القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابن الملياردير 



ابن الملياردير 

ابن الملياردير كان وحش بيهاجم كل مربية تدخل القصر لحد ما جت خدامة غلبانة، نزلت لمستوي طولة وثبتت عينيها في عينيه، وفجأة ساب كل الغضب اللي كان جواه واترمى في حضنها كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.

أول صوت سمعته هناء أول ما أسانسير الخدم فتح لا كان مزيكا ولا هدوء يليق بقصور .. كان صراخ. مش عياط عيل صغير عايز لعبة، ولا زنة طفل مدلع، ده كان صوت طالع من الروح، صرخة بتشرخ الحيطان وتخبط في الكريستال والرخام لحد ما تخلي الهوا نفسه مشحون بالتوتر. الصوت كان مسمع في كل ركن في القصر وكأن فيه وحش صغير محبوس جوه.

هناء خرجت وهي شايلة شنطة المنظفات في إيد وخرطوم المكنسة في الايد التانية ، ووقفت في ممر الخدم مذهولة. كانت عندها تلاتة وعشرين سنة، والتعب واكل جسمها، ومتأخرة تلات شهور في قسط علاج مامتها في معهد الأورام. كانت بتقول الحمد لله إن العلاج جايب نتيجة، بس في مصر النتيجة معناها إنك لسه عايش، ودي أغلى فئة في فاتورة البقاء. شركة إليت كانت بتشغلها في بيوت ولاد الذوات بقالها ست شهور، مسحت تراب من على دفايا رخام أغلى من شقة أبوها، ولمعت ترابزين نحاس محدش بيلمسه، واتعلمت تكون شفافة قدام ستات بيفطروا وهما لابسين حرير ورجالة بيشخطوا في الموبايل كأن الكون كله شغال عندهم.

بس مفيش حاجة في حياتها الفقيرة جهزتها لبيت حمزة الألفي. القصر مكنش مجرد شقة، ده كان مملكة في السما فوق النيل. القزاز من الأرض للسقف كاشف القاهرة كلها تحت رجليهم، والرخام الأبيض بيلمع تحت نجف كريستال يزغلل العين، وفي نص الصالة بيانو شيك كأن المكان متصمم عشان يتباهوا بالسطوة والنفوذ.


وفي وسط الجمال ده كله، كان فيه طفل بيفقد عقله.

نزلي عينك في الأرض، ده اللي المشرفة همست بيه لهناء وهي في الأسانسير، متنطقيش بكلمة إلا لو الألفي بيه كلمك، متقربيش من الجناح الشمال، ولو سمعتي الولد بيصرخ.. كملي طريقك ولا كأنك سامعة. هناء كانت مفكرة إن الأغنياء بيعاملوا اطفالهم بالسوكة والسكينة ومنتهي النظام وان ممنوعريتعاملوا مع اللي اقل منهم، وان العنف ل. غلطوا بيبقي عند الضرورة بس. وهي ماشية، شافت المربية اللي قبلها خارجة تجري، كانت لابسة يونيفورم شيك وشعرها متسرح شعرة شعرة، بس كانت بتعيط لدرجة إن الكحل بوظ وشها، وماسكة شنطتها بإيد وبترتعش بالإيد التانية.

أنا خلاص مش عايزة مليم، قالتها المربية وهي بتنهج، الطفل ده مش شقي، ده شيطان!. كانت بتعرج وهي ماشية، وفيه كدمة زرقاء بدأت تظهر على رجلها. هناء اتسمرت في مكانها. وفي آخر الصالة، قدام النيل اللي باين من ورا القزاز، وقف راجل لابس بدلة سودة شيك بشكل مرعب.. حمزة الألفي. اسمه كان كفاية يهز أي حد . رسميًا هو بتاع عقارات ومقاولات، بس تحت الترابيزة، هو الراجل اللي شحناته بتعدي من غير ما تتفتش، واللي أعداءه بيتبخروا في الهوا.

بص للمربية المنهارة ببرود، كأنه بيحل مسألة رياضية تافهة، وقال بصوت واطي ومرعب حقك هيتحول على حسابك قبل الظهر، وسواقي هيوصلك، ورجلك متخطيش هنا تاني ولا تفتحي بوقك بكلمة عن اللي حصل هنا ، فاهمة؟. المربية هزت رأسها برعب وجريت على الأسانسير كأنها بتهرب من نار.

هناء نزلت عينيها بسرعة، بس حسيت بيه وهو بيسجل وجودها كأنه صقر لمح فريسة دخلت أرضه. أنتِي جديدة؟ سألها ببرود. بلعت

ريقها وقالت أيوه يا فندم، هناء، من طرف الشركة. رد عليها وهو بيبص للممر ميخصنيش اسمك، يخصني إنك متخرجيش من هنا معيطة وبتجري زي اللي قبلك . وفجأة، الصراخ وقف. السكون اللي حصل كان يخوف أكتر من الصوت.

ظهر طفل صغير عند أول الممر، آدم الألفي. عنده تلات سنين بس عينه فيها غضب وكره يهد جبال. كان حافي ولابس بلوفر صوف غالي يجهز عروسة، وماسك في إيده قطر خشب تقيل. لمح هناء قبل ما تستخبى، ومن غير مقدمات، حدف القطر بكل قوته عليها. خبط في كتفها خبطة خلتها تتأوه وتتسند على البيانو من الوجع. حمزة اتحرك بسرعة وقال بصوت زي الكرباج آدم!.

الولد مهتمش، وجري عليها بسرعة غريبة وركلها في ركبتها بكل غله. شنطة المنظفات اتقلبت والكلور ادلق على الأرض، والضربة التانية كانت أقوى. هناء نزلت على ركبتها وهي ماسكة رجلها، وفي اللحظة دي فهمت الغلطة اللي الكل وقع فيها. كلهم كانوا بيبصوا له من فوق، بيشخطوا فيه، أو بيخافوا ويهربوا، والعيال بتحس بالخوف زي ريحة الدم. هناء عملت اللي محدش توقعه، نزلت بجسمها كله لحد ما بقت في مستوى عينه، عينها في عينه.

كله سكت، وحمزة وقف مكانه مذهول. آدم نفسه اتصدم، الغضب اللي في عينه اتهز. ركبة هناء كانت بتوجعها من الضربة ، بس قالت بصوت هادي وحنين دي كانت حدفة قوية قوي يا آدم. الولد كان صدره بيطلع وينزل من النهجان. كملت وهي بتهمس ورجلك كمان قوية قوي. الولد رفع إيده كأنه هيضربها قلم، بس هناء مرمشتش حتى. أنت أكيد شايل حاجة تقيلة قوي جوه قلبك، حاجة تقيلة لدرجة إنك عايز ترميها في وش الناس عشان ترتاح.

إيد الولد فضلت متعلقة في الهوا، بس ملمسهاش. حمزة


وراهم ملامح وجهه اتغيرت من الصدمة. هناء فتحت كف إيدها قدامه براحة لو عايز تضربني تاني اضرب، بس أنا مش هسيبك، ومش هزعق لك. آدم فضل باصص لها لثواني، شفته اللي تحت بدأت تترعش، والغضب اللي في عينه انكسر وظهر وراه وجع كبير.. وكسرة. رمى نفسه في حضنها فجأة، ولف دراعاته الصغيرة حول رقبتها، وبدل ما يعض أو يضرب، طبطب على وشها وباسها من خدها ودفن راسه في كتفها وبدأ يعيط بجد، مش عياط صريخ، عياط قهر وتعب.

هناء حضنته بتلقائية، وبدأت تدندن له أغنية هادية كانت أمها بتغنيها لها. وهي صغيرة، حمزة وقع من إيده كاس الكريستال واتدشدش مية حتة، بس هناء مابصتلوش، كانت مشغولة بالطفل اللي كان بيترعش بين إيديها لحد ما هدي خالص.

بعد نص ساعة، هناء كانت قاعدة في مكتب حمزة الألفي، مكتب كله خشب أبنوس وريحة سيجار غالي وهيبة تخلي القلب يقف. حمزة كان قدامها، فاتح ملف صغير فيه كل تاريخ حياتها. هناء عندها، تلاتة وعشرين سنة، من السيدة زينب، كنتِي في آداب جامعة القاهرة وسيبتيها من سنتين لما والدتك تعبت.. ديون المستشفى واصلة لمليون جنيه. قفل الملف وبص لها نظرة اخترقت روحها.

هناء حاولت تجمع شتات نفسها لو عشان الفازة اللي اتكسرت في الطرقة، آدم ملوش دعوة، أنا اللي خبطتها. حمزة بصلها بتركيز مرعب وقال الفازة متلزمنيش في حاجة. أنا مبهور إن ابني باس وشك بدل ما يكسره. سكت لحظة وكمل أنتِي من النهاردة مش في طقم التنظيف، أنتِ هتقعدي هنا في الجناح الشمال، مرتبك مية ألف جنيه في الشهر، ومسؤوليتك الوحيدة هي آدم.

هناء برقت بذهول مية ألف؟ بس أنا مش مربية!. حمزة رد ببرود المربيات اللي معاهم شهادات خرجوا من

 

هنا بيعيطوا، أنتِ انضربتي بالقطر وفضلتي واقفة على رجلك. هتفضلي هنا يا هناء. مكنش عرض، كان أمر مغلف بفلوس. هناء فكرت في أمها، في جلسات الكيماوي، في الديون اللي خنقاها، وبصت للراجل اللي يقدر ينهي كل ده بكلمة واحدة، وهزت راسها بالموافقة.

في ظرف يومين، حياتها اتشقلبت. من أوضة وصالة في السيدة لسرير حرير وكشمير في قصر. بس الجنة دي كانت ملغومة. الشغالة الكبيرة، ست زينات، كانت بتبص لها بكرة مش مكتوم، كره الستات اللي قضوا عمرهم في الخدمة وشايفين بنت صغيرة بتاخد مكانها . متفتكريش إنك بقيتي ست البيت عشان الولد ارتاح لك، قالتها زينات وهي بترص الورد بغل، الفقر بيفضل في الروح مهما لبستِ غالي. هناء ماردتش، هي كانت مركزة مع آدم اللي بدأ يتكلم، كلمات بسيطة.. مية.. لا.. بابا.. ماما. الكلمة الأخيرة دي خلت حمزة يتسمر مكانه

وهو واقف على الباب، وعينه لمعت بوجع مداري وفي عز اهجتب حمزة ببها عشان هي الوحيدة اللي عرفت تحتوي ابنه كانت في مؤامرة شغاله وعلي وشك انها تبدأ...،

العلاقة بين هناء وحمزة بدأت تاخد شكل غريب. بقى يرجع بدري، يقلع الجاكيت ويفك الكرافتة ويقعد على الأرض يلعب مع آدم وهناء جنبهم بتقرأ قصص. كان فيه حنية في عينيه، بس حنية ناشفة، حنية راجل متعود علي الوحدة عشان يحمي اللي بيحبهم من بعيد . في ليلة، كان عنده عشاء عمل مع ناس واصلة قوي، وآدم صحي من كابوس وجري برا ارضتة وهو بيصرخ. هناء قامت جريت عليه بقميص نومها وفوقه روب ستان، ووقفت وسط الرجالة المسلحين والباشوات، ونزلت على ركبتها لآدم تعالى يا بطل، ده مجرد حلم. آدم اترمى في حضنها وهي شالته وخرجت

من غير ما تعتذر ولا تبص لحد، وسمعت واحد من الضيوف بيقول لحمزة البنت دي لو بتدفع لها دهب قليل عليها.

بعدها بشوية، كانت واقفة في التراس بتبص على النيل والجو تلج، حمزة وقف جنبها وقدم لها كاس عصير وقال بصوته الرخامي أنتِ شايلة هم كبير. هناء بصت له بفكر في أمي. قرب منها لدرجة إنها شميت ريحة سيجاره وبيرفيومه هتعيش، أنا ههد جبال عشان الفلوس متبقاش هي السبب في موتها. قالها ببساطة تخوف، كأن المستحيل عنده مجرد مكالمة تليفون.

لمس خصلة من شعرها وورا ودنها بحنية عمرها ما حصلت هناء، أنتِي أنقذتي ابني، وصحيتي فيا حاجة كنت دافنها من سنين. قرب من وشها، دقات قلبها بقت مسموعة، كان هيلمسها، وهي كانت عايزة ده، كانت عايزة تتحامي في قوته وشرسته اللي بيتحول لحب لآدم. بس في اللحظة دي، افتكرت نظرة زينات في المطبخ، نظرة فيها غدر وتخطيط. بعدت عنه بسرعة وهي بتنهج محتاجة وقت. بصلها بحدة وقت لإيه؟ حد بيضايقك؟. هناء هزت راسها لازم أفهم اللي بيحصل في البيت ده الأول، أرجوك ثق فيا.

حمزة سكت، وضغط على فكه بغضب مكتوم، وقال هصبر، بس يجي يوم وتقولي لي ليه خفتي و سابها ودخل، وهناء فضلت واقفة في الهوا الساقع، وهي عارفة حاجتين إنها وقعت في حب قلب قاسي، وإن فيه حد جوه القصر ده بيستخدم آدم عشان يهد الإمبراطورية دي كلها.

في صباح اليوم التالي، كانت زينات تقف في المطبخ الواسع، تمسك بهاتفها وتتحدث بصوت خفيض وعينين تلمعان بغدر الديب البنت لفت على الألفي بيه وشغلت عقله.. آدم بقى خاتم في صباعها، لو سيبناها أكتر من كدة هتمشينا كلنا، والسبوبة اللي بتطلع من القصر ده هتقف.. لازم نخلص

منها النهاردة قبل بكرة.

دخلت هناء فجأة، فصمتت زينات بابتسامة صفراء باهتة صباح الخير يا ست هناء، الفطور جاهز لآدم بيه. لم ترد هناء، كانت حاسة إن الهوا في المطبخ تقيل، ريحة الكلور اللي زينات بتنضف بيه كانت نفاذة لدرجة تخنق. أخدت الصينية وطلعت لآدم، بس وهي في الممر، شافت نادر، السواق الخاص بحمزة، خارج من مكتبه ووشه مخطوف.

فيه حاجة يا نادر؟ سألته هناء بقلق. نادر بصلها برعب وقال حمزة بيه عرف إن فيه حد بيسرب أخبار شحناته للمنافسين، وقلب الدنيا.. هو شاكك في الكل، حتى أنا. هناء حست ببرودة في جسمها، هي عارفة إن حمزة لما بيشك، مبيعرفش الرحمة.

دخلت أوضة آدم، كان قاعد بيلعب بهدوء، بس أول ما شافها جرى عليها وحضن رجليها. وهي بتأكله، لاحظت حاجة غريبة في اللبن.. لونه مش طبيعي، فيه عكارة خفيفة تحت. هناء سحبت الكباية بسرعة وشميتها، كانت ريحة دوا تقيل. قلبها وقع في رجليها. زينات! صرخت هناء بأعلى صوتها وهي بتضم آدم لصدرها.

حمزة دخل الجناح فجأة على صوت صراخها، كان شايل في إيده مسدسه ووشه متبدل لملامح شيطان. فيه إيه؟ زعق حمزة. هناء شاورت بصباع بيترعش على الكباية ابنك كان هيتسمم يا حمزة بيه.. اللبن فيه حاجة.

حمزة مسك الكباية، شمها، وفجأة عينه بقت جمر نار. نادى بصوت هز القصر كله زيناااااات!. المطبخ كله اتلم، والخدم وقفوا مرعوبين. زينات دخلت وهي بتعيط تمثيل والله ما أعرف يا بيه، دي هناء هي اللي كانت معاه لوحدها، هي اللي عايزة تخلص منه عشان تسيطر على القصر وعليك!.

حمزة قرب من زينات بخطوات بطيئة، الضغط اللي في فكه كان كفيل يكسر صخر. رفع الكباية قدام وشها اشربيها.

زينات وشها بقى لونه أزرق ووقعت على ركبها يا بيه.. أنا.. أنا كنت عايزة أمشيها هي، محطيتش سم، ده مجرد منوم عشان ينام وتفتكر إنه تعبان وتترفد.

حمزة ركل الطرابيزة اللي قدامه بظهره ونزل لمستوى زينات، مسكها من شعرها وقال بصوت فحيح الأفاعي اللي يلمس شعرة من آدم، بدفنه حي.. ونادر حكالي كل حاجة عن المكالمات اللي كنتي بتعمليها للمنافسين. شاور لرجالته خدوها.. مش عايز أشوف وشها تاني، والشرطة تستلمها جثة لو لزم الأمر.

القصر فضي، السكون رجع تاني، بس سكون مريح. حمزة لف لهناء اللي كانت لسه حاضنة آدم وبتعيط من الرعب. قرب منها، قلع الجاكيت ورماه على الأرض، وقعد قدامها على الرخام. مسك إيدها اللي كانت بتترعش، وباس باطن إيدها بكل خشوع.

كنتي عايزة وقت؟ سألها وهو باصص في عينيها بعمق. هناء هزت راسها وهي بتشهق كنت خايفة عليك وعلى آدم. حمزة شدها لحضنه، حضن قوي كأنه بيحبسها جواه معدش فيه خوف. القصر ده كان سجن، وأنتِ اللي فتحتي أبوابه. مفيش زينات، ومفيش ديون، ومفيش غيرنا.

آدم طلع من وسطهم وبص لحمزة وقال بوضوح بابا.. بحب هناء. حمزة ضحك لأول مرة، ضحكة صافية هزت جدران القصر المرعب، وبص لهناء وقال سمعتي؟ الولد مبيكدبش.. وأبوه كمان واقع في غرامك يا هناء. من النهاردة، أنتِ مش مربية، ولا خدامة.. أنتِ ملكة قصر الألفي، وأم آدم، والوحيدة اللي قدرت تروض الوحش اللي جوايا.

هناء دفنت راسها في كتفه، وشميت ريحة الأمان اللي كانت بتدور عليه طول عمرها، وعرفوا هما التلاتة إن النيل اللي تحتهم مش مجرد منظر، ده كان شاهد على ميلاد عيلة جديدة من وسط الوجع والقهر.

مرت الشهور، وقصر الألفي اللي كان عبارة

 

عن جدران باردة من الرخام، بقى فيه روح. هناء مكنتش مجرد ست البيت، كانت القلب اللي بيضخ الحياة في العروق الميتة. حمزة اتغير، جبروته اللي كان بيخوف القاهرة كلها، بقى بينتهي عند عتبة باب الجناح الشمال. بقى يرجع من صفقاته المشبوهة وتجارته اللي بتتحكم في مصائر ناس، يرمي همومه كلها برا، ويدخل يقعد تحت رجل هناء وهي بتسرح شعرها، كأنه طفل لقى أمه بعد توهة سنين.

لكن الماضي مبيسيبش حد في حاله. في ليلة شتوية تقيلة، حمزة كان متأخر في اجتماع مجلس الكبار، وهناء كانت قاعدة في الليفنج بتقرأ كتاب، وآدم نايم في حضنها. فجأة، النور قطع في القصر كله. السكون اللي حصل كان غريب، حتى المولدات اللي بتشتغل أوتوماتيك فضلت عطلانة. هناء حست بخطر بيقرب، ريحة غريبة بدأت تتسرب للمكان.. ريحة بنزين.

قامت بسرعة وهي شايلة آدم، وبدأت تمشي في الممرات الضلمة وهي بتنهج. حمزة! يا سعاد! يا نادر!.. مفيش حد بيرد. فجأة، شافت خيال بيتحرك في الصالة الكبيرة. كان نادر السواق، بس مكنش نادر اللي تعرفه. كان ماسك ولاعة في إيده، وعينيه فيها نظرة جنون.

نادر؟ بتعمل إيه؟ صرخت هناء وهي بتبعد لورا. نادر ضحك بمرارة حمزة الألفي افتكر إن بفلوسه يقدر يدوس على الكل. حبس زينات، وهددني، وافتكر إني هفضل خدام عنده للأبد. النهاردة، الإمبراطورية دي هتتحرق باللي فيها.

قبل ما هناء تنطق، نادر رمى الولاعة على الستاير الحرير اللي كانت مغرقة بالبنزين. النار شبت في ثواني، الألسنة بدأت تاكل في الكريستال واللوحات الغالية. هناء جريت وهي شايلة آدم اللي بدأ يصرخ، بس الدخان كان أسرع منها. وقعت على ركبها، بدأت تفقد الوعي، وآدم بيشد في

لبسها ويبكي ماما.. قومي يا ماما.

في اللحظة اللي النار كانت هتاكل طرف فستانها، الباب الخارجي انكسر بصوت انفجار. حمزة دخل وسط النار زي الإعصار، مش هاممه الحريق ولا الدخان. شافها واقعة، طار عليها وشال آدم بإيد، وبالإيد التانية رفع هناء كأنها ريشة. خرج بيهم للجنينة وهو بيسعل بقوة، ورمى نفسه بيهم على النجيل الأخضر بعيد عن الانفجارات اللي بدأت تحصل جوه القصر.

بص للقصر وهو بيتحرق، ثروته كلها كانت بتتبخر قدام عينيه، بس هو مكنش بيبص للنار.. كان بيبص لهناء اللي بدأت تفتح عينيها بتعب. حمزة مسك وشها بين إيديه اللي اتلوثت بالهباب، وصوته كان بيترعش لأول مرة أنتِ كويسة؟ آدم كويس؟.

هناء هزت راسها وهي بتكح القصر يا حمزة.. حاجتك كلها بتضيع. حمزة ابتسم ابتسامة فيها وجع ونصر في نفس الوقت، وباس جبينها تغور الفلوس والحيطان.. القصر الحقيقي هو أنتم. أنا بنيت ملكي على الخوف، وعشان كدة اتحرق. النهاردة هبدأ من جديد، بس على الحب.

حمزة ساب القصر يتحرق، وساب ماضيه كله في النار دي. أخد هناء وآدم في عربية بسيطة، وراحوا لبيت أم هناء في السيدة زينب. الملياردير اللي كان العالم بيعمله ألف حساب، قعد على كنبة قديمة وسط ريحة البخور والهدوء، وهو ماسك إيد هناء. وعرف إن القوة مش في النفوذ ولا الرخام، القوة في العين اللي بتثبت في عينك وتقولك أنا مش هسيبك، حتى لو الدنيا كلها ولعت نار.

مرت الأيام في السيدة زينب وهناء بتراقب حمزة وهو بيتحول لشخص تاني خالص. الراجل اللي كان بيمضي صفقات بمليارات، بقى ينزل الصبح يشتري الفطار لآدم ولأمها، ويقعد على القهوة مع ولاد الحارة يدردش في أمور الدنيا. بس هناء

كانت عارفة إن السكون ده هو اللي بيسبق العاصفة، وإن حمزة الألفي مش من النوع اللي يسيب حقه يضيع في حريقة.

في ليلة، حمزة كان واقف في البلكونة الصغيرة اللي بتطل على جامع السيدة، هناء قربت منه وحطت إيدها على كتفه سرحان في إيه يا حمزة؟ لسه بتفكر في القصر؟. حمزة لف لها، وعينيه كانت لمعتها غريبة، لمعة ذئب بيستعد للهجوم مش بفكر في الحيطان يا هناء، بفكر في اللي ولع فيها. نادر كان مجرد أداة، فيه راس كبيرة ورا الموضوع ده، والراس دي لازم تتقطع عشان أقدر أعيش معاكِ في أمان.

فجأة، تليفون حمزة رن، مكالمة من رقم مشفر. رد ببرود سامعك. الطرف التاني كان صوته فحيح أفعى عاش من شافك يا ألفي.. افتكرت إنك مت في الحريقة، بس طلعت زي القطط بسبع أرواح. نصيحة، سيب البنت والولد واهرب بجلدك، لأننا عرفنا مكانك في الحارة المعفنة دي.

حمزة ضغط على سور البلكونة لدرجة إن عروق إيده برزت، وقال بابتسامة مرعبة أنا اللي مستنيكم.. الحارة اللي مش عاجباك دي فيها رجالة، والقصر اللي اتحرق كان سجن، إنما هنا.. هنا ساحة الحرب. قفل السكة وبص لهناء ادخلي جوه، خدي آدم وأمك واقفلوا الأوضة عليكوا، وم تفتحيش لأي حد مهما حصل.

خلال ساعة، الحارة كانت اتقلبت. عربيات سودة دفع رباعي دخلت وقفلت المداخل. نزل منها رجالة ملثمين ومعاهم سلاح، والناس بدأت تستخبى وتلم عيالها. حمزة نزل لوحده، وقف في نص الشارع، لابس قميص أسود وشمر كمامه، وبصوت هز المنطقة صرخ أنا حمزة الألفي! اللي عايزني يواجهني راجل لراجل، مش يبعت عيال تحرق بيوت!.

واحد من الملثمين قرب منه ورفع سلاحه، بس قبل ما يضغط على الزناد، كانت طلقة قناص مجهولة جابت

أجله. وفجأة، الحارة كلها نورت كشافات، ورجالة حمزة اللي كانوا مستخبيين في كل ركن ظهروا. نادر كان من ضمن الملثمين، وقع في قبضتهم وهو بيترعش.

حمزة قرب من نادر، مسكه من رقبته ورفعه لفوق مين اللي بعتك يا نادر؟ انطق قبل ما أدفنك هنا!. نادر وهو بينهج سليم.. سليم الهواري.. المنافس بتاعك، هو اللي دفع لي. حمزة رمى نادر لرجالته بتركيبة من القرف وقال ودوه للمكان اللي ميرجعش منه.

طلع حمزة الشقة، دخل لقى هناء واقفة ورا الباب وماسكة مقشة بتمثل القوة وهي بتموت من الرعب. أول ما شافته، اترمت في حضنه وهي بتعيط. حمزة ضمها بقوة خلاص يا هناء، اللعبة خلصت. سليم الهواري انتهى، ورجالتي قفلوا الحساب مع الكل.

بعد أسبوع، حمزة أخد هناء وآدم وراحوا لمكان جديد، مش قصر زجاجي بيطل على النيل، لكن فيلا دافية وسط جناين، مكان فيه روح وحياة. حمزة بص لهناء وقالها أنا بعت كل شغلي القديم، وصفيت حساباتي مع الكل. من النهاردة أنا مجرد حمزة، جوز هناء وأبو آدم.

هناء ابتسمت وهي شايفة آدم بيلعب مع تيتة في الجنينة، وقالت له والفلوس اللي ضاعت؟. حمزة مسك إيدها وباسها الفلوس بتيجي وتروح، بس الحضن اللي بيثبتك وقت النار، والقلب اللي بينزل لمستواك عشان يفهم وجعك، ده اللي ملوش تمن. أنتِ أغلى صفقة كسبتها في حياتي يا هناء.

وفي اللحظة دي، آدم جرى عليهم وهو بيضحك وبصوت واضح قال بابا.. ماما.. أنا بحبكم أوي. حمزة شال آدم وحضن هناء، والقاهرة من تحتهم كانت هادية، كأنها بتبارك لبداية حياة مفيهاش وحوش، فيها بس قلوب لقت طريقها للبيت.

مرت السنين زي الثواني في الفيلا الجديدة، والهدوء اللي كان حمزة بيفتكره ضعف بقى هو مصدر قوته الحقيقية. آدم

 

كبر، وبدل ما يكون الوحش الصغير اللي بيكسر كل حاجة، بقى شاب فيه حزم أبوه وحنية هناء، بيدرس في الجامعة وبيدير مؤسسة هناء الألفي للأعمال الخيرية اللي حمزة عملها كاعتذار عن كل مليم حرام دخله زمان.

في يوم، كانت الشمس بتميل للغروب، وحمزة قاعد في التراس شعره غزا فيه الشيب وبقى يزيده هيبة. هناء خرجت له وهي شايلة كبايتين شاي بمرامية، ريحتهم بتفكرهم بأيام السيدة زينب. قعدت جنبه وسندت راسها على كتفه سرحان في إيه يا حمزة؟ لسه بتفكر في الماضي؟.

حمزة لف وشه وبصلها بنظرة كلها عشق، ومسك إيدها اللي لسه ناعمة

رغم سنين الشقا اللي عاشتها زمان بفكر في اللحظة اللي دخلتي فيها القصر القديم وأنتِ شايلة شنطة المنظفات.. كنتِ فاكرة إنك جاية تمسحي التراب، مكنتيش تعرفي إنك جاية تمسحي الوجع من روحي وتغسلي قلبي من الغل.

ضحكت هناء بصوت واطي أنا كنت جاية خايفة منك ومن ابنك، مكنتش أعرف إن الوحش اللي بيقولوا عليه كان مجرد طفل مستني حد يحبه، وراجل مستني حد يفهمه.

فجأة، آدم دخل عليهم وهو ماسك إيد بنت رقيقة، ملامحها هادية وفي عينيها لمعة ذكاء. آدم وقف قدامهم وقال بفخر بابا، ماما.. أنا اخترت شريكة حياتي، وعايزها تكون

زي هناء، عايز بيت متبنيش على الرخام، لكن يتبني على السند.

حمزة قام وقف، وبص للبنت وبعدين لآدم، وحط إيده على كتف ابنه يا ابني، أنا بنيت قصور وهديتها، وجمعت ثروات وصرفتها، بس الدرس الوحيد اللي لازم تعرفه هو اللي أمك علمتهولي.. إن الحب مش كلام بيتقال، الحب هو إنك تنزل لمستوى اللي قدامك في لحظة ضعفه، وتثبت عينك في عينه لحد ما تطمنه.

هناء قامت ووقفت جنب حمزة، وبقت العيلة كلها واقفة في وش الغروب. حمزة طلع من جيبه مفتاح قديم مصدي، مفتاح الجناح الشمال في القصر اللي اتحرق، ورماه في البحيرة اللي قدام

الفيلا الماضي غرق يا آدم، والمستقبل قدامك أبيض زي قلب أمك.

الليل نزل عليهم وهما متجمعين، الضحك مالي المكان، والوحش اللي كان ساكن القصر زمان مبقاش ليه وجود، مفيش غير راجل لقى نفسه في حضن خدامة غلبانة كانت أغنى منه بكتير بروحها، وست قدرت تحول النار لسلام، وتخلي اسم الألفي ميرتبطش بالخوف، لكن يرتبط بالبيت اللي بابه مفتوح لكل محتاج.

دي كانت النهاية، نهاية الحكاية اللي بدأت بصرخة وجع وانتهت بضحكة صافية، تحت سما القاهرة اللي بتجمع دايماً بين القصور والحواري، وبين القسوة وأرق مشاعر الحب.

تمت


تعليقات

close