بنتي نور
بنتي نور
بنتي نزلت تشتري ملح من السوبر ماركت ، ومن وقتها لا حس ولا خبر، بعد 5 سنين عضني كلب اسود والخيط اللي في رجله خلى الدم اتجمد في عروقي
فاتت خمس سنين على اختفاء بنتي الوحيده نور والقضية في القسم مركونة، وورق "مطلوب للبحث" اللي لزقته في كل حتة في الحارة، طبقاته بقت فوق بعض من كتر ما الناس قطعتها أو الشمس كلتها.
وفي يوم كنت ماشية في سوق "الجمعة" العادي، وفجأة لقيت كلب بلدي اسود مهمل ومبهدل نط عليا وعضني في رجلي.
وقعت على الأرض من الوجع، وكنت بحاول أزقه بعيد عني.
بس عيني وقعت على حاجة خلت قلبي يقف.. رجل الكلب مربوط فيها خيط أحمر فيه تلت جبات زرق.
نفس الخيط اللي أنا اللي ضفرته بإيدي لبنتي "نور" قبل ما تنزل من البيت في اليوم المشؤوم ده.
إيدي بدأت ترعش، والكلب بصلي بصه غريبة،
وقام جرى بسرعة من غير ما يبص وراه.
قمت وأنا بعرج، ورجلي بتنزف، وجريت وراه بكل اللي فيا.
فضل يلف بيا في حواري ضيقة، لحد ما وقف قدام باب شقة.
الباب ده... باب بيت جوزي القديم.
الدم كان نازل من رجلي ومغرق عبايتي، بقع غامقة بتمتد على القماش.
الوجع كان فظيع.
بس وجع قلبي كان أصعب بكتير.
وقفت قدام الباب اللي كنت أعرفه كويس أوي.
خمس سنين، والدهان الأحمر بتاع الباب بقى مقشر ومبهدل، وبان الخشب اللي تحته.
من جوه، صوت التلفزيون عالي، وضحك ست وعيال صغيرين واصل لحد عندي.
جو عائلي دافي ومستفز.
من بعد ما "نور" بنتي اختفت، "عصام" – جوزي السابق – ما كملش شهوروطلقني.
قال عليا إني اتجننت، بعد ما ضيعت بنتي...واتهمني اني مهمله وكنت السبب في ضياعها".
قال إنه مش طايق يعيش معايا وطلقني وطردني بره
بيته.
الكلب الأسود ده – كان قاعد قدام الباب، بيطلع صوت أنين مكتوم، وبيهز ديله بتوتر.
الخيط الأحمر اللي في رجله، في ضلمة المنور ده، كان باين زي جمرة نار.
أنا اللي ضفرت الخيط ده بإيدي، بنفس خيط التنجيد الأحمر اللي نور كانت بتحبه، وحطيت فيه ثلاث خرزات زرق عشان "يحموها من العين".
نور كانت بتقولي دايماً: "يا ماما، لو لبست ده مش هتوه أبداً".
دلوقتي، الخيط ده مربوط في رجل كلب.
والكلب ده... جايبني لحد بيت طليقي.
إيدي بتترعش جامد، اضطريت أتسند على الحيطة عشان ما أقعش.
قلبي بيدق طبول في صدري.
أنا مش عارفة إيه اللي ورا الباب ده.
ده جهنم؟ ولا آخر بصيص أمل ليا؟
خدت نفس عميق، وخبّطت على الباب بكل قوتي.
الضحك اللي جوه سكت فجأة.
صوت خطوات بدأت تقرب من الباب.
"مين اللي بيخبط الهم ده؟" صوت
ست طالع بنبرة تقرف.
الباب اتفتح.
اللي فتحت كانت واحدة لابسة قميص نوم حرير، "مروة" – اللي كنت بشوف صورها على الفيسبوك.
أول ما شافتني اتجمدت، وبعدين وشها كشر وبصتلي بقرف.
"إنتي مين يا ست إنتي؟ وعايزة إيه؟"
ما رديتش عليها.
عيني كانت سابقة جسمي، بصيت جوه الصالة.
عصام كان قاعد على الكنبة، حاضن ولد عنده حوالي خمس سنين، وبيأكله تفاح.
والطبلية مليانة أكل وحلويات.
عيلة كاملة، سعيدة ومبسوطة.
منظر يوجع العين.
دنيتي أنا مهدودة بقالي خمس سنين.
ودنيته هو... طارحة ورد وفل.
عصام لما شافني، الابتسامة اتجمدت على وشه، والسكينة وقعت من إيده.
الصدمة والخوف في عينيه كانوا زي الخنجر اللي بيدخل في قلبي.
"إيناس؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟"
ما رديتش، شورت بإيدي على باب الشقة بصوت مبحوح:
"عصام.. بص للكلب اللي بره ده."
"قولي.. ليه خيط بنتي نور مربوط في رجله؟"
عصام بص على الخيط الأحمر اللي في رجل الكلب.
وشه بقى أصفر زي الميت.
مش مفاجأة.
ده خوف.. خوف واضح.
قام نط من مكانه، والولد الصغير اللي في حضنه اتخض وعيط.
"أنا.. أنا مش عارف إنتي بتقولي إيه! خيط إيه وكلب إيه؟"
مروة كشرت وقربت مني:
"إنتي مجنونة يا ست إنتي؟ عصام، إنت تعرفها؟"
ما عبرتهاش، عيني كانت متسمرة في عين عصام وقلت بدموع.
"يوم ما نور اختفت، كانت لابسة فستانها الأحمر والخيط ده في إيدها."
"لسه عايز تقولي مش فاكر ..مش فاكر ازاي ده كان طول اليوم في ايدها؟"
شفايف عصام كانت بترتعش، مش قادر ينطق.
مروة زهقت وزقته:
"ما تنطق يا عصام! مين الست دي؟ ومين نور؟"
عصام لسه بيفتح بقه، الولد الصغير اللي كان في حضنه شاور بإيده على الباب.
"ماما، أنا عارف.. الكلب ده بتاع البنت اللي بتعيط."
الجو في الصالة بقى مشحون، كهرباء في الهوا خنقتني. حمزة لسه مش فاهم المصيبة اللي قالها، وعيونه بتتنقل بيني وبين أبوه ببراءة، لكن عصام.. عصام اتغيرت ملامحه تماماً. أول ما سمع كلام الواد، عيونه برقت بشر، ووشه احمر لدرجة إني خفت يطرشق، ونط زي المجنون يسكت الواد ويشده من إيده.
"اسكت يا واد يا قليل الأدب! أنت بتهلوس بإيه؟ الكلب ده خرافات، والبنت اللي بتعيط دي مجرد قطة محبوسة في البدروم عشان الزبالة! الست دي مجنونة وجاية تلبسنا في حيط!"
عصام وقف قدامي، سد طريقي للطرقة اللي بتودي للجنينة، وعيونه كانت بتلمع بخوف مرعب. مروة، اللي كانت مبهورة بفلوسه وجمال
بيته، وقفت جنبه وشهقت بصوت عالي: "إيناس، لو ما مشيتيش دلوقتي هطلب البوليس! إيه التمثيلية البايخة دي؟ إحنا ناس محترمة، مش ناقصين شحاتين ولا مجانين!"
بصيت لعصام، لقيت إيده بترتعش وهو بيحاول يمنعني أتحرك. "أبعد عن طريقي يا عصام.. لو لمستني هعرف أتصرف، ونور لو جوه، أنا مش هخرج من هنا غير وهي معايا."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
"مفيش حد جوه!" زعق في وشي، وصوته كان بيترعش من كتر الغضب. "إنتي مريضة نفسية يا إيناس! بقالك خمس سنين بتدوري على سراب، والواد ده عيل صغير بيألف قصص! لو قربتي خطوة تانية، مش هرحمك!"
حاول يزقني، بس أنا كنت حاطة كل قوتي في عيني. زقيته بكل اللي عندي، لدرجة إنه اتكعبل في السجادة ووقع. سمعت صوت خبط من تحت الأرض، صوت خبطات خفيفة ومستمرة.. خبطات نور! قلبي دق طبول، وبسرعة البرق، جريت ناحية باب الجنينة. عصام قام زي النمر، حاول يشدني من شعري، بس أنا كنت سبقت، فتحت الباب وطلعت على النجيله اللي كانت مهملة.
"إيناس! ارجعي مكانك! والله ما هسيبك!" صرخ ورايا، بس أنا مكنتش سامعة غير صوت أنين مكتوم طالع من تحت غطاء حديدي مصدي في آخر الجنينة، متغطي بكراتين وشنط قديمة.
نطيت فوق الكراتين، وبدأت أشيلها بإيدي اللي اتجرحت من المسامير. عصام كان خلاص وصل ورايا، مسكني من كتفي وشدني لورا، بس أنا عضيت إيده بكل قوتي لحد ما صرخ وسابني. وقعت على القفل المصدي، وبدأت أضربه بحجر كبير كان مرمي جنبي. ضربة، اتنين، تلاتة.. لحد ما القفل اتكسر.
فتحت الباب الحديدي،
ونزلت السلالم اللي ريحتها كلها تعفن. الضلمة كانت مخيفة، بس شفت خيال بنت قاعدة في الركن، بتضم رجليها لصدرها. قربت منها، وقلبي بيتقطع. لما النور لمس وشها، الصدمة كانت أقوى من إني أتحملها.
"نور؟ نور يا حبيبتي؟"
البنت رفعت وشها ببطء، عيونها كانت ذبلانة، وشعرها خصلات طويلة ومبهدلة. لما شافتني، فضلت باصة لي فترة كأنها مش مصدقة، وبعدين انفجرت في عياط هستيري وهي بترمي نفسها في حضني. "ماما! ماما وحشتيني أوي.. أنا هنا بقالي كتير!"
شديتها لحضني، وكنت بحس بضربات قلبها الضعيفة. في اللحظة دي، عصام وقف عند باب البدروم، وشه مفيش فيه نقطة دم، ومروة واقفة وراه بتبصلي بذهول وخوف.
خرجت بيها للنور، وبصيت لعصام بصه كرهت نفسي إني في يوم اعتبرته راجل. دموعي كانت حارقة وأنا بصرخ في وشه: "ليه يا عصام؟ ليه؟ دي لحمك ودمك! ليه تعمل في بنتك كده؟"
عصام بطل يزعق، وبص لي بنظرة مكسورة، نظرة واحد خلاص كشفوا أمره وماعادش عنده حاجة يخبيها. مسح وشه بإيده وقعد على الأرض وقال بصوت بارد: "عايزة تعرفي ليه؟ لأن مروة كانت حامل في الولد اللي طول عمري بحلم بيه. كان لازم أكون معاها، كان لازم أبدأ حياة جديدة نظيفة من غير أي تذكار من الماضي."
بص لي باحتقار وكمل: "لو كنت طلقتك بهدوء، كنت هتقرفيني في المحاكم، وتطلبي نفقة ومصاريف تعليم ونوادي، وتفضلي رابطة حياتي بيكي وبالبنت دي طول العمر. كنت هتدفعي ربع مرتبي، وتخربي عليا حياتي الجديدة. كان أسهل إني أخلص منك ومن
البنت، وأرمي ذنبها عليكي، وأخليكي تعيشي في دوامة البحث عنها لحد ما تجنني أو تندثري."
سمعت مروة بتتمتم ورا، بس عصام قاطعها: "أيوة.. كان لازم أخلص منها. كان لازم أفرغ نفسي للولد اللي جاي، عشان ميكبرش في بيت فيه بقايا من زواجي الأول. مكنتش عايز مليم يروح لمكان غير بيتي الجديد."
وقفت قدامه، ونور في حضني متمسكة بقميصي كأنها خايفة يرجع ياخدها تاني. "أنت شيطان يا عصام.. أنت مش بس خطفت بنتك، أنت قتلت الإنسانية فيك. فاكر إنك بفلوسك وبذكائك هتهرب؟ أنت النهارده لبست نفسك في قضية هتنهي حياتك، مش بس في السجن، ده كمان في نظر الناس."
خرجت تليفوني وبدأت أصور الفيديو وأنا بتكلم معاه، وهو كان لسه بيبرر بجنون، كأن اللي عمله ده شيء طبيعي. الشرطة كانت خلاص بدأت توصل بعد ما الجيران اتصلوا، وصوت السارينة كان بيقرب. عصام بص للسما، وبص لمروة اللي كانت بتحاول تتنصل من الموضوع، وفهمت وقتها إن الجحيم اللي كان مخبيه لنور، هو نفس الجحيم اللي هيدخله هو ومروة، لكن المرة دي، من غير طريق عودة.
نور مالت على ودني وقالتلي بصوت واطي: "ماما.. أنا كنت بسمع صوتك وأنتِ بتدوري عليا في الشارع، بس كنت خايفة أزعق عشان الكلب ما يعضنيش."
حضنتها أكتر، ومسحت دموعي. مش هسيب حق بنتي، ولا حق عمري اللي ضاع. عصام اتسحب للبوكس وسط صراخ الجيران، ومروة كانت بتنهار قدامنا، بس أنا كان كل اللي يهمني.. نور رجعت، والخيط الأحمر اللي كنت ضفرهولها زمان، لسه في إيدها، بيفكرني إن مهما طال الظلم، الحق لازم يبان.


تعليقات
إرسال تعليق