار بيده: أنا هاجي وراكم علطول أخلص بس شوية حاجات مهمة وألحقكم.


صافيناز  وهي تضع يدها علي جرح عماد: وانا هطمن على عماد والجرح اللي الهمجي عمله وهاجي علطول.


وبالفعل تحرك الجميع، والصدمة تسيطر على المكان.. 


بينما كانت ماسة لاتزال واقفه على الدرج تراقب المشهد بابتسامة شماتة، لا تقل عن ابتسامه سليم الذي وقف ينظر لما يحدث حوله بقلب ممتلئ بشروق غريب.


التفت لها، وغمز وهو يصيح بتمثيل: أنتِ لسه واقفه عندك؟ غوري على اوضتك يلا قدامي.


صعدا معا إلي الأعلي، دخلا الغرفة وأغلق الباب، ثم التفت يفتح ذراعيه ويقول بحماس: إيه رأيك في جوزك حبيبك؟!


رفعت حاجبيها بتعجب: هو انت اللي عملت كده؟!


اومأ برأسه، وهو يتوقف أمامها: محبتش أقعد فاضي، قولت أتسلى شوية لحد ماضرب ضربتي يوم الحفلة!


ضيقت عينيها بفضول: أنا نفسي أعرف ضربتك دي هتبقي إيه؟


ابتسم بغموض: كلها كام يوم وهتشوفي كل حاجة لايف في الحفلة، وعلي فكره عايزين يهربوكي يومها.


نظرت له بدهشة: عرفت منين؟


أجابها موضحا: مصطفى بعتلي تسجيل لفايزة وصافيناز قالتها يوم الحفلة انسب وقت لهروبك، بس هتقعد مع عماد وتظبط التفاصيل.


ترددت لحظة: طب وهنعمل إيه؟


أجابها بمرح: هتهربي عادي وأنا هقفشك، سيبيها لوقتها، أنا مش بحط خطة كاملة، غير لما أفهم هم ناويين على إيه.


تنهدت بقلق: هموت وأعرف دماغك دي فيها إيه؟! أنا خايفة منك.


وضع يده على صدره بتمثيل: خايفة مني أنا يا بنتي؟!


ابتسم وأضاف بالمرارة: دة أنا بدأت أقتنع إني أطيب وأغبى واحد فيهم! انا بتعلم منهم دلوقتي..


نظر داخل عينيها وتابع بعقلانيه: انا دلوقتي بس فهمت إن المواجهة غباء، واللعب المباشر خسارة، والحرب النضيفة بقت موضة قديمة ودمها تقيل، علشان كده قررت العبهم بطريقتهم وادوق كل واحد من نفس الكأس.


أمسكت يده، ونظرت داخل عينه: أنا بس مش عايزاك تفقد نفسك في المعركة دي يا سليم، علشان خاطري خليك زي ما أنت، اوعى تفقد سليم بمبادؤه وانت مش واخد بالك.


مرر يده على وجهها بحنان: أنا عمري ماهفقد نفسي طول ما أنتِ معايا يا قطعه السكر.


نظرت إليه بلوم: طب ونفسك اللي مفقدتهاش مفكرتكش إن فيه عمال ملهمش ذنب هيتأذوا باللي عملته ده؟ إن مكانش حد فيهم مات.


أجابها بتوضيح: لا طبعا محدش من العمال حصله حاجة، اتحطلهم منوم والانهيار اللي حصل محدش اتأذي فيه.


زمت شفتيها بتأنيب: بس برضو أكيد هيطردوهم يا سليم وهيتقطع عيشهم!


اومأ برأسه: في دي عندك حق، بس متقلقيش أنا مظبط كل حاجه مع مكي وقولتله يبقي يصرفلهم مبلغ كويس، وبعد فترة لما الموضوع يهدى يبقي يشغلهم في اي مصنع من المصانع الخاصه بيا.


لمعت عيناها، وعانقته بعاطفه: أنت جميل اووى يا سليم، أنا بجد كل يوم بحبك وبتعلم منك أكتر.


بادلها العناق للحظه، ثم ابعدها، واحاط وجهها بكفيه وقال وهو يركز النظر في عينيها: سليم مبقاش جميل كده الا بوجودك في حياته، قبلك كانت حياته كلها سواد وظلمه، حياته منورتش ولا نظفت الا بوجودك فيها، واطمني أنا أه عايز أحرق قلوبهم على اللي عملوه فيكي، بس عمري ما هأذي حد ملوش ذنب، ناري مش هتحرق إلا اللى أذاكي بس يا ماسة.


نظرت إليه بعينين تلمع بالتأثر، فهمس بنبرة راغبه أمام شفتيها: وبعدين سيبك من كل دى أحنا المفروض دلوقتي نحتفل! ولا أنت ناويه تاكلي عليا حقي ولا ايه؟


ضحكت بدلال: مشبعتش احتفالات يا سليم؟!


احاط خصرها بذراعيه: طب بذمتك اللى حصل ده ميستحقش الاحتفال! ده أنا زى مايكون القدر بينتقم معايا وبدل ما كانت ضربه واحده بقوا اتنين يجيبوا أجله.


ذم شفتيه وتابع: ولو إن كان نفسي أنا اللي أقولها موضوع إدمانه، بس مش مهم تيجي مني أو من غيري، المهم إنها عرفت..


تنهدت بحزن: أنا مي صعبت عليا أوي، اللي حصل معاها وحش، بفكر أدخل أطبطب عليها شوية.


نظر اليها بضيق، فحاولت التبرير بطيبة: متبقاش جاحد يا سليم، هي ملهاش ذنب..!


رفع حاجبه باستنكار، فأومأت وردت على تلك النظرة: عارفه إن أنا كمان مكانش ليا ذنب، وإن هي بتدفع ثمن اللي عمله رشدي وكل الكلام ده...


تابعت وهي تركز النظر في عينيه: بس احنا مش زيهم، ومش هينفع نبقى زيهم حتى في عز الانتقام، بلاش مي تدوق نفس وجعي، وجع الخذلان صعب وقاسي وأنا محبهاش تحس باللي حسيت بيه سنين.


هز رأسه بعدم اقتناع، وقال بحماس مغيرا للحديث: سيبك منهم، خلينا في احتفالنا يا ماستي الحلوه، أنت مش متخيلة أنا مبسوط قد ايه..


ضحك بخفة وتابع: ولسه المفاجأة اللى مستنايهم الصبح، هتبقي أحلى وأحلي!


تنهدت، ورفعت ذراعيها على رقبته بدلال: طيب واستاذ سليم عايز يحتفل أزاي؟


ابتسم بخفة: هقولك حالا.


وفجأه حملها بين ذراعية، فصاحت بتدلل: بتعمل إيه؟ نزلني!


أجابها وهو يقرب وجهه من وجهها: لا أنا محتاج آخد حقي... وحقي الاحتفال.


ردت بدلال: يا سلام، واللي قبل العشا كان ايه؟!


أجابها بمداعبة وعينه لا ترتفع من شفتيها: اللي قبل العشا ده كان مكافئة، إنما الاحتفال دلوقتي ده حاجة تانية...ليفل جديد. (ثم غمز لها)


نظرت له بدهشة وهي تداعب لحيته بدلال: والله! طب ماتقول إني وحشاك وانك لسه مشبعتتش مني يا كراميل.


ضحك وهو يقبلها قبلة صغيرة على شفتيها: أنتِ وحشاني ومش بشبع منك يا قطعة السكر.


ابتسم بخفة وتابع: وبعدين أنا محروم سنتين، فهعوض وهآخد حقي بأثر رجعي يا مسموسة، مش سلوى بتقولك كده!


ابتسمت بدلال: أه، بس منك أنت أحلى يا سلمونتي.


قبلته قبل خاطفه من شفتيه وتأملا بعضهما بعشق وشوق للحظه، ثم ذهب بها نحو الفراش ووضعها عليه بطريقة لا تتناسب إلا اميرة قلبه.


تبسمت له وهي تشعر بالدفء، بدا يفتح أزرار قميصه ثم القاه بعيدا، وكأنه يدعوها لتحمل معه كل العشق والشوق الذي يحمله قلبه لها.


اقترب منها وأسند ذراعيه على الفراش، محاصرا أياها بحنان.


مسحت خده بخجل، وقالت بصوت مكسور بعشق يخرج من عينيها: عارف، نفسي أمسح كل السنين اللي فاتت، وارجع ليوم ماخيرتني مابين نرجع مصر ولا نفضل هنا؟ وساعات تانية بقول نمسح بس آخر جزء بتاع الحادثة بس..


مدت شفتيها واسترسلت: مش عارفة بس في حاجات نفسي أمسحها.. بس عارف الاهم من كل ده ايه؟! ان كل ماببص في عينك بحس اني مطمنه انك جنبي، واني مخسرتكش، وان ربنا ادنا فرصه تانية نشوف بعض فيها بجد، وإن أحنا الاتنين وجعنا بعض من كتر حبنا لبعض، أنا بحبك أوي يا سليم.


كان ينظرلها بعينين لاترمش، امسك يدها ووضعها على قلبه وقال بعشق: وأنا كمان، قلبي مبيحسش بالسعادة والراحة غير وهو جنبك، مبيطمنش غير وهو سامعك وحاسس بيكي، ومستحيل يعيش بعدك ثانية واحدة، احنا روح واحده يا ماسة.


تابع بعينين مليئتين بالحب: أنا كمان فرحان أوى أننا أخيرا رجعنا تاني زي زمان، وفعلا وجعنا كان على قد محبتنا...


مرر يده على خدها وقال بوعد: ومستحيل أسمح إن أي حاجة تفرقنا تاني، ده وعد.


تبسمت بعينين تلمعان من فرحة الحب، وامتدت يديها حول ظهره وضمته، فبادلها العناق وظلا هكذا لدقائق، يستمدان من ذلك العناق راحة وسكينة لا توصف.


ثم رفع رأسه، وقال بمزاح محبب: لا مش وقت رومانسيات من النوع ده! أنا عايز رومانسية من نوع تاني! مش لسه قايلك النهاردة ليفل جديد.


ضحكت بسعادة، ثم سحب البطانية برفق عليهما تاركين للحظة أن تغمرهما بالحب والطمأنينة.

❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 


عند صافيناز، وعماد/ بالهول


وضعت الضماد حول رأسه، وقالت محاولة تهدئته: معلش يا حبيبي بسيطة متقلقش.


عماد بضجر وغليان: حيوان، بس والله ما هسيبه وهيشوف!


صافيناز بضجر: اللي أنت عملته معاه مكانش هين برضو، كويس أوي إنه مقتلكش.


ثم ضيقت عينيها، وتسألت بشك: صحيح قولي، أنت اللي ورا اللي حصل؟


رفع عينه لها باستغراب: تقصدي إيه؟


أجابت: موضوع الكوبري.


تنهد بضيق: أنتِ هبلة يا صافيناز؟! مستحيل أعمل حاجة زي دي! أنا كده مش بعادي رشدي! أنا بعادي العيلة كلها!


توقفت تأخذ حقيبتها وهي تقول ببرود: طب عموما خد بالك، رشدي مش هيسكت على اللي عملته.


ثم أضافت بابتسامة جانبية ماكرة: أنا هروح المجموعة دلوقتي وأشوف حل، يمكن أعرف آخد المشروع ده ليا.


وغادرت المكان بينما بقي عماد جالسا مكانه، نظره ثابت في الفراغ بعينان تغيمان بالسواد، ويده تلامس الضماد على رأسه بألم وغضب.


شد على أسنانه: انا هعرف اربيك أزاي يا رشدي الكلب، إن ما وريتك مبقاش أنا عماد!

       

عند مي.


كانت لا تزال جالسة على الأرض، تضم نفسها بذراعيها، ودموعها تنهمر في صمت موجع، عيناها متسعتان، لا تزالان عالقتين في صدمة ماحدث بالأسفل، تتمنى أن يكون مجرد كابوس وستستيقظ منه، لكنها كانت تعلم في قرارت نفسها أنه ليس كابوسا بل حقيقة مُرة وعليها تصديقها.


مسحت وجهها بارتجاف، وبدأت الذكريات تتدفق في عقلها بلا رحمة...


فلاش باك 


أحد الكافيهات ظهرا 


نرى مي تجلس مع لمياء صديقتها، بينما كان رشدي يلوح لها مودعا.


تابعته لمياء بعين متفحصة: بقولك إيه أنتِ مش حاسة إن رشدي شكله بيشرب؟


ضحكت مي بسخرية: ماهو بيشرب فعلا، بس حاليا بيحاول يبطل 


هزت لمياء رأسها: أنا مش بتكلم على الخمرا يا مي بتكلم على حاجات تانية، مخدرات مثلا!!


اتسعت عيناها وهزت رأسها: إيه يا بنتي العبط ده؟ لا طبعا!


لمياء باصرار: شكله باين يا مي ركزي؛ عينه، الهالات، جسمه، مش عارفة حاسة في حاجة مش مظبوطه.


هزت رأسها بيقين: لو في حاجة كان قالي، رشدي صريح ومش بيخبي عليا حاجه..


ثم تابعت باستنكار: يا بنتي ده حكالي عن كل الماضي بتاعه، هيجي في دي وميقولش؟! 


أجابتها: طب اسأليه واتأكدي يمكن خاف يقولك، اصل حاجة زي دي صعب يقولها بصراحه، ولا أنت في دي كمان هتبقي عادي؟!


صمتت لحظه وبدأ التوتر يسير في شرايينها: طب أسأله أزاي؟


لمياء بتفسير: بهزار، قوليله بما انك يعني عملت كل حاجه حرام في حياتك، وصلت للمخدرات ولا لسه؟ وشوفي هيقولك إيه؟!


صمتت مي قليلا... لكنها لم تقتنع او كانت تشعر بالخوف. 


فلاش باك آخر


نرى مي ورشد يجلسان على احد طاولات يتحدثان..


وفجأة نظرت له وتساءلت بخفة: بقولك إيه يا رشدي بما إنك عملت حاجات كتير غلط عمرك جربت المخدرات؟


تجمد مكانه وارتبك للحظة، لكنه حاول الهروب: اشمعني يعني؟!


رفعت كتفيها: عادي مجرد سؤال.


مالت شفتيه بابتسامة: يا شيخه!


ابتسمت بتوتر: ايوه اصل انت عملت كل حاجة، فحبيت اعرف اتجريت في ده كمان ولا لا؟!


ابتسم بتوتر محاولا البحث داخل عقله عن إجابه، ولكن أنقذه رنين هاتفه الذي تعالي فجأة، فالتقطه بسرعة قائلا: لازم أرد، ده بابا.


ابتعد قليلا، وكأنه هرب: أيوه يا مختار. ايه.. ماشي، نتقابل بالليل.


ظل يتظاهر بالحديث محاولا كسب الوقت، بينما عقله يدور في دوامة من التردد: هل يقول الحقيقة أم يخفيها؟ 


لكنه لم يمتلك الشجاعة لمصارحتها، وسيطر عليه الخوف، ذلك السد الذي احتمى به طويلا، لكنه في النهاية كان ذاته ماقضى عليه.


عاد إليها بعد وقت، وقال محاولا إنهاء الموقف بذكاء: معلش يا مي لازم أمشي، بابا محتاجني في الشغل، تعالي أوصلك؟


نهضت معه، وبساطة قلبها جعلتها تنسى السؤال... 


عودة إلى الحاضر


شهقت وهي تمسح دموعها بارتجاف: هرب .. هرب علشان ميقولش الحقيقة.


وفجأة تدفقت الذكريات داخل عقلها كالسيل الجارف؛

بقاؤه الطويل في الحمام، ذلك المسحوق الذي رأته وظنته دواء، غضبه عليها حين وجدها تمسكه والقائه في المرحاض، ارتباكه حين دخلت عليه الحمام فجأة وإخفاؤه شيئا خلف ظهره.


تردده الدائم: "عايز أقولك حاجة..." ثم تراجعه... وسؤاله الذي لم تفهمه وقتها: ممكن تسيبيني لو خبيت عليكي حاجة؟


أغمضت عينيها بقهر: الحقيقة كانت قدامي وأنا اللي مشوفتهاش


هزت رأسها سريعا، رافضة أن تلوم نفسها؛ فالأمر لم يكن غفلة منها، بل كان ذكاءا منه في إخفاء الأمر جيدا. خاصة أن مظاهر الإدمان لم تكن واضحة عليه، إذ بدا طبيعيا إلى حد كبير، وأقصى ماقد يظنه من يراه أنه يدخن كثيرا، أو يشرب الخمر، أو يتعاطى شيئا خفيفا كالحشيش، لكن الأمر لم يصل في نظرها أبدا إلى هذا الحد.، ربما لأنه كان يلتزم بجرعاته في مواعيد محددة فلم يظهر عليه شيء.


كل ذلك جعل عقلها يدور في دائرة مغلقة، تحاول الفهم الاستيعاب لكنها لم تعد قادرة.


تنفست بعمق، وحقيقة واحدة بدأت تترسخ في عقلها بوضوح: أنه خدعها وأخفي عنها، ولا يمكنها الاستمرار مع شخص كهذا، فصار الرحيل والابتعاد خيارها الوحيد. 


تلاشت قواها، فتمددت على الأرض، وضمت نفسها بذراعيها كأنها تحاول احتواء ذلك الألم الذي يمزق صدرها، ثم انفجرت في بكاء مرير؛ مكتوم تارة ومختنق تارة أخرى، كأن كل نفس يخرج من أعماق روحها...


ظلت تنتحب بنهنهة موجوعه، وجسدها ينتفض مع كل شهقة، وكأنها في تلك اللحظة لم تعد تبكي فقط، بل كانت تفرغ كل ما كتمته وانكسر بداخلها...


الموقع الإنشائي،9مساء.


كان الظلام قد خيم على المكان، ولا يرى سوى هيكل الكوبري المنهار كجسد مكسور وسط عتمة الأضواء


وصل رشدي وخلفه سيارة الحرس، هبط مسرعا يتبعه شوقي وعدد من الحراس.


تجمد للحظة وهو ينظر إلى الكوبري، مرر يده على وجهه بعصبية، ثم صرخ بصوت غاضب: فين الأمن اللي هنا؟!


تبادل رجال الأمن النظرات بتوتر، ولم يستطيعوا الاعتراف بنومهم، فلم يعرفوا كيف حدث ذلك، ولم ينتبهوا لكون هذا مقصود، خاصة أن كلا منهم استيقظ في وقت مختلف.


قال أحدهم مرتبكا: منعرفش يا بيه فجأة سمعنا صوت طقطقه، وبعدها لقينا الكوبري وقع!


نظر إليهم بشك، ثم التفت سريعا إلى المهندس رياض: لازم أعرف حالا اللي حصل ده حصل أزاي!


أجابه رياض بسرعة: أنا كلمت المهندسين يا فندم هيجوا يعملوا فحص شامل ونحدد السبب.


مرر يده في شعره للخلف بتوتر: والتقرير ده هيطلع امتى؟


اجابه بعملية: مش قبل بكرة الصبح، هما في الطريق يا باشا متقلقش.


في تلك اللحظة... دوى صوت تكتكة خافتة، فتبادل الجميع النظرات باستغراب، وفجأة- انهار جزء آخر أكبر من السابق!


صرخ شوقي بفزع: حاسب يا رشدي بيه!


اندفع الحراس يسحبونه للخلف، بينما تراجع الجميع في فوضى.


وقف رشدي للحظات مذهولا، ينظر إلى مايحدث وكأنه لا يصدق كيف ولما حدث كل ذلك؟! فهو كان يتابع التقارير باستمرار ويركز في كل شيء.


التفت بحدة إلى رياض، وصوته يحمل اختناقا وغضبا: أنت لازم تفهمني اللي حصل ده أزاي؟ وباقي الكباري وضعها إيه؟!


هز رياض رأسه: حاضر يا فندم هنتأكد من كل حاجة.


زفر بضيق، ثم استدار وعاد إلى سيارته جلس داخلها، فتح الأزرار العلوية من قميصه، مستندا بظهره على مقعد، وعيناه شاردتان في الظلام...


كان يفكر في تلك الكارثة، وفي سبيل النجاة منها؟ فالمشروع لم يكن عاديا، وأي خطأ فيه لن يغتفر، وإن لم يجد حلا سريعا وتبريرا منطقيا، فالعواقب ستكون وخيمة. 


مرر يده على وجهه بإرهاق محاولا ترتيب أفكاره، لكن رغم كل تلك الفوضى، لم يكن يشغله سواها؛ فهو مستعدا لخسارة أي شيء إلا هي.


انتفض فجأة عندما ضربت عقله فكرة أنها ربما تستغل غيابه وترحل!


فأخرج هاتفه مسرعا، واتصل بأحد حراس القصر: بلغ الكل محدش يخرج مي هانم من القصر مهما حصل..


أغلق الهاتف وأسند رأسه علي عجلة القيادة مغمضا عينيه مفكرا في حياته انقلبت في لحظة. 


فالمشروع الذي أراد إثبات نفسه به ينهار أمام عينيه، و"مي" الشخص الوحيد الذي أحبه بصدق يوشك أن يخسرها أيضا، كان انهيارا من جميع الاتجاهات، وكأن الحياة قررت أن تضربه دفعة واحدة...

               

علي اتجاه آخر في المجموعة.


جلس عزت على رأس طاولة الاجتماعات بملامح مشدودة، بينما التف حوله رؤساء الأقسام وأعضاء مجلس الإدارة... الجميع حاضر، عدا سليم.


ضرب بيده على الطاولة بحدة: أنا عايز دراسة وافية تفهمني اللي حصل ده حصل أزاي؟! مشكلة خامات؟ ولا تقصير من المهندسين؟ ولا فعل فاعل؟!


أجابه أحد المهندسين بسرعة: يافندم متقلقش المهندس رياض بنفسه موجود في الموقع، ولجنة الفحص تقريبا وصلت.


أومأ وقال بصرامة: أهم حاجة الموضوع ده ميطلعش بره مهما كلفكم الأمر، فاهمين؟


ثم نظر إلى صافيناز: الموضوع ده عندك.


هزت رأسها بثقة: تمام.


ثم التفت إلى طه: وأنت ياطه... عايز إحصائية ماليه كاملة، بكل اللي اتصرف واللي خسرناه بعد الكارثه دي واللي هنحتاجه علشان نصلح المصيبه دي.


ثم اعتدل في جلسته، وصوته ازداد حدة: وباقي الكباري وضعها إيه؟! أنا عايز التقارير... والرسومات! كل ورقة اتعملت في المشروع ده تكون قدامي.


أضاف بحدة: واعملوا حسابكم محدش هيروح بيته غير لما الاقي اجابات، هنبني تاني أزاي؟ وهنسلم في نفس الميعاد أزاي؟ وهنقول للوزير إيه؟! واللي هعرف انه كان السبب روحه مش هتكون كافيه..


ساد صمت ثقيل للحظة... وأخذ الجميع يتبادلون النظرات، قبل أن ينخرطوا في نقاشات سريعة، كل يطرح ما لديه من أفكار وحلول.


مر الليل بطيئا داخل غرفة الاجتماعات، العقول لا تتوقف عن التفكير، والأوراق تتكدس، والأصوات تختلط بين القلق والإصرار.


وفي مكان آخر...

كان رشدي مايزال في سيارته، غارقا في أفكاره، ولجنة الفحص تباشر عملها.


بينما شعر عماد أن الوقت طال، فقرر الاتصال بصافيناز لمعرفة آخر الأخبار، أجابته بأنها ستمكث الليلة في المجموعة ولن تأتي إلا غدا، ولا تعرف متى تحديدا، فالجميع منشغلون بشدة.


ابتسم بخبث، وشعر أن هذه فرصته للخروج والذهاب إلى سارة ليجدا حلا للمشكلة، وبالفعل خرج بهدوء دون أن يلتفت إليه أحد. 


بينما ظل سليم وماسة داخل غرفتهما، يقضيان ليلتهما في سعادة احتفالا ببداية انهيار هذه العائلة.

                

منزل سارة،1صباحا.


دخل عماد فوجد سارة جالسة على الأريكة، تقرأ كتابا وتستمع للموسيقى، وما إن رأته اتسعت عيناها بدهشة: عماد؟!


تقدم بخطوات بطيئة، ثم تنهد وجلس بجانبها.


نظرت له باستغراب: إيه اللي جابك؟ مش قولت مش هينفع نتقابل الفترة دى؟


رفعت عينيها نحو الضماضة التي على رأسه، قالت بمزاح ساخر: هي صافيناز بطحتك ولا إيه.. 


اجابها من بين اسنانه: ده الزفت اللي اسمه رشدي.


نظرت له باستغراب: ورشدي عمل معاك كده ليه؟!


أجابها: قولت لمراته انه مدمن. 


تبسمت وهي تمسحها على كتفه: معلش يا عمده تعيش وتاخذ غيرها.. المهم طب انت جيت ازاي دلوقتي مش خايف؟!


تنهد بعمق: جاي نتكلم ونشوف حل، حصلت مشكله في الشغل وكلهم مشغولين دلوقتي، فدى أنسب وقت نتكلم فيه.


اومأت له: ما إحنا اتكلمنا قبل كده وأنا قولتلك تعمل إيه لو عرفت.


نظر لها بضيق: مشت ورايا ناس يراقبوني، ولولا إني اعرفهم مش عارف كان ممكن يحصل ايه؟!


ابتسمت بتوسع: طب كويس إنهم طلعوا تبعك وعرفوك، بصراحة حركة غبية منها بس في صالحنا، بس خد بالك صافيناز دماغها سم ممكن تبدلهم او لو اتكلمت مع حد ممكن يلفت نظرها ان اكيد ولائهم هيكون ليك.


زفر بضجر: ماهو ده اللي انا بتكلم فيه أن هي هتحط عينيها عليا الفتره الجايه، نعمل ايه بقى عشان نشيل عينيها من علينا؟!


صمتت لحظه تضيق عينيها بتفكير، ثم تساءلت: هي المشكله اللي حصلت في المجموعة دي ممكن تشغلها الفتره الجايه؟


اوما برأسه بإيجاب: اممم... وكمان قالت إنها هتستغل الموضوع وتحاول تاخد الشغل لنفسها علشان كان تبع رشدي، بتضايقه.


ابتسمت ابتسامة ماكرة: حلو اوي، كده دماغها هتبقى مشغولة الفترة الجاية وإحنا نزود الضغط أكتر.


نظر لها بعدم فهم: أزاي؟


اقتربت قليلا، وصوتها انخفض بمكر: رسالة بسيطة "خدي بالك، الأولاد ملامحهم بدأت تبقى بعيدة اوي، تفتكري عماد هيفضل مصدق إنهم ولاده؟! او خدي بالك انا عرفت كثير". 


اتسعت عينه: وأنا كده هستفيد إيه؟


ابتسمت بثقة: هتترعب وهتتوتر، الموضوع ده محدش يعرفه غيرها، هتبدأ تتشتت وتفقد توازنها، وهتبقى عايزه تعرف مين اللي بيهددها وعايز ايه؟!


ثم تابعت وهي تشير بإصبعها: أنت كمان لازم تزن عليها في موضوع الخلفه، قولها عايز بيبي تاني، وهي أصلا شايلة الرحم فطبيعي هتتوتر أكتر، خاصه لو لمحتلها انك ممكن تسيبها هتبقى عايزه تعمل اي حاجه علشان ترضيك، لدرجه إنها ممكن تجيبلك بيبي تاني وتلبسهولك.


ربت على كتفه بمزاح: بس اوعي تلبسه المره دي كمان يا عمده.


مرر يده على وجهه بتعب: مش عارف يا سارة حاسس الدنيا بتبوظ، أنا بفكر أبيع كل حاجة باسمي وآخدك ونسافر..


نظرت له بتمنى: يا ريت يا عماد فعلا التوكيل اللى معاك دى وقته، إحنا مش هنفضل تحت رحمتها كتير بيع لنفسك كل حاجه وخلص، ولحد ما تعمل كده ننفذ اللى بقولك عليه.


ضحكت بسخرية وتابعت: دى مش بعيد كمان نبتزها ونسحب منها أكتر..


ثم أكملت بفحيح أفاعي وكأنها تزرع الفكره برأسه: صدقني ده الحل الوحيد اللي هيخلي صافيناز متركزش معانا، وطبعا لازم الناس اللي تبعك يثبتوا أنك من الشغل للبيت ومن البيت للشغل، حتى دلوقتي انتِ نايم في سابع نومه، ولازم تعمل نفسك زعلان.


عاد بظهر على الاريكه: من ناحيه عامل نفسي زعلان فعاملها أوي، وبنام على الكنبه كمان مقلقيش.

❤️_______________بقلمي_ليلةعادل 


صباح يوم جديد


كان رشدي لايزال في الموقع واقفا أمام سيارته يحتسي قهوته، بينما يتحرك المهندسون والعمال من حوله في توتر واضح محاولين إصلاح مايمكن إصلاحه.


أمسك هاتفه يتصفح صورا قديمة له مع مي في شهر العسل، وأخري قبل الزواج، توقفت عيناه عند إحدى الصور وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ممزوجه بخوف خفي من فقدان تلك السعادة.


ظل يتأملها بين ابتسامة دافئة وأخرى باهتة تحمل أنينا مكتوما... وفجأة رن هاتفه.


نظر إلى الشاشة، ثم رد: أيوه يا باشا.


جاءه صوت عزت حادا: إيه يا رشدي؟ وصلت لإيه؟


تنهد وقال بهدوء متماسك: لسه يا باشا، بس قربنا.


انفجر في وجهه: يعني إيه لسه؟! تعاللي حالا! أنت واقف هناك بتنيل إيه اصلا؟!


أغمض عينيه لحظة، وقال: حاضر جاي.


أغلق الهاتف بضيق، وأنهى قهوته دفعة واحدة، ثم ألقى بالكوب بعيدا، والتفت إلى المهندس رياض: أنا ماشي، خليهم ينجزوا وأول ما التقرير يطلع يتبعتلي فورا.


ثم نظر إلى شوقي بنظرة حادة: شوقي خد بالك من كل حاجة هنا.


لم ينتظر ردا، واستقل سيارته، وانطلق بها مسرعا.


قصر الراوي،7صباحا


وقف سليم أمام المرأة، مرتديا بدلته بأناقة وهيبة، صفف شعره ورش عطره بابتسامته هادئة تزين شفتيه.


أما ماسة، فكانت مستغرقه في نومها، نظر إليها عبر المرآة بابتسامة، ثم ارتدى ساعته وجاكيت بدلته، واقترب منها، ووقف للحظات يتأمل ملامحها البريئة بإبتسامة حب وعشق.


انحني يضع قبلة على خدها، فحركت رأسها قليلا، ثم أمسك كفها ووضع قبلة عليه، فلفت نظره الوشم بنصف قلب على معصمها، تبسم وقرب معصمه لها فأكتمل القلب، ابتسم بخفوت: مستحيل يتفرقوا عن بعض تاني، قلبي وقلبك ديما مع بعض، وهعمل المستحيل علشان احميكي وادفعهم ثمن كل دمعة نزلت من عينك، والخوف اللي حسسوكي بيه هيكون سجنهم.


وضع قبلة طويلة على شفتيها، ثم فتح درج الكومودينو، أخرج ورقة وقلم وكتب" أنا روحت المجموعة علشان ميشكوش في حاجة، متنسيش تتفرجي على حقك وهو بيتاخد، ولما أرجع هنحتفل تاني سوا يا أحلى قطعة سكر، مشاهدة ممتعه"


وضع الورقة بجانبها، ولم ينس أن يوصي سحر باحضار الفطور لها، بعد ذلك اتجه للمجموعة عازما على إكمال انتقامه بكل هدوء ودقة.

❤️______________بقلمي_ليلةعادل


مجموعة الراوي،8صباحا.


لا تزال العائلة مجتمعة مع المديرين والموظفين، الأوراق مبعثرة وحركة الدخول والخروج مستمرة، التوتر يملأ المكان، وأثناء ذلك، فتح الباب ودخل رشدي بصمت.


رفع عزت عينيه بابتسامة ساخرة: أهلا برشدي بيه رجل المصايب والفضايح!


زفر بضيق، وسحب مقعدا: طب ليه الكلام ده دلوقت.


ضرب عزت الطاولة بعصبية: ليه؟! أنت عاجبك اللي حصل؟! عارف الكارثة دي تمنها إيه؟ مش بس فلوس دي سمعة وقلة ثقة من الدولة فينا! أنت حطيتنا في وضع متمناهوش لألد أعدائي!


شد علي فكه محاولا التماسك: أنا مش فاهم العصبية دي كلها ليه؟ التقارير الأولي لسه مطلعش علشان تتهمني إن أنا السبب؟!


فايزه بهدوء حازم: سواء كان إهمال يا رشدي أو بفعل فاعل، في الآخر أنت اللي هتتحاسب!


في تلك اللحظة، فتح الباب مرة أخري ودخل سليم، فالتفت له عزت بغضب: أنت كنت فين كل ده؟!


سليم بهدوء وثبات: هكون فين يعني؟ كنت براجع الكاميرات ومنمتش طول الليل، قولت أشوف اللي حصل ده يمين ولا شمال، بس لسه موصلتش لحاجة..


جلس بهيبته وتابع وهو ينظر لرشدي: بس شكلها بنسبة كبيرة إهمال!


رد رشدي على نظرته باستهجان: تقصد ايه؟ عايز تقول إن اللى حصل إهمال مني؟ 


سليم ببرود: والله ده اللي هتحدده التقارير، وساعتها هنعرف الإهمال منك ولا من حد تاني، عموما أنا لسه بدور وجيت أشوف إيه الجديد.


زفر عزت بتعب: خسارة كبيرة يا سليم تكلفة ضخمة والمهندسين شايفين إن المشكلة في الأساسات والبنية التحتية، يعني كل حاجة هتتهد وتتعمل من أول وجديد.


عبث وجه سليم بتمثيل: كده إحنا هنبدا من الصفر تقريبا والتكلفة هتبقى عالية جدا غير الوقت، إحنا المفروض نسلم 60% كمان شهرين!


فجأة دخلت السكرتيرة بوجه مصدوم: عزت باشا في مصيبة!


رفع رأسه بحدة: مصيبة إيه ..؟


مدت يدها بعدة جرائد: خبر انهيار الكوبري انتشر في كل الصحف والقنوات! والبرامج كلها ملهاش سيره غيره!


اتسعت عينا فايزة وصرخت: أنتِ بتقولي إيه؟!


بيننا ارتبكت صافيناز فالأمر في صميم عملها، نظر عزت إليها بغضب: ده حصل أزاي؟! أنا مش قولت محدش يعرف؟ 


دافعت عن نفسها بسرعة: وأنا ذنبي إيه يا باشا؟ ما أنا مع حضرتك طول الليل، بحاول أحل! وعملت كل اتصالاتي..


أضافت بفحيح افاعي: حضرتك بدل ماتزعقلي أنا، زعق للي اتسببلنا في المصيبة دي! إحنا من امبارح لحد دلوقتي في المجموعة منمناش دقيقة واحدة بسببه!


رفع رشدي عينه ببرود، وقال بطريقته المعتادة: حربوقة مش نقصاكي على الصبح، إحنا لسه مصطبحناش..


صافيناز بحدة: أنت لسه ليك عين تبجح؟!


أجابها باستهجان: آه هبجح لما ألاقي حد بيصطاد في المية العكرة!


اشتعلت عيناها غضبا، وردت باشمئزاز: مية عكرة إيه؟! حقيقي سوقي، اتكلم باحترام يا...!


مال نحوها، وصوته انخفض بحدة: طب لمي نفسك وحلي عني بدل ما أوريكي السوقي بيعمل إيه...


ضرب عزت بيده على المكتب: بس أنت وهي، ده وقت خناقات تافهه!


ساد الصمت لحظة، ثم وجه حديثه إلى صافيناز: الموضوع ده مسؤوليتك شوفي انتشر أزاى؟ 


تدخل سليم بهدوء: يا باشا صافيناز كانت هتعمل إيه؟ ده كوبري في مكان حيوي طبيعي جدا الخبر ينتشر، حاجة زي دي مش هتتخبى مهما حصل...


صمت لحظه، وتابع بنبرة أخبث وهو يرمق رشدي: بصراحه الغلط من الأول كان في توقيت جوازك يا رشدي، كان لازم تستنى شوية وتركز في المشروع اللى أنت بنفسك اتمسكت بيه.  


اومأت فريده بتأييد: سليم عنده حق بصراحه.


ضحك رشدي بمراره ساخره: اها؟! انا كده فهمت مش تقولوا انكم قررتوا تشيلوني المصيبه لوحدي، والله لو مكنتوش عملتوا كده؟ كنت هشك إن حصلكم حاجة، بس انتم كده تمام انا كده اطمنت عليكم..


فريده بحده: انت ليك نفسي تهزر.


عزت بضجر: سيبك منه الغلطه كانت غلطتي انا اني وثقت فيه.


وفي تلك اللحظة، فتح الباب ودخل رياض ومعه بعض المهندسين، وملامحهم تحمل توترا واضحا...


نظر له عزت بقلق: إيه يا رياض؟ وصلتوا لإيه؟


خفض عينيه، وقال بصوت متردد: للأسف يا باشا التقرير المبدئي بيأكد إن كان في تلاعب في الأساسات، الخامات والمواد المستخدمة مش مطابقة للمواصفات، وده السبب الرئيسي في انهيار الكوبري!


ساد صمت ثقيل للحظه، اتسعت فيها عينا رشدي بصدمة: يعني إيه الكلام ده؟! هات التقرير وريني!


بينما ارتسمت ابتسامة انتصار على شفتي سليم جاهد لاخفائها.


مد رشدي يده ليأخذ الملف، لكن عزت سحبه من بين يديه بعنف: أنت خليك مكانك! لا تشوف ولا تتكلم! تقعد زيك زي الكرسي ده يا فاشل! 


تجمد رشدي مكانه، واشتعلت عيناه، لكنه لم ينطق.

فتح عزت الملف، وبدأ يقرأ بسرعة، ثم أشار إلى رياض: اقعد! وفسرلي كل تفصيلة، عايز أفهم اللي حصل ده حصل إزاي!


ثم رفع نظره لرشدي: والتقارير اللي كانت بتجيلك فين؟! لازم نعمل مقارنة.


أجابه بصوت مكبوت: في المكتب هروح أجيبها.


قاطعه عزت بحدة: لا خليك! احنا مش عايزين نتعبك، ماهى! هاتي كل الملفات من مكتبه فورا.


ثم التفت إلى صافيناز: وأنتِ حاولي تلمي الموضوع بأي طريقة، شوفي حل يا فايزة خليكي معاها.


تقدمت فايزة وهي تحاول تهدئته: حاضر يا عزت اهدى أنت بس، أنا هكلم الصحف كلها ونحاول نكتم علي الموضوع حتى لو هدفع فلوس.


بدأت الأصوات ترتفع من جديد، نقاشات، أوامر، توتر يملأ المكان، اجتماع تحول إلى أزمة حقيقية، والكارثة بدأت تكشف عن جميع أوجهها.


علي اتجاه آخر/ قصر الراوي


كانت مي لا تزال ممدده على الأرض، فقد غفت في مكانها بعد أن أرهقها كثرة التفكير والبكاء.


تعالي رنين هاتفها، فتملمت في نومتها حتى فتحت عيناها، ثم اعتدلت تدلك رقبتها بألم، ومدت يدها إلي الهاتف وما إن رأت اسم والدها اتسعت عيناها باستغراب، ثم أسرعت تجيب: ألو، إيه يا بابا، أنت كويس؟


جاءها صوت والدها قلقا: آه يا حبيبتي كويس، المهم أنتم كويسين؟ طمنيني عليكم؟


اجابت باستغراب: آه يا بابا كويسين.


تساءل والدها بقلق: طب ورشدي عامل إيه؟ الدنيا عندكم تمام؟ لو في حاجة أقدر أعملهالك؟


ارتبكت: في إيه يا بابا؟ أنا مش فاهمة حاجة!


رد بهدوء: يا بنتي ركزي معايا أنا بتكلم علي الشغل بتاع جوزك، الكوبري اللي وقع، الموضوع مالي السوشيال ميديا وكل الأخبار.


شعرت بالصدمة: كوبري إيه!؟ أنا مش فاهمه حاجه!


والدها بصوت أكثر جدية: أنتِ نايمه ولا أيه يا مي؟ بقولك جوزك حصلت مصيبه في شغله، والأخبار من الصبح ملهاش سيرة غير الموضوع دى معقوله معاه في نفس البيت ومتعرفيش؟!


أجابته بتوتر: أصله مقاليش حاجه، ومشوفتش أي أخبار من امبارح، استني كده خليك معايا.


فتحت الفيسبوك تتصفح الأخبار، فوجدت الخبر منتشر بالفعل واسم عائلة الراوي في كل مكان، ارتجفت فهي تعلم ان رشدي هو المسؤول عن ذلك المشروع: اه يا بابا، الخبر مالي الميديا فعلا.


أجابها بقلق: طيب يا بنتي، فهميني... انتوا كويسين؟


ردت بتوتر: إحنا كويسين، بس أنا مش فاهمة حاجة رشدي كان شغال طول الليل ومشفتوش، هكلمه دلوقتي اطمن عليه وأفهم منه. 


اجابها: طب ابقي طمنيني.


أغلقت مع والدها وحاولت الاتصال برشدي، لكنه لم يجيب؛ كان منشغلا بالاجتماع وهاتفه علي وضع الصامت، شعرت بالقلق ومسحت علي وجهها بارهاق، ونهضت وما إن رأت انعكاسها بالمرآه حتي تجمدت مكانها، وظهر الصراع بداخلها واضحا؛ فهي تريد رؤيته والاطمئنان عليه، تشعر أنه بحاجة إليها، ولكنها مازالت غاضبه منه بفعل ماعرفته بالأمس.


همست لنفسها: أنا بس هشوفه عامل إيه وبعدين هروح لأهلي، استحاله هسامحه علي كدبه عليا.


دخلت الدريسنج بدلت ملابسها وخرجت.

 رأت أحد الحراس فقالت: لو سمحت، طلعلي عربية.


تردد الحارس: يا فندم مش هينفع، في أوامر من رشدي بيه بمنعك من الخروج.


رفعت حاجبيها بشدة: أنا رايحة لرشدي بيه، هو طلبني أنا عايزة حد يوديني المجموعة يلا.


في تلك اللحظه اقترب حارس: حاضر يا هانم، لحظة واحدة هجيبلك العربية وأوصلك بنفسي. 


اسكتلندا،10صباحا.


جلس ياسين في الشرفه، يقرأ الأخبار بصدمة واضحة، حاول الاتصال برشدي... ثم بوالده... ثم فايزة... لكن لا أحد يجيب.


عاد يقرأ الخبر مرة أخرى، بينما دخلت لوجين تقول بابتسامة: حبيبي، مش هنلبس بقى علشان ننزل؟


لكنها توقفت عندما رأت ملامحه: مالك يا ياسين؟


قال بقلق واضح: كارثة يا لوجين...


جلست أمامه بسرعة: في إيه؟


اجابها: السوشيال ميديا كلها بتتكلم عن انهيار كوبري من مشروع المجموعة.


اتسعت عيناها: يا نهار؟! حد حصله حاجة؟


رد موضحا: لأ الحمد لله لسه مشتغلش، بس محدش بيرد عليا، هحاول أكلم سليم تاني كمان شويه.


نظرت له بتردد وبادرت: تحب ننزل مصر؟


اومأ برأسه: لو الموضوع كبير أكيد هننزل بس هستني اشوف سليم هيقول ايه...


وبدأ القلق يتسلل إلى لحظات كان المفترض أن تكون هادئة.

         

في المجموعة 


كان الاجتماع لا يزال قائما يحاولون التوصل إلي حل ينتشلهم من تلك الكارثه.  


نظر عزت لرشدي، وقال بحدة لاذعة: إيه ده؟! كانوا بيضحكوا عليك؟ بيدوك تقارير مزورة، وأنت طبعا علشان فاشل وغبي مفهمتش؟!


أجابه بصوت خرج مكبوتا لكنه ثابت: يا باشا أنا كنت متابع وكل حاجه كانت ماشيه تمام، والعشر أيام اللي أنا سافرتهم سليم كان هو اللي متابع.


ضيق عزت عينيه: عايز تقول إن سليم هو السبب؟!


هز رأسه بسرعة: أنا مقولتش كده، بس أنا فعلا مش فاهم اللي حصل ده حصل أزاي.


انفجر عزت: يعني إيه مش فاهم؟! ماهو ده الفشل بعينه!


رشدي محاولا التماسك: يا باشا أنا مش فاشل، وبعدين ممكن يكون في تلاعب، خلينا ندور!


قهقه عزت بسخرية: ندور؟!


ثم قال بحدة قاطعة: أنت من هنا ورايح ملكش وجود.


تجمد رشدي: يعني إيه؟!


اجابه بحسم: يعني المشروع دى هيتسحب منك خلاص وهيبقى مع سليم، لأنك أثبت إنك فاشل وأصغر بكتير من إنك تمسك مشروع بالحجم ده.


أضاف بسخط وتقليل: هتقعد على مكتبك، تتفرج وبس! علشان إنت فعلا ملكش لازمة، دمرتنا وضيعتنا!


اشتعلت عينا رشدي: يا سلام؟! ولما صافيناز وسليم بيضيعوا عادي؟ ماسليم ضيع ملايين قبل كده ومعملتلوش حاجه، إشمعني أنا؟!


عزت بقسوة: آه ضيع ملايين، بس كسبنا مليارات! إنما أنت؟! المخدرات أكلت دماغك، بس أنا غلطان إني اديتك مشروع زي ده، ويكون في علمك أرصدتك كلها هتتسحب علشان نغطي المصيبة دي، ويا ويلك لو التقارير النهائية أثبتت إهمال أو سرقة!


ساد صمت ثقيل، ثم التفت إلى سليم: سليم المشروع من النهارده معاك.


وقبل أن يجيب، لمعت عينا صافيناز وقالت بسرعة واستغلال لأمر: طب ما أخده أنا يا باشا! سليم عنده شغل كتير، لكن أنا مش هيبقي معايا إلا المشروع دى واقدر اشتغل عليه كويس، وأنت شايف شغلي الخاص في مستحضرات التجميل وصل لفين بقي براند عالمي مش محلي بس!


نظر إليها متردد لثوانٍ، بينما تدخل سليم بنبرة خبيثة:صافيناز معاها حق يا باشا، خليها تاخده وأنا موجود لو احتاجت حاجه.


فهو يعلم في قرارة نفسه أنها لن تمتلك وقتا كافيا للعمل على هذا المشروع، وأن نصيبها من الصدمة لم يتبقَّ عليه سوى أيام قليلة حتى تأخذه هي الأخري.


اومأ عزت: تمام يا صافيناز المشروع من النهارده معاكي.


كان رشدي صامتا، يستمع لكل شيء وعيناه ممتلئتان بمرارة يحاول إخفاءها، كان يعلم في داخله أن أي خطأ حتى لو لم يكن منه، سيحاسب عليه، فهو دائما من يدفع الثمن.


تنهد بعمق، ثم نهض قائلا: اعملوا اللي تعملوه، أنا ماشي.


صرخت فايزة بشدة: تمشي تروح فين؟! اقعد!


نظر لها ببرود: وأقعد ليه؟ ده شغل مهندسين وأنا لا هفهم فيه ولا هفيدكم بحاجة، بعدين مش صافيناز خدته خلاص اسحب أنا...


وأضاف بلوم ساخط: يمكن لو كنتوا دخلتوني هندسة كنت عرفت افيدكم دلوقتي!


عزت بسخرية لاذعة: كنت هتبقى فاشل برضو، انت مش فالح غير في السكر والادمان والبنات! اترزع مكانك.


مسح رشدي وجهه بضيق وقبل أن يجيب رن هاتف عزت.


نظر إلى الشاشة بقلق "الوزير..."


أشار للجميع بالصمت، ثم رد: صباح الخير يا عدلي بيه.


جاءه صوت رزين من الطرف الآخر: إيه اللي حصل ده يا عزت؟


أجاب بسرعة: أكيد خطأ غير مقصود وأنا هعرف المسؤول وهيتحاسب حساب عسير.


رد الصوت ببرود: أنا مش فارق معايا مين يتحاسب، اللي حصل ده كارثة، الملف بتاعك دلوقتي في الوزاره وبيتراجع وفي لجنة هتنزل تفحص كل الكباري، وجه قرار أن المشروع ينسحب منك.


شد عزت على الهاتف: انت بتقول ايه يا عدلي أنا عزت الراوي...


قاطعه الصوت: الأوامر جاية من فوق يا باشا، وأنا حبيت أبلغك علشان تبقى في الصوره، دقائق وهيجيلك قرار رسمي..


توقف لحظة، ثم قال بوضوح: لو عندك فرصة تنقذ نفسك أثبت بسرعه إن اللي حصل ده بفعل فاعل مش إهمال، وخد بالك انت مطلوب كمان ساعتين في الوزاره حضر ورقك يا عزت، خسارة اللي حصل ده هيرجعك سنين لورا.


أغلق الخط، بينما ظل عزت ممسكا بالهاتف بصدمه، والصمت هذه المرة، كان أثقل من أي لحظة سبقتها.


تساءلت فايزه بقلق: إيه اللي حصل يا عزت؟


خرج صوته محملا بالغضب: كارثة! أنا مطلوب في الوزارة كمان ساعتين، عدلي كلمني بنفسه علشان يبلغني وبيقولي حضر ورقك، المشروع هينسحب سمعة المجموعة بتضيع، عشان أنا للأسف وثقت في واحد مدمن وفاشل!


صاح رشدي بنفاذ صبر وعينيه تلمعان بالغضب: باشا هي أول مرة نخسر مشروع؟! كل شوية فاشل فاشل، أنا مش فاشل!


نظر له عزت باحتقار، وصوته ازداد قسوة: لأ فاشل ومدمن! وهتفضل طول عمرك كده! ومتستحقش المكان اللي أنت فيه، الكرسي ده أفيد منك!


ثم نظر من حوله وقال بآمر: بلغوا الأمن ان التافه ده ميعتبش المجموعه هنا تانى!


اشتد نفس رشدي، وتوقف يقول بتحدي: أنا هاجي وهدير كل حاجة، وبطل تعاملني كده، ما هو سليم ..


قاطعه عزت بحدة وانفجار: متجيبش سيرة سليم على لسانك! وبطل تداري خيبتك وفشلك بغيرتك منه..


ثم تحرك وتوقف امامه وهو ينظر داخل عينه: عايز تعرف إحنا ليه بنفضل سليم عنك؟ علشان سليم شاطر، عرف يشتغل ويكسبنا ملايين! عارف قيمه نفسة وعامل لنفسه قيمه واحترام، ومجرد مايدخل اي مكان بيحترموه، قدر يعمل لنفسه سمعه وكيان من وهو ٢٥سنه، إنما إنت؟! طول عمرك فاشل مبتعرفش تعمل حاجة! والناس بتستهيفك، ولو عملولك قيمه ده بس علشان اسم العيله.


أشار له باستهزاء، ونبرته امتلأت احتقارا: بتفضل تقول " أنا بعرف... أنا جامد" وأنت ولا جامد ولا نيلة، أنت فاضي! ده أنت وصلت لدرجة فشل لو جبت شوية خضار وقعدت تبيعهم هتفشل برضو!


تعالت همهمات خافتة في الغرفة، ودخلت مي ولكن لم يشعر بها أحد حيث كانت جميع الأنظار معلقه بترقب علي النقاش المحتد أمامهم.


تابع عزت دون أن يلتفت لأحد: خليت شوية مهندسين وعمال يتفقوا عليك ويسرقوك! عارف ده معناه إيه؟! معناه إنهم شايفينك مهزق وهلهول! مش مستعنين بيك..


هز راسه وأضاف: تلاقيهم دلوقتي بيضحكوا عليك، علشان هي دي مكانتك وقيمتك اللى تستحقها، علشان كدة عمري ماوثقت فيك واديتك مشروع، والمشروع ده وافقت اديهولك بس بعد الحاح كبير من سليم اللي دايما عاملك صداع في دماغك لانه احسن منك، وفي الاخر ايه اللي حصل؟! خلتني انا عزت الراوي يا فاشل أروح للوزير عشان ابرر اللي حصل..


هبطت الكلمات على رشدي كالسهام تطعن قلبه دون هوادة، نعم اعتاد التوبيخ منهم، لكن هذه المرة كانت مختلفه فالإهانة أمام الجميع.


اشتعلت عيناه بدموع تأبى السقوط، وجز على أسنانه بغيظ يشتعل داخله… لكنه ظل صامتا، عاجزا عن الرد، لا يدري لماذا، وكأن قوة خفية أجبرته على الصمت. 


بينما واصل عزت بسخرية لاذعة: أنت اصلا ملكش دعوة أزاى بنجيب الفلوس وبنعمل مشاريع ونبقى رجال أعمال يتعمل لهم حساب! لانها بتيجي بالعقل والشخصية اللي مش عندك، مش باللسان القذر وأساليب البلطجة بتاعتك!


اقترب منه خطوة، ونبرته ازدادت قسوة: الاحترام مش بيتفرض بالعافية ولا بالصوت العالي ولا بالهبل اللي إنت بتعمله!


ثم أشار له بازدراء: خليك إنت بقى في اللي بتعرف تعمله البنات واسهر واشرب مخدرات، وبعزق فلوسك على ستات تضحك عليك وتديك على قفاك!


ضحكة ساخرة خرجت منه، باردة وقاسية: هو ده اللي أنت شاطر فيه! متاكد انك في الموضوع دي بالذات لو دخلت منافسه مع سليم هتكسب وتكتسح...


هز رأسه، وتابع بحده: فنصيحه بقي خليك في ده وبلاش تضحك على نفسك وتفكر إنك ممكن تبقى حاجة لأنك عمرك ماهتبقي حاجة


نطق رشدي أخيرا بصوت محتدم: لازمته ايه الكلام ده هنا؟ انت فاكر لما تقول كده قصاد الناس وتهني انت كده هتبقى حلو وجامد؟!


رمقه عزت بضيق: مش بقولك بجح، دي حاجه الوحيده اللي بتداري فيها خيبتك! وبعدين ليه مش هنا؟ بالعكس  هو ده مكانه ووقته! علشان الشباب والمهندسين الحلوين دول يتعلموا من فشلك.


عض رشدي خده من الداخل بغضب، محاولا كتم دموعه التى تجمعت داخل عينه رغما عنه، فيما عقله يتقاذف بين الغضب والهزيمة والمرارة.


تابع عزت، وهو يشر بيده للجميع: بصوا يا جماعة، ده رشدي الراوي ابني للأسف! 36سنة، معملش حاجة واحدة تتذكر! لو عايزين تتعلموا بصوله! ده نموذج ممتاز للفشل تتعلموا منه!


تصلب جسده، وقبض علي يداه بقوة، لكنه ظل صامتا يجز على أسنانه، حتى جاءت الطعنة الأخيرة عندما واصل عزت بسخرية لازعه: حتى مراتك بعد 10أيام جواز مستحملتكش وهتمشي!


في تلك اللحظة.. تبدل كل شيء.


اسودت عيناه بسواد خطر، وصوته خرج حادا: لأ عندك! كله إلا مراتي!


اقترب خطوة، ينظر في عيني عزت مباشرة: هو أنت فاكر لما تهني قدام الناس، كده أنت هتبقي راجل وبتعلمني الادب؟! أنت كده بتثبت إنك أب فاشل!


تجمد الجميع في أماكنهم، بينما تابع رشدي بغضب: بص للناس اللي شغالة عندك شايفينك إيه دلوقتي؟ واحد بيهين ابنه قدامهم! اكيد شايفينك انتهازي ووصولي وعديم رحمه..


ثم أشار بيده بعصبية: أنت فشلت تربي عيالك السبعة، ومفيش حد فيهم نجح غير سليم! مش رشدي لوحده اللي فاشل كلهم فشله زيي، بس الفرق إني الوحيد اللي كنت بغامر وعايز أكبر وجربت أكتر من مره..


بدأ التوتر يتصاعد بشكل مخيف، فتابع بشراسه: ولما سليم سابنا زمان فشلنا ندريها كلنا، حتي انت والهانم فشلتوا...


تابع بسخريه حاده: لو انت جامد كده! ليه بتعتمد على سليم في كل كبيره وصغيره؟! عارف ليه؟! علشان أنت كمان فاشل بتخبي فشلك ورا نجاح غيرك، انت لولا سليم كان زمان الامبراطوريه دي انتهت من زمان، علشان كده مش بيبقي ليك عين تحاسبه لو غلط!


اشتعلت عينا عزت، بينما صوت رشدي ازداد جرأة وخطورة: أنت يمكن نجحت تعمل إمبراطورية على اكتاف سليم، بس فشلت تبقى أب!


صمت ثقيل خيم للحظه، قبل أن يضيف رشدي بنبرة تحمل تهديدا واضحا: فلم الدور بدل ماقسما بالله العظيم بكلمه مني اجيبلك ضرفها، واظن أنت عارف كويس أنا عندى إيه واقدر اقول ايه؟! وعليا وعلى أعدائي..


ثم مرر عينه على الجميع، وصاح بشدة: ويكون في علمكم مش رشدي اللي هيحاسب على المشاريب في الاخر.


نظر في عين عزت بتحدي: وهدخل المجموعة وهدخل القصر وهعمل كل حاجه بمزاجي.


وفي لحظه انفعال خاطفه، رفع عزت يده ليصفعه، لكن رشدي أمسكها في الهواء بعنف، ونظر له مباشرة: لااا  عندك!! أنا مش عيل صغير علشان تضربني، ومن اللحظة دي مش هسمح لحد يرفع ايده او لسانه عليا، ولا يرمي فشله عليا، وأنا لساني طويل ومش هحترم حد!


شهقات صدمة خرجت من الموجودين... لكن عزت لم يتراجع، سحب يده وصفعه باليد الأخري، ثم دفعه بقوة جعلته يسقط أرضا، وصاح بغضب: اطلع بره يا كلب! يا فاشل! يا مدمن! أنت ملكش وجود هنا من النهارده، فين الأمن!! ارموا الزبالة دي بره!!


سقط رشدي على الأرض، أنفاسه تتصاعد، والغضب يمزق ملامحه، عيناه تشتعلان وكأنه على وشك الانفجار، رفع رأسه نحو سليم وحاول النهوض عازما علي فضح كل شيء...


ولكن اختنق صوته فجأة، وتكسرت الكلمات داخل حلقه حين وقعت عيناه على مي متسمرة على عتبه الباب، كأن الزمن توقف عندها !


كانت عيناها متسعتان بصدمة، والدموع تلمع بها، وأنفاسها متقطعة كأن قلبها لا يحتمل ما سمعه وما رآه.


في تلك اللحظة اختفى غضبه فجأة كأن شيئا مانتزع منه قصرا، وحل مكانه انكسار مهين ووجع يمزق قلبه، فتجمعت الدموع في عينيه وانسابت منه دون إرادة.


كان يستطيع تحمل الإهانة والألم وكلماتهم جميعا، لكن ليس أمامها…!


نظر إليها نظرة رجل سُلبت منه أقنعته، فبدا ضعيفا مكسورا، وهو أكثر ما كان يخشاه؛ أن تراه هكذا.


تلاقت نظراتهما؛ هي بوجع وصدمة، وهو بانكسار وضعف.


عجز عن الحركة والكلام لثواني، وكل مابداخله يصرخ "ليس هكذا… " تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن تظل هذه الصورة عالقة في ذهنها.


قطع هذه اللحظه، تقدم الأمن حتي كادوا يمسكون به، ولكنه توقف مسرعا، وأخرج مسدسه وهو يصيح بغضب: محدش يقرب مني! اللي هيقرب مني هفرتك دماغه.


اتسعت عينا مي بصدمه، وصرخت محاولة تهدئته: رشدي مش كده، نزل السلاح!


نظر إليها بانكسار للحظه ودموعه تنساب ببطء، قبل أن يرفع عينيه إلى الجميع بنظرة مشتعلة بغضب وكره لم يعرف قلبه مثلها من قبل، ثم اندفع مسرعا إلى الخارج.


صرخت مي وهي تهم بالتحرك خلفه: رشدي! استنى!


لكن قبل أن تخرج رمقتهم بعينين مملوءتين بالعتاب واللوم: أول مرة بجد أتأكد إنه كان صح في كلامه، خسارة!


وتحركت خلفه مسرعة، لكنه سبقها إلى المصعد، حاولت إيقافه ولكن دون جدوى، فركضت نحو الدرج تحاول اللحاق به.


وحين لحقت به في الردهه صرخت: رشدي! استنى! خلينا نتكلم، رشدي! هتروح فين بس؟


لكن خطواته كانت سريعه، واندفع للخارج مسرعا، ظلت تصرخ، وهي تركض خلفه: رشدي! استنى! خلينا نتكلم!


لكنه لم يلتفت اليها، دخل سيارته وأدار المحرك وانطلق مسرعا.


وقفت تنظر إلى ابتعاد السيارة، بعينان ممتلئتان بالدموع، ثم رفعت نظرها إلى ذلك المبنى العريق باشمئزاز وضجر.


مسحت وجهها بارتباك، والتفتت حولها تبحث عن سيارتها، وما إن رأتها حتى ركضت نحوها، وقالت للسائق: اطلع بسرعه ورا رشدي بيه.


أومأ برأسه وتتحرك خلفه مسرعا، وأثناء ملاحقته رن هاتفها باسم "جنة" تجاهلته في البداية، فكان كل مايشغلها اللحاق برشدي والاطمئنان عليه، ولكن الهاتف لم يتوقف عن الرنين، فأخرجته من حقيبتها وحينما رأت الاسم تنهدت بقلق وأجابت: أيوه يا رحمة إزيك؟


جاءها الرد: احنا هنستناكم ولا نمشي على المستشفى؟


شهقت مي: يا نهار أبيض! أنا نسيت خالص حوار العملية! خلاص روحوا إنتوا وأنا هجيلكم على هناك.


إجابتها: تمام مستنيينك.


أغلقت الخط، ونظرت إلى سيارة رشدي التي تبتعد أمامها، ثم إلى السائق الذي يحاول اللحاق به، ثم إلى هاتفها، ودار داخلها صراع بين شخص يهرب منها، وشخص آخر يحتاجها.


لم تعرف ماذا تفعل، لكن قلبها حسم القرار: اقف علي جمب لو سمحت.


نظر إليها باستغراب، فأكملت: أنا هنزل هنا علشان عندي مشوار مهم، وأنت خليك ورا رشدي بيه.


أومأ السائق، فنزلت سريعا وأوقفت تاكسي، ثم صعدت تقول: مستشفى النوري بسرعة لو سمحت.


وبالفعل توجهت إلى المستشفى، بينما كان رشدي يقود سيارته بشكل عشوائي كأنه يهرب من نفسه.


على اتجاه آخر... في المجموعة.


ربتت صافيناز  علي كتف عزت: اهدى يا بابي، هو خلاص مشي.


رد باختناق: محدش هيموتني ناقص عمر غيره..


ثم زفر وهو يقول: انا هقوم أروح الوزارة واحاول انقذ مايمكن انقاذه.


ثم أشار بصرامة: صافيناز أنا عايزك تركزي في المشروع ده كويس، متخلنيش أندم إني ادتهولك أنتِ كمان..


والتفت إلى سليم: وأنت يا سليم خليك معاها.


أومأ بهدوء: متقلقش يا باشا، إن شاء الله كله هيبقي تمام.


ثم نظر عزت إلى فايزة: وأنتِ حاولي تلمي الموضوع مينفعش ينتشر أكتر من كده.


هز الجميع رؤوسهم بالموافقة، بينما خرج عزت بخطوات سريعة، يحمل فوق كتفيه ثقل كارثة كاملة.


سادت لحظة صمت ثقيل قبل أن تنفجر الحركة داخل الغرفة؛ أوراق تجمع، مكالمات تجرى، وأصوات متداخلة تحاول السيطرة على الفوضى.


بدأ سليم يشرح بهدوء مدروس، ويوزع الأدوار، بينما كانت صافيناز تستمع وتضيف بعينين تلمعان بطموح واضح.


وبعد دقائق... انسحب سليم بهدوء واتجه إلى مكتبه.


وما إن دخل، حتى وجد مكي جالسا هناك يضع الحاسوب أمامه، ويتابع مايحدث بابتسامة مستمتعة.


أغلق الباب خلفه بابتسامة: كنت متأكد إني هاجي ألاقيك هنا.


رفع عينيه بابتسامة، ونزع السماعات: مهو مكانش ينفع أضيع على نفسي العرض الفاخر ده، أيه الجمدان ده كله الله عليك يا استاااذ، هايل كااات!


قهقه بصوت عالي، وقال وهو يتقدم نحوه ويفتح ذراعيه كدعوى لعناق يوثق الانتصار: أنت اللي جامد والله يامكوش، شغل من بتاع زمان على مايه بيضا، دى كفاية الفضايح بتاع انتشار الخبر الصبح بس، شوفت جننتهم أزاي؟ بجد تسلم ايدك.


عانقه مكي بأخوه وسعاده: أنت اللى تسلم أيدك ورجليك ودماغك كمان..


ثم مال ووضع قبلة خفيفة على رأسه: ربنا يخليهالنا المتكلفه دي، ايوة كده رجعنا لأمجاد زمان! لا وايه سالكه معاك علي الآخر..


قهقهه وتابع وهو يلوح بيده: يعني امبارح تبوظله الشغل يقوم عماد مديله اسفين معاها قبل ما الخبر يجيله بدقايق، ويجي النهارده لما يتهزأ على تكون هي واقفه وشايفه كل حاجه لايف!! دى أنت لو ظابط مواعيدك معاها على المسطره مش هتبقوا متناسقين كده!!    


ضحك سليم بخفة: هتحسدنا ولا إيه يا عم؟! لا، حاسب كده وأمسك الخشب..


ربت مكي على كتفه بمزاح: متقلقش أنا عيني خفيفه عليك.


ثم تابع بحماس: وبعدين إحنا لازم نحتفل باللي حصل ده، يلا ماتش بوكس!


ابتسم سليم بثقة مازحه: بس أنا اللي هكسب وهخيلك رشدي.


رفع مكي حاجبه سريعا: لا مادام هتتخيلني رشدي يبقى بلاها أحسن!


انفجرا الاثنان ضاحكين، وعانقا بعضهم مره أخري احتفالا بانتصارهم.


ربت مكي على صدره وقال: هافشيت غلك شوية؟ ولا لسه؟


تنهد وقال بنبرة هادئة تحمل رضا خفيا: يعني شوية، بس بصراحة تحس إن القدر الفترة دي واقف في صفي وبيسهلي كل حاجه.


توقف لحظة، ثم أكمل بابتسامة باردة: مكنتش متوقع إن مي تشوف اللي حصل ولا إن الباشا يمد إيده على رشدي بالشكل ده قصاد الناس مع موضوع إدمانه اللي اتعرف امبارح، 3 ضربات في مقتل..


أومأ مكي مؤيدا: ضربة تقيلة كسرته قدام الكل.


لمعت عينا سليم ببرود: وده اللي كنت عايزه، إنه ينكسر زى ما كسر ماسة.


اومأ مكي، وتحرك يمسك بحقيبه ويضعها على المكتب أمامه: صحيح انا خلصتلك موضوع الجامعة بتاع آلاء وماسة، وجبتلهم كل الكتب والملازم اللى محتاجينها.


أخذها منه، وقال: كويس والله، ماسة هتفرح أوي.


اومأ مكي وهو يحمل شنطه أخري: أنا هروح أوصل الحاجه لآلاء ودكتور مصطفي بنفسي وأشوف لو محتاجين حاجه تانيه.


اومأ سليم موافقا وأشار له: ماشي بس اقعد الأول عايزك.


جلس أمامه وتساءل بمزاح: خير، المره دي برج ولا مصنع!؟ 


قهقه سليم: يا عم لا، كنت بس عايزك تحطلي رشدي تحت عينك النهارده، أنا متأكد إنه هيغلط وممكن نمسك عليه حاجه، أخويا وأنا عارفه..


اومأ مكي بابتسامه: سهله، هيروح فين يعني؟ أكيد هيروح أي نايت من اللى بيروحهم..


تابع سليم بخث: ولو قدرت تزوق عليه بنت وتخليه يطلع معاها الأوضة، تبقى ميه ميه.


وقبل أن يرد مكي، تعالي رنين هاتف سليم، نظر إليه فوجد اسم "ياسين" يلمع على الشاشه، فقال: ثواني ده ياسين.


ضغط على زر الإجابه: ألو.


جاءه صوت ياسين القلق: ايوه سليم! إيه اللي حصل ده؟ بتصل عليكم من الصبح محدش بيرد.


اجابه بهدوء: معلش كنا مشغولين، زى ماشوفت كوبري وقع، بس متشغلش بالك أنت وخليك في شهر العسل.


ياسين بتوتر: إزاي يعني؟! أنا لازم أرجع!


اجابه بهدوء: يا ابني ملهاش لازمة هتيجي تعمل إيه؟ ما إحنا موجودين، اسمع الكلام واستمتع وسلملى على لوجين، سلام.


اغلق الهاتف ونظر لمكي قائلا: كنا بنقول ايه؟


مكي: كنا بنتكلم عن رشدي، عامة متقلقش أنا هعرف اتصرف وبالليل بإذن الله هيبقي معاك شوية صور وفيديوهات حلوه..


غمز له، فأومأ سليم ونهض يمسك بالحقيبه: ماشي، يلا أنا همشي معاك علشان أروح لماسة، وقول لعشري يغطي عليا.


أمسك مكي بالحقيبه الأخري: يلا بينا..


وخرجا معا بإبتسامة انتصار تزين وجوههم.


أحد المستشفيات الخاصة،11صباحا.


دخلت مي الغرفة، فوجدت جنة ممددة على الفراش، وبجوارها رحمة وإسعاد، والطبيب يجهزها للعملية.


ما إن رأتها جنة ابتسمت بتعب: مي جيتي، فين رشدي؟


اقتربت تربت على يدها وهي ترغم نفسها على الإبتسامة: جاي ورايا علطول، بيجيبلك ايس كريم.


تبسمت جنة: ماشي.


دخل الطبيب وقال بهدوء: احنا كدة جاهزين نبدأ العملية دلوقتي.


نظرت جنة بقلق: لا استنوا لما رشدي يجي.


تبادلت رحمة نظرة سريعة مع مي، وقالت بلطف: لا يا حبيبتى مينفعش، انت ادخلى دلوقتي علشان لما يجي تكوني فوقتي وتعرفي تلعبي معاه.


أشارت جنة بأصابعها لرحمه: لو طلعتي بتكديي عليل هخاصمك يوم ويوم ويوم.


رحمه بابتسامة: ماشي.


وبالفعل أخذتها الممرضات إلى الداخل، وأعطيت حقنة البنج، وبدأت العملية.


في الخارج...


جلس الجميع ينتظرون، وكانت مي صامتة شاردة، لم يفارق ذهنها ماحدث ليلة أمس، ومارأته صباحا؛ فرؤيتها لذلك الإنكسار في عينيه، جعل قلبها يضطرب رغم كل شيء، لكنها حاولت أن تُقسي قلبها، وتتذكر مافعله بها وماسببه لها، وكأنها تجبر نفسها ألا تضعف.


كانت رحمة تراقبها من حين إلى آخر بنظرات فاحصة. وفي تلك الأثناء، حاولت مي الاتصال برشدي أكثر من مرة، للاطمئنان عليه، وليأتي قبل خروج جنة لكن دون جدوى.


تسألت اسعاد: هو رشدي مش جاي؟


مي بحرج: شكله كدة، اصل في مشكلة كبيرة حصلت في الشغل.


رحمه بتأييد: فعلا انا قريت على فيسبوك إن فيه كوبري وقع من شغلهم، بس محدش يقول لجنه انه مش هيجي، نقولها انه جه وبص عليها وبعدين راح شغله وجي تاني، وهي كده كده هتكون تعبانه فمش هتزعل اوي وتلح. 


اومات مي برأسها بصمت.


وبعد وقت...انتهت العملية، وتم نقل جنة إلى غرفتها.

جلسوا جميعا ينتظرون حتى بدأت تستعيد وعيها...


فتحت عينيها ببطء، وأول كلمة خرجت منها: رشدي فين؟


ترددت مي لحظة، ثم قالت بهدوء: عنده شغل كتير، بس سأل عليكي وجه شافك وانتِ جوه ومشي.


لمعت عيناها بالحزن: يعني مش جاي؟


قبل ان ترد مي، سبقتها رحمة بسرعة: ممكن ميعرفش يجي النهارده، بس هو أكيد هيجيلك بكرة إن شاء الله، يلا ارتاحي ياحبيبتي، أنتِ موجوعة.


هزت جنة رأسها بخفة، التعب ظاهر عليها.


إسعاد بحنان: نامي، ومتتكلميش كتير.


همست بصوت واهن: حاضر يا تيته...


لم تكن قادرة على الكلام كثيرا، الألم والتعب كانوا ظاهرين عليها بشدة، عدلت مي الوسادة خلف رأسها لتساعدها علي النوم بشكل مريح، ثم جلست بجوارها تحاول تهدئتها وربما تهدئ نفسها أيضا.


الفيلا التي يمكث بها مصطفى،12ظهرا


وقف مكي مع مصطفى وآلاء في الردهة، وكانت آلاء تحمل بين يديها كومة من الكتب، بينما كان مصطفى يمسك حقيبة ممتلئة بالكتب والملازم.


مكي بنبرة عملية لطيفه: أنا جبتلك كل الملخصات والملازم، لما سألت مين أشطر واحدة في الدفعة، قالولي آلاء ومختفية، بعدين ذكروا اسم واحدة تانية قابلتها بنفسي وأخذت منها المحاضرات المهمة، وقابلت الدكاترة بتوعك وخليتهم يحددولك الحاجات المهمه اللي الامتحان مش هيخرج براها، ومتقلقيش موضوع الغياب كمان انتهى، واخدتي كل أعمال السنة.


ابتسمت بامتنان: بجد شكرا جدا، والله مش عارفة أقولك إيه، انت أنقذتني.


هز رأسه بتهذب: مفيش شكر علي واجب، ولو احتاجتي أي حاجة رقمي مع دكتور مصطفى، بلغيني علطول وهجيبهالك.


ثم أخرج ورقة من جيبه وأعطاها لها: ده رقم صديقتك اللي أخدت منها كل الحاجات المهمة، اسمها زينب عبد العال.


أجابت آلاء: أيوه، زينب صاحبتي، وشاطرة جدا.


تابع مكي: ممكن تتواصلي معاها بالرقم اللي معاكي..


ثم اضاف محذرا: بس مفيش تفاصيل تتقال، لو سألتك انتِ فين هتقولي مسافرة عند أهلي، أي حاجة تخص مكانك ممنوع مفهوم؟


أومأت برأسها: فاهمه، حاضر.


أضاف: وياريت تبلغيها إن الرقم مش خاص بيكي وانه رقم حد من العيلة وبلاش تديه لحد، وخليكي طبيعية جدا علشان متشكش في حاجة.


تنهد وتابع: وجدول الامتحانات إن شاء الله أول ماينزل هبلغك بيه، وهنظبط مع بعض موضوع مرواحك الامتحان. 


ابتسمت: تمام


سأل مكي وهو يمرر عينه عليهما: محتاجين أي حاجة تانية؟


أجاب مصطفى: لا، شكرا يا مكي وبلغ سلامي لسليم وماسة.


اومأ إيجابا بصمت، فسأل مصطفى: كنت عايزة أسألك على حاجة صحيح، هو حوار الكوبري اللي وقع ده هيأثر على أي حاجة؟


هز رأسه مطمئنا: لا مش هيأثر على أي حاجة، ده جزء من الانتقام متقلقش، وأي جديد، وأي تفاصيل هتجيلك علطول.


ثم هم بالمغادرة: بعد إذنكم.


وعقب مغادرته، نظر مصطفى الى الاء وقال بمرح: مش كنتي مستعجلة علي الشقي، اهو النهارده هيبدأ وأنا اللي هذاكرلك بنفسي، خصوصا الباطنة اللي مش طايقاها.


ابتسمت وهي تضم الكتب إلى صدرها: والله أنا مبسوطة جدا، اشتقت للدراسة.


ابتسم، وقال مداعبا، وهو يشير بإصبعه محذرا: واهو يا ستي من النهارده هنبدأ المذاكرة، بس خدي بالك أنا دكتور رخم اوي وإيدي طويلة!


ضحكت بمرح، فاهتز كتفاها بخفة، بينما ظل هو يتأمل ضحكتها للحظات، وعيناه تلمعان بابتسامة هادئة.


ثم قال وهو يومئ برأسه نحو الداخل: يلا اطلعي بقى ودي الحاجات فوق وبلغي الحاجة إننا هنتغدى علشان أنا جوعت.


أومأت برأسها بابتسامة وتحركت مبتعدة، بينما تابعها مصطفى بابتسامة خفيفة لا تزال على شفتيه، وبعد لحظات، أخرج نفسا هادئا، ثم استدار متجها نحو الحديقة.


القلج،1ظهرا


دخلت رحمة تحمل جنة بين ذراعيها وخلفها إسعاد ومي، توجهوا بها إلى الغرفة ووضعوها على الفراش برفق، ثم جلست مي من جهة، ورحمة من الجهة الأخرى.


تنهدت إسعاد بتعب: بقولكم إيه يا بنات أنا هروح أريح شوية علشان تعبت.


رحمة بهدوء: روحي يا خالتي، أنا قاعدة وهبات معاكم النهارده، وهعمل الغدا كمان.


ثم نظرت إلى مي من أعلي لأسفل: أنتِ هتتغدي معانا؟


هزت رأسها برفض: لا مش هينفع خالص، أنا شوية كده وماشية.


شدت جنة يدها بتعب: يعني مش هتقعدي معايا؟


ابتسمت بحنان ومسحت على يدها: هبقي اجيلك تاني، وهجيبلك حاجات حلوة ولعب وآيس كريم كمان.


هزت رأسها بصعوبة، وصوتها متقطع من التعب:

قولي لرشدي إني زعلانة منه وهخاصمه، يوم ويوم ويوم...بصي... 


رفعت أصابعها العشرة ببطء: قوليله إني زعلانة دول كلهم، ومش هكلمه تانى.


ابتسمت مي بحزن، ومسحت على شعرها: متزعليش منه، هو مجاش علشان حصله مشكلة كبيرة في الشغل، صح يا رحمة؟


رحمة بسرعة: آه وهو بيحبك وهيجي يشوفك.


تمتمت بعناد طفولي، بنبرة متعبه: لا، أنا زعلانة منه، وقوليله كمان إني زعلانة من بابا وماما، ومخاصماهم مش هكلم حد فيهم، هكلمك أنتِ ورحمة وتيتة بس.


ابتسمت مي وقالت بمهاوده: طيب يا ستي، مش أنتِ كنتي عايزة تنامي؟


اومأت جنه: أمم...


مي: طب يلا نامي.


سحبتها إلي صدها وأخذت تربت على شعرها بهدوء حتي استسلمت للنوم، ظلت بجوارها لدقائق تتأكد من انتظام أنفاسها، ثم نهضت بهدوء: أنا همشي بقى...


رحمة: ماشي، بس بالله عليكي قوليله فعلا إنها زعلانة، ولازم ييجي يشوفها.


أومأت مي وغادرت الغرفة تاركة خلفها هدوءا ثقيلا وطفلة نائمة، تحمل في قلبها حزنا أكبر من عمرها.


قصر الراوي٢م.


جلست ماسة تستمع إلى الأغاني، وهي تقوم بحياكة قطعة تريكو، بعد لحظات، دوى صوت ثلاث خبطات (الإشارة المتفق عليها)


رفعت رأسها، بإبتسامة واسعه، دخل سليم يحمل شنطه بين يديه، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، ثم نظر لها بابتسامة دافئة وهو يقترب: قطعة السكر الحلوة عاملة إيه؟ وإيه الأغاني دي؟ عامله احتفال عشان اللي حصل ولا ايه؟


قالت بدلال: تؤ عشان أتسلى، أصل كان نفسي أمسح كل الميكاب ده، وأحط ميكاب طبيعي، وألبس فستان أحمر وأعمل اللوك اللي إنت بتحبه عليا عارفه؟


هز رأسه بإعجاب وهو يبتسم، فنهضت تقترب منه  وأكملت: كان نفسي اقعد ارقص كمان بس خوفت لحد ييجي واتقفش.


ضحك بمزاح: الحمد لله إنك خوفتي، خلاص ياقطتي الشقية، فاضل شوية وهنرتاح.


تساءل وهو يقرص خدها بمدعبه: شوفتي اللي حصل في رشدي؟؟ 


اومات بأسف، وقالت بطيبة: بصراحة صعب عليا.


رفع أحد حاجبيه: مالك؟!


اجابت مسرعه بتوضيح: بجد صعب عليا، خصوصا كسرته قدام مراته، بعدين أنا كان نفسي القلمين دول يبقوا لصافيناز.


تغيرت ملامحه، وقال بحدة: ميصعبش عليكي غالي، كلهم ديابة مستنيين اللحظة اللي ينهشوا فيها الضحية اللي تقع تحت ايديهم بطلي طيبة يا ماسة.


تسألت بضجر: طب وصافي؟! دي واحدة تستاهل أكتر من اللي حصل لرشدي، هتنتقم منها إمتى؟


ثم أضافت بنوع من القسوة: صدقني، انت لو مفشتش غليلي منها الاسبوع ده، هتيجي تلاقيها هي وجوزها مدبوحين، أنا كل يوم بيجيلي أفكار وبمسك نفسي بالعافية



باقي الفصل الثلاثون👇

ابتسم سليم ومسح على خدها برفق: اهدى يا سليم ياصغنن.


ثم همس بنبرة مطمئنة: صدقيني يوم الحفلة حقك هيتجاب ولو معجبكِش أنا بنفسي هديكي السكينة وأخليكي تدبحيهم.


وقبل أن تجيبه، رن هاتفه، نظر إلي الاسم قائلا: ده عرفان! اكيد فيه حاجه مهمه..


رد بسرعة: أيوه يا عرفان اتمنى الاتصال يكون وراه خبر حلو.


جاءه الصوت: بصراحة في معلومه مش عارف مهمة ولا لأ بس حسيت إني لازم ابعتهالك، حالا وهتبقى عندك، وبالنسبة لموضوع المتفجرات بكرة كل الكميه اللى طلبتها هتكون اتوفرت معايا.


اجابه: تمام.


ثم أغلق الهاتف، فنظرت له ماسة باستفهام: مين عرفان ده؟


رد وهو ينظر بالشاشة: واحد شغال معايا.


فتح الفيديو الذي وصله، فوجده مقطع لسارة وعماد وهما يتحدثان عن صافيناز.


تسمرت ماسة مكانها، واتسعت عيناها بصدمة مع كل كلمة، وحين انتهى، قالت بدهشة: يا نهار أبيض مش ولادها؟! أنت كنت عارف يا سليم؟


هز رأسه: لا طبعا، مكنتش أعرف، ولا حتى موضوع العملية.


تسألت: طب هتعمل إيه؟ الموضوع ده هيفيدك في حاجة؟


ابتسم ابتسامة جانبية، وعيناه تلمعان: طبعا هيفيدني، صافيناز فاكرة إن السر ده محدش يعرفه، وإن عماد عارف وساكت ده لوحده سلاح مهم جدا.


ثم أضاف بخبث: خلي الفيديو على جنب من ضمن الملفات المهمة، ممكن نحتاجه قدام.


تنهدت ماسة: بس بجد صدمة.


سحبها نحوه بخفة، وقال بنبرة هادئة: كبري دماغك، خلينا في المهم، عندي ليكي مفاجأة، بس هو أنت ازي مسألتنيش عن الشنطه.


تبسمت: كنت هسألك بس ملحقتش. 


أدخل يده بالحقيبة، وأخرج منها كتابا ولوح به أمامها قال بحماس: جبتلك الكتب عشان تكملي دراستك وتدخلي امتحاناتك، أصل بالوضع ده هتتخرجي على التلاتين!


لمعت عيناها بسعاده وهي تقفز لأعلى كالأطفال: الله يا سليم فرحانة اوي..


ضمته بمرح ووضعت قبله على خده، وتتابع بحماس ممزوج بمزاح: يا نهار! ده أنا كنت حاسة إني نحس، قسما بالله فقدت الأمل، كل ما ابدا انتظم يحصل حاجة! قولت خلاص مش مكتوبلي العلام.


ضحك بخفة، وهو ينظر لها بحب: لا طبعا يا قطعة السكر انا ميرضينيش، عشان كده جبتلك الكتب والملازم عشان تذاكري، لاني عارف إن ماستي الحلوة بتحب المعاناة، وضيق النفس، وعايزة تذاكر بنفسها، إنما لو عايزة شهادة عطول، معنديش مانع!


ضحكت، وخطفت الكتاب من يده: لا يا حبيبي أنا عايزة ضيق التنفس. 


ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة: شكرا يا أحلى سليم في الدنيا، أنا بعشقك وبحبك وبموت فيك وحاجات كتير اوي.


رفع حاجبها وهو يقلدها بمداعبه: حاجات كتير اوي.


اومأت برأسها بمرح: اوي اوي.


ضمها بين ذراعيه، وقبل رأسها بحنان، فأسندت رأسها على صدره بسعادة وفجأة قالت بقلق: بس هروح الامتحانات أزاي؟! يووووه يا عم... أنا نحس بجد!


ابتسم وربت على رأسها وهي مازالت بين ذراعيه: متقلقيش يا عشقي وقتها إن شاء الله تكون كل حاجة خلصت.


رفعت عينيها له، فتابع بمزاح وهو يمرر اطراف اصابعه على ملامحها: يعني اللي هيكون مات واللي هيكون اتشل يا اما انجلط. 


ضحك: يخرب عقلك، بس من غير زعل، الصراحة أهلك يستاهلوا!


ابعدها قليلا وهو ينظر لها بمداعبه: طب بما إن الباب مقفول علينا، وإحنا لوحدنا وهم مشغولين في مصيبه المجموعة، معنديش مانع تلبسي الفستان الأحمر، وتحطي الميكاب اللي بحبه ونحتفل.


ابتسمت بدلال انثوي: أنتِ شكلك مبتشبعش احتفالات.


اقترب منها أكثر، وهمس وهو يدقق النظر في شفتيها بشوق: أنا مبشبعش منك إنتِ.


ثم جذبها إليه برفق وقبلها قبله حارة، تبادلا القبله بعشق وشوق لثواني، ثم ابتعد يسند جبينه على جبينها، وياخذون انفسهم من انفاس بعض، وفجأه رفعها بين ذراعيه قائلا: شكلي هبدأ الاحتفال قبل الفستان الاحمر، ونبقي نحتفل تاتي بعد الفستان.


ضحكت بخفة وهي تتشبث به، بينما تحرك هو متجها بها نحو الفراش.


جناح رشدي ومي.


دخلت مي الغرفة بخطوات بطيئة، وضعت حقيبتها على الفراش، وجلست بثقل تفكر في رشدي والقلق يحرق روحها؛ فهو مختفي منذ الصباح ولا يجيب علي أي من اتصالتها.


حاولت الاتصال به مجدا لكنه لم يرد، زفرت باختناق: يا تري أنت فين يا رشدي؟


فتحت تطبيق الواتساب، وأرسلت له رسالة صوتية "رشدي، أنت فين؟ أنا عمالة أكلمك من الصبح، قلقانة عليك اوي، أنا في البيت مستنياك..."


أغلقت الهاتف، ووضعته بجانبها، ثم رفعت عينيها للأعلى تفكر: هل تأخذ حقيبة ملابسها وتغادر؟ أم تبقى وتنتظر؟.


عادت بها الذاكرة إلى ما حدث اليوم؛ حديث عزت مع رشدي، قسوته، إهانته، وصفعه أمام الجميع، ودفعه أرضا بمهانة، انكساره حين رفع عينيه ورآها تشاهد كل ذلك.


شعرت بحزن عميق ومرارة تحرق قلبها، وادمعت عيناها بلا إرادة...


فتلك المرة لم تكن مجرد حكاية تسمعها منه، بل رأتها بعينيها وسمعتها بأذنيها، فأدركت أن ما آل إليه لم يكن اختيارا، بل انعكاسا لتربية قاسية وتهميش مستمر وتقليل لم ينقطع يوما.


ظل محاطا بجراح لم تداو حتى صارت جزءا منه؛ فلم يكن رشدي وحشا، بل ضحية عائلة لا تعرف معنى الحب، ولا ترى إلا المال...


ترددت كلماته في أذنها حينما قال: " أن إدمانه لم يكن بإرادته، وأن هناك من دفعه لهذا الطريق..."


أطلقت زفرة مثقلة، وأسندت راسها على الفراش، تفكر بين صوت العقل ونبض القلب..


لكن هذه المرة... حسم قلبها أمره؛ لن ترحل وتتركه وحيدا يغرق في ظلام فرض عليه، ستكون له السند والحضن والأمان، ستكون له كل ما لم يعرف طعمه قط.


همست لنفسها بعزم هادئ "مش هسيبك مهما حصل."


فهي الآن ترى نزيف قلبه وروحه بوضوح ولن تدير ظهرها له.


مجموعة الراوي8م.


جلست فايزة خلف المكتب منهمكة في مراجعة بعض الأوراق، وبعد لحظات دخل عزت بملامح مرهقة، وما إن رأته حتى نهضت تتساءل: عملت إيه في الوزارة يا عزت؟


تنهد بعمق، ومرر يده على وجهه بإرهاق، ثم جلس على الأريكة، فجلست بجانبه وهي تنظر له بقلق: طمني.


أجاب بصوت متعب وهو يفكك الجرافته: عرفت أظبط شوية في الوضع وشككت في التقرير، وقولتلهم مستحيل أكيد غير دقيق، وإن اللي حصل ده بفعل فاعل، فهيبعتوا لجنه تبعهم تراجع تاني.


توقف لحظة، ثم أكمل بامتعاض: بس الوزير قال إن مجموعة الصرفي هتدخل معانا شراكة بنسبة 50% وكمان أي مستحقات أو خسائر إحنا اللي هنشيلها.


تنهدت بارتياح: طب كويس.


التفت لها وقال بحدة خفيفة: كويس إيه يا فايزة؟! إنتِ بتضحكي على نفسك؟! ده مش كويس طبعا، أنتِ عارفة يعني إيه كل فترة يبعتوا لجنة تفحص؟


هزت رأسها بهدوء: فاهمة بس برضوا ده في صالحنا لازم نعرف رشدي أهمل فعلا ولا في لعب؟


ثم أضافت بثقة: بعدين أنا متأكدة إنه رشدي مأهملش لانه كان واخد المشروع ده تحدي عشان ياخد مكان سليم، وأنت عارف سليم عقدته..


اضافت بذكاء مخضرم: انت كمان لازم تبعت لجنه فحص غير اللجنه اللي هتكون في العلن، لجنه سريه تعرف هل الموضوع فعلا اهمال ولا في طرف ثالث؟!


أومأ ببطء، وقال بنبرة مظلمة: عملت كده فعلا وبعت لجنة غير اللي هناك، ولو طلع فيه لعب هحرق إللي عمل كدة هو وأهله وهمسح سلالته كلها من على وش الأرض.


ساد الصمت لحظة، قطعه صوت فايزة وهي تميل نحوه: طيب كده رئيس الوزراء مش هيحضر الحفله؟!


ضيق عينه باستغراب: حفله ايه؟! الحفله دي لازم تتأجل؟! هي ناقصه فضايح؟!


نظرت له بهدوء وقالت ابتسامة مهيمنه: بالعكس الحفله دي هتتعمل لازم تتعمل في معادها، وماسة كمان لازم تهرب زي ما احنا رتبنا.


نظر لها بدهشة: إيه اللي بتقوليه ده يا فايزة، هو دى وقته؟! 


اقتربت أكثر، وثبّتت نظرها في عينيه، وقالت بهدوء: اسمعني كويس يا عزت الحفلة دي هتكون إعلان مننا إننا لسه أقوياء، بالعكس دي جاية في معادها بالظبط.


رفعت يدها وهي تشرح بثقة: يومها هيحضر رئيس الوزراء بنفسه، ورجال أعمال أجانب وعرب ومستثمرين، وكلهم هيشوفوا عرض المصنع بالطريقة المتفق عليها، ساعتها هيعرفوا إن الامبراطوريه دي مبتتهدش مهما حصل وإنها هتفضل قوية...


توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر حدة: ده رد مننا لأي حد بيفكر يلعب معانا، لسه متخلقش اللي يهز عيلة الراوي، احنا امبراطوريه ضخمة يتعملها ألف حساب. 


أضافت بفحيح: وبعدين حفلة زي دي هتغطي على كل اللي حصل، كل السوشيال ميديا وكل القنوات هتتكلم عن الحدث، وأنا قررت أعزم فنانين ليهم تأثير وهكلم كل وسائل الإعلام مش قناة واحدة، لازم مصر كلها ميبقاش ليها سيرة غير الابهار اللى قدمته عيلة الراوي في الحفله دى.


رفعت ذقنها قليلا، وأكملت فحيح افاعي: صدقني يا عزت الحفلة دى جت في معادها ولو لغيناها يبقى بنعلن إننا ضعفنا واتأثرنا، وده مينفعش.


تنهد ومرر يده في شعره بتوتر: مش عارف، مش قادر اخد قرار.


قاطعته بنبرة لا تقبل الجدل: أنا خلاص اديت الأوامر ببدأ التحضيرات، والدعوات هتبدأ تتبعت.


ثم أشارت بيدها: وانت هتكلم الوزارة بنفسك وخلي سليم يكلمهم كمان...


تنهد بتردد: طب افرضي رفضوا؟


ابتسمت بسخرية خفيفة، وهزت رأسها بثقة: محدش هيرفض يا باشا أنت عزت الراوي، اللي حصل النهارده ده ضغط من فوق، لكن هيحضروا الحفله عادى، ده مصنع بترول ضخم مش مصنع مياه غازية.


صمت لحظة، وكأن كلماته بدأت تستقر في عقله، ثم أومأ برأسه وعيناه تلمعان بشيء من الاقتناع: عندك حق، نجاح حفلة المصنع هيغطي على المصيبة دى ويرفع أسهمنا في البورصة.


أومأت له وتابعت باصرار: وماسة كمان، ده أنسب وقت نهربها فيه، أنت جهزت الباسبورتات صح؟


اوما بإيجاب: هستلمهم بكره، بس هتهربيها أزاي؟!


ابتسمت ابتسامة باردة: يوم الأحد في سفينه بضايع طالعه لندن هنهربها فيها..


توقفت لحظة، وأضافت: هخرجها من القصر وكل الناس مشغولة بتجهيز الحفله، هقعد مع عماد ونرتب التفاصيل، هو شاطر في الحاجات دي.


ثم اقتربت وقالت بجدية: بس أنا محتاجة منك تختارلي كام حارس تثق فيهم، وميكونوش عصافير لسليم.


أومأ بإيجاب، وتبادلا النظرات بصمت.


في أحد الملاهي الليلية،٣م


دخل رشدي والغضب يكسو ملامحه، كان المكان فارغا والجرسونات منشغلين بتجهيز القاعة وترتيبها.


تقدم المدير مرحبا به باهتمام واضح: رشدي باشا نورت المكان.


رمقه بنظرة خالية من أي تعبير دون أن ينطق بحرف.


اتجه نحو البار وجلس عليه بثقل، فأسرع إليه ماندو عامل البار، وهو يحمل زجاجات الخمر.


ماندو بابتسامة: أول مرة تيجي بدري كده! مستر كريم فتحلك مخصوص، لسه قدامنا 3 ساعات على الفتح.


نظر اليه بصمت، فتابع ماندو متعجبا: رجعت تاني ليه؟ مش قولت هتبعد!؟


أجابه بصوت يملؤه اليأس: رجعت للمكان اللي بنتمي ليه.


حاول ماندو أن يخفف عنه: بس كنت تستحمل شوية، البعد عن الحياة دي محتاج وقت، عامل زي الأدمان.


رفع عينيه ببطء، وقد غمرهما يأس مرير، ثم قال بحسرة ثقيلة: في ناس مينفعش تبعد، ومهما حاولوا ينضفوا دايما بيرجعوا تاني..


تنهد بعمق، وتابع بعينان تلمعان بالوجع: كأن في حاجة جواهم، مش راضية تسيبهم بتسحبهم لتحت، لتحت اوووي، كأن الدنيا حالفة تخليهم يفضلوا وس،خين كده.


مد وجهه وأضاف بطريقته الساخرة: ما هو طبيعي لازم يكون في وس،خين ونضاف، اومال مين هيوسخ النضاف ويدخل النار؟!


نظر له ماندو متأثرا، ثم قال بتشجيع: حاول تاني يمكن تكون محتاج محاولة اقوي.


مد وجهه للأمام بعدم اقتناع: يمكن..


ثم تنهد بتعب: هاتلي مشروبي.


تحرك ماندو فورا، وأعد له مشروبا قويا، ثم ناوله له.


أمسكه وشربه دفعة واحدة دون تردد، وكأنه يفرغ ما بداخله.


وضع الكأس أمامه وقال: واحد كمان.


تكرر طلبه مرة تلو الأخرى، ثم نظر إلى ماندو وتساءل: هي الشلة بتيجي؟


أجابه: آه، كل يوم بس لسه بدري.


أشار إليه دون اهتمام: ماشي سيبني لوحدي.


ابتعد ماندو، وتركه يغرق في وحدته، يحتسي كأسا تلو الآخر، والأفكار تهاجمه بلا رحمة.


كلمات تتردد في رأسه، ونظرات لا تفارقه، واتهامات تثقل صدره.

"فاشل..."

"مدمن..."

"محدش بيحبك..."


أغمض عينيه لثوانٍ، لكنه لم يجد راحة بل ازدادت الأصوات وضوحا.


مرت الساعات وهو على تلك الحالة، حتى انتهي من زجاجة كاملة دون أن يشعر بالزمن. كان جالسا، لكنه لم يكن حاضرا؛ تائها يحاول الهروب، غير مدرك أن هروبه هذه المرة يقوده أعمق إلى نفسه.


بدأ المكان يمتلئ تدريجيا وارتفعت الموسيقى الصاخبة، لتملأ الأجواء بضجيج يطغى على كل شيء.


جلس في طاولته، مائلا قليلا، عيناه نصف مفتوحتين، يتابع ما حوله، حاضر بجسده فقط، أما روحه فبعيدة.


في تلك اللحظة، ظهرت شلته، وما إن وقع بصرهم عليه حتى اتجهوا نحوه بسرعة.


صرخت إحدى الفتيات ذات شعر بنفسجي وهي تقترب منه: رشرووش! إيه المفاجأة الجامدة دي!


جلست بجانبه، وقبلته على خده، ثم ضمته، تبسم وهو يضمها وعلق ساخرا: يخراب بيتك؟! إيه اللي عامله في شعرك ده؟!


ردت وهي تهز شعرها: إيه رأيك في اللوك؟


نظر إليها بعينين مثقلتين، ثم قال بغزل: حلوين طعمين جامدين، يا توتا.


اقترب أحد أصدقائه يضحك: إيه يا عم! انت لحقت ؟! ده انت مكملتش 15يوم!


تدخل آخر ساخرا: ما أنت عارف رشدي مبيتحملش!


ابتسم ابتسامة باهتة: وحشتوني يا عيال، بقولكم إيه تعالوا نرقص ونهيص شويه.


ثم نادى بصوت عال: بت يا تيا تعالي، هي نورهان فين؟


ردت الفتاه بدهشة: إيه ده! عايز نورهان؟! مش كنت بتقول نورهان لا؟


أجابها بلا مبالاة: ودلوقتي نورهان آه، ومحدش يكلم زيزي علشان من ناقصه يبقى مدرسة هنا وفي البيت، كتير 


هز صديقه رأسه وهو يضحك: مش قولتلك؟! أنت متقدرش تبعد عننا..


احتسي الكأس وأجابه مؤيدا: حصل يا مخمخ


صديق اخر بعقلانية: دي النتيجه طبيعيه، انت دخلت في اليمين جامد، المفروص واحدة واحدة، ما كلنا اتجوزنا بس مخدنهاش قفش.


لوح بيده بإهمال: يا عم فكك كلم نورهان تيجي.


ثم جذب إحدى الفتيات معه إلى ساحة الرقص


وبدأ يندمج وسط الزحام، يتنقل،من فتاه لآخري، وكأنه يحاول أن يفقد الإحساس بأي شيء، الصخب يعلو والأنوار تتراقص، وهو في قلب كل ذلك، يزداد غرقا.


لم يكن كما كان من قبل لم يكن حتى النسخة القديمة منه بل كان نسخة أكثر ضياعا كأنه هذه المرة لا يهرب فقط، بل يدمر ماتبقى منه بيديه.


ظل طوال الليل يرقص مع الفتيات بتلامس جسدي شديد، وكانت نورهان الأقرب إليه، يتبادلان العناقات والقبلات الخفيفة والضحكات.


وسط ذلك، قام أحد الأشخاص بتصويره في أوضاع مختلفة: يعانق فتاة، يقبل أخرى، يرقص، يشم، يشرب.

❤️___________________بقلمي_ليلةعادل


قصر الراوي،4فجرا


وقفت مي في الشرفة، الهاتف بين يديها، والقلق واضح على ملامحها وهي تنتظر عودته.


وفجأة دخلت سيارته بسرعة، وصوت الفرامل شق الصمت.


اتسعت عيناها، وابتسامة لهفة ظهرت على وجهها، ترجل من السيارة مترنحا، خطواته غير ثابتة، وآثار الثمالة واضحة عليه، تمسك بالدرابزين بصعوبة وهو يصعد، حتى وصل إلى الغرفة ما إن فتح الباب، حتى وجدها أمامه.


اقتربت منه بلهفة وقلق: كنت فين يا رشدي كل ده؟ كلمتك كتير! قلقت عليك اوي.


امسكت يديه وتساءلت بقلق: انت كويس.


رفع عينه نحوها بنظره بارده: أنت شايفه ايه؟


عبث وجهها باشمئزاز عندما شمت رائحه الخمر تفوح من فمه: أنت شارب؟


هز رأسه بتهكم: اه شارب عندك مشكله؟!


ردت بستهجان: اكيد عندي مشكله، انت ازاي تعمل كده؟!


قلب عينه وقال ببحه رجوليه مفتعله: بقولك إيه يا مي فكك مني، هي مش ناقصاكي انتِ كمان سيبيني اروح اتخمد.


دفعها بخفة بعيدا واتجه نحو الفراش، لكنها لحقت به، وصوتها خرج حادا ممزوجا بالخوف والعتاب: تفتكر اللي أنت عملته في نفسك ده هيصلح حاجة؟ بالعكس أنت كده..


قاطعها بحدة: وفري كلام ابلة ناظره ده، علشان أنا مش طايق أسمع حاجة!


هدأت نبرتها محاولة احتوائه: طيب بالراحة، أنا مش بعاتبك عبشان شربت أنا بعاتبك علشان-


سأل بسخرية لاذعة: علشان إيه؟ علشاني؟


نظرت له بثبات رغم ألمها: علشان أنت بتهرب، فاكر إن الشرب هينسيك؟ يا رشدي، أنت مش كده... مينفعش ترجع لورا.


ضحك بمرارة، ونهض فجأة يتوقف امامها، نظر داخل عينيها وقال بثبات: لا أنا كده! أنا مدمن، بشرب، وبسهر، وبعمل كل حاجة غلط! ومرتاح كده! عاجبك؟ تمام... مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل!


أمسكها من كتفها ووجهها نحو الباب: اتفضلي امشي! أنا مش همسك فيك!


وقفت مكانها تتابعه بصمت، بعينان ممتلئة بالوجع، ترى الحقيقة بوضوح؛ مايفعله الآن ليس إلا هروبا، فهو يهرب منها ومن نفسه في آن واحد.


قالت بحزن وبراءة: أنا مش هتكلم معاك وأنت بالحالة دي، بكرة نبقى نتكلم، يلا تعالى نام وارتاح شوية، أنت منمتش من أول امبارح.


رد بغضب، وكأنه يأثم منها: أنا ولا هتكلم النهارده ولا بكرة، ولا في أي وقت! قولتلك أنا كده ومش هتغير، اشتري دماغك يا بنت الحلال وامشي.


نظرت له بعتاب، وقالت بهدوء متوتر: أنت واعي للي بتقوله؟!


صاح بتأكيد: آه واعي وعارف بقول إيه!


ردت بضجر: طب أنت بتزعق ليه؟!


ضرب يده في الهواء بضيق: يوووه ممكن تسيبيني أنام؟!


صمتت لحظة ثم قالت بهدوء مكسور: ماشي، نام.


تحرك وتمدد على الفراش، وأغمض عينيه.


وقفت تتأمله بحزن لثواني ثم خرج صوتها خافتا: طب بالله عليك أنت مبسوط بنفسك وأنت كده؟


فتح عينيه فجأة، ونهض بعصبية: أنا هسيبلك الأوضة! علشان عارف إني مش هخلص من زنك، اقعدي مع نفسك بقي وارغي مع الحيطان!


توقف فجأة، ثم عاد يسألها بحدة: وبعدين أنت ممشيتيش ليه؟ مش كنتي هتمشي لما عرفتي إني مدمن؟ ممشيتيش ليه؟


نظرت له بثبات رغم الألم: أنا مش همشي يارشدي أنا هفضل معاك.


ضحك بسخرية جارحة: آه هتفضلي معايا شفقة؟ صعبان عليكي؟! 


اسودت عيناه، وقال بحدة قاسية: لا مش رشدي اللي يقبل واحدة تقعد معاه شفقة! امشي يا مي امشي.


اقترب منها، وعينيه تمتلئان بغضب ووجع: دي حياتي وأنا مبسوط بيها وهفضل طول عمري كده؛ فاشل، ومحدش بيحبني ولا شايفني..


اختنق صوته وكأنه يقاوم دموع قلبه قبل عينه، وأكمل بعناد وقسوه: دى الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول عمري بس خلاص فرضت نفسها..


نزلت دموعه دون إرادة، فمسحها بعنف، يرفض ضعفه: زمان كنت بعمل كل ده عشان يشوفوني ويعرفوا إني موجود، وإن عندهم ابن اسمه رشدي موجود في الحياه، يمكن لما يشوفوه مشاغب يطبطبوا عليه ويسألوه انت ليه بتعمل كده؟ ويحس لمره واحده بالحنان...


ضحكه ضحكه مريره مليئه بالوجع وهو يهز رأسه: بس محصلش


انقلبت عينه فجأه واستوحشت بغضب وكراهيه: ودلوقتي بعمل كده علشان أستفزهم وأوجعهم زي ماوجعوني.


اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بحدة: ومش هبطل فاهمة؟ امشي يا مي أنتِ مينفعش تبقي هنا.


أمسكت يده برجاء: طب اسمعني بس...


سحب يده بعنف: مش هسمع!


نزلت دموعه مرة أخرى، وهمس بصوت مكسور: هو ده رشدي الحقيقي، وهي دي حقيقته.


نظرت له بحزن عميق، لكنه أمسك كتفيها فجأة ودفعها  بخشونة: متبصليش البصة دي! متبصليش بصة الشفقة دي، علشان ساعتها هكره نفسي أكتر! أنا مش عايز حب بالشكل ده، فاهمة؟!


تركها وابتعد هاربا منها ومن نفسه.


وقفت مكانها، تتابع أثره بعينين دامعتين، ثم انهارت، وجلست على الأرض تبكي بحرقة عليه وعلى نفسها، تبكي حبا لم يعرف كيف ينقذهما.


في غرفة أخرى.


دخل رشدي وأغلق الباب خلفه بعنف، ثم وقف يدور بعينيه في المكان بصمت مليء بوجع يمزق قلبه.


كانت عيناه متسعتين، والدموع تتساقط منهما بلا توقف.


شعر بألم حاد في صدره وكأن روحه تسحب منه ببطء، شد قميصه بعنف وفتح أزراره العلوية، يحاول أن يلتقط أنفاسه لكنه لم يستطع.


وقف يحدق في الفراغ وملامحها لا تفارق ذهنه؛ نظرتها، تلك النظرة التي فسرها شفقة.

كان مقتنعا، أنها لم تبق معه إلا لانها رأته مكسورا على الأرض فهو كان عنده انها ترحل لكن لا تبقى شفقه.


ضرب الحائط بقوة، وصرخ صرخة خرجت مكتومة من اختناقه، تحرك خطوتين بعشوائية.


لكن شيء ما أوقفه فجأة، كأن قوة خفية شدته للخلف، رفع عينيه ببطء، ليجد نفسه أمام المرآة، تجمد مكانه حينما رأي طفل صغير، يبدو في السابعه من عمرة يقف هناك، يشبهه.. ينظر إليه بابتسامة مشرق..


اقترب منه ببطء، وعيناه تمتلئان بالذهول، راح يتأمله للحظات، كأنه يحاول أن يستوعب مايراه.


لم يكن يدري أيستوعب ملامحه وهو طفل؟ أم تلك الابتسامة؟ ابتسامة طفل لا يعرف شيئا، طفل لم يكن يفقه أن حياته ستؤول إلى هذا المصير...


كان يظن أن مستقبله سيكون أجمل بكثير، مليئا بأحلامٍ وردية تشبه تلك الأيام.


تلك الابتسامة البريئة، النقية، الصادقة، التي لم تعد ملامحه تعرفها منذ سنوات طويلة، منذ أن كان في العاشرة من عمره، أو ربما أكبر قليلا.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة مثقلة بالوجع والقهر، وانهمرت دموعه الساخنة على وجنتيه، وكأنها تسقط على بقايا ذلك الطفل الذي لم يعد موجود.


وفجأة انفجرت الذكريات في عقله؛ صور متداخلة أصوات كثيرة...


رأى فايزة وهي تصرخ فيه وهو طفل: أنت غبي! وشقي! مبتسمعش الكلام! 


ثم صوره أخرى وهو يركض نحو عزت بحماس وهو بعمر ٨ أعوام تقريبا، يحمل شيئا صنعه بيده الصغيرة: بابا بص... بص أنا عملت إيه!


لكن عزت لم ينظر له حتى، كان منشغلا بهاتفه.


تابع رشدي بنفس الحماس بابا... بص يا بابا...


جاءه الرد ببرود: امشي يا رشدي، أنا مش فاضي للكلام الفاضي ده.


تجمدت ملامحه ونظر للعبة في يده بحزن، قبل أن يبتعد.


ذهب إلى فايزة التى كانت منشغلة بتربيد أظافرها: ماما، شوفي عملت إيه؟! حلوة؟


أخذتها منه بلا اهتمام، وقالت بشدة ساخطه: مش قولتلك تبطل الحاجات دي؟ في حاجات أهم لازم تتعلمها! انت هتفضل طول عمرك فاشل كده ومهمل، عمرك ما هتبقى زي سليم، سليم هيفضل افضل منك، شوف عمل ايه في الامتحان؟! والمشروع الصغير اللي جدك قاله عليه وانت رايح تعمل شويه العاب، مكانها الزباله. 


ثم ألقتها في سلة المهملات: روح شوف سليم بيعمل إيه واتعلم منه.


عاد للحاضر، يضحك ضحكة مكسورة، ممزوجة بوجع لا يحتمل ثم صورة أخرى...


جده يعطي الخاتم لسليم، ويقول بفخر: أنت شاطر وهتبقى إمبراطور العيلة دي.


ثم نظر إليه باستخفاف: أما إنت يا رشدي للأسف صغير اوي، شكلك هتبقى زي عمك علي، وسليم هينفيك بره عمرك ماهتتعلم. 


مسح دموعه بعنف، محاولا طرد تلك الصور من رأسه، لكن الأصوات لم تتوقف بل ازدادت، وكأنها تحاصره من كل اتجاه، تعلو داخل عقله بلا رحمة.


صوت فايزة يتردد بحدة: لا! أنا مش هاخدك معايا أنت شقي! هتعمل لنا فضايح! أنا هاخد سليم وياسين مؤدبين!


ثم صوتها مرة أخرى، بنفور واضح: إيه القرف ده؟! حتى مش عارف تتعلم تعمل في البوتي زي اخوتك! سامية خلي عفت تعلمه! خديه بعيد عني، واسمع لو متعملتش وبقيت زي سليم وطه انا هعاقبك فاهم..


وقت آخر وصوتها يتبدل، لكن الوجع واحد: متزعلش يا رشدي أنا نسيتك خالص والله!

ضحكت بلامبالاة: أصل أنا ساعات بنسى إني مخلفاك!


وصوت عزت ببرود قاتل: معلش يا رشدي نسيت أجيبلك اللعبة خلي محمد يجيبهالك.


صوت آخر لعزت حاد: أنا مش فاضي للكلام الفارغ ده!


وصوت فايزة يعود، قاسيا: إيه الدرجات دى؟ عايز تفضحني وسط الناس، مفيش فايدة فيك! عمرك ماهتتعلم هتفضل فاشل! واستيعابك بطيء وغبي!


ثم طعنة أخرى: أنا غلطانة إني خدتك معايا مكانك مع الخدامين!


تعالت أنفاسه، وهو يهز رأسه بعنف، لكن الأصوات لم ترحمه...


وصوت والده يعلو: المشروع ده مش ليك أنت فاشل يا رشدي!


وصوت الجد باستهزاء: مين ده اللي تديله مشروع؟! ده هيروح لطه!


صوت جده بسخرية وهو يقول: هندسه!! انت تخش هندسه؟! هو انت اصلا كنت بتجيب درجات كويسه، انت هتدخل تجاره زيك زي اخواتك، ده اصلا لو عرفت تنجح 


فايزه بسخط: انا نفسي تبطل الحاجات المقرفه اللي انت بتعملها دي، يا ابني اتعلم حاجه تفيدك، شويه الحديد اللي انت بتعمله دى مش هيخليك رشدي الراوي


ثم صوت فتاة بسخرية جارحة: بصراحة؟ مستحيل أرتبط برشدي ده أنا بحب سليم.


صوت لورجينا: أنت لو آخر راجل في الدنيا يا رشدي عمري مابصلك!


ثم... صوت عزت يتردد، أقسى من الجميع: ابنى36 سنه نموذج سيء! لازم تتعلموا منه ومتبقوش فاشلين زيه! 


وتكررت الكلمة تتردد...وتتردد...

"فاشل... فاشل... فاشل..."


وضع يديه على أذنيه بقوة يحاول أن يمنعها أو يهرب منها لكنها كانت داخله... ليست حوله.


وفجأة...


انطلقت منه صرخة مدوية، خرجت من أعماق قلبه، من ذلك السواد المتراكم داخله، سواد لم يولد معه بل صنع فيه عبر سنوات من الكسر والخذلان.


سقط على الأرض، جسده يرتجف كأنه ينهار من الداخل، ودموعه تنهمر بلا توقف بانكسار كامل.


وفي تلك اللحظة لم يعد رجلا يمكنه السيطرة على غضبه أو كبريائه... بل أصبح ذلك الطفل الصغير الذي لم يسمعه أحد، والذي ظل مدفونا في قلبه وحيدا منبوذا كل هذه السنوات.


بدأ يبكي بنهنه، وكل دمعة تخرج من أعماق روحه، وكل شهقة تحمل صرخة لم تسمع من قبل.


هز رأسه بوجع، كأنه يحاول أن يفك عقدة ألم عمره سنوات: أنا مكنتش عايز حاجة... غير إنكم تحبوني...وتشوفوني... وتفهموا... إن مش علشان أخويا أذكى مني وبيفهم أسرع يبقى أنا فاشل... 


صوت البكاء ارتفع، مختلط بالوجع والحسرة: أنا بكرهكم... بكرهكم...


وبكل هذا الألم، استسلم لجراحه المهملة، وبدأ يبكي بحرق بكاء لم نره من قبل، كأنه يخرج كل سنوات الإهمال والخذلان دفعة واحدة...


وبين كل دمعة وأخرى، ظهر الإنسان الحقيقي داخله؛ طفل مكسور، يبحث عن مكان يسمع فيه ويحتضن.


مر الليل طويلا ليس على رشدي فقط، بل على مي أيضا، فهي لم تنم، وكانت تشعر بالحزن والقهر، وتشعر بوجعه كأنه جزء منها، ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل!


نعم لقد قررت أن تظل بجانبه، حتى يخرج من الوحل الذي غرق فيه منذ سنوات، خاصة عندما عاد إليها ثمل، وكأنه اختار أن يضيع ويغرق.


بينما رشدي، فقد سقط في نوم ثقيل، بعد بكاء موجع،

وكأن الخمر الذي احتساه أخذه إلى حيث يتمنى الهروب والنسيان الكاذب.


في أحد المخازن،10صباحا


كانت الغرفة غارقة في عتمة، لا يقطعها سوى ضوء خافت يتدلى من السقف، يهتز مع كل صرخة تخرج من منى، كانت تضرب على الباب بكل ما فيها من قوة، كفيها يرتجفان، وصوتها مبحوح من الصراخ: فين رشدي يا حيوانات؟! افتحوا الباب ده وخرجوني من هنا! أنا منى! سامعين؟! منى رأفت السمري! هتندموا كلكم! أقسم بالله هدفعكم التمن!!


ضربت الباب بجنون: افتحواااا!!


وفجأة، دار صوت المفتاح في الباب قبل أن ينفتح بعنف.


اندفعت للخارج، لكن يد غليظة أوقفتها ودفعها للدخل بقسوة.


النور كشف ملامحها، وجهها مشوه من الضرب، كدمات زرقا وسودا حول عينيها، شفاهها متشققة، وشعرها مبعثر...


رفع عينه لها ببرود: إيه الدوشة إللي عملها دي؟


انحرفت عيناه نحو صنية الطعام: الأكل زي ما هو، مكلتيش ليه؟


نظرت إلى الطعام باشمئزاز، والتقطت الطبق بكل مافيها من غضب، وقذفته في وجهه وهي تصيح: كله أنت يا كلب!


ثم رفعت يدها وصفعته بقوة حتي دوى صوت الصفعة في المكان لكنه ظل ثابتا كالصخر.


أدار وجهه ببطء وعيناه تستقران عليها بنظرة مقلقة، زحفت على شفتيه إبتسامة باردة كأنها نذير شؤم. فشعرت بشيءٍ ينقبض داخل صدرها.


ثم قال بهدوء مخيف: واضح إن منى هانم محتاجة تهدى شوية.


أدار رأسه قليلا، ونادى: تعالى شكلها محتاجة تاخد الجرعة.


اتسعت عيناها وتراجعت خطوة للخلف، وصوتها خرج مذعورا: لا... لا! أنا مش هاخد حاجة! ابعدوا عني!


استدارت محاولة الهرب لكن قبل أن تكمل خطوتين أمسكوا بها، اشتدت مقاومتها، تصرخ، تتخبط، قدماها تضربان الأرض بعنف: سيبوني! سيبوووني!!


قبض أحدهم على ذراعها، بينما ثبتها الآخر من الخلف وهو يقرب منها بالحقنة: لاااا!!


غرزت في ذراعها بالقوة، فصرخت صرخة مزقت السكون.


انتفض جسدها بعنف، واختلطت أنفاسها، وتكسرت مقاومتها شيئا فشيئا، حتى سقطت ذراعاها بلا قوة، ثم القوها أرضا.


ارتجف جسدها، ودموعها تنساب رغما عنها، لكنها ظلت تحدق به بنظرة حارقة: والله... لهدفعك التمن غالي... وهتشوف...


اقترب منها وجلس أمامها، بحيث أصبحت عيناه في مستوى عينيها، ورفع ذقنها بإصبعه، يتأملها بصمت ثم قال بهدوءٍ بارد: حاولي تهدي... أحسنلك.


وفجأة..صفعة قوية هوت على وجهها، فالتفت رأسها مع الضربة


ثم نهض وغادر دون أن يلتفت وأغلق الباب.


كانت منى ممددة على الأرض وإحساس غريب بدأ يتسلل داخل عروقها...سخونة... دوار... وهن...ووعيها يتلاشى ببطء، كأن أحدهم يسحبه منها.


قصر الراوي2ظهرا


استيقظت مي دون وعي كامل نظرت إلى الساعة فوجدتها 2 ظهرا نهضت من مكانها سريعا، تلتقط أنفاسها، لا تعرف ماذا تفعل لكنها كانت تعرف شيئا واحدا- أنها ستحارب حتى تستعيده، وتخرج منه تلك الشخصية التي تؤمن أنها بداخله.


أخذت حماما، وبدلت ملابسها، ثم سألت الخادمة عنه، فأخبرتها أنه في إحدى الغرف.


توجهت إلى هناك فورا، فتحت الباب دون تردد


فتجمدت حين وجدته نائما على الأرض منكمشا على نفسه في وضع الجنين، كطفل ضائع يبحث عن أمان لم يجده.


وضعت يدها على فمها تحبس شهقة ألم كادت أن تنفلت منها، بينما انسابت دموعها في صمت وقلبها يعتصر حزنا عليه.


جلست بجانبه، صامتة، حاملة ثقل كل ما مر به، تقول له بلا كلمات «أنا هنا... لن أدعك تنهار وحدك.»

ظلت بجانبه تمرر يدها برفق على لحيته، كأنها تحاول تهدئته حتى وهو نائم.


مر الكثير من الوقت، ربما ساعه، حتى بدأت جفونه تتحرك فابتسمت تلقائيا، فتح عينيه فوجدها أمامه.


نظر إليها باستغراب، ثم أخذ ينظر حوله يحاول استيعاب أين هو... تمتم بتشوش: أنا فين؟


ابتسمت بهدوء: أنت في البيت، أول مرة أعرف إن شرب الخمرة بيخلي الواحد يفقد الذاكرة كده.


اعتدل ببطء، ملامحه متعبة، ويده على رأسه: آه... مش قادر... عندي صداع فظيع.


ردت باهتمام: ألف سلامة عليك، هخليهم يعملولك قهوة.


رد بإرهاق: ماشي، أنا هدخل الحمام.


اجابته بابتسامة: ماشي، وأنا هخليهم يجهزوا الفطار والقهوة.


ساعدته على الوقوف، فنظر إليها باستغراب لكونها ما تزال هنا، لكنه لم يعلق؛ إذ كان في حالة سيئة.


دخل الحمام، وبعد قليل خرج وقد بدل ملابسه، كانت هي قد طلبت الفطار والقهوة وجلست تنتظره.


نظر إليها باستغراب وهو يمسح وجهه بالمنشفة، ثم ألقاها جانبا، بينما كانت تنظر له بابتسامة هادئة: تعالى يلا افطر قبل مايبرد.


جلس أمامها، وتساءل بجدية: فضلتي ليه يا مي؟


أجابت بلطف: طب افطر الأول، وبعدين نتكلم مش بتقول عندك صداع؟


قاطعها بحدة خفيفة: لا ما أنا عرفت أضيع صداعي جوه، خدت شمة.


فجأة أدخل يده في جيبه، وأخرج كيس الهيروين، ووضعه أمامها على الطاولة وكأن نزيفه النفسي جعله لا يكترث 


نظر إليها بنظرةٍ متعبة لكنها حادة، وسأل: ممشيتيش ليه؟ انت حتى يومها مرضيتيش تسمعيني، قوليلي، ايه اللي قعدك؟!


ردت بهدوء: ممشيتش علشان عايزة أسمعك، وأفهم مقولتليش ليه؟! وليه...


قاطعها سريعا، بنبرة مشككة مره وهو يلوح بيده: لا لا لا أنت فضلتي عشان شوفتيني امبارح مرمي على لارض مكسور، فصعبت عليكي، وشكلك كنتي موجودة من بدري، وحضرتي الحفلة كلها.


هزت رأسها سريعا ردت موضحه بعقلانية: لا انا فضلت لأني حسيت ان فعلا لازم اسمعك، اول امبارح صدمتي والمفاجأة خلتني متعصبه ومش عايزه اسمعك ولا طايقه ابص في وشك، خاصه لما حسيت إن كلهم عارفين، وأنا الوحيده اللي مغفله، بس لما هديت وفكرت حسيت إن لازم اسمعك. 


تنهدت، وأكملت بصدق: بس طبيعي أسأل نفسي ليه تخبي عليا وتحطيني وتحط نفسك في الموقف ده؟ 


سألته باستغراب: هو أنت كنت فاكر يعني اني هرفض؟! تفتكر واحده قبلت بيك وبكل جنانك وشربك وعلاقاتك، كانت هترفض موضوع الإدمان؟


مدت وجهها بنبرة صادقه: يمكن كنت هتردد وهأجل الجواز لحد ما تتعلاج، بس عمري ما كنت هبعد ولا هرفض، علشان أنا بحبك يا رشدي.


ابتسم بسخرية باردة قائلا بعدم اقتناع: أنت قعدتي طول الليل تحفظي الكلام ده، علشان تقنعيني بيه؟ توء، أنا الكلام ده مبصدقش فيه.


تساءلت بتعجب: أومال بتصدق في إيه؟


نظر إليها بثبات، وعيناه تحملان وجعا هادئا: مصدق إن الطبيعي إنك تمشي مش هتحبي تكملي بعد اللي عرفتيه.


سألته بتركيز، محاولة تشتت طريقة تفكيره: طب أنت لحد دلوقتي مرديتش على سؤالي، ليه خبيت؟


أجابها بصوت مشوب بالأنين: أنا مخبتش، أنا خوفت...


لمع الدمع في عينيه؛ لم يدرِ من أين أتى، ولا كيف اجتاحته تلك المشاعر الغريبة. لم يكن من طبعه أن يُظهر عاطفته، لكن يبدو أن ما دفنه لسنوات حتى نسيه بدأ يطفو بلا وعي، كأن اللاوعي يفرض حضوره أخيرا.


تابع ببحه فيها مرارة صادقه: صدقيني كنت عايز أقولك بس خوفت، خوفت تمشي.


ابتلع غصتة، وأضاف: خوفت تسيبني بعد مالقيتك، مش هنكر في الأول كنتي بالنسبالي مجرد رهان خدته مع نفسي، ومحبتكيش من أول ما شوفتك، كنتي مجرد بنت معجب بيها... بنت رفضت رشدي.


ركز نظره في ملامحها، مضيفا بابتسامة مرتعشة: بس الموضوع بدأ يتغير معايا، معرفش ليه؟!


أضاف بصدق: صدقيني، لما قولتلك الكلام ده قبل كده كنت صادق، وكل مرة كنت باجي أقوللك، الكلمه كانت بتقف هنا.


إشارة بيده عند حلقه، وتابع بوجع: بتقف هنا بالظبط، وبقول لنفسي أنت عبيط، تقولها إيه؟ أكيد هتسيبك مستحيل تقبل..


تنهد وأكمل بصوت مختنق: مش هنكر إن كلهم قالولي قولها، وياسين شجعني كتير..


وفجأة هبطت دموعه بقله حيله وهو يرفع كتفيه، وواصل بنبره مهتزه بضعف: بس أنا كنت خايف.. 


مسح دموعه وهو يميل نحوها يركز النظر في ملامحها، وكأنه يحاول تثبيت المعنى بصدق: وحاولت أبطل علشانك، والله حاولت كتير، بس معرفتش كنت فاكرها سهلة لأني مبخدش جرعات كبيرة، بس طلع الموضوع صعب، ولما طلبت منهم يساعدوني،..


عاده بظهره يبتسم نصف إبتسامة مكسوره بسخرية: قالولي بعدين عندنا حاجات أهم منك..


تابع بقهر: قولت خلاص مبدهاش هبدأ أنا واعالج نفسي، وبقيت بأخدها بالليل بس ونجحت، والله العظيم نجحت يا مي، وكنت بتحمل الوجع والصداع طول اليوم، وبقيت باخد جرعه واحده..


مد وجهه بيأس مر وهو ينظر بعيدا: بس اكتشفت انها واحد، لاني باخد جرعه كافيه تخليني اتحمل يوم كامل، طلع الموضوع اكبر بكثير من اللي بعمله.


نظر لها وهو يضيف نبره مقهورة بصدق: أنا مختارتش أخبي عليكي، أنا كنت مجبر علشان أحافظ على الشخص الوحيد اللي أنا حبيته وحبني..


أمال رأسه بضعف، والدموع تهبط على وجنتيه: يمكن كانت أنانية مني، بس لازم أكون أناني عشان أحافظ على الشخص الوحيد اللي حسسني إن ليا قيمة، أنا لأول مرة أحس بطعم إن حد يهتم بيا، ويشوفني، ويقولي كلمة حلوة، ويتمسك بيا...


تابع بصدق، بنبرة مهتزة ومكسورة: عمري ما حد اتمسك بيا لا أصحاب، ولا أهل، ولا أي حد فاهمني، هتقولي كل إخواتك كده؟ هقوللك لا! كل واحد فيهم عنده اللي يحبه، فريدة عندها جوزها، طه عنده ولاده، حتى ياسين لقى الحب مرتين، وعند أصحاب بيحبوه، وكلنا بنحبه.. الهانم والباشا تقريبا معرفوش يعني إيه حب غير مع ياسين... حتى سليم عنده مكي وماسة وأهلها، ولورجينا، وياسين وفريدة، تخيلي! تقريبا أنا وصافيناز الوحاد اللى ملقناش حد يحبنا، بس صافيناز على الأقل أخذت منهم تقدير واهتمام، إنما أنا جابوني وسط الزحمه ونسيوني، أمي نفسها قالتهالي قبل كده "ساعات بنسي إني مخلفاك" 


أخذ نفسا عميقا، وأكمل بوجع رجلا احب بصدق: أنا كان نفسي أكون الشخص اللي يستاهلك، وحاولت كتير بس غصب عني كنت بضعف.. صدقيني وعود ليكي مكانتش كذبة، أنا بس اللي ضعيف يا مي، اضعف من وعودي.


أطلق ضحكة باهتة بلا روح: يمكن هم عندهم حق وأنا فعلا فاشل ومقرف ومنفعش في حاجة…


صمت لحظه يلتقط أنفاسه، ثم تابع بصوت مقهور: بس أنا حاولت والله حاولت، ومغلطتش لوحدي، بس هم مبيشوفوش غير غلط رشدي، ودايما أخطائي جريمة لازم أتعاقب عليها، حتى لو غيري بيغلط عادي.


كانت تستمع له، والدموع تملأ عينيها بوجع يفتت فؤادها من شدة قهرة، كانت تعلم أن لديه وجعا وتشوها كبيرا من عائلته، لكنها لم تتوقع أن يكون بهذا القدر، فلأول مرة ترى دموعه وضعفه بهذا الشكل.


قالت بحزن، وعينان تلمعان بالأسى: طب انت ليه عايزني أمشي طالما عملت كل ده علشان تخليني أفضل معاك؟ 


هز رأسه سريعا، وامسك يدها بقوة: لا يا مي، أنا مستحيل أسيبك، بس أنا مش عايزك تفضلي معايا شفقة، عايزك تفضلي وأنتِ بتحبيني بجد ومقتنعة بيا، مقتنعة إني أستاهل فرصة، مش علشان صعبت عليكي بعد اللي حصل امبارح.


أضاف بصوت مضطرب، مختلط بالوجع والغضب: أنت متعرفيش أنا لما شوفتك حسيت بإيه؟! مكانش فارق معايا نظرة أي حد من اللي حواليا، أنا واخد على كده، مش أول مرة ولا هتكون آخر مرة، بس أنا بعرف أوجعهم وأنت أكيد شوفتيني وأنا برد عليه، وقاحتي بتوجعهم، والقلم اللي أخدته ده كان ضعف منه عشان قولته الحقيقة اللي ماقدرش يسمعها، القلم ده كان عايز يديه لنفسه مش ليا...


ترك يديها، ومسح دموعه التي هبطت رغما عنه، ثم أكمل بصوت مرتجف: بس حتى لو أنا بحبك ومش هقدر أعيش من غيرك، أنا مش عايزك تفضلي معايا شفقة مش عايز أكره نفسي وأكرهك وأحس إني للدرجة دي مستاهلش الحب الحقيقي، وإن والشخص الوحيد اللي أخيرا شافني وحبني فضل معايا بس علشان صعبت عليه.


نهضت وهي تمسح دموعها، قلبت المقعد وجلست في زاويته، وأمسكت يديه برفق. فنظر لها بدهشة وارتباك.


قالت وهي تحدق في عينيه بصدق: محدش بيعيش مع حد شفقة، أنا اخترتك اخترتك من زمان بكل عيوبك، ايه يعني العيوب دى زادت عيب؟ مش فارقة كتير، كل اللي يهمني فعلا إنك تكون عايز تتغير، وأنا متأكدة من ده، رفضي أسمعك وقتها صدقني كان رد فعلي طبيعي من صدمتي، ومقررتش أكمل عشان شوفتك كده، أنا قررت أكمل عشان أنا بحبك ومتأكدة إنك بتحبني وبتتغير عشاني..


مدت يديها، ومسحت دموعه برقة، وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحب والصدق: أنا عارفة إن الدموع اللي نزلت منك دى منزلش على حد، ومش هتنزل على حد غير مي، وأبقى غبية لو سبت كل الحب ده يروح مني، علشان أخطاء حصلتلك وانت ملكش علاقة بيها.


لمعت عيناه بعدم تصدقا: انتِ بجد عايزة تكملي معي عشان بتحبيني؟


ابتسمت من بين دموعها: أيوه طبعا.


وأضافت بنصيحة، وهي تضغط على يده: ومتخليش حد يضغط عليك كده تاني، اللي عملته امبارح دى بتثبتلهم بيه إنك ضعيف فعلا، أنا عايزاك قوي يا رشدي،  اشتغل علي المشروع ده تاني واثبتلهم ان اللي حصل مكانش اهمال منك، وانا متاكده إن اللي حصل امبارح ده كانوا بيفشوا غلهم فيك من ضعفهم.


ابتسم، وعيناه تلمعان بدموع الفرح، وضمها بقوة بين ذراعيه: أنا بحبك اوي يا مي، ووعد هعمل كل حاجة عشان أكون الراجل اللي يستحقك، صدقيني هبطل وهنجح، واللي حصل امبارح ده مش هيحصل تاني.


بادلته العناق بابتسامه: طب خلاص بما إنك قررت تبطل، يبقي تروح تتعالج.


ابتعد وهو يرد بلهفه: حاضر من النهارده نبدا العلاج وانتِ هتبقي الدكتور بتاعي.


نظرت له باستغراب: دكتورتك ازاي، انت لازم تروح مصحة!


هزا راسه: مصحة ايه؟ مش هينفع، أنا هتعالج هنا واحنا مع بعض.


ردت بعقلانيه شديده: يا ابني الموضوع كبير أنت نفسك قولت جربت وفشلت.


اومأ برأسه وقال: فشلت لأني كنت لوحدي والحاجة كانت قدام عيني، لكن انت هتقدري تديني الجرعات بكميات صغيرة، وتفرضي بقى عليا شخصيتك الشرسه. 


اومات بتردد: يا رشدي مش هينفع، أسمع الكلام، هو انت مش لسه واعدني انك هتتغير علشاني وهتبطل.


اومأ سريعا، وقال محاولا اقناعها: ايوه وانا عند وعدي مقولتش حاجه، بس خلينا نجرب هنا، رشدي الراوي مينفعش يخش مصحه...


تساءلت باستغراب: امال انت كنت هتتعالج ازاي لما روحت قولتلهم؟!


أجابها: كانوا هيجهزولي الجست هاوس ويجيبولي دكاترة، بس طبعا الموضوع اتبخر عشان في حاجات اهم، المهم خلينا نجرب مع بعض ولو منجحناش نبقي نشوف طريقه تانيه. 


صمتت لحظة تفكر بتردد؛ لم تعلم سبب لرفضه دخول المصحة، لكنها شعرت أنه ليس في حالة نفسية جيدة، وأن إصرارها عليه وهو كذلك قد يفضي إلى انتكاسة أو يثير غضبه.


أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها وقالت بنبرة حازمة: طب إحنا هنجرب بس لو منفعش هتروح مصحة، ماشي؟


هز راسه بمهاوده: ماشي.


حاولت تغير الأجواء فقالت بنبرة مرحه: علي فكرة جنة زعلانة منك خالص وهتقيم عليك الحد.


اتسعت عينه بصدمه: نسيت خالص! أنتِ روحتيلها؟


أومأت بابتسامه: أيوه رحمه كلمتني وروحتلهم، فضلت معاها لحد ما عملت العمليه الحمد لله وروحت، ووصتني اقولك إنها زعلانة منك خالص.


ابتسم ابتسامه باهته: خلاص هروح اصالحها بعد مانفطر أنا بعرف أصالحها أزاي.


قالت بمرح: طب يلا نفطر بقى.


نظر لها مرة ثانية بعدم تصدق ثم سألها: أنتِ بجد سامحتي كده عادي؟ كنت فاكر إني هفضل أعيط وأتذلل كتير


ضحكت مي: إمال مين اللى من شويه كان بيقولى امشي، مش عايز حب شفقه.


ضحك وهو يمسك يديها: لا أنا مجنون متاخدليش علي كلام، لو كنتي قولتلي همشي كنت هقولك والنبي متمشيش.


ابتسمت وقالت حب ورجاء: أنا بثق فيك يا رشدي، علشان خاطري أوعى تخذلني.


نظر داخل عينيها بوعد: أكيد مش هخذلك.


ثم مسح وجهها برفق، وأطعمها بيده، بينما جلسا معا متقاربين، والدفء يملأ المكان.


علي اتجاه آخر 


كانت ماسة جالسة على الأريكة، واللاب توب أمامها، دموعها تنهمر بصمت، وعيناها معلقتان بالشاشة بتأثر، فهي رأت كل ماحدث بين رشدي ومي. 


فتح سليم باب الحمام وخرج يجفف شعره وهو يرتدي ملابس منزلية مريحة


قال وهو يتحرك: بقولك إيه أنا هروح أوضتي و


لكنه توقف فجأة حين وقعت عيناه عليها، اقترب منها سريعا يتساءل بقلق: إيه يا ماسة؟ مالك؟ بتعيطي ليه؟


رفعت عينيها ببط ولم تتحدث، جلس بجانبها، ومد يده يمسح على شعرها بحذر: في حد عملك حاجة وأنا جوه؟


هزت رأسها بالنفي، وقالت بصوت مكسور: لا بس رشدي صعبان عليا اوي هو ومي.


رفع حاجبه بضجر: نعم يا أختي؟! كل ده عاملاه عشان رشدي.


ابتلعت ريقها، وقالت بطيبه: بجد يا سليم خلاص أنا مسمحاه، ومش عايزة أعمله حاجة، صعب عليا اوي.


نظر لها مذهولا وكأنها قالت شيئا غير مفهوم، ثم قال بحدة: إيه العبط اللي إنتِ بتقوليه ده؟! إيه اللي حصل؟!


أجابت وهي تشير للشاشة: سمعت كلامه مع مي، هو اصلا صعبان عليا من امبارح، وكلامه دلوقتي اثر فيا بجد، أنا خلاص مش عايزة أذي رشدي تاني، شكله اتغير حقيقي مش تمثيل، لو عايز تأذي حد، أذي الباقي لكن رشدي خلاص حرام.


اقترب منها أكثر، عينه تضيق: حرام؟! أنا عايز أعرف أنتِ سمعتي إيه بالظبط!


مد يده بعصبية وأعاد المقطع وجلس يشاهده، ملامحه بدأت تتغير تدريجيا، صدمة ثم غضب ثم جمود مرعب؛ عيناه لم ترفا او تتأثر.


وفجأة أغلق اللاب توب بعنف: يا نهار إسود، دي سامحته؟!


نظرت له بتأثر: آه سامحته.


ضحك بسخرية وهو يهز رأسه: دي طلعت طيبة اوي! طلعت اعبط منك! أنتِ بتعيطي علشان صعبانين عليكي؟! ده أنا اللي عايز أعيط على الكارثة اللي إحنا فيها!


ردت باستغراب وهي تمسح دموعها: كارثه ليه يا سليم؟ أنا مش فاهمه حاجه.


رد بحدة، وهو يتوقف: مش فاهمه! بسيطه افهمك.


واصل بغضب بعينين تشتعل: احنا في مصيبه، لأن كل اللي انا مخططله راح، أنا رجعت للصفر، وانتِ قال ايه صعبانين عليكي، وخال عليكي دموع التماسيح دي، مي دي غشيمه علشان صدقته..


توقفت امامه، ورفعت يدها محاولة لتهدئته: سليم بالراحة شوية مش محتاج كل الانفعال ده.


نظرت إليه بثبات تحاول أن توصل مابداخلها بصدق: كل الحكاية إني فعلا رشدي صعب عليا وحسيته صادق، واحد مختارش يكون وحش، وبيحاول يطلع من اللي هو فيه، ليه مناخدش بإيده؟ خصوصا إنه بيحاول يبعد أذاهم عني..


كان يستمع إليها بصدمة واضحه، وسرعان ما اشتعلت عيناه بغضب قاتم، قبل أن يقول بصوت منخفض مخيف: شكلك نسيتي اللي عمله فيكي أنا بقي هفكرك..


وفجأة أمسكها من كتفها بعنف، وشدها معه للخارج.


شهقت من المفاجأة، وحاولت تفلت منه: سليم! أنت بتعمل إيه؟!


لكنه لم يرد وواصل سحبها في الممر بخطوات حادة، حتي توقف أمام غرفة ياسين، فتح الباب بعنف، ودفعها للداخل بقوة، ترنحت قليلا لكنها تماسكت.


أُغلق الباب خلفهم فوقفت في منتصف الغرفة تنظر حولها بارتباك.


اقترب منها ببطء، حتى توقف أمامها مباشرة.

نبرته خرجت هادئه، لكنها كانت كالسكين: فاكرة الأوضة دي؟


أكمل، وهو يثبت عينه فيها: مش هي دي نفس الأوضة اللي هددك فيها؟مش هي دي اللي فرجك فيها على أبوكي وهو بيتخبط بالعربية؟ وهددك بأخواتك وامك؟وبشرف أختك وحطلها السم؟ وجاب قناص ليوسف؟


تابع وهو يضغط على كل كلمة: ولو نسيتي كل ده...نسيتي إنه عيشك في رعب شهور؟! نسيتي إن حياتنا اتدمرت بسببه لما افتري عليا بكلام كذب! نسيتي هروبك وتعرضك لإغتصاب مرتين بسببه! بلاش كل دى نسيتي حياة مكي وسلوي اللى ادمرت بسببه قبل فرحهم بأيام؟


ضغط على أسنانه، وعينيه بتلمع بوجع وغضب: كل اللي حصللك كان بسبب رشدي! احنا هنا، بسبب خططه الوس،خة!


انتصب يرامقها من اعلى الاسفل بتعجب: فجأة بقي عندك استعداد تسامحيه بسهوله كده؟!


هز راسه بعنف وهو يسترسل بغضب: إزاي؟! أزاي أصلا؟! دمعة واحدة تنزل منك عليه؟! ده إنتِ المفروض تفرحي إنه بيعيش نفس الخوف والرعب والوجع اللي عيشك فيه سنين!


اقترب منها وامساكها من كتفها، وصاح بانفعال: ده انا عشت سنتين بعتذرلك وبلف حوالين نفسي علشان اخد منك كلمه واحده ترحمي بيها قلبي، عشتي بعيد عني 6شهور ولما رجعتك اتذللت عشان اخد فرصه، وهو بسهوله كده سامحتيه؟! 


صاح فجأة ببحه رجوليه جهوره وهو يترك كتفها بعنف: في ايه يا ماسة فوقي بدل ما افوقك.


كانت تنظر إليه يعينان تمتلئان بالدموع، وجسدها يرتجف قليلا، تفهم حقيقة غضبه لكنها حاولت التماسك وقالت بنبرة مهتزة: أنت مش فاهمني، أنا مشفقة عليه، حاسة إنه بيتغير فعلا..


أخذت نفسا عميقا تجمع شجاعتها: أنا مش عايزة أبقى زي زمان، مش عايزة أشوف الحكاية من زاوية واحدة أنا عايزة أشوف كل الزوايا، علشان مغلطش نفس الغلطة مرتين، انا زمان قعدت سنتين بعيد عنك ووجعتك لاني كنت غبيه، مكنتش ببص غير علي الحته الضلمه وان الشخص ده اذاني، بس انا دلوقتي اتغيرت ومش عايزه اعيد ونفس الغلط تاني، عشان كده بقولك شكله فعلا اتغير وتاب وندم..


ابتسم ابتسامه ساخرة، وحك بخده وهو يتمم: اتغيرتي اممم.


وفجاة انفجر مرة أخري، بصوت قاطع وقاسي: بقولك إيه! أنا مش عايز عبط وسذاجة، التغييرات دي اعمليها بعدين! لكن دلوقتي أنا مش عايز أشوف غير سواد قلب!


اقترب منها، وعينه بعينها مباشرة: مش عايز أشوف نظرة المسامحة والشفقة، اللي أنا شايفها دي في عينك!


شد على أسنانه: رشدي ده قذر! !زمان كان عايز ياخدك مني، وأذاكي عشان يوجعني بيكي، وده اللي أنا هعمله دلوقتي...


أضاف بحسم: أنا مش هسمحلك تبوظي كل حاجة بسبب عاطفتك علي واحد ميستاهلش.


مرر يده في شعره بعصبية: كفاية اللي مي عملته بوظلي كل اللي كنت مخططله وهضطر اعيد ترتيب كل حاجة من الأول.


صمت للحظه وقال بامر لا يحتمل النقاش: اسمعي كويس انا عايزك تطلعي منه اعتراف بكل حاجة، من يوم ماحاول يتحرش بيكي زمان، لحد القضية وإنه كان عارف وسكت.


ثم مال ناحيتها، بنبرة قاطعة: فاهمة؟


أومأت برأسها بإيجاب، وعيناها تلمعان بالدموع، وجسدها يرتجف من الخوف تدرك أن سليم لم يعد في مساحة يمكن التفاهم معها الآن.


نظر لها وقال بنبرة خطرة: ومش عايز أسمع كلمة "صعبان عليا" دي تاني! رشدي تعبان أوعى تأمنيله! وخليكي واثقه إنك لو جيتي على سكة مي هيختارها هي ويرميكي.


تبادلا النظرات؛ عيناه مشتعلة بالضيق والحدة، وسواد قاس ينعكس فيهما، بينما عيناها غارقتان في الدموع والضعف، تعرف أنه محق، لكنها لا تريد هذا الظلام.


سليم بشدة: يلاروح أوضتك، أنا هنزل تحت علشان مفقدش اعصابي عليكي أكتر من كده!


وأضاف بسخرية حادة: قال رشدي صعبان عليا!


تابع بتهكم وهو يهم بالتحرك: بدل ماتفكري في حل للمصيبة اللي إحنا فيها!


ثم استدار، وغادر المكان، تاركا خلفه صمتا باردا وقلبا يتأرجح بين الخوف والرحمة.


الحديقة 


جلس سليم أسفل البرجولة شارد الذهن، يفكر فيما قالته عن مسامحتها لرشدي، وكذلك مسامحة مي له؛ الأمر الذي اضطره لإعادة النظر في خطته. أدرك أن ما يملكه الآن لا يكفي لإقناع مي، وأنه بحاجة إلى دليل أقوى يمكنه سحق رشدي تماما من خلاله.


أخذ نفسا عميقا، ثم أشعل سيجارته، ونفث دخانها ببطء، وعيناه معلقتان في الفراغ.


من بعيد كانا أبناء صافيناز ونالا ويلعبون معا ويمرحون ببراءة.

❤️___________________بقلمي_ليلةعادل 


القلج5مساء.


دخل رشدي ومي بعد أن فتحت لهما إسعاد، وكانا يحملان الكثير من الشنط.


رحبت بهما: اتفضلوا، عملت إيه يا ابني في مشكلتك.


رد بسرعة وهو ينظر حوله: الحمد لله، جنة فين؟


أشارت بيدها: جوه في أوضتها مع رحمه، بس زعلانة منك اوي.


أومأ براسه: طب أنا هدخلها.


تحرك صوب الغرفة، أدخل رأسه أولا وهو يقول بإبتسامة: جنتي الحلوة.


كانت تجلس على الفراش تلعب بالعبها ورحمه تجلس على المقعد تلعب في هاتفها.


لكن جنه ما إن رأته حتي اشاحت بوجهها في الاتجاه الآاخر بعناد بينما توقفت رحمه..


ابتسم ودخل، ومي خلفه وهو يقول: وحشتيني.


رحمه معلقه: حمدلله على السلامه اخيرا جيت.


لم يرد عليها وجلس امام جنه: إيه ده؟ مدياني ضهرك ليه؟ 


لم ترد، اقترب قليلا: جنة أنا بكلمك، وشك الناحية التانية ليه؟ زعلانة؟


قالت بعناد وهي مازلت لا تنظر له: أنا مش بكلمك، ومخاصماك يوم ويوم!


ثم نظرت له ورفعت يديها الاثنين امامه: مخاصماك كل دول!


ضحك بخفة: طب ماترفعي رجلك كمان بالمره عشان تخاصميني أكتر!


نظرت له من اسفل عينيها بعبوس: متهزرش معايا، أنا مخاصماك يا رشدي.


رحمه بتاييد: صح يا جنه اوعي تصالحيه!


نظر لها برفعه حاجب، ثم النظر الى جنه قائلا: طب بصي أنا جبتلك جيلي وآيس كريم وحاجات حلوة كتير. 


هزت رأسها برفض وهي تضم ذراعيها إلي صدرها، وترفع رأسها الاعلى: برضو مش هصالحك علشان سبتني لوحدي.


مسك يديها بحنان وقبلها: والله كنت مشغول، عارفة؟ كنت ببني كوبري ووقع ولازم أروح أصلحه.


قطبت حاجبيها ونظرت له: كنت كلمني في التليفون.


ابتسم بأسف وقبل خدها: انتِ صح خلاص بقى حقك عليا.


ثم قال بمكر: طب لو مصالحتنيش هعمل كده!


وفجأة بدأ يزغزغها، فضحكت رغم عنها وبدأت تصرخ: لاااا... خلاص! خلاص!


تدخلت مي بسرعة: بالراحة عليها يا رشدي! لسه عاملة عملية!


ضحك: ما هي تصالحني وهبس!


جنة وسط ضحكها: لا مش هصالحك!


رشدي بوعيد: كده؟ طب أهو!


زاد من دغدغتها، فضحكت بصوت عالي: خلاص خلاص! صالحتك!


ورفعت يدها امام وجه بتحذير طفولي: بس أوعى تعملها تاني!


ابتسم وهو يهز رأسه: لا مش هعملها تاني، قوليلي بقى عجبتك المستشفى؟ زورك وجعك؟


قالت وهي تفكر: مشوفتش المستشفى عشان نمت كتير، بس امبارح كنت موجوعة النهارده لا.


ثم نظرت إلى عينيه، ومدت يدها الصغيرة تمسح على خده ببراءة: أنت زعلان عشان الكوبري بتاعك باظ؟ أنا ممكن أساعدك ونصلحه، أنا بعرف أبني برج بالمكعبات، وبكسره وأركبه تاني أحلى، والأبلة في الحضانة بتقولي دايما إني شاطرة وبتديني نجمة.


تبسم ابتسامة خافتة تحمل قهرا داخليا، يتمنى ان يكون بتلك البساطه: ياريتها كانت مكعبات يا جنة.


ثم تابع بمزاح: طب وريني كده بتعرفي ولا لأ؟ ما أنا لازم أجربك الأول.


أجابت بحماس: ماشي.


ونهضت من مكانها، أحضرت المكعبات، ثم جلست بجواره وبدأت تبني برجا، قبل أن تهدمه وتعيد بناؤه بحماس.


نظرت له بفخر: شوفت بقى! هتاخدني معاك؟


مسح على خدها بحنان: ده إحنا طلعنا شطورين خالص، آه طبعا هاخدك معايا هو أنا اطول، عارفة؟ لما تكبري، لو عايزة تدخلي هندسة، هدخلك عشان أنتِ شاطرة.


مي بتأييد: فعلا شطورة خالص.


قبلها من خدها، وأضاف بابتسامة: تعالي بقى شوفي جبتلك إيه.


بدأ يفتح الأكياس، ويخرج منها الألعاب والحلوى، ثم جلس يلعب معها برفقة مي، وقد امتلأ المكان بضحكاتهم الدافئة.


وفي أثناء ذلك، قالت رحمة: أنا هروح أجيب الدوا الناقص الدكتور لسه مكلمني، عشان مكانش موجود.


شرد رشدي قليلا، فكان يريد التحدث معها بعيدا عن مي، وبدت هذه فرصته.


نهض سريعا: استني أنا هاجي معاكي.


اقترب من مي، وهمس في أذنها: هروح أجيب الدوا عشان لو في فلوس زيادة ولا حاجة، أصلها بتتكسف تطلب.


أومأت برأسها بإيجاب، بينما تحرك هو خلف رحمة، وفي داخله حديث مؤجل.


أما مي، فنظرت إلى جنة بابتسامة دافئة: تعالي نلعب سوا لحد مارشدي يرجع.


جنة بهدوء: ماشي أنتِ بتعرفي تحكي حواديت؟


ابتسمت: آه، وبحكي حواديت حلوة كمان.


جنة بحماس طفولي: طب يلا احكيلي حدوتة!


جلست بجوارها، فوضعت جنة رأسها على صدرها، وبدأت مي تروي لها أحدى القصص بصوت هادئ، حتى هدأت أنفاس الصغيرة تدريجيا.


في الشارع


كان رشدي ورحمة يسيران معا في الأزقة الضيقة.


رحمة بسخرية: مراتك أمورة.


رشدي ببرود: محدش طلب رأيك.


ابتسمت بخبث: ماتبطل طريقتك دي، ولا عايز تفهمني بقى إنك اتغيرت وبقيت مخلص؟


توقف فجأة، والتفت إليها بنظرة حادة: رحمه، مابلاش الجو المسقع ده، إنتِ متعرفينيش كويس، مش عشان خرجنا كام مرة واتكلمنا شوية؟ ده يخليكي فاهمة مين هو رشدي الراوي؟


اقترب خطوة، وتابع بنبرة ذات معنى: اللي أخدتيه مني أكتر بكتير من تمن الكام خروجه والمكالمات، وأنا مستعد أدفع أكتر، مش لاني خايف منك، بس مببحبش صداع النسوان، فخلينا حبايب أحسن.


رفعت حاجبها وقالت بتهكم: أنا مقولتش حاجة بس كنت عايزة أفهم لازمته ايه الفيلم الهندي اللي قولته لمراتك يوم مقفشتك مادام اتغيرت.


رد ببرود: ملكيش دعوة، مراتي مينفعش تعرف غير اللي أنا عايزها تعرفه.


ابتسمت بسخرية: شكلك مخبي كتير، وجنة دي أكبر بكتير من حكاية انها بنتك، من بنت السواق زي قولتلي


نظر لها بحدة: أنتِ عايزة مصيبة أكبر من كده؟ مراتي لو عرفت إني عندي بنت تفتكري هتعمل فيا إيه؟


اقتربت منه أكثر، وعيناها تلمعان بالمكر: طب خلي بالك بقى أحسن تسمع كلمة كده ولا كده شكلها مفتحة....


تقدمت خطوة أخرى، حتى كادت تلامس وجهه، ونظرت مباشرة في عينيه: أصل المرا اللي تمشي ورا جوزها كده وتقدر توصل للمخبئ السري، تبقى مفتحه ويتخاف منها اوي...


مالت برأسها قليلا: شكلها مش واثقة فيك، وده لوحده مصيبة، إنتوا لسه مربعنتوش حتى..


ضحكت بسخرية، وخفضت صوتها كأنها تغرس كلماتها في أذنه: أصل السر ده لو اتكشف، مش هتخسر مي بس، تؤ وجنتك كمان..


نطقت الأخيرة ببطء متعمد، وهي تشير لما تعرفه: اللي يا حرام، كل ده مستنية بابا وماما...وهو قصاد عينيها.


ثم تراجعت خطوة، تراقب أثر كلماتها عليه بعينين مليئتين بالتحدي.


تصلب وجهه، وقال ببرود مخيف: وأنتِ متخيلة أنا ممكن أعمل فيكي إيه لو السر ده اتكشف؟


ثم أضاف بنبرة منخفضة تحمل تهديدا واضحا بنظرة مظلمه: أنا قولتلك السر ده زمان عشان تاخدي بالك من جنة، بس الأسرار دي لو انكشفت تمنها العمر، فلو عايزة تعيشي الباقي من عمرك بلاش اللي بيدور في دماغك دى، وبطلي غيره ملهاش لازمه، لأن مراتي لاحظت..


وتابع بنبرة أخطر: انتِ لسه صغيرة يا رحمه بلاش نترحم عليكي قريب.


استدار وتحرك وهو يقول: يلا نجيب الحاجة.


أكمل طريقه دون أن ينظر خلفه، بينما ظلت رحمة تنظر إليه بنظرة مليئة بالغل، تجز على أسنانها، قبل أن تلحق به في صمت.


وبالفعل أحضرو الداء ثم عادوا، وقضي وقتا ممتعا مع جنه، كان يحاول أن يختلس لحظات من الفرح، وسط كل ما يمر به من اضطراب.


فـجنة...كانت الوحيدة القادرة على إعادة ابتسامته، وإظهار جانب منه لم يستطع أحدٌ سواها أن يبلغه.


تناولوا الغداء معا واعطتها مي الدواء، وبعد وقت قصير، بدأت ملامح الإرهاق تظهر عليها، حتى أغمضت عينيها تدريجيا، وغرقت في النوم ثم ذهب رشدي ومي.


قصر الراوي6م


كان سليم  لايزال جالسا في الحديقة العلوية، يحتسي قهوته ببطء، غارقا في أفكاره، يحاول أن يجد حلا ويهدئ من اضطراب ذهنه.


وأثناء ذلك، ظهرت صافيناز وهي تحمل الابتوب بين يديها.


اقتربت وجلست أمامه على مسافة قصيرة، وقالت بالتركية: مساء الخير... إنت هنا؟


أجابها باقتضاب، دون أن ينظر إليها: أه هنا، هكون فين يعني؟


جلست براحة أكبر، وقالت بنبرة عادية: قولت يمكن تكون في المجموعة بتشوف حل.


رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، وارتشف منه قليلا، ثم رد بنبرة مستنكرة:ما أنا بشوف حل برضو، وأنتِ بتعملي إيه هنا؟


فتحت الابتوب أمامها، وقالت بجدية: هقرا التقارير الخاصة بمشروع الكباري، عشان أفهم الثغرات اللي وصلت للمصيبة اللي إحنا فيها دى، وكويس إنك هنا كنت أصلا ناوية أكلمك عشان تفهمني شوية حاجات...


رفعت عينيها نحوه، ونظرت له بنظرة تحمل مكرا خفيفا: ممكن؟ ولا إحنا لسه مبنتكلمش مع بعض؟


رد باختصار، دون أن ينظر إليها: لا مصلحة الشغل أهم من أي حاجة، اشتغلي ونبقى نتكلم بعدين.


هزت رأسها بخفة، وبدأت تركز في عملها، وعيناها مثبتتان على شاشة الحاسوب.


أما هو... فظل غارقا في أفكاره مرت دقائق قليلة، لا يعرف لماذا انجذبت عيناه نحوها فجأة.


طال نظره إليها... وكأنه يراها بطريقة لم يرها بها من قبل، وفي لحظة خاطفة... تذكر الفيديو الذي أرسله عرفان.

تصلبت ملامحه لثوان، قبل أن ترتسم فكرة مفاجئة في ذهنه.

شعر برغبة في اللعب معها قليلا، فارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، تشبه ابتسامة ثعلب وجد فريسته.


تسأل بخبث: هو انت ليه يا صافيناز مفكرتيش تجيبي بيبي غير مريم وزين، يعني بما انك كل حاجة بتقلدي فيها الهانم واخدها مثل اعلى معملتيش كده ليه؟


اجابته بثبات وعينها على الشاشة: لا الهانم في الموضوع ده كان تفكيرها غلط.


اوما براسه: فعلا، كويس انك معملتيش كده ..


ثم أضاف بفحيح افاعي: بس عارفة يا صافي نالا طلعت شبه ياسين أوي! الحمد لله مخدتش من هبة حاجة.


رفعت عينيها للحظه ثم نظرت مجددا للشاشة: فعلا...


صمتت قليلا ثم تابع بخبث اكبر: بس غريبه زين ومريم مش شبهك خالص، ولا شبه عماد! ده كل مابيكبروا، كل ما الشبه يبعد، مش ملاحظة؟


اهتزت عيناها بتوتر للحظه، ولكنها قالت بملامح ثابته: عادي مش لازم يبقى في شبه بينا.


اطفئ السجارة، وقال معارضا: اسمعي مني واعملي DNA، أحسن يكونوا بدلولك الأولاد وإنتِ في المستشفى ما إنتِ كنتي لوحدك.


ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة: إيه اللي إنت بتقوله ده؟! ده كلام ميطلعش منك، ولا مراتك الفلاحة بتأثر عليك؟


لوح بيده بحدة: سيبك من الكلام ده لازم نعمل تحليل بجد فرق الشبه بقي مرعب!


أغلقت اللاب توب ووضعته بجانبها، ثم نهضت من مكانها وجلست بجواره، وقالت بهدوء بارد: اسمع يا سليم قولتلك مش لازم الأولاد يطلعوا شبه أبوهم وأمهم، إحنا نفسنا مش شبه بعض يبقى كده إحنا مش ولاد الراوي؟ الموضوع أعمق من الشكل بس أنت مش هتفهمه...


مالت بجسدها نحوه، أكملت بنعومة سامة: وبصراحه ليك عذرك، هتفهمه أزاي وأنت مخلفتش قبل كده ياحرام.


تجمد مكانه واشتعلت النار بداخله، لكنه حاول الثبات مدركا أنها تحاول استفزازه، بينما ابتسمت هي وتساءلت بخبث: صحيح هو أنت لسه مبتخلفش؟


صمتت تفكر للحظه، ثم مالت عليه وتساءلت بمكر: تفتكر تكون ماسة خانتك عشان الموضوع ده؟


وضعت يدها على فمها، تعض شفتها السفلية وعيناها تلمعان بتحدي واضح.


أما سليم فقبض علي يده بقوة، وثقلت أنفاسه، مدركا أنها تستفزه وتضربه في أضعف نقاطه فقط لتشتته. اشتعل الغضب في عينيه، لكنه تماسك وحبس انفعاله، يعلم أن انفلاته الآن يعني خسارته.


لكنها لم تتوقف، وتابعت بفحيح افاعي: بصراحة؟ حقها، موضوع الأمومة ده مش سهل، مهما الست حبت عند النقطة دي بتفكر هتفضل لحد امتى محرومه انها تكون ام.


أسنانه احتكت ببعضها، وعيناه بدأت تغرق في ظلام مخيف، كأن شيئا داخله يستدعى ذلك الشيطان الذي يخدمه، لكنه ما زال ثابتا قبضا بكفه لعله يهدى.


أما هي فكانت تراقبه، تعرف جيدا أنها أصابت الهدف.


تابعت كأنها تستمتع باحتراقه: أكيد حبها لمصطفى وخيانتها ليك كانت عشان إنت مبتخلفش، وممكن برضوا عشان حاجات تانية، هي برضو ست وليها احتياجاتها..


كان سليم يقف على حافة الانفجار، أي رجل مكانه كسيسقط بسهولة أمام ما قالته، فزمجر فيها بحدة: صافيناز حاسبي على كلامك!


نظراته كانت كفيلة توضح إن الصبر الذي يمتلكه على وشك النفاذ.


ضحكت بخفة مستفزة، وتابعت ببرود قاتل: في إيه؟! أنا بفكر معاك عن أسباب خيانتها، أصلي سمعت إن العملية بتاعتك مأثرتش بس في الخلفه، أثرت في حاجات تانية كمان..


تابعت باستفزاز اكبر: أكيد خانتك علشان كده هي ست وليها احتياجاتها، بصراحة بدأت أشفق عليها، حرام، كان لازم تعمل كده مع مصطفى، واضح إنك مكنتش مكفيها، معل...


قبل أن تكمل كلماتها، هبطت صفعة مدوية على وجنتها، دوى صوتها في أرجاء المكان، فتلاشى توازنها للحظة، وترنّحت قبل أن تهوي أرضًا.


اتسعت عيناها بصدمة، صرخت: أنت بتضربني أنا؟! بدل ماتروح تتشطر على اللي خانتك ولبستك قرون، ورمت نفسها في حضن راجل تاني يلبي احتياجتها اللى مبقتش قادر عليها، لأنك مش راجل..


كلماتها كالسكاكين، تضغط على آخر خيط عقل يتمسك به وفي لحظة انقطع كل شيء، ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينحني، يقبض على شعرها بعنف، ويسحبها لتقف أمامه، عينيا مشتعلة بجنون: إنتِ اتجننتي؟! بتقوليلي أنا كده؟! أنا راجل غصب عنك وعن أي حد!


وقبل أن تستوعب هوى بكفه على وجهها مرة أخرى

بصفعة أقسى، وأشرس كأنها تفريغ لكل مابداخله من نار.


حاولت سحب شعرها من بين يديه، وهي تصرخ: سيبني يا حيوان! إوعى! لو كنت راجل بجد مكانتش خانتك! 


خرجت الكلمات منها كسم لكنها كانت الضربة القاضية، اسودت عيناه بظلام خطر لا يعرف الرحمة، وقبض على عنقها فجأة، ودفعها للخلف حتى سقطت على الأريكة، وانحنى فوقها، يضغط بكل قوته على عنقها، عينيه متسعتان بجنون، وصوته خرج كفحيح: هموتك يا صافيناز... هموتك!


حاولت إبعاد يديه، تخبطه، تقاوم بأنفاسٍ متقطعة: اروح اتشطر علي اللي خانتك... بدل ما تعمل راجل عليا! 


زمجر بغضب جنوني: أنا هوريكي أنا راجل ولا لا، والله لأموتك.


اشتدت قبضته أكثر حول رقبتها، وهو يرى أمامه كل ما فعلته بماسة، حتي بدأ وجهها يشحب، وعيناها تزوغان...وأنفاسها تختنق تدريجيا.

استوووب

وصل البارت الف لايك عشان باقي رواية تنزل

اتمنى تكون الحلقة عجبتكم النهاردة

#ليلةعادل

#الماسةالمكسورة2

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

close