رجعت من دبي بعد 6سنين..
رجعت من دبي بعد 6سنين..
رجعت من دبي بعد 6 سنين شقى. 6 سنين مبنزلش إجازات عشان أوفر حق تذكرة الطيران، بشتغل شفتين، بنام في سكن مشترك مع 8 عمال، وبحسب اللقمة قبل ما أكلها. كل ده عشان نور مراتي، وعمر ابني.
نور مكنتش مجرد زوجة، دي كانت بنت الأصول اللي وقفت جنبي في بدايتي. عشان كده، كل مليم كنت بكسبه كنت بحوله على حسابها. كنت واثق فيها أكتر من نفسي.
كانت دايماً تبعتلي صور شقتنا الجديدة اللي اشتريناها في حدائق الأكتوبر، صور عمر وهو لابس يونيفورم مدرسة لغات غالية، وصور ليها وهي في مطاعم شيك بتقولي أنا وعمر بنتغدى بره النهاردة زي ما طلبت مني، مش حارمين نفسنا من حاجة يا حبيبي.
عقدي خلص، وقررت أعملها مفاجأة. مكلمتش حد، حجزت ووصلت المطار، وخدت تاكسي على عنوان شقتنا في أكتوبر اللي حفظته من الصور وعمري ما عتبتها.
وقفت قدام العمارة، قلبي بيدق بسرعة، طلعت الدور الرابع، وضربت الجرس.
فتحلي راجل كبير في السن.
ابتسمت وقولتله مساء الخير.. معلش هو ده باب شقة مدام نور؟
الراجل استغرب وقالي نور مين يا ابني؟ الشقة دي بتاعتي أنا وبنتي.
رديت بضحكة متوترة أكيد حضرتك غلطان، دي شقتي أنا، مراتي شرياها من 3 سنين.
الراجل ملامحه اتغيرت وقالي بحسم يا ابني أنا شاري الشقة دي من واحدة
اسمها نور فعلاً.. بس الكلام ده من 4 سنين! باعتها وخدت فلوسها كاش ومشيت.
حسيت إن في ماء بارد اتدلق على راسي.
الشقة اتباعت من 4 سنين؟ أومال الصور اللي كانت بتبعتها؟ أومال الفلوس اللي بحولها كل شهر بتروح فين؟
حاولت أتصل بيها، تليفونها مقفول. كلمت أخوها الكبير محمود، صوته كان متوتر جداً، ولما عرف إني في مصر، قالي بصوت بيترعشأنا هبعتلك لوكيشن.. تعلالي عليه حالاً، بس والنبي يا حسن امسك أعصابك عشان اللي هتشوفه مش سهل.
اللوكيشن مكنش في أكتوبر، ولا في التجمع. كان في حارة ضيقة جداً متفرعة من شارع العشرين في فيصل. حارة دوشة، طين، وتكاتك بتخبط في بعض.
وصلت للمكان، لقيت محمود واقف قدام باب حديد مصدي بتاع بدروم تحت عمارة. وشه كان أصفر وعينيه في الأرض.
زقيته وفتحت الباب الحديد.
المكان كان عبارة عن مشغل خياطة صغير ومكتوم، ريحته قماش وتراب، النور فيه ضعيف جداً.
وفي آخر الأوضة.. كانت قاعدة على مكنة خياطة.
نور.. بس مش نور اللي في الصور.
واحدة تانية، وشها شاحب، تحت عينيها هالات سودة كأنها منمتش من سنين، لابسة عباية باهتة، وإيديها ملفوفة بشاش من كتر الشغل.
وجنبها على ديسك خشب مكسر، كان في طفل نايم، متغطي ببطانية خفيفة ومقديش ضهره ليا.
أول ما شافتني،
المكنة وقفت.
بصتلي، وعينيها اتملت دموع ورعب.. وفجأة، نزلت على الأرض على ركبها، وحطت إيديها على وشها وانفجرت في العياط بصوت يقطع القلب وهي بتقولسامحني يا حسن.. ضيعت شقاك.. ضحكوا عليا وقالولي هنشغل الفلوس في التجارة وأرباحها هتخليك ترجع من السفر.. خدوا الشقة والفلوس وهربوا من 4 سنين.. خفت أقولك تموت بحسرتك في الغربة.. قولت أشتغل ليل نهار في البدروم ده وأحاول أجمع أي قرش وأمثل عليك في الصور لحد ما ترجع...
الشنطة وقعت من إيدي. قلبي وجعني عليها. غضب الدنيا كله اتبخر لما شوفت ذلها وكسرتها. الفلوس بتروح وتيجي، بس هي ضيعت صحتها عشان تصلح غلطة عملتها من غشمها.
قربت منها، نزلت على ركبتي، شلت إيديها من على وشها وقولتلها بصوت مخنوقفداكي يا نور.. الفلوس تتعوض.. المهم إنكم بخير.. المهم إن إنتي وعمر كويسين.
قمت وسبتها بتعيط، ومشيت خطوتين ناحية الديسك الخشب عشان أحضن ابني اللي اتحرمت منه 6 سنين.. ابني اللي سيبته وهو عنده شهور ورجعت وهو في المدرسة.
وطيت بلهفة، شديت البطانية بالراحة، وعدلت وشه الناحية دي عشان أبوسه.
بس أول ما عيني جت في عينه وهو بيفتحها من النوم... الدم جمد في عروقي.
الولد ده ملامحه غريبة.. عينيه لونها مختلف.. شعره ناعم جداً
مش زينا.
بصيت فيه كويس.. ده مستحيل يكون ابني! مستحيل يكون عمر اللي في الصور.
رجعت خطوتين لورا وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني.. بصيت لنور اللي كانت لسه راكعة على الأرض، لقيت لونها اتخطف، وشفايفها بتترعش برعب حقيقي، كأن ملك الموت دخل الأوضة.
زعقت بصوت هز جدران البدرومنور!! مين الواد ده؟! فين عمر ابني؟!!
في اللحظة دي، أخوها محمود اللي كان واقف على الباب، نزل على ركبه وهو بيحط إيده على راسه وبيقول بصوت باكيقولتلك امسك أعصابك يا حسن.. المصيبة مش في الفلوس...
الحقيقة المُرّة
الكلمة اللي قالها محمود نزلت على ودني زي الرصاصة.
بصيت لنور اللي كانت لسه راكعة على الأرض، ضامة نفسها زي الطير المذبوح، ومحمود بيقرب مني وعينيه مليانة دموع وقالي عمر ضاع يا حسن.. عمر تاه من ٤ سنين.
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة. رجلي مقدرتش تشيلني، سندت على الحيطة المصادية ورايا وأنا بهمس بصوت طالع بالعافية تاه؟ يعني إيه تاه؟ إزاي؟
محمود سحب كرسي خشب وقعدني عليه، وبدأ يحكيلي الكابوس اللي عاشوه وأنا في الغربة بجمع في ورق ملوش لازمة
يوم ما نور عرفت إن المستريح هرب بفلوسكم وفلوس ناس تانية، الدنيا اسودت في وشها. خدت عمر في إيدها ونزلت تجري زي المجنونة على مقره في
وسط البلد. المكان كان زحمة موت
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مئات الناس المضحوك عليهم متجمهرين، بيصرخوا وبيكسروا في العمارة. البوليس جه، وحصل تدافع وضرب... نور من خضتها وانهيارها أغمى عليها في وسط الزحمة والدوس... ولما فاقت في المستشفى، عمر مكنش في إيدها... عمر اختفى في الزحمة دي ومحدش شافه.
نور رفعت راسها، وشها كان غرقان دموع وقالتلي بصوت متقطع، كله حشرجة ووجع
دورت عليه في كل مكان يا حسن.. أقسام، مستشفيات، ملاجئ، شوارع.. طبعت صوره ولزقتها على كل حيطة في مصر. الفلوس اللي كنت بتبعتها مكنتش بتسدد ديون المستريح.. دي كانت بتروح للمحامين، والمخبرين، والناس اللي كانت بتستغل لهفتي وياخدوا فلوس عشان يدوروا معايا ويطلعوا نصابين.. بعت الشقة عشان أدفع للي قالولي لاقوه في محافظة تانية وطلعوا بيكدبوا. كل قرش بعته اتصرف على أمل إني أرجعلك ابنك.
الطفل الغريب
بصيت للطفل اللي قاعد على الديسك، كان بيترعش من الخوف وبيبصلنا بعيون واسعة. قولتليها بغضب مكتوم ومين ده؟ وليه كنتي بتبعتيلي صوره على إنه عمر؟ ليه عيشتيني في كدبة؟
نور مسحت دموعها
وقامت ببطء، راحت ناحية الطفل وخدته في حضنها وقالتلي
ده يحيى... لقيته في الشارع من ٣ سنين. كنت بلف في الشوارع زي المجنونة أنادي على عمر في عز البرد، ولقيت ده مرمي جنب كشك مقفول، بيموت من الجوع والبرد. مقدرتش أسيبه.. حسيت إن ربنا بعتهولي عشان أرحمه، يمكن ربنا يرحم ابني ويبعتله اللي يحن عليه في الشارع. أخدته وربيته، ولما جه وقت المدارس، استلفت يونيفورم وصورتهولك من زوايا متبينش وشه أوي، أو كنت بستخدم برامج تعدل في ملامحه عشان شبه عمر... كنت خايفة أقولك الحقيقة، خفت تموت مقهور لوحدك في الغربة، قولت أطمنك لحد ما ألاقي عمر الحقيقي.. بس السنين سرقتني، وعمري ضاع في البدروم ده.
المواجهة مع النفس رسالة قاسية
في اللحظة دي، الغضب اللي كان جوايا ناحيتها اتحول لغضب من نفسي.
بصيت لإيدي اللي خشنت من شغل الغربة، وبصيت للمكان الكئيب ده. أنا كمان كنت شريك في الجريمة دي!
أنا اللي قررت أغيب ٦ سنين متواصلة عشان أجمع فلوس.. عشان أعمل مستقبل. بس الحقيقة إني دمرت الحاضر. لو كنت نزلت
إجازات، لو كنت قريب، لو كنت مهتم بيهم أكتر من اهتمامي بتحويل الفلوس، مكنتش نور هتحس بالضغط ده، ومكنتش هتجري ورا سراب المستريح عشان ترضيني وتفرحني بفلوس زيادة، ومكنش ابني ضاع.
احنا في الغربة بنتحول لمكن شغال، بننسى إن الزوجة دي إنسانة محتاجة سند وضهر جنبها، مش بس رصيد في البنك. البعد بيخلق فجوة، بيخلي أقرب الناس ليك ياخد قرارات كارثية من دافع الخوف أو الوحدة.
النهاية.. وبداية الطريق
قمت من مكاني، مشيت ناحية نور ويحيى. نور كشت في نفسها، كانت متخيلة إني هضربها أو هطردها. بس أنا نزلت على ركبتي، وحضنتهم هما الاتنين.
نور صرخت بعياط هستيري في حضني، كأنها بتطلع كبت ووجع ٤ سنين من الخوف والذنب والوحدة.
قولتلها بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بينزف
مسامحك يا نور... احنا الاتنين غلطنا. أنا غلطت لما سبتكم السنين دي كلها عشان ورق ملوش قيمة، وانتي غلطتي لما خبيتي عليا. الفلوس اللي راحت مش زعلان عليها.. ويحيى ده من النهاردة ابني، كفاية إنك حميتيه من الشارع، وربنا هيجعل ده في
ميزان حسناتنا.
بصيت ليحيى، اللي ابتسم بخوف، ومسحت على شعره، وبعدين بصيت لنور وقولتلها بحسم
بس من بكرا الصبح.. إحنا هنسيب البدروم ده. هأجر شقة صغيرة على قدنا، وهنبدأ من الصفر. والمرة دي، أنا اللي هدور معاكي على عمر.. هندور عليه في كل شبر في البلد دي لحد ما نلاقيه. مش هسافر تاني، ومش هسيبك تاني.. العيلة هي المستقبل، مش الفلوس.
خرجنا من البدروم في اليوم ده، شيلت يحيى على كتفي، وماسك إيد نور اللي كانت بترتجف. الشارع كان زحمة ودوشة، بس لأول مرة من ٦ سنين، أحس إني رجعت مصر بجد.
رسالة القصة تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
المال عمره ما كان بديل لوجود الأب والزوج. الغربة الحقيقية مش إنك تعيش في بلد تانية، الغربة هي إنك تبعد عن تفاصيل حياة عيلتك لحد ما تكتشف إنك بقيت غريب عنهم. والأهم.. إياك تثق في أي وعود بالثراء السريع أو تشغيل الأموال خارج الإطار القانوني، لأنها مش بس بتسرق فلوسك.. دي ممكن تسرق حياتك كلها.
تمت لو عجبتك القصه متنساش تدعمها بلايك وكومنت بصلاه على النبي محمد ومتابعه للصفحه مع تحياتي


تعليقات
إرسال تعليق