القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حکایه الاسطی حسن واخته الدکتورنور



حکایه الاسطی حسن واخته الدکتورنور


رجلي اتسمرت مكاني أول ما شفت أختي "نور"، الدكتورة اللي شقيت عمري عشانها، واقفة وسط زمايلها الدكاترة وخطيبها "ابن الحسب والنسب"، وبتبص لإيدي المتوسخة شحم وسواد بقرف وهي بتقول ببرود: "ده الأسطى اللي بيصلح عربيتي، معلش يا جماعة عطلنا شوية".

بصيت في عينيها والوجع عصر قلبي، كنت لسه ماسك شنطة الأكل اللي هي نسيتها في البيت وجريت وراها عشان متجوعش في المنابطة، همست بصوت مكسور: "الأسطى يا نور؟". في اللحظة دي، شريط حياتي كله اتعرض قدامي، وعرفت إن القصر اللي بنيته طوبة طوبة.. اتهد فوق دماغي.

أنا اسمي "حسن"، وعمري ما ندمت إني سبت تعليمي وأنا في ثانوية عامة عشان أنزل أشتغل في ورشة ميكانيكا. أبويا مات وسابلي أم عليلة وأخت صغيرة "نور" كان حلمها تبقى دكتورة. كنت بمسح عرق وشي بإيدي اللي ريحتها جاز، وأنا ببتسم وبقول لنفسي: "كله يهون عشان الدكتورة".

كنت بصحى من الفجر، ضهري يتقطم تحت العربيات، والشحم يسكن تحت ضوافري مبيطلعش بـ صابون، عشان أوفر لها تمن الكورسات، والكتب، وبالطو الكلية الأبيض اللي كانت بتلبسه وتتشيك بيه قدام المراية. كنت بشوف نجاحها هو نجاحي، وفرحتها هي تعويضي عن شبابي اللي راح وسط العدة والزيت.

بس النجاح أحياناً بيبقى سكين بتدبح اللي ساعدوا في وصوله.

لما نور اتخرجت وبقت "دكتورة نور"، وبدأت تشتغل في مستشفى استثماري كبير، وبدأت ملامحها تتغير. لبسها بقى غالي، وكلامها بقى بالقطارة. بدأت تطلب مني مروحش عندها المستشفى، وتتحجج إن "المواعيد صعبة"، والنهاردة لما رحت لها خايف عليها، صدمتني بالحقيقة اللي كنت بهرب منها.

في وسط المطعم الشيك اللي كانت قاعدة فيه مع خطيبها "دكتور يحيى" وأصحابه، أنا وقفت بـ "عفريتة" الشغل، كنت فاكر إنها هتقوم تاخدني بالحضن وتقولهم "ده أخويا


اللي عملني"، لكنها اختارت "المنظرة".

خطيبها بص لي من فوق لتحت وقال بسخرية:

ـ "بس الأسطى ده شكله شاطر أوي يا نور، حتى ريحة الجاز باينة من بعيد.. اخلص يا أسطى وخد حسابك واتكل على الله."

بصيت لنور، كنت مستني كلمة، حرف واحد يرد لي اعتباري، لكنها وطت راسها في الموبايل وقالت بلهجة غريبة:

ـ "خلاص يا حسن، اطلع استناني عند العربية وهبقى أديك الحساب بعدين."

الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. "الحساب"؟ هي فاكرة إن تعب السنين ده كان بـ "أجرة"؟

قربت منها وحطيت شنطة الأكل على الترابيزة وسط ذهول الكل، وقلت بصوت هادي بس يزلزل:

ـ "الأكل ده يا دكتورة، أمك هي اللي عاملاه بإيدها التعبانة اللي بتدعي لك بيها كل فجر.. والشنطة دي فيها الموبايل اللي كنتِ نسياه.. أما بخصوص الحساب، فإنتِ فعلاً دفعتيه النهاردة.. ودفعتيه غالي أوي."

لفيت ضهري ومشيت وأنا سامع صوت همسهم وتريقتهم ورايا، بس المرة دي مكنتش حاسس بوجع في ضهري من الشغل، الوجع كان في قلبي.

روحت البيت، شفت أمي قاعدة مستنية "الدكتورة" عشان تفرح معاها بترقيتها الجديدة. بصت لي بقلق وقالت:

ـ "مالك يا حسن؟ وشك مخطوف ليه يا ضنايا؟ ونور فين؟"

حبست دموعي بالعافية وقلت لها:

ـ "نور خلاص كبرت يا أمي، ومبقتش محتاجة لـ (أسطى) زيي يوصل لها حاجتها.. نور اختارت طريقها."

قعدت على الأرض قدام أمي، وبصيت لإيدي اللي كانت نور بتتكسف منها، وبستها.. لأول مرة أحس إن ريحة الشحم دي هي ريحة الشرف، وإن اللي يستعر من أصله.. ملوش فرع.

تاني يوم الصبح، جرس الباب رن، فتحت لقيت نور واقفة بوش شاحب ودموع، وجنبها خطيبها يحيى ومعاه ورد، بس المرة دي يحيى مكنش بيضحك.. كان باصص لي بنظرة غريبة.

نور قالت بشهقة:

ـ "حسن.. أنا.. أنا كنت..."

قاطعها يحيى وقال جملة خلت

الدنيا تدور بيا:

ـ "أستاذ حسن، أنا الحقيقة جيت أشكرك.. بس مش عشان العربية."

بصيت له باستغراب ........!!!

 يحيى كمل كلامه وهو باصص في عين حسن بتقدير حقيقي، ونور كانت واقفة بتترعش ودموعها مش بتقف.

يحيى قال بصوت هادي ومسموع:

ـ "أنا جيت أشكرك يا بطل، لإنك النهاردة أنقذتني من أكبر غلطة كنت هعملها في حياتي.. كنت فاكر إني هتربط بـ "إنسانة" طلعت في الآخر مجرد "عنوان" فاضي من جوه."

نور شهقت وحاولت تمسك إيده:

ـ "يحيى.. أنا.. أنا كنت خايفة شكلي يصغر قدام أصحابك.. كنت.."

قاطعها يحيى بحدة وهو بيبعد إيدها:

ـ "خايفة شكلك يصغر؟ ده إنتِ شكلك انعدم!"

بص لحسن وكمل:

ـ "أستاذ حسن، أنا والدي كان راجل بسيط جداً، كان بيبيع خضار عشان يوصلني أبقى دكتور، وعمره ما خجل مني ولا أنا خجلت منه، بالعكس.. كنت ببوس إيده قدام الدفعة كلها يوم التخرج. لما شفتك النهاردة وشفت نظرة الكسرة في عينك وهي بتقول عليك "أسطى"، عرفت إنها مِش بس استعرت منك، دي داست على كل يوم تعبت فيه عشانها."

المواجهة الأخيرة

حسن كان واقف، ضهره مفرود رغم تعبه، مسح إيده بـ "فوطة" الشغل القديمة وبص لأخته بنظرة غريبة.. مفيهاش غضب، فيها شفقة.

قرب منها وقال بهدوء يوجع أكتر من الزعيق:

ـ "عارفة يا نور؟ أنا مكنتش مستني منك تقولي ليهم "ده أخويا الميكانيكي اللي شقي عليا"، أنا كنت مستني أشوف في عينك الفخر اللي كنت بشوفه وأنا بوصلك المدرسة وإنتِ صغيرة وتفضلي ماسكة في إيدي وتقولي لصحابك "ده حسن أخويا الكبير". الهدوم اتغيرت يا نور، واللقب اتغير، بس للأسف.. القلب كمان صِدي والزيت غطى عليه."

نور وقعت على ركبها وهي بتعيط:

ـ "سامحني يا حسن.. والله الشيطان شاطر، أنا بحبك والله.."

حسن ابتسم بوجع:

ـ "المسامحة دي عند ربنا يا دكتورة. بس

البيت ده، اللي اتبيعت فيه طقم شَبكتي زمان عشان أدفع لك مصاريف الكلية، ملوش مكان لواحد بيخجل من أصله. اطلعي مع دكتور يحيى، وشوفي حياتك بعيد عن "الأسطى" اللي بيصلح عربيات."

النهاية المشوقة.. والدرس الغالي

يحيى طلع من جيبه علبة القطيفة اللي فيها "دبلة" الخطوبة، وحطها في إيد نور وقالها بجمود: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ـ "خدي دي يا نور، بيعيها أو ارميها، مِش هتفرق. أنا كنت راسم لك صورة تانية خالص، بس النهاردة الصورة اتحرقت. اللي يستعر من سنده، ملوش أمان في بيتي."

يحيى لف لحسن، ومد إيده يسلم عليه بقوة:

ـ "يا بطل، الورشة بتاعتك دي، الشحم اللي على إيدك ده، ريحته أشرف من ريحة برفانات ناس كتير أعرفهم. لو احتجت أي حاجة في أي وقت، ده كارتي، مِش كدكتور لـ ميكانيكي، لأ.. كأخ لـ أخوه."

مشي يحيى وساب نور واقفة في نص الشارع، لا طالت "البرستيج" اللي كانت بتجري وراه، ولا حافظت على "السند" اللي شالها طول عمره.

حسن دخل قفل الباب، وراح لأمه اللي كانت بتعيط في صمت، وطى على رجليها باسها وقال:

ـ "متعيطيش يا ست الكل، اللي يبيعنا عشان هدومنا، بكرة الزمن يقلعها له ويعرف قيمتنا."

ما بعد العاصفة

مرت الشهور، حسن ركز في ورشته، وبفضل أمانته وتوفيق ربنا، الورشة كبرت وبقت "مركز صيانة" كبير، وبقى هو "الباشمهندس حسن" اللي الكل بيعمله ألف حساب، بس لسه زي ما هو.. بيلبس عفريتة الشغل وينزل يشتغل بإيده، وعمره ما نسي أصله.

أما نور، فخسرت يحيى، وخسرت احترام زمايلها اللي عرفوا الحكاية، وعاشت في عزلة بتدفع تمن "كبريائها الكداب".

العبرة من القصة:

"اللقب بيجي في ورقة، والفلوس بتيجي في شنطة، بس الأصل هو اللي بيفضل. اوعى في يوم تكسر السلم اللي طلعت عليه، لإنك لما تقع.. مش هتلاقي أرض تشيلك."

تمت.


تعليقات

close