سر الطفلة اللي كسر الهيبة
سر الطفلة اللي كسر الهيبة حكايات انجى الخطيب
بسبب طفلة مشردة في ثواني معدودة القناع اللي عاشت بيه سنين وقع قدام الكل .. والكلمة اللي اتقالت في ودنها كانت كفيلة تنهي إمبراطورية جبروتها للأبد.
دخلت طفلة وسط قاعة مليانة بناس واصلة وكبارات.. وفي ثواني خلت أكتر واحدة فيهم مهابة تتهز وتفقد ضحكتها المرسومة. المكان كان مثالي، مزيكا هادية، وشوش متلمعة بالفلوس، وثقة مبالغ فيها في كل نظرة.. مفيش غلطة ولا حد متوقع حاجة تكسر الهيبة دي. وفجأة الباب اتفتح. دخلت بنت صغيرة.. لوحدها، ساكتة، وشكلها غريب وسط الفخامة دي كلها. في الأول مفيش حد اهتم، شوية نظرات استغراب على ضحكات استهزاء من اللعبة اللي دخلت غلط. بس البنت متهزتش، مشيت في خط مستقيم وسط همس الناس ونظراتهم اللي بتقلل منها، وكأنها حافظة الطريق وعارفة هي رايحة فين بالظبط. ووقفت. وقفت قدامها هي.. هوانم القعدة، الست اللي قاعدة على كرسي متحرك بكبرياء ملوش آخر، أناقتها تخطف العين وهيبتها تخلي الكل يعملها ألف حساب. الست بصت لها بابتسامة صفرا وقالت توهتي يا حبيبتي؟. شوية من اللي
واقفين ضحكوا بمجاملة، بس البنت مضحكتش. قربت أكتر، ومدت إيدها مسكت إيد الست القوية، وفي لحظة كل حاجة اتغيرت. متحركيش، البنت قالتها بهدوء غريب، مفيش فيه خوف ولا تردد. وبدأت تعد واحد.... ابتسامة الست بدأت تتهز. اتنين.... القاعة كلها بقت زي القبر، مفيش نفس طالع. تلاتة.... البنت مالت على ودنها وهمست بكلمتين محدش سمعهم غيرها، بس الكل شاف النتيجة.. وفي ثانية واحدة، الست اللي مفيش حد بيقدر يكسر عينها، وشها جاب ألوان وفقدت السيطرة على نفسها تماماً، والبنت قالتلها بصوت واثق سبحان من يعز ويذل، الأمانة اللي سرقتيها من يتيم رجعت لأصحابها دلوقت، والعدل عرف يوصلك يا ست هانم. البنت سابت إيدها وخرجت بنفس الهدوء، والست فضلت مكانها بتترعش والكل بيبص لها بذهول بعد ما القناع وقع.
خرجت البنت من القاعة وسابت وراها بركان من الأسئلة ونظرات الشك اللي بدأت تاكل في هيبة الست مديحة. الست اللي كانت من ثواني هانم المجتمع بقت دلوقتي مجرد واحدة عاجزة بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط من الصدمة، عينيها كانت
مبرقة وكأنها شافت ملك الموت، وإيديها اللي كانت ماسكة الشنطة الألماظ بدأت تتنفض. الكل كان مستني رد فعل، كلمة واحدة تنفي بيها اللي حصل، لكن مديحة هانم غابت عن الدنيا، مكنش في ودنها غير صدى صوت البنت وهي بتقول العدل عرف يوصلك. وفجأة، موبايلات الحاضرين بدأت ترن في وقت واحد، إشعارات أخبار وتسريبات قلبت الدنيا برة القاعة؛ مستندات وصور للأمانة اللي ضاعت والظلم اللي استخبى سنين ورا الستائر المخملية. الست مديحة بصت حواليها، لقت الوشوش اللي كانت بتنافقها بدأت تتسحب واحد ورا التاني، والمكان اللي كان مليان أضواء بقى كأنه سجن ضيق بيخنقها. في اللحظة دي، عرفت إن اللي انكسر مش بس ضحكتها، ده عمرها كله اللي بنته على باطل، والطفلة اللي افتكروها تايهة، كانت هي الوحيدة اللي عارفة طريق الحقيقة وسط غابة من الكدابين.
محاولات مديحة هانم عشان تستجمع شجاعتها فشلت تماماً، لسانها اتقل وكأن الكلمة اللي سمعتها كانت قفل على بوقها. الناس اللي كانوا من دقايق بيتسابقوا عشان يلمسوا طرف فستانها، بقوا
دلوقتي بيتهامسوا عليها بنظرات كلها شماتة واستنتاج، والقاعة الفخمة اللي كانت شاهدة على عزها بقت هي هي اللي بتشهد على انكسارها المر. وفجأة، ساد صمت رهيب لما دخل راجل لابس بدلة رسمية، ملامحه صارمة، ووقف قدام كرسيها وقال بلهجة مفيهاش تفاهم مديحة هانم، الحسابات كلها اتكشفت، والنيابة مستنية بره. في اللحظة دي، مديحة بصت للباب اللي خرجت منه البنت، واتأكدت إن القوة اللي كانت فاكرة إنها بتمتلكها مكنتش غير بيت عنكبوت، وإن دعوة اليتيم مفيش بينها وبين ربنا حجاب، والنهاردة كان اليوم اللي الحساب فيه جه قبل الأوان، لتخرج من القاعة وهي مكسورة العين، والكل بيتفرج على نهاية الهانم اللي افتكرت إن الفلوس ممكن تداري ريحة الظلم للأبد.
ومع أول خطوة للشرطة جوه القاعة، انهار كل شيء؛ الحصانة، والاسم، والمنظرة الكدابة. مديحة هانم حاولت تنطق، حاولت تستنجد بأي حد من حبايبها اللي ماليين المكان، بس لقت الكل مديلها ضهره، اللي باصص في موبايله واللي بيوشوش اللي جنبه، وكأنها وباء والكل خايف يتعدي منه. وهي
بتتسحب بكرسيها لبره، عينيها جت في المراية الكبيرة اللي على باب القاعة، شافت واحدة تانية خالص، واحدة مكسورة، وشها باهت، والغل والندم راسمين تجاعيد مكنتش شايفاها قبل كده. افتكرت في لحظة كل قرش حرام دخل جيبها، وكل دمعة يتيم كانت هي السبب فيها، وعرفت إن الكلمتين اللي البنت همست بيهم ربك مبيسيبش، مكنوش مجرد تهديد، دول كانوا حكم نهائي اتنفذ في وقته وساعته. خرجت مديحة من حياة الأضواء لظلمة الحساب، وسابت القاعة فاضية إلا من ريحة الندم، والدرس اللي الكل اتعلمه بوجع إن الظلم ليله قصير، وإن الحق مهما استخبى ورا جبال من الفلوس، بكلمة من طفل بريء.. يتهد ويبان المستور.
بعد ما القاعة فضيت تماماً، مفيش غير صدى صوت خطوات الأمن وهي بتقفل الأبواب الضخمة، والأنوار اللي كانت مبهرة بدأت تطفي واحد ورا التاني، وكأن الستارة بتنزل على مسرحية فاشلة. بره القاعة، كانت الدنيا بتمطر هدوء غريب، والطفلة كانت واقفة بعيد، باصة للسما بابتسامة صافية، وكأنها شالت
جبل من فوق كتافها. مديحة هانم وهي راكبة عربية الترحيلات، لمحت خيال البنت من الشباك، حست إن البنت دي مكنتش مجرد طفلة، دي كانت رسالة بعتها ربنا في الوقت الصح عشان يفكرها إن الملك لله وحده. ومن اليوم ده، السيرة اللي كانت ملمعة بالذهب بقت عبرة بتتردد في كل مجالس الكبار؛ إن مهما عليت الحيطان، ومهما اتداس على الغلبان، فيه رب بيسمع، وفيه عدل بيوجع، وفيه لحظة حساب بتيجي في عز الضحكة عشان تقلب الموازين وترجع كل حق لصاحبه، لتنتهي حكاية الست اللي افتكرت إنها فوق القانون، بكلمة اتقالت في ودنها.. ورجعتها لأصلها.
ومرت السنين، والقاعة اللي كانت شاهدة على كسر الهانم اتهجرت وبقت جدرانها باهتة زي سيرتها، لكن الحكاية متماتتش. الطفلة دي كبرت، وبقت هي اللي بتدير المؤسسة اللي مديحة هانم حاولت تسرقها زمان، بس المرة دي مكنتش بتديرها بالخوف، كانت بتديرها بالرحمة والعدل اللي اتعلمتهم من اللحظة اللي وقفت فيها قدام الظلم وهي ممعهاش غير يقينها بالله.
أما
مديحة، ففضلت ورا القضبان، بتسمع كل يوم في سكون الليل صدى صوت واحد.. اتنين.. تلاتة، والعد ده مكنش بيخلص، كان بيعد عليها أيام عمرها اللي ضاعت في الباطل. كانت كل ما تغمض عينها تشوف نظرة البنت الصغيرة اللي هزت كيانها بكلمتين، وتعرف إن مفيش حد أقوى من الحق.
وفي يوم، البنت زارت السجن، وقفت قدام مديحة اللي كانت بقت عجوزة وهزيلة، مفيش في عينيها غير الندم. مديحة سألتها بصوت مرعش انتي كنتي مين؟، البنت ردت بابتسامة هادية أنا كنت دعوة المظلوم اللي فضلت تخبط على باب السما لحد ما اتفتح، وأنا النهاردة جاية أقولك إن الحق مبيضيعش، بس الله غفور رحيم للي يتوب بجد. سابتها ومشيت، وفي اللحظة دي مديحة بكت لأول مرة من قلبها، وعرفت إن أكبر سجن هو سجن الذنوب، وإن الحرية الحقيقية بتبدأ لما نرجع حقوق الناس لأصحابها ونخاف من اللي عينه مابتنامش.
ومع آخر دمعة نزلت من عين مديحة، حست بتقل السنين كله بيتحول لراحة غريبة، وكأن الاعتراف بالذنب كان هو المفتاح الوحيد
اللي فاضل عشان روحها تلاقي السلام. البنت وهي خارجة من السجن، بصت للشمس اللي كانت بتميل للغروب، وخدت نفس طويل فيه ريحة النصر والرضا، ولسان حالها بيقول الحمد لله اللي نصرني وأنا ضعيفة.
الحكاية مخلصتش عند مديحة ولا عند البنت، الحكاية بقت حدوتة مصراوية بتتحكي لكل واحد فاكر إن القوة بتدوم، أو إن الضعيف ملوش ضهر. المؤسسة اللي رجعت لأصحابها بقت مأوى لكل يتيم ومحتاج، واتكتب على بابها بخط عريض وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.
وفي ليلة هادية، مديحة فارقت الدنيا وهي ساجدة، وكأن ربنا قبل توبتها بعد ما ذاقت ذل المعصية وحلاوة الرجوع. والناس لما سمعوا الخبر، ملقوش غير كلمة واحدة تتقال، كلمة بتلخص كل اللي حصل من أول ما البنت فتحت باب القاعة لحد ما الستارة نزلت للأبد يمهل ولا يهمل.. والملك في الآخر وفي الأول لصاحب الملك. وتمت الحكاية بدرس محفور في القلوب، إن الحق له صوت بزلزل الجبال، وإن اللي بيبني على باطل، مسيره يقع.. ولو بعد حين.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق