خوف صغيره حكايات صافي هاني
خوف صغيره حكايات صافي هاني
بنت عندها 5 سنين كلمت النجدة وهي بتوشوش بـرعب: "فيه حد مستخبي تحت سريري". لما وصلنا هناك، اللي شفناه مكنش يخطر على بالنا أبداً.
كنت لسه مستلم الشفت بتاعي لما جالي بلاغ من طفل صغير.
"بابا وماما مش هنا.. وفيه حد تحت سريري.. أرجوك ساعدني"، قالتها بصوت واطي ومخطوف، والخوف كان مالي نبرتها.
طبيعي الأطفال بيخافوا من الضلمة - خيالات بقا وعفريت العلبة والحاجات دي. بس المرة دي الموضوع مكنش باين إنه مجرد خيال خالص.
الضابط اللي استلم المكالمة اتعامل مع الموضوع كأنه خطر حقيقي، لأن البنت كانت مرعوبة بجد.
بعد حوالي عشر دقايق، وصلنا لبيت هادي في منطقة سكنية. الباب اتفتح ولقينا قدامنا بنت صغيرة ببيجامة روز وماسكة دبدوبها جامد ومتبتة فيه.
"أنا اسمي مريم"، قالتها وصوتها بيترعش. "تعالوا بسرعة.. فيه حد تحت سريري.. أنا خايفة أوي".
ابتسمتلها عشان أطمنها، وزميلي فضل معاها، واحنا دخلنا فتشنا البيت حتة حتة.
كل أوضة.. كل دولاب..
مفيش أي حاجة.
زميلي راحلها وقالها بحنية: "يا حبيبتي، يمكن كان مجرد صوت عالي ولا حاجة، متخافيش أنتِ في أمان، وهنكلم بابا وماما دلوقتي".
بس مريم انهارات من العياط.
صوتت وقالت: "أنتو مشفتوش تحت السرير!"
أخدت نفسي وهزيت راسي: "خلاص، أنا هدخل أشوف بنفسي".
بصراحة، مكنتش مستني ألاقي حاجة، البيت متفتش وزي الفل، بس كان لازم أطمنها عشان تحس بالأمان.
طلعت الدور التاني ودخلت أوضتها. الجو كان هادي، هدوء غريب يقبض الصدر.
اللحاف كان منكوش ومكرمش، كأنها نطت من السرير وهي ميتة من الرعب.
نزلت على ركبي، ورفعت مفرش السرير براحة خالص..
وفجأة جسمي اتصلب مكاني.
"يا رب سترَك.." همست بالكلمة وأنا مش مصدق اللي عيني شايفاه تحت سرير مريم.
تحت السرير، مكنش فيه حرامي ولا "بعبع" زي ما كنت متخيل.. كان فيه فتحة في السيراميك، بلاطة متشالة ومحفور تحتها نفق صغير، وطالع منه طرف قميص رجالي مبهدل.
سحبت نفسي لورا بسرعة وطلعت مسدسي، وناديت على زمايلي في اللاسلكي: "محتاج دعم فوراً في أوضة النوم!". مريم أول ما شافت منظري بدأت تصرخ: "هو لسه هناك؟ هو لسه هناك؟".
نزلنا نثبت المكان، وبدأنا نرفع بقية البلاط.. الصدمة إن النفق ده كان واصل لحد بيت مهجور ورا بيت مريم بالظبط. واحنا بنفتش النفق، لقينا شنطة فيها صور لمريم وهي بتلعب في الجنينة، وصور ليها وهي نايمة، ومعاها نسخة من مفتاح البيت!
طلع إن "الشخص" اللي كان مستخبي مش غريب، ده كان راجل شغال في المنطقة، بقاله أسابيع بيراقب البنت ومستني اللحظة اللي أهلها يسيبوها فيها لوحدها عشان ينفذ جريمته. لولا ستر ربنا، وذكاء البنت الصغيرة إنها عرفت تتصرف وتكلم النجدة في وقتها، كان زمان الكارثة حصلت.
مسكنا المجرم وهو بيحاول يهرب من الناحية التانية من النفق، ومريم لسه متبتة في دبدوبها، بس المرة دي كانت في حضن أبوها وأمها اللي رجعوا وهما مش مستوعبين إن بنتهم كانت بتواجه الموت وهي لوحدها.
فعلاً.. "يا رب سترك"، مريم علمتنا
إن خوف الأطفال مش دايما "تهيؤات"، أحياناً بيكون هو الحقيقة الوحيدة اللي لازم نصدقها قبل فوات الأوان.
بعد ما قبضنا على الراجل ده، اكتشفنا إنه كان عامل نفق احترافي ومجهزه بفرشة ومخدة، يعني كان بيبيت حرفياً تحت أوضة البنت! والأرعب من كده إننا لقينا في جيبه نوتة صغيرة كاتب فيها مواعيد خروج الأب ومواعيد رجوع الأم، وكاتب ملاحظة بخط إيده: "النهارده هتبقى لوحدها".
مريم كانت قاعدة في حضن والدتها، وجسمها كله لسه بيترعش. الأم كانت بتبكي وتقول: "أنا كنت فاكراها بتدلع ومش عايزة تنام، كنت هعاقبها وأقولها مفيش قصص قبل النوم.. مكنتش أعرف إن بنتي كانت بتواجه شيطان بجد".
الشرطة بدأت تشمع البيت المهجور اللي وراهم، واكتشفوا إن المجرم ده كان هربان من قضايا تانية مشابهة، وكان بيستغل هدوء المنطقة عشان ينفذ خططه.
يومها، وأنا خارج من البيت، مريم سابت حضن أمها وجت ناحيتي، مدت إيدها الصغيرة وادتني الدبدوب بتاعها وقالتلي ببراءة الأطفال: "شكراً يا عمو الضابط عشان صدقتني".
نزلت لمستواها وبست راسها وقلتلها: "إنتِ بطلة يا مريم، وربنا كان معاكي وحماكي عشان إنتِ شطورة".
الحكاية دي خلت الواحد ميهونش أبداً بكلام الأطفال، ودايماً يستودعهم عند ربنا اللي عينه مش بتنام. لأن أحياناً بتبقى "الوحوش" اللي تحت السرير مش خيال، بتبقى وحوش بشرية لابسة قناع، والستر من عند الله وحده هو اللي بينجينا.
عدى كام شهر على الواقعة دي، بس الحكاية منتهتش هنا.
أهل
مريم مكنوش قادرين يقعدوا في البيت ده يوم واحد كمان، الرعب كان سكن في الحيطان. فقرروا ينقلوا لمنطقة تانية خالص، بيت جديد ملوش علاقة بالذكريات السودة دي. وأنا، بحكم إني كنت الضابط اللي مسك القضية، فضلت متابع حالة مريم مع دكاترة نفسيين، لأن اللي شافته مكنش سهل على طفلة في سنها.
في يوم، جالي اتصال من والد مريم، قالي: "يا حضرة الضابط، مريم عايزة تشوفك، النهاردة عيد ميلادها السادس، وهي مصممة إنك تكون موجود".
روحت ومعايا هدية بسيطة، أول ما شافتني جريت عليا وضحكتها كانت مالية وشها، كأنها بتنفض عن نفسها غبار الخيلة اللي عاشتها. الأم خدتني على جنب وقالتلي بصوت واطي: "مريم بقت بتصلي معانا دلوقتي، وبقت كل يوم قبل ما تنام تمسك إيدي وتقولي: يا ماما أنا استودعت نفسي عند ربنا، يبقى مفيش حاجة هتأذيني صح؟".
الكلمة هزتني من جوايا.. طفلة عندها 6 سنين اتعلمت إن الأمان الحقيقي مش في قفل الباب ولا في وجود البوليس، الأمان الحقيقي هو "معية ربنا".
المجرم خد جزاءه واتحكم عليه بالسجن المؤبد، والبيت المهجور اتهد وبقى جنينة صغيرة بيلعب فيها الأطفال.
وأنا كل ما بفتكر اللحظة اللي رفعت فيها مفرش السرير، بفتكر إن ربنا جعلني سبب عشان أنقذ روح بريئة، وبفتكر إن دعاء الأم "يا رب استرها" هو اللي كان الحصن اللي حمى مريم في الليلة اللي كان الشيطان فيها قاعد تحت سريرها.
دي كانت نهاية القصة.. نهاية فيها درس لكل أب وأم: اسمعوا ولادكم، صدقوا خوفهم، وعلموهم إن ربنا دايماً أقوى من أي وحش.


تعليقات
إرسال تعليق