زوجة أصيلة كامله حكايات انجي الخطيب
زوجة أصيلة كامله حكايات انجي الخطيب
زوجة أصيلة انكسر خاطرها
دفعت مصاريف جوزي من قوت يومي.. وفى اللحظة اللي كنت بمهد له فيها طريق النجاح، كان هو بيدوس على قلبي!
كنت ماشية في طرقة الكلية، شايلة في إيد ساندوتشات كنت عاملاها له بلقمة هنية، وفي الإيد التانية وصل المصاريف اللي لسه الحبر بتاعه منشفش. قضيت الصبح كله في طوابير، وبنك، وحسابات.. كنت بلم القرش على القرش من ميزانية البيت، وضحيت بسنتي الدراسية عشان هو يكمل تعليمه ويترقى في شغله ونكبر مع بعض.
كنا بنقول إحنا واحد.
هو يقول لي استحملي معايا يا بنت الأصول، وبكرة لما أتخرج وأمسك منصب هعوضك عن كل يوم شقا.
وأنا أقول لنفسي الست الأصيلة هي اللي تبني جوزها وتكون سنده في الشدة.
يا لكسرة نفسي!
أول ما دخلت مبنى الكلية، شفته.. كان واقف في آخر الطرقة، ساند ضهره على الحيطة، وبيضحك ضحكة مش حلال مع واحدة زميلته. بس مكنتش ضحكة عادية.. كانت الضحكة اللي فيها عشم زيادة، الضحكة اللي مفيش راجل متجوز يضحكها لغير مراته.
وفعلاً..
كانوا في عالم تاني.. بيتبادلوا نظرات وضحكات وكأن مفيش في البيت ست مستنياه وشايلة همه. وكأني مش لسه دافعة له شقايا والمصاريف اللي كان المفروض تكون لمستقبلي أنا.
وقفت مكاني.. حاسة إن الأرض بتلف بيا.
مبكتش.. مصوتش.. ملمتش عليه أمة لا إله إلا الله، مع إن ده حقي. بس حسيت بوجع الخديعة بيمشي في عروقي. فراغ.. وكسرة عين وحشة أوي. مش وجع من الخيانة بس، ده وجع على العمر والتقدير اللي ارمى في الأرض.
أنا اللي اخترت أشيله على راسي.. وهو اللي اختار يوطي راسي.
أنا
اللي قلت له أنت اللي تدرس الأول يا أبو العيال، وأنا مش مهم، البيت أولى بالقرش ده.
أنا اللي كنت ببات بشتغل وبوفر من لبسي وأكلي عشان هو ميبقاش أقل من زمايله. كنت فاكرة إن الجواز يعني نشيل بعض، مش إن واحد يشيل والتاني يدوس عليه.
وبينما أنا كنت بحسبها بالمليم عشان مستقبله ميتعطلش.. كان هو هناك، بيعيش مراهقة متأخرة، وكأن ملوش بيت ولا ست صاينة اسمه.
لفيت ورجعت.. كانت خطواتي تقيلة زي الجبل. رحت لمكتب شؤون الطلبة وأنا وشي باهت زي الورقة. الموظفة أول ما شافتني سابت اللي في إيدها وقالت لي
يا ساتر يا رب.. مالك يا بنتي؟ وشك ماله مخطوف كدة؟
من غير تفكير، لقيت نفسي بطلع الوجع اللي جوه.
قلت لها بصوت يدوب مسموع يا خالة.. أنا دفعت مصاريف جوزي بدل مصاريفي.. بس اكتشفت إني غلطت غلطة عمري. أنا عاوزة أرجع الحق لأصحابه.
الموظفة بصت لي بنظرة ست مجربة، نظرة فيها حزن على حالي.
يعني أنتي كمان طالبة هنا؟
كنت.. وقفت حالي عشان حاله يمشي.
بصت في الشاشة، وطلبت مني بطاقتي الشخصية، وبدأت تدور في الأسماء.
بصي يا ضنايا.. السيستم لسه مفتوح، والتحويل ده في إيدي. هخلي المصاريف دي لاسمك أنتي، وكأن الأستاذ مدفعش مليم.
قلبي اتنفض.. كأن روحي بترد فيا.
ينفع يا خالة؟
ينفع ونص.. قبل ما تندمي على عمرك اللي بيضيع مع حد مبيصونش اللقمة والملح.
خدت بياناتي وإيدي بتترعش.. ولما طبعت لي الوصل الجديد باسمي أنا، حسيت إني بتنفس لأول مرة من سنين. شرحت لي الجدول، وأنا ذهني بدأ يصفى.
كنت بسترد كرامتي اللي ضاعت تحت مسمى التضحية.
خرجت من الكلية، لا سيبت له أكل، ولا عاتبت، ولا عملت نمرة.
هو ملمحنيش.. وده كان أحلى انتقام لكرامتي في اللحظة دي.
تاني يوم، رحت محاضراتي، قعدت في أول بنج، وركزت في مستقبلي اللي كان هيضيع. اليوم كان
تقيل، والدمعة كانت قريبة، بس كنت بحبسها عشان مضعفش تاني.
لما رجعت البيت بليل، كنت قاعدة بذاكر، وفجأة الباب اتفتح بهبده خلت قلبي يقع.
دخل وهو وشه أصفر، وعيونه بتطلع شرار، وفي إيده ورقة الفصل.
أنتي عملتي إيه؟ زعق وهو مش شايف قدامه الشؤون بيقولوا لي إن المصاريف متحولة لاسمك! أنتي اتجننتي؟ عاوزة تضيعي عليا السنة؟
قمت وقفت بكل هدوء.. بصيت في عينه اللي مشفتش فيها غير الأنانية.
لا يا جوزي يا حبيبي.. أنا بس رجعت كل واحد لمكانه الطبيعي. أنت مكانك في الطرقة بتضحك مع الزميلات.. وأنا مكاني في المدرج ببني مستقبلي اللي كنت هضيعه عشانك.
وسبته واقف مكانه مش فاهم حاجة، ودخلت كملت مذاكرتي، وأنا عارفة إن دي أول خطوة في طريقي الصح.
سكت اللحظة دي كانت أطول لحظة مرت عليا في حياتي. هو واقف مذهول، الكلمة لسه بترن في ودنه، وأنا واقفة قدامه بمنتهى الثبات اللي في الدنيا، رغم إن من جوايا كنت بتنفض.. بس مكنتش خايفة منه، كنت بتنفض من قوة القرار اللي أخدته.
يعني إيه يا تاج؟ نطق اسمي بصوت واطي ومخضوض أنتي واعية للي بتقوليه؟ أنتي بتهدي بيتنا عشان خاطر وهم في دماغك؟
ضحكت ضحكة وجع، وقربت منه خطوة واحدة وبصيت في عينه مباشرة
البيت اللي اتهد هو اللي أنت هديته بضحكتك في الطرقة يا خالد.. البيت اللي كانت قيداه الست
اللي استخسرت في نفسها اللقمة واللبس وكتاب الكلية عشان تلبسك أنت وتدفع لك مصاريفك. أنا مهدتش.. أنا بس شيلت إيدي، ولما شيلت إيدي أنت وقعت، لأنك طول عمرك كنت ساند على حيطة مايلة.. والحيطة دي كانت أنا.
رمى الورقة اللي في إيده على الأرض وزعق
ومين هيصرف؟ ومين هيدفع؟ أنتي فاكرة إنك لما تدرسي هتغيري الكون؟ ما إحنا كنا ماشيين كويس!
كنا ماشيين كويس ليك أنت! رديت عليه بقوة كنت بتطلع على كتافي وتدوس عشان تعلى، وفي الآخر بتبص لغيري.. من اللحظة دي، القرش اللي كنت بطلعه من شقايا وتعب أعصابي في الشغل، هيتصرف عليا أنا، وعلى كتبي أنا، وعلى مستقبلي أنا. والبيت ده.. لو عايز تعيش فيه، تشيل شيلته زي الراجل، يا إما كل واحد فينا يروح لحاله.
سكت وبدأ يغير نبرة صوته، حاول يقرب يمسك إيدي بتمثيلية الندم اللي حافظاها
يا حبيبتي والله فهمتي غلط.. دي كانت زميلة بتسأل عن محاضرة..
سحبت إيدي بحدة وقلت له
المحاضرة الوحيدة اللي استفدت منها النهاردة هي اللي أخدتها في شؤون الطلبة.. لما عرفت إن قيمتي مش في كوني ساندة لواحد مش حاسس بيا، لكن قيمتي في كوني تاج اللي لازم تلمع وتنجح لنفسها. المصاريف راحت لصاحبتها يا خالد.. والمكان اللي كنت فاكره ملكك، بقى ملكي.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. لأول مرة محسيتش بالوحدة وأنا ورا الباب المقفول، حسيت بالأمان. فتحت كتابي، وبدأت أقرأ أول سطر في منهجي الجديد، وأنا ببتسم وبقول لنفسي
اللي ميعرفش يقدر الجوهرة اللي في إيده، ميستاهلش حتى يبص على لمعتها من بعيد.
ومن يومها، خالد بقى مجرد هامش في حياتي، وأنا بقيت المتن والقصة كلها.


تعليقات
إرسال تعليق