رواية عشقت محتالة الفصل الثامن وعشرون 28بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
رواية عشقت محتالة الفصل الثامن وعشرون 28بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
عشقت محتالة
البارت 28
الشمس بدأت تتسلل من بين فتحات الستائر الدانتيل، وترسم خيوط دهبية هادية على ملامح جميلة اللي كانت غرقانة في نوم عميق. أدهم صحي قبلها بشوية، وفضل ساند راسه على إيده وهو بيتأملها بنظرة كلها حنان وشوق، كأنه بيحاول يحفظ ملامحها وتفاصيل وشها اللي بيعشقها للمرة الألف.
شعرها الأسود الحريري كان مفرود على المخدة بشكل عشوائي وجميل، ورموشها الطويلة كانت راسم ظل خفيف على خدودها اللي وردت من أثر النوم. أدهم مكنش قادر يقاوم الجمال ده، فبدأ يمرر صوابعه برقة متناهية على طرف مناخيرها، وبعدين نزل ببطء لمس شفايفها بطرف صباعه وكأنه بيرسم لوحة فنية.
جميلة بدأت تتحرك ببطء، وفتحت عينيها بتثاقل من أثر لمساته الحنينة، وأول ما عيونها جت في عيونه، اتسمرت مكانها وابتسامة رقيقة نورت وشها.
أدهم همس بصوت رجولي دافي:
"صباح الفل والورد على أجمل جميلة شافتها عيني.. أنتي عارفة إن شكلك وإنتي صاحية بيبقى أحلى بكتير من أي وقت تاني؟"
جميلة ردت بصوت ناعم ومبحوح من أثر النوم، وهي بتخبي وشها في صدره بكسوف:
"صباح النور يا حبيبي.. إنت صاحي من بدري وبتراقبني كدة؟؟"
أدهم ضحك بخفة وضمها ليه أكتر وباس راسها بعمق:
"وأنا عندي إيه أهم من إني أراقب نبض قلبي وهو نايم ومطمن في حضني؟ بس للأسف، مضطر أقطع اللحظة دي عشان ألحق أجهز.. هاخد شاور سريع وأطير على الشركة، عندي اجتماعات مهمة اوي النهاردة."
جميلة اتنهدت وسندت ذقنها على صدره وبصتله بعيون لسه فيها أثر النوم:
"تمام يا حبيبي، ربنا يوفقك.. وأنا كمان هقوم أجهز، ورايا محاضرتين مهمين في الكلية، وبعد ما أخلص هعدي عليك في الشركة عشان أكمل بقية الشغل مع رزان."
أدهم قام ببطء من السرير، وهو بيعدل شعره وباس إيدها بحب وشوق:
"ماشي يا حبيبي.. مستنيكي تنوري الشركة وتعدلي مزاجي بوجودك.. بس خلي بالك من نفسك، مفهوم؟"
دخل أدهم الحمام، وصوت المية بدأ يملأ المكان. جميلة فضلت ممدة مكانها لثواني، حاولت تقوم وتفرد جسمها، بس فجأة حست بتقل غريب في كتافها.. إحساس بالخمول والإرهاق كأنها منمتش بقالها أيام.
غمضت عينيها تاني وهي بتتمطع بكسل، وبدأت تحس بدوران خفيف في راسها، وكأن الغرفة بتلف بيها لثانية واحدة. حطت إيدها على جبهتها وقالت بصوت واطي ومستغرب:
"هو فيه إيه؟ مالي حاسة إني هبطانة كدة ليه؟"
أدهم خرج من الحمام بالبرنس الأبيض ،وبعدها دخل غرفة اللبس وساب جميلة غرقانة في أفكارها، ثواني وخرج وهو لابس قميصه الكحلي الأنيق اللي مبرز هيبته، وكان لسه رشش من عطره القوي المميز اللي جميلة كانت دايماً بتقول إنه بيخدر أعصابها من كتر ما بتعشقه.
أول ما قرب من السرير عشان يبوس راسها قبل ما ينزل، جميلة فجأة ملامحها اتغيرت تماماً.. انكمشت في مكانها وضمت حواجبها بضيق واضح، وحست بقلبة معدة مش طبيعية. ريحة البرفان اللي كانت بتموت فيها، فجأة اتحولت لطلقات بتضرب في معدتها ،وحسستها بغثيان مفاجئ لدرجة إنها كتمت نفسها بإيدها.
أدهم لاحظ حركتها واستغرب جداً، وقف مكانه وقرب منها بقلق:
"مالك يا جميلة؟ فيه حاجة وجعاكي؟ وشك قلب أصفر مرة واحدة ليه يا حبيبتي؟"
جميلة حاولت تسيطر على نفسها وتطرد إحساس التعب ده، بلعت ريقها بصعوبة ورسمت ابتسامة باهتة على وشها وهي بتحاول تبعد نظرها عن صدره اللي ريحة العطر طالعة منه بقوة:
"مفيش يا حبيبي.. أنا كويسة، تلاقيه بس إرهاق من قلة النوم. متقلقش نفسك، أنا قايمة أهو أجهز عشان متأخرش على المحاضرة."
أدهم فضل باصص لها بشك، ومد إيده حطها على جبهتها يتطمن على حرارتها:
"متأكدة؟ لو حاسة بتعب بلاش تروحي الكلية النهاردة وخليكي ارتاحي في البيت."
جميلة قامت ببطء وهي سانده على السرير، وحاولت تبين إنها طبيعية جداً رغم إن الدنيا بتلف بيها:
"لا والله يا أدهم، أنا زي الفل.. ياللا روح إنت عشان متتأخرش، وأنا هحصلك على طول."
أدهم باس إيدها وهو لسه قلبه مش مطمن، ودعها وخرج من الجناح، وأول ما قفل الباب، جميلة جريت على الحمام وهي مش قادرة تمسك نفسها أكتر من كدة.
_________________________________
في بيت علي.
علي كان واقف قدام المراية، لابس قميصه الأبيض الناصع اللي مبرز عرض كتافه، بيحاول يربط الجرافتة. فجأة، الباب اتفتح ودخلت ياسمين بطلتها الرقيقة؛ كانت لابسة عباية بيتي لونها موف هادي، وشعرها مفرود ونازل على كتافها بنعومة زادتها جمال.
ياسمين ابتسمت لما شافته محتاس، وقربت منه بدلع وهي بتقول:
"هات يا علي.. طول عمرك بتغلب ومبتعرفش تربطها ،هات أربطهالك أنا."
مدت إيدها وبدأت تظبط الجرافة بمهارة وحب، وعلي في اللحظة دي مضيعش الفرصة؛ حاوط وسطها بإيديه وقربها منه أوي، لدرجة إن بطنها اللي بدأت تكبر وتدور من الحمل خبطت في جسمه. ياسمين رفعت عيونها ليه بضحكة خجولة وقالت:
"علي.. بس بقى، خليني أعرف أربط لك الجرافة عشان متتأخرش على الشركة."
علي ابتسم بمكر وقرب وشه من وشها أكتر:
"اربطيها يا حبيبتي.. هو أنا عملت حاجة؟ أنا بس بسند أميرتي الصغيرة وأمها، ولا ده كمان ممنوع؟"
ياسمين كملت ربط الجرافة وهي بتحاول تداري كسوفها من نظراته الهيمانة:
"مش ممنوع، بس إنت كدة بتوترني.. وبعدين أدهم زمانه على وصول أو مستنيك."
علي سكت لثواني وهو بيتأمل ملامحها، وبعدين همس بحنان:
"تعرفي يا ياسمين.. كل يوم بشوفك فيه بحس إن ربنا راضي عني أوي إنه رزقني بيكي. ومع البنوتة اللي جاية دي، حاسس إن دنيتي خلاص كملت ومش عايز حاجة تاني من الدنيا."
ياسمين سندت إيدها على صدره بعد ما خلصت، وقالت بفضول وتفكير:
"بمناسبة البنوتة بقى.. قولي يا علي، بجد نسميها إيه؟ الأسماء كتير والواحد بدأ يتوه."
علي رجع شعره لورا وقال بتفكير:
"أممم.. مش عارف، فيه كذا اسم في دماغي وبسمع اقتراحات كتير، بس أنا فكرت في حاجة تانية خالص."
ياسمين رفعت حاجبها وسألته باهتمام:
"حاجة إيه؟ قولي شوية من اللي في دماغك."
علي مسك إيديها وباس باطن إيدها برقة وقال بنبرة واثقة:
"بصي يا ستي.. إحنا أول ما نشوفها، والجوهرة دي تنور دنيتنا، هنسميها ساعتها.. الاسم اللي هنحس إنه لايق على ملامحها وشكلها هو اللي هنختاره. مش عايز أظلمها باسم من دلوقتي وهي لسه مجتش، أول ما عيني تقع في عينها، الاسم هيطلع لوحده."
ياسمين فكرت لثواني، وابتسامة رضا اترسمت على وشها:
"تعرف إن فكرتك صح؟ فعلاً، الملامح هي اللي بتختار الاسم.. وأنا موافقة، خليها من غير اسم لحد ما تشرف."
علي باس جبينها بقوة، وشد جاكت البدلة بتاعه ولبسه وهو بيغمز لها:
"اتفقنا يا ست الكل.. ياللا بقى، ادعيلي النهاردة اليوم طويل، خلي الموبايل جنبك عشان لما أتصل بيكي."
خرج علي من الأوضة، وياسمين فضلت واقفة مكانها وهي بتحسس على بطنها وبتبتسم، مستنية اليوم اللي هتشوف فيه الاسم اللي هيليق على ملامح بنتها.وخرجت من الأوضة تجهز الشاي اللي بتشربه مع منى كعادتهم بعد ما علي يروح شغله.
__________________________________
في مكتب أدهم، كان الجو مشحون بتركيز الشغل. محمود كان قاعد قدام أدهم والملفات مفرودة بينهم، وبعد نقاش طويل في تفاصيل صفقات الشركة الجديدة المشتركة بينهم،أدهم قال بصوت حازم:
"يا بابا، العرض اللي مقدمينه الألمان في صفقة الماكينات الجديدة مبالغ فيه جداً.. هما فاكرين إننا عشان بنوسع خط الإنتاج في مصنع أكتوبر، يبقى هنوافق على أي رقم يحطوه."
محمود هز راسه بتفكير ورد بهدوء:
"معاك حق يا أدهم، بس بص للناحية التانية.. الماكينات دي بتوفر 30% من استهلاك الطاقة، وبتطلع جودة نمر معينة في الأقمشة إحنا محتاجينها عشان ننافس في السوق الأوروبي. لو استرخصنا دلوقتي، هندفع التمن صيانة وتأخير بعدين."
أدهم قفل الملف وقال وهو بيبص لمحمود:
"أنا مش ضد الجودة، أنا ضد الاستغلال.. أنا طلبت من علي يراجع عروض شركات تانية في إيطاليا، ووصلنا لأسعار أقل بنسبة 15% وبنفس المواصفات الفنية. ليه نرمي الفلوس دي في الأرض؟"
( إوعى الهبد في التجارة وأنا كل معلوماتي في البيع والشراء إن الزبون دايما على حق 🙂)
محمود ابتسم بفخر من طريقة تفكير أدهم:
"برافو عليك.. دايمًا نظرتك أبعد. طيب وبالنسبة لمناقصة الحكومة لفرش الفنادق الجديدة؟ رزان بلغتني إن فيه شركات داخلة بأسعار حرق، وده ممكن يخلينا بره الحسبة لو صممنا على هامش الربح بتاعنا."
أدهم سند كوعه على المكتب وقرب من محمود:
"مش هقلل مليم من السعر اللي حطيناه يا بابا. إحنا بنقدم خامات قطنية 100%، والشركات اللي بتحرق أسعار دي بتشتغل في البوليستر والمخلوط. أنا هعتمد في الملف بتاعنا على البراند بتاعنا وتاريخنا.. أدهم السويسي مبينافسش في الرخيص، إحنا بننافس في اللي بيعيش."
محمود اتنهد بارتياح:
"تمام، كدة رؤيتك واضحة. أنا هسيبك أنا بقى تكمل اللي وراك، كفاية عليا شغل النهاردة."
أدهم رفع عينه من الورق وسأله باهتمام:
"على فين يا بابا؟ مش هنتغدى سوا؟"
محمود ابتسم وهو بيعدل جاكت بدلتة:
"لا يا حبيبي، هقعد في المكتب هنا شوية أخلص كام تليفون، وبعدين هروح البيت أرتاح.. السن له أحكامه برضو."
أدهم رد :
"ماشي يا غالي، وأنا وجميلة هنيجي بالليل ونتجمع كلنا ونسهر.. سلملي على طنط نادية لحد ما أشوفها بليل."
أول ما محمود خرج وقفل الباب، أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وسند ضهره لورا. رغم زحمة الشغل، إلا إن صورة جميلة وهي تعبانة ومنكمشة الصبح مكنتش بتفارق خياله. قلبه مكانش مطمن.
من غير تفكير، طلع موبايله واتصل بيها، وبمجرد ما جاله الرد، صوته طلع مليان لهفة:
"أيوة يا جميلة.. إنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، لسه حاسة بتعب؟"
ردت جميلة وصوتها هادي بس فيه نبرة غريبة حاول أدهم يفسرها:
"أنا كويسة يا حبيبي متقلقش.. أنا خلاص قربت أخلص المحاضرة، وهاجي على الشركة فوراً.. متخافش عليا."
أدهم غمض عينه براحة وهو بيسمع صوتها:
"ماشي يا حبيبي.. الحمد لله إنك أحسن. خدي بالك من نفسك وإنتي جاية، وأول ما توصلي اطلعيلي علطول.. هستناكي."
__________________________________
كانت جميلة ماشية في طرقة الكلية، وصوت كعب جزمتها بيخبط على الأرض بانتظام وسرعة بتعكس التوتر اللي جواها. كانت ضامة شنطتها على صدرها بقوة، وإيدها محاوطة الكيس الصغير اللي جابته من الصيدلية ومخبياه في أعمق ركن في الشنطة، كأنها شايلة سر خطير خايفة عيون الناس تخترقه.
وقفت ثواني قدام باب الكلية الخارجي، وخدت نفَس عميق وهي بتبص للسما، وبتحاول تهدي ضربات قلبها اللي بقت زي الطبول. فكرت تدخل حمام الكلية وتخلص من الحيرة دي، بس رجعت في كلامها بسرعة وقالت لنفسها بقلب مقبوض:
"لأ.. مش هنا يا جميلة. المكان هنا زحمة ودوشة، وأنا محتاجة أكون لوحدي.. محتاجة استوعب الصدمة براحتي. هعمله لما أروح البيت، وكمان عشان متأخرش على أدهم ويقلق عليا."
طلعت موبايلها وطلبت عربية الشركة اللي أدهم بعتها لها، وركبت وهي طول الطريق باصة من الشباك، بس مش شايفة الشوارع ولا الناس.. هي شايفة خيال طفل صغير بملامح أدهم، وشايفة نظرة عين أدهم لما يعرف الخبر ده.. طول الطريق وهي بتفكر يا ترى لو إحساسها طلع صح هتعرف أدهم إزاي؟ لازم تبقى حاجة مميزة تليق بـ أدهم السويسي."
وصلت الشركة، ودخلت من الباب الزجاجي الضخم على مكتبها مع رزان .رزان أول ما شافتها قامت بابتسامة:
"أهلاً يا جميلة.. مستر أدهم مستنيكي جوه، وقالي أول ما توصلي تدخليله فوراً."
جميلة هزت راسها بابتسامة باهتة، وحاولت تتماسك. وصلت قدام مكتبه، خبطت ودخلت، لقت أدهم قاعد ورا مكتبه، أول ما شافها قام وقف وفرد دراعاته بلهفة:
"نورتي يا ست البنات.. اتأخرتي ليه؟ قلبي كان واكلني عليكي ."
جميلة قربت منه وحاولت تداري ارتباكها، ورمت شنطتها اللي فيها الاختبار على الكنبة ببعثرة، وقالت بنبرة حاولت تخليها طبيعية:
"المحاضرة طولت شوية يا حبيبي، والطريق كان زحمة.. أنا كويسة أهو قدامك، زي الفل.".
أدهم ضيق عينيه بتركيز وهو بيقرب منها، ومسك إيديها الاتنين وباسهم:
"وشك لسه شاحب يا جميلة.. واللمعة اللي في عينيكي دي وراها حاجة. أنتي متأكدة إنك مش مخبية عني تعبك ؟"
جميلة ضحكت بخفة وهي بتتهرب من نظراته :
"مخبية إيه بس يا أدهم؟ قولتلك إرهاق.. وبعدين أنا جعانة جداً، مش هنطلب غدا بقى ولا إيه؟"
أدهم ضحك وشدها لحضنه:
"من عيوني.. هطلب لك أحلى غدا في الدنيا، بس بشرط.. تخلصي طبقك كله، عشان ترجعي "
جميلة المنورة اللي أعرفها."
جميلة استخبت في حضنه وهي بتفكر في اللي في الشنطة، وبتقول في سرها: "يا حبيبي يا أدهم.. لو عرفت اللي في الشنطة ده، مش هتطلب غدا، إنت هتطلب تقيم حفلة ."
أدهم سحب الموبايل وطلب الغدا، وطول ما هو بيتكلم في التليفون، عينه مكنتش بتفارق جميلة اللي كانت بتلعب في صوابعها بتوتر. أول ما قفل، قام وقف وراح ناحية الكنبة عشان يجيب الشنطة يحطها جنبها، جميلة شهقت بخوف وقامت وقفت بسرعة:
"أدهم! بتعمل إيه؟"
أدهم وقف مكانه واستغرب رد فعلها العنيف:
"فيه إيه يا جميلة؟ هجيب لك الشنطة عشان لو عايزة تطلعي موبايلك، مالك اتخضيتي كدة ليه؟"
جميلة جريت وأخدت الشنطة من إيده بلهفة وضحكت ب ارتباك:
"لا.. مفيش، بس فيها ورق مهم للكلية خايفة يتكرمش.. سيبها أنا هحطها جنبي هنا."
أدهم ربع إيده وبص لها بنظرة شك قاتلة، وقرب منها خطوة بخطوة لحد ما حاصرها بينه وبين المكتب، وهمس بصوت رخيم:
"جميلة.. إنتي النهاردة مش طبيعية. والشنطة دي فيها ايه. تحبي أعرف لوحدي، ولا تقولي أنتي وبكل هدوء؟"
جميلة بلعت ريقها وصوت ضربات قلبها كان مسموع، وبصت لعينيه السوداء اللي بتخترقها، وحست إنها لو فضلت ثانية كمان هتنهار وتقوله كل حاجة، بس يشاء القدر إن تليفون باب الكتب يخبط ويدخل علي اللي استغرب وضعهم :"فيه ايه يا جماعه ..مالكم؟"
أدهم اتنفخ بضيق وهو بيبعد عنها:
" الله يخربيتك يا أخي ،دايماً بتيجي في الوقت الغلط."
جميلة اتنفست الصعداء وضمّت الشنطة لصدرها وهي بتقول في سرها: "يا رب عدي اليوم ده على خير لحد ما أوصل البيت وأعرف .. أنا أعصابي باظت خلاص"
_________________________________
سليم كان قاعد على الأرض، ساند ضهره على السرير القديم وفاتح كشكوله بيحل واجباته، بس عينه كانت بتراقب كل حركة بتعملها والدته. شافها وهي بتلبس عبايتها السمرا وبتظبط حجابها بإيد مرتعش.
سليم بصلها بتوجس وسألها:
"ماما.. أنتي رايحة فين؟ أنتي تعبانة ومينفعش تنزلي لوحدك."
قربت منه بابتسامة حزينة، ولمست شعره بحنان وهي بتحاول تطمنه:
"راحة مشوار مهم يا حبيبي.. مش هغيب عنك، هروح وأرجعلك على طول."
هز راسه وسكت، بس قلبه مكنش مطمن، حس إن المشوار ده وراه سر كبير، وفضل باصص لأثرها لحد ما قفلت الباب.
نزلت من البيت بكل قوتها اللي استجمعتها، ركبت تاكسي وطلبت منه يروح لعنوان مجموعة شركات السويسي. وصلت قدام البرج الزجاجي الضخم، نزلت وبصتله بنظرة تحدي. دخلت وسألت عن مكتب محمود بيه، وطلعت بالأسانسير للدور الأخير. وقفت قدام السكرتارية اللي بصت لها باستغراب من هيئتها البسيطة وسط المكان الفخم ده:
"أي خدمة يا مدام؟ حضرتك عايزة مين؟"
ثريا ردت بصوت ثابت رغم تعبها:
"محمود بيه موجود؟"
"أيوة موجود، بس فيه مواعيد.. أقوله مين حضرتك؟"
"قوليله واحدة عايزة تقابلك."
السكرتيرة دخلت وغابت ثواني، وخرجت وهي بتقول :
"اتفضلي يا مدام.. محمود بيه مستنيكي."
دخلت ثريا المكتب الفخم، كان محمود قاعد ورا مكتبه، أول ما عينه جت عليها، الورقة اللي في إيده وقعت، والزمن كأنه وقف بيه.. فضل باصص لها بذهول، ملامحه اتخبطت،قبل ما يقول بصدمة:
"ثريا؟!"
_________________________________
بعد الغدا أدهم انشغل بمكالمة تليفون، وجميلة استغلت الفرصة وخرجت لمكتبها الصغير ،عشان تبدأ تراجع شوية ورق مع رزان. قعدت والشنطة جنبها، بس تركيزها كان زيرو. رزان كانت بتشرح:
"بصي يا جميلة، العقد ده مستر أدهم لازم يمضيه قبل الساعة ٤.."
جميلة فاقت من شرودها وصوتها طلع مهزوز:
"آه.. أيوة يا رزان، معاكي.. بس حاسة إن الجو هنا بقى مكتوم شوية، مش كدة؟"
رزان بصت لها بقلق ولاحظت حبات العرق اللي بدأت تظهر على جبينها:
"مكتوم إيه يا بنتي؟ التكييف شغال على الآخر... جميلة!، وشك بقى لونه أبيض زي الورقة.. أنتي كويسة؟"
جميلة حاولت تقوم عشان تفتح الشباك ، وقالت وهي بتسند على المكتب:
"أنا بس.. حاسة بدوخة بسيطة.. هروح.."
لسه مكملتش جملتها، وفجأة الدنيا اسودت في عينيها، ورجليها مشالتهاش. في لحظة، فقدت توازنها تماماً ووقعت على الأرض، وصوت "
هبدة جسمها على الأرض كان قوي لدرجة إنه رن في الممر كله.
رزان صرخت بلهفة ورعب وهي بتميل عليها:
"جميلة! جميلة ردي عليا! يا ساتر يا رب.. يا مستر أدهم! الحقني يا مستر أدهم!"
جوه المكتب، أدهم كان مركز في مكالمة تليفون مهم، أول ما سمع صوت الارتطام القوي وصرخة رزان، قلبه انقبض بشكل مرعب. حدف الموبايل من إيده وجري على الباب فتحه بعنف.
أول ما خرج وشاف جميلة ممدة على الأرض وغائبة عن الوعي، ملامحه اتخطفت والرعب سيطر على كل حتة فيه. جرى عليها ونزل لمستواها على الأرض بلهفة مجنونة، شال راسها وحطها على حجره وهو بيضرب على وشها برقة ومناديا بصوت مخنوق:
"جميلة! جميلة فوقي يا حبيبتي ... ردي عليا يا جميلة.. رزان، هاتي مية بسرعة، اطلبي الدكتورة فوراً!"
أدهم كان بيترعش وهو بيحاول يفوقها، وصوته كان مليان وجع وخوف مسمعوش حد منه قبل كدة:
"قومي يا جميلة.. متوجعيش قلبي عليكي...ردي عليا يا روحي."
رزان جابت المية وهي بتترعش، وأدهم بدأ يمسح على وش جميلة بالمية الباردة وهو بيحاول يتنفس بصعوبة من كتر الخوف، والشركة كلها اتكهربت من المنظر.. أدهم السويسي البعبع اللي كان واقف قدامهم منهار وخايف زي طفل صغير على مراته اللي بين إيديه.
__________________________________
محمود فضل واقف مكانه لثواني، الصدمة لجمت لسانه وهو بيشوف ملامح ثريا اللي المرض والزمن حفروا فيها علامات قاسية، ملامح الست اللي كانت في يوم من الأيام معجب بيها
محمود كان بيحبها في صمت ومخبي إعجابه بيها في قلبه احتراماً لارتباطها بأخوه إبراهيم.
قطع محمود الصمت بصوت مهزوز:
"ثريا؟! إنتي كنتي فين يا ثريا؟ أنا دورت عليكي في كل حتة ، قوليلي إيه اللي وصلك للحال ده؟ ومالك تعبانه كده ليه ؟طب تعالي.. تعالي ارتاحي."
ثريا بصت للكراسي الجلد الفخمة بسخرية، وفضلت واقفة وهي ساندة بإيدها الناشفة على طرف المكتب:
"أرتاح؟ الراحة دي ليكم أنتم يا محمود.. أنا جاية عشان أقول كلمتين وأمشي."
محمود كان بيبص لوشها الشاحب وبيرجع بالذاكرة لسنين ورا، لما كان لسه شاب ومعجب بجمالها وهدوئها، لحد ما عرف إنها مرتبطة بأخوه إبراهيم، فوأد مشاعره وانسحب، وبعدها بفترة عرف والدة أدهم وحبها واتجوزها، وفقد أثر ثريا تماماً.
محمود سألها بحزن:
"عاملة إيه يا ثريا؟ واختفيتي فين السنين دي كلها؟ أنا كل اللي أعرفه إنك أنتي وإبراهيم الله يرحمه انفصلتوا قبل موته، ومن وقتها مسمعتش عنك خبر."
ثريا ضحكت بمرارة وصوتها طلع فيه نبرة غل:
"انفصلنا؟ أيوة طبعاً لازم ننفصل.. مش أنت وابنك اللي سجنتوه؟ إبراهيم اللي أنت موته يا محمود.. أنت وأدهم السويسي اللي ربيتوه على الظلم وقسوة القلب."
محمود ملامحه اتغيرت والغضب بدأ يظهر على وشه ورد بحدة:
"أنا مموتش حد! لا أنا ولا ابني.. أنتي ليه طول عمرك شايفة إبراهيم ملاك ومظلوم؟ إبراهيم اللي كان بيخون الأمانة وبيسرق الشركة اللي كان شريك فيها، إبراهيم اللي كان عايز يهد القصر على اللي فيه عشان طمعه! أنتي متعرفيش هو عمل إيه فينا "
ثريا قامت بغضب وهي بتنهج من التعب:
"مش عايزة أعرف.. مش هسمع منك ولا كلمة تشوه صورته.. كل اللي أعرفه إنك حبسته وظلمته وسبته يموت بحسرته ورا القضبان، وشردتنا في الشوارع."
محمود وقف مذهول وبرق بعينه وسألها باستغراب:
" أنتم مين يا ثريا؟؟"
لسه ثريا هترد، وفجأة صوت الدوشة والصرير بتاع حركة الموظفين بره المكتب قطع كلامهم. محمود خرج يجري وشاف أدهم شايل جميلة المغمى عليها والدكتورة داخل وراهم المكتب بسرعة.
ثريا وقفت ورا الباب وهي بتنهج، حاولت تتدارى وتتسمع على اللي بيحصل. الدقائق مرت كأنها سنين، لحد ما خرجت الدكتورة ومعاها أدهم اللي وشه كان منور بفرحة ممزوجة بدموع مش قادر يخبيها. أدهم جري على والده وحضنه بقوة وهو بيقول بصوت عالي سمعه الممر كله:
"بابا.. جميلة حامل ...أنا هبقى أب يا بابا!"
محمود ضحك من قلبه وحضن ابنه بفرحة نسته كل حاجة، وفي اللحظة دي.. كانت ثريا واقفة ورا الحيطة، ورسمت ابتسامة خبيثة وباهتة على وشها، ومسحت دموعها وهي بتمشي بخطوات تقيلة ناحية الأسانسير وبتهمس لنفسها:
"مبروك يا سويسي.. مبروك يا أدهم . افرح باللي جاي.. عشان الفرحة دي هي اللي هحرق قلبك بيها لما آخد حق سليم ومنصور منك.. الحساب تقل قوي والقدر بعتلي الهدية لحد عندي."
مشيت ثريا وخرجت من الشركة وهي بتخطط ازاي هتنتقم ،بعد ما عرفت نقطة ضعف أدهم الجديدة ،واللي بقت حقيقة جوه بطن جميلة.
(استر ياللي بتستر🤐)
__________________________________
أدهم كان قاعد جنب جميلة على الكنبة الجلد الكبيرة اللي في مكتبه، عينه مكنتش بتنزل من على وشها، بيتملى بملامحها وكأنه بيشوفها لأول مرة. فجأة، عينه جت على شنطتها اللي كانت مرمية جنبه، افتكر حركتها المرتبكة لما خبت الشنطة منه،وفضوله غلبه.
قام بهدوء وحذر عشان ميقلقهاش، وفتح الشنطة وبدأ يدور فيها لحد ما إيده لمست كيس صغير.. فتحه ولقى اختبار الحمل. قلّبه بين إيديه بابتسامة دافية، وفهم إن حبيبته كانت شاكة وحبت تتأكد لوحدها وبعدها تفاجئه، بس القدر كان أسرع منها وسبقها بالخبر اليقين. رجّع الاختبار مكانه بهدوء، ورجع قعد جنبها وسند راسه لورا وهو بيتنفس براحة وسعادة مش سيعاه.
جميلة بدأت تفتح عينيها بتثاقل، الرؤية كانت مشوشة في الأول لحد ما شافت ملامح أدهم اللي بيبص لها بنظرة غريبة، نظرة مليانة حنين وفرحة.
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت قاعد كدة ليه؟ هو حصل إيه؟" سألت باستغراب وهي بتحاول تتعدل.
أدهم مسك إيدها وباسها برقة متناهية:
"سلامة قلبك يا قلب أدهم.. مفيش يا روحي، ارتاحي بس."
جميلة بدأت تبص حواليها، بدأت الذاكرة ترجع لها بالتدريج:
"أنا.. أنا كنت بشتغل مع رزان، وفجأة الدنيا اسودت.. هو إيه اللي حصل؟ "
أدهم قرب منها ومسح شعره عن وشها، وهمس في ودنها بصوت دافي مليان مشاعر:
"أنتي أغمى عليكي يا جميلة، وأنا قلبي كان هيوقف من الخوف عليكي.. الدكتورة جت وكشفت، وبشرتنا بأجمل خبر ممكن أسمعه في حياتي.. مبروك يا قلبي، أنتي حامل."
جميلة شهقت بقوة، وإيدها راحت تلقائياً لبطنها، والدموع بدأت تتجمع في عينيها زي اللؤلؤ:
"بجد يا أدهم؟ أنتم بتتكلم بجد؟ أنا .. أنا حامل؟"
أدهم مجاوبش بالكلام، أخدها في حضنه بقوة وكأنه عايز يدخلها جوه ضلوعه، وصوته طلع مخنوق من كتر السعادة:
"بجد يا روح أدهم.. أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني أسعد راجل في الدنيا دي كلها. أخيراً هيبقى فيه حتة منك ومني يا جميلة."
جميلة فضلت في حضنه ثواني، بس فجأة بعدت شوية وزمّت شفايفها بحزن طفولي وعينيها لسه فيها دموع:
"بس إنت اللي عرفت قبلي يا أدهم! أنا كنت عايزة أعملك مفاجأة، كنت ناوية أتأكد الأول وأجهز لك حاجة مميزة أقولك بيها إن فيه بيبي جاي في الطريق.. مش إنت اللي تيجي تقولي كدة ببساطة"
أدهم ضحك من قلبه على طريقتها، وقرص خدها برقة وهو بيبص لعينها:
"خلاص يا ستي حقك عليا، المرة دي سبقتك.. نعوضها في البيبي الجاي إن شاء الله، وساعتها عرفيني أنتي المفاجأة."
ضحكت جميلة وسط دموعها، ورجعت ارتمت في حضنه تاني وهي حاسة إن كل الدنيا مش سيعاها من الفرحة، أدهم سحبها لحضنه أكتر، وشد على جسمها بقوة وكأنه بيحاول يتأكد إنها حقيقة مش حلم، كان بيضمها بخوف وحرص في نفس الوقت، كأنه شايل بين إيديه أغلى جوهرة في الكون. دفن راسه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها بتلذذ، وهمس بصوت مكتوم ومليان مشاعر هزت كيانها:
"مش مصدق يا جميلة.. مش قادر استوعب إن فيه حتة مني ومنك، روح صغيرة بتكبر جواكي دلوقتي.. إنتي عارفة أنتي هتديني إيه؟ أنتي هتديني حتة من قلبي تمشي على الأرض."
جميلة حست بدقات قلبه العنيفة وهي بتخبط في صدرها، ورفعت إيدها تمسح على شعره بحنان وهي لسه مش مستوعبة الفرحة، ودموعها نزلت غصب عنها:
"أنا كمان مش مصدقة يا أدهم.. كنت خايفة أتعشم ويطلع مجرد تعب، بس ربنا كريم أوي."
أدهم بعد عنها شوية، وحط إيده الكبيرة على بطنها بحذر شديد وكأن لمسته ممكن تكسرها، وعينه كانت بتلمع بفرحة طفل صغير لقى كنز:
"من النهاردة مفيش حركة كتير، مفيش سهر.. أنتي شايلة أغلى ما أم
تكملة الرواية بعد قليل


تعليقات
إرسال تعليق