سقوط الأقنعة في المطبخ
كاملة وممتعه
سقوط الأقنعة في المطبخ
صـحيت فـي نـص اللـيل، وشـفت فـي المطـبخ اللـي أمـي بتـعمله مـع مـراتي الـحامل.. عـملت تـصرف صـدمهم هما الاتنيـن فـي وقـتها.
خلال الشهور الأخيرة، كنت حاسس إن في توتر غريب في البيت. أمي ومراتي "مريم" كانوا بيتعاملوا بذوق، بس كان باين إن تحت الهدوء ده في بركان مكتوم.. كلام كتير مبيتقالش.
بعدين اتضح إن الموضوع أعمق بكتير؛ أمي كانت شايفة إن مريم
"بتسحبني" من عيلتي، وإني مبقتش بقعد معاهم زي الأول، أما مريم فكانت طول الوقت حاسة إنها غريبة، وإن البيت ده عمره ما هيكون بيتها.
حاولوا يتكلموا كذا مرة، بس كل محاولة كانت بتنتهي بخصام وتقُل في التعامل.. ومن غير ما يوصلوا لحل، قرروا "يصفوا الحساب" بالليل وأنا نايم.
الساعة كانت حوالي تلاتة الفجر لما صحيت فجأة. في الأول معرفتش إيه اللي قلقني، بس لما
ملقتش مريم جنبي، قلبي بدأ يدق بسرعة. في وقت زي ده وهي في حالتها دي وتعب الحمل.. أول فكرة جت في بالي كانت مرعبة.
نطيت من السرير، وطلعت أجري على المطبخ. بدأت أسمع أصوات مكتومة: صوت مية، خبط مواعين، وهمس كلام مش مفهوم.
لما وصلت لباب المطبخ، المنظر شلّ حركتي..
أمي كانت واقفة ورا مريم، وماسكاها من شعرها، ومنزلة راسها ناحية الحوض ومجبراها تغسل المواعين بمية تلج. مريم كتافها كانت بتترعش، مش عارف من السقعة ولا من الكسرة.
أمي كانت بتقول بصوت يقطع القلب
من بروده:
— "دلوقتي وجوزك مش جنبك.. هنشوف بقى هتروحي مني فين."
لما سمعت الجملة دي، وقفت مكاني مش مصدق. مكنتش قادر أستوعب إن ده بيحصل بجد.. بس في لحظة، كل حاجة جوايا اتغيرت.
في اللحظة دي، مكنتش مجرد "ابن".
أخدت خطوة لقدام، وقربت منهم، واللي عملته صدم الكل...
مصرختش.. مش لإن معنديش غل، لأ، لإن الصريخ كان هيكون هدية لأمي؛ هي أستاذة في إنها تقلب أي انفعال لـ "دليل" إني "ضعيف"، أو "مضحوك عليا"، أو "مش عارف أمشي بيتي". وقفت على باب المطبخ كام ثانية بـراقب بس.. كنت بسجل في دماغي كل تفصيلة: إيد أمي اللي غارزة في شعر مراتي، كتاف مريم المشدودة ورقبتها اللي مكسورة، سرسوب المية الساقعة اللي بيخبط في الطبق، وشباك المطبخ الضلمة اللي وراه ليل مبيحسش بحد.
مريم مكنتش بتعيط بصوت، كانت بتنهج بالعافية، كأن أي نَفَس زيادة هيخنقها أو يخليها ترجع.. الحمل بيخلي الجسم ضعيف، والذل بيكسر الروح. شفت رعشتها، وفي اللحظة دي في حاجة جوايا انقطعت للأبد.
قربت من كرسي السفرة، قعدت، وطلعت موبايلي في هدوء قاتل. أمي لفت راسها، وعينيها وسعت من الصدمة؛ مكنتش متوقعة إني هقعد كأني في اجتماع، ولا إني هبقى هادي كدة.
— "إنت بتعمل.." بدأت تتكلم، بس رفعت إيدي بحركة معناها "اسكتي".
اتخرست
من الذهول.. صوابعها لسه كانت في شعر مريم، بس المنظر دلوقتي مكنش منظر "سيطرة"، كان منظر "جريمة" متصورة "كادر" ثابت.
دوست
على زرار التسجيل؛ النقطة الحمراء على الشاشة كانت منورة زي عين صغيرة بتراقب كل حاجة. لفت الموبايل ناحيتها عشان تشوفه.
— "ممكن تعيدي اللي قولتيه تاني؟" قولت الكلمة بصوت واطي وموزون. "اللي لسه قايلة حالا."
— "إنت بتعمل إيه؟" صوتها اتهز.. "إنت.. إنت بتجنن يا ابني؟"
معليتش صوتي شعرة:
— "لأ، أنا بوثق. عيدي كدة: (دلوقتي وجوزك مش جنبك، هنشوف هتروحي مني فين).. واشرحيلي بالمرة ليه ماسكة مراتي الحامل من شعرها وموقفاها تغسل مواعين بمية تلج الساعة تلاتة الفجر."
مريم اتنفضت، كأنها لسه واخدة بالها إني واقف. بصتلي، وعينيها مكنش فيها بس راحة، كان فيها "كسوف".. الكسوف اللي بيحس بيه الضحية رغم إنه المفروض يبقى من حق الجاني.
أمي سابت شعرها فجأة كأنها لمست نار. اتعدلت وأخدت خطوة لورا بتحاول تلملم شتات
نفسها.. فجأة مكنتش "الحامة اللي بتأدب"، قلبت في ثانية لـ "الأم المظلومة".
— "أنا كنت عايزة البيت يبقى نظيف!" قالتها بالنغمة المعتادة (أنا بعمل كدة عشانكوا). "صحيت لقيت المطبخ يضرب يقلب، قولتلها قومي اغسليهم، وهي اللي قامت.. محدش غصب حد!"
لفيت لمريم:
— "إنتي اللي قمتي لوحدك؟" سألتها بالراحة.
بلعت ريقها وحطت إيدها على بطنها كأنها بتحمي ابننا حتى من الكلام:
— "لأ.. هي اللي صحتني.. قالتلي (البيت ريحته وحشة) وإني (مبقومش من مكاني).. ولما قولت لها إني تعبانة،" صوتها اتهز، "راحت
شداني من شعري."
أمي قطعت كلامها بغل:
— "متألفيش! أنا يا دوب لمستك! دي بتمثل يا ابني، إنت عارفها، بتعمل من الحبة قبة!"
بصيت لأمي، ولأول مرة من سنين شفتها زي ما الغريب بيشوفها: مش الست القوية، لا الست اللي عايزة تتحكم في الكل؛ مش الأم الحنينة، لا الست القاسية اللي مش عارفة يعني إيه "حدود".
قمت من الكرسي وقربت من الحوض.. قفلت المية
الساقعة، وفتحت المية الدافية.. مش عشان المواعين، عشان أحسس المكان إن في "رحمة" رجعت تاني. أخدت فوطة نظيفة وحطيتها على كتاف مريم.
— "اقعدي،" قولتلها. "متمسحيش حاجة، ومغسليش حاجة.. اقعدي اتنفسي، واشربي مية."
صبيت لها كوباية مية بملعقة عسل، كنت عارف إن ده بيريحها لما زورها بينشف من التوتر.
أمي برطمت بصوت واطي:
— "أنا مش عايزة حد يقلب ابني عليا.. أنا مش عدوة، أنا هنا عشان إنتوا اللي طلبتوا مساعدتي."
هزيت راسي، ممنعتهاش من الكلام، لإن الجدال كان هيقلبها خناقة، وأنا مش عايز خناق، أنا عايز "قواعد".
— "فعلاً،" قولت لها. "إنتي هنا لإننا طلبنا المساعدة.. ودلوقتي اسمعيني كويس: في البيت ده، محدش يلمس حد، لا بإيد ولا بكلمة.. خصوصاً لو واحدة حامل، وخصوصاً في نص الليل."
— "إنت بتأمرني؟" الشرارة رجعت لعينيها تاني. "أنا أمك!"
أخدت نَفَس وطلعته بالراحة:
— "أيوه.. مش بآمرك بصفتي ابنك، أنا بحدد حدودي بصفتي صاحب
البيت، وبصفتي راجل مسؤول
عن أمان مراته وابنه اللي لسه مجاش."
أمي اتسمرت مكانها.. مسمعتش مني الكلام ده قبل كدة. هي فاكرة إن "الحدود" دي قلة أدب أو موضة، بس أنا قولتها من غير خجل ولا اعتذار.
كملت كلامي:
— "مش هسيبك معاها لوحدكوا ثانية واحدة تانية.. ومن النهاردة، مفيش دخول أوضتنا ولا تصحي مريم بالليل.. لو في حاجة، قوليلي أنا.. بالنهار.. والنور قايد."
— "إنت خايف مني؟" قالتها بسخرية.
بصيت في عينيها مباشرة:
— "لأ.. أنا خايف من اللي ممكن تعمليه لو مفيش حد وقفك عند حدك.. ده اللي خايف منه، لإني لسه شايفه بعيني."
مريم كانت قاعدة، إيديها حاضنة الكوباية كأنها طوق نجاة. مكنتش بتعيط، بس الدموع كانت محبوسة في رموشها.. كانت هلكانة، مش تعب جسم بس، ده تعب حرب باردة كل يوم فيها كان "امتحان" عشان تثبت إنها تستاهل تعيش هنا.
أمي لفت وشها بعيد كأني ضربتها بالقلم.
— "بقى كدة؟.. بقيت أنا دلوقتي البعبع بتاعكم؟"
هزيت راسي:
— "بالنسبة لي، إنتي دلوقتي إنسانة مارست عنف.. ومش هغمض عيني عن ده."
السكوت كان تقيل.. فجأة، عملت الحاجة التانية
اللي صدمتهم هما الاتنين.
روحت لباب الشقة، طلعت مفاتيحي، وبكل هدوء شيلت
مفتاح الشقة من الميدالية. أمي لفت بسرعة:
— "بتعمل إيه؟"
مديت إيدي بالميدالية من غير المفتاح ده:
— "ده مفتاح بيتنا.. مش هتستخدميه تاني."
مريم رفعت راسها مش مصدقة.. وأمي وشها بقى أبيض زي الورق.
— "إنت.. إنت بتطردني؟ في نص الليل؟ إنت اتجننت؟ أروح فين؟"
مخبطتش ولا عملت دراما:
— "مش بطردك للشارع.. أنا هطلب تاكسي وهيوصلك لحد بيتك معززة مكرمة، وهناك هتكوني في أمان وإحنا كمان هنكون في أمان.. وبكرة الصبح نبقى نتكلم، بس دلوقتي، مش هتباتي هنا."
— "إنت اختارتها هي،" قالتها وهي بتفح زي التعبان. "هي اللي سرقتك مني."
مجادلتش في كلمة "سرقتك"، سميت الحاجات بأساميها:و
— "لأ يا أمي.. مفيش حد بيسرق حد. أنا راجل كبير، فتحت بيت، وإنتي يا تحترمي ده، يا متعيشيش معانا. ده مش عقاب، ده نتيجة للي عملتيه."
أمي قعدت على الكرسي ودارت وشها بإيديها. صعبت عليا، بس كنت عارف إن "الصعبانية" هي
السلاح اللي بتستخدمه
عشان ترجع السيطرة. وقفت ساكت، سبت لها دقيقة تحس بوزن اللي حصل.
طلبت التاكسي.. مكنش فيه "يمكن" ولا "خلينا لبكرة".. التنفيذ كان دلوقتي. مريم همست:
— "إنت متأكد؟"
بصيت لها:
— "أيوه.. لاني لو تراجعت دلوقتي، هتحسي إني مش هقدر أحميكي.. وأنا لازم أحميكي."
أمي مشيت ناحية الباب وهي بتحاول تفضل صلبة. وعلى العتبة وقفت وقالت بصوت واطي:
— "بكرة ترجعلي زاحف.. لما تسيبك، لما تفهم حقيقتها."
رديت ببرود:
— "مش هجيلك إلا لما تعترفي بغلطك، وتعتذري لمراتي.. مش ليا، ليها هي.. وتوافقي على شروطي: احترام، مسافة، ومفيش تحكم.. غير كدة، هنشوف بعض في المناسبات، ده لو كان في هدوء."
ابتسمت بمرارة:
— "هي اللي محفظاك الكلام ده؟"
— "لأ.. ده أنا.. ده أنا وأنا بـكبر."
قفلت الباب، ورجعت المطبخ. مريم كانت قاعدة لوحدها، الكادر ده محفور في دماغي زي كادر الحوض.. بس المرة دي كان فيه هدوء مكنش موجود.. هوا نظيف
ملهوش صاحب غيرنا.
عملت لها شاي دافئ،
وقعدت جنبها.
— "إنتي مش غلطانة في حاجة،" قولت لها.
سكتت كتير، وبعدين قالت بصوت واطي:
— "كنت فاكرة إني بتخيل.. كانت بتكلمني كأني (غلط)، كأني مديونة ليكم بحياتي، كأني لازم كل يوم أثبت إني أستحق أكون هنا."
— "كانت عايزاكي تحسي إنك ضيفة.. عشان لو إنتي ضيفة، يبقى أنا (السيد) وهي (كبيرة البيت).. بس إنتي مش ضيفة، ده بيتنا.. بيتك إنتي."
تاني يوم غيرت الكوالين.. خطوة بسيطة بس كان معناها "وعد" إني مش هسمح لبيتنا يتقلب ساحة معركة تاني.
أنا مش "مع مراتي ضد أمي"، أنا مع الحق، مع الأمان، مع الاحترام.. ولما حد يكسر القواعد دي، حتى لو أمي، لازم أوقفه.
مريم كانت واقفة قدام الشباك بالليل، النور كان هادي على وشها.
— "كنت فاكرة إنك عمرك ما هتاخد صفي،" قالتها وهي بتعيط.
حضنتها وقولت لها: "أنا مش في صف حد، أنا في صف عيلتي الصغيرة.. ولو ده معناه
إني أصدم أي حد في مكانه عشان أحميكي، يبقى هعمل كدة وأنا مرتاح."
إنك تكون راجل يعني
تختار العدل، حتى لو العدل ده طعمه مر زي القهوة السادة.. بس في الآخر، هو اللي بيبني بيوت حقيقية.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق