بنت الحرام كاملة
بنت الحرام كاملة بقلم حكايات انجي الخطيب
الجزء الأول بنت الحرام
أبويا وقف قدام ستين واحد من العيلة بكل جبروت، وأعلن بوضوح إنه مش هيسلمني لعريسي ولا هيمشي في جهازي.. والسبب؟ على حد قوله، إني الدليل الحي على إن أمي خانته.
قال الكلمة دي يوم جمعة..
حكايات انجي الخطيب
على سفرة العيلة الطويلة في بيتنا في مصر الجديدة، وأمي كانت بتغرف الأكل في أطباق صيني غالية، وكأن الشياكة دي تقدر تداري ريحة الإهانة اللي مالت البيت.
جدتي ليلى رزعت الفنجان من إيدها لدرجة إنه اتشرخ.
أخويا ياسين الابن المدلل، اللي عنده 31 سنة نزل عينه في الأرض بكسوف.
أما أمي فردوس، فكانت بتفرك في المنديل بإيدين مرتعشة.
وفجأة، عثمان المنشاوي، اللي هو أبويا قانوناً والراجل اللي العالم كله فاكره أبويا، طلع ورقة موافقة على تحليل DNA من جيب جاكتته بكل برود.
بص لي بصوت هادي، الصوت المرعب اللي بيستخدمه الرجالة لما بيتلذذوا بكسرة النفس، وقال قدامك 6 أسابيع يا ولاء. لو التحليل أثبت إنك بنتي، هاجي فرحك وأعتذر لك قدام الكل.
ملمستش الورقة، وبصيت في عينه ولو طلع إني مش بنتك؟
مغمضش عينيه حتى، ورد يبقى وقتها الكل هيعرف حقيقة الست اللي كنت عايش معاها طول السنين دي.
أمي بدأت تعيط من غير صوت.. وده كان أصعب جزء.
أمي مكنتش بتعيط من الغضب، كانت بتعيط من التعود.
على مدار 28 سنة، كنت بشوف أبويا وهو بيحول ملامحي، شعري الفاتح، وعيني
الملونة لسلاح بيجلد بيه أمي كل يوم.
لما كان عندي 7 سنين، سمعته بيزعق ورا الباب ويقول إن مستحيل تكون بنته بالبياض ده.
لما بقيت 12 سنة، رفض يمضي لي على اشتراك النادي، بحجة إنه مش هيصرف مليم على بنت راجل تاني.
ولما وصلت ل 18 سنة، دفع مصاريف جامعة ياسين في أغلى كلية، وقعد على راس السفرة وقالي بكل بجاحة خلي أبوكي الحقيقي يصرف على تعليمك.
دخلت كلية التمريض بمجهودي، بمنح وشغل نايتشيفتات وتعب وديون.
عمره ما حس بالذنب.. أنا اللي كنت بحس بالخزي.
مش بسبب أصلي، لكن لأني عشت عمري كله تحت سقف واحد مع راجل بالقسوة دي.
رجعت شقتي في المنيل والورقة في شنطتي. خطيبي أحمد كان مستنيني، وأول ما شاف وشي عرف. حكيت له كل اللي حصل.
غمض عينيه وقال لي اعملي التحليل يا ولاء.. مش عشان ترضيه، عشان تخرسيه للأبد.
هزيت راسي وقولت له الموضوع مبقاش عشانه.. الموضوع عشان أطلع أمي من السجن اللي هو حبسها فيه بقاله 28 سنة.
من 5 سنين، جدتي كلمتني الساعة 2 بالليل عشان لقت أمي واقعة في الحمام وجنبها علبة دواء فاضية.. لحقناها في آخر لحظة. ومن يومها وهي عايشة على المهدئات وابتسامات مهزوزة.
عثمان معتذرش ولا مرة.. ولا حتى ندم.
روحت معمل خاص في الدقي. معمل مستقل ومحترم وبعيد عن أي نفوذ لأبويا.
عينتي كانت سهلة.
أمي فردوس أعطت عينتها بإيد بتترعش لكن صوت ثابت وقالت لي مهما حصل، أنا
اللي شلتك وأنا اللي ربيتك.. مفيش حاجة هتغير ده.
أما عينة عثمان، فجبتها بصعوبة.. خدت شعرات من الفرشة بتاعته في الحمام.. الحمام اللي كنت بخاف أقرب منه في كل عيد عشان ملمحش نظرة القرف في عينيه.
بعد أسبوعين، وفي حفلة عيد ميلاده الستين في نادي في التجمع، أهاننا تاني.
رفع كاسه قدام شركاءه وعمامي وخلاني، مدح في ياسين ومستقبله، وبعدين بص لي بابتسامة صفراء أتمنى بنتي تكون قررت أخيراً تثبت لنا هي جاية منين.
الناس ضحكت من التوتر، والبعض ضحك بجبن.
شبهني بالطيور اللي بتبيض في عشش غيرها وتسيب غيرها يربي.
أمي فردوس اتجمدت مكانها ودموعها نازلة.
قومت، أخدت إيدها، وخرجنا.
في الجراج، جدتي ليلى حصلتنا وهي بتنهج، وكأنها أخيراً أدركت إن السكوت جريمة.
قالت بلهفة مش قادرة أخبي أكتر من كدة.
قعدنا في جنينة النادي، والشمس بتغيب، وحكت لنا حاجة خلت جسمي كله يقشعر.
ليلة ولادتي في مستشفى القصر العيني الفرنساوي، ممرضة خرجت وهي شايلة بيبيه.. كانت متوترة وبتجري.
جدتي لاحظت ده وحاولت تسأل، بس محدش رد عليها.
وقبل ما الملفات القديمة تضيع، جدتي كانت صورت نسخة من دفتر المواليد.
طلعت ورقة صفراء من شنطتها..
وقت الولادة المكتوب 1147 مساءً.
أمي فردوس وشها بقى أصفر مستحيل.. أنا فاكرة الساعة كويس، كانت 1158، حتى الدكتور وقتها هزر وقالي بنتك كانت هتيجي في يوم جديد.
11 دقيقة..
11 دقيقة محدش فسرهم لمدة 28 سنة.
بعد 3 أسابيع، النتيجة وصلت على الإيميل.
كنت قاعدة لوحدي في الصالة.. إيدي بتترعش.. فتحت الملف.
قريت السطر الأول..
وبعدين التاني..
وبعدين التالت.
نسبة التطابق الجيني مع عثمان المنشاوي 0.
ده مكنش مفاجأة ليا.
لكن لما نزلت للسطر اللي بعده.. الدنيا اسودت في عيني.
مكتوب قدامي
نسبة التطابق الجيني مع فردوس ... 0.
مبقتش قادرة أتنفس.
كلمت المعمل حالاً.. أكدوا لي إن مفيش أي غلط، ولا تبديل عينات، ولا خطأ إداري.
أبويا قضى 28 سنة بيتهم أمي بالخيانة وهي بريئة..
وأنا.. طلعت مش بنتهم هما الاتنين!
في اللحظة دي فهمت إن الكابوس لسه بيبدأ..
لأنه لو أمي فردوس مش هي أمي الحقيقية، يبقى في مكان ما في مصر، في ست تانية عايشة الحياة اللي كان مفروض تكون حياتي..
وفي بنت تانية، اتسرقت من حضن أمي من غير ما حد فيهم يحس.
اللي اكتشفته بعد كدة حول تحليل DNA لزلزال دمر العيلة كلها.. ومحدش على السفرة دي كان مستعد للي جاي.
الجزء الثاني الخطيئة المنسية
فضلت باصة لتقرير المعمل لحد ما الكلمات مابقتش مجرد مصطلحات علمية.. بقت عاملة زي القبر.
نسبة الأمومة 0.
نسبة الأبوة 0.
الأرقام كانت باردة، قاسية، مابترحم حد. مكنش فارق معاها قعدات يوم الجمعة في مصر الجديدة، ولا إيدين أمي فردوس اللي بتترعش، ولا حتى عثمان المنشاوي اللي بقاله تلاتين سنة محول وشي لقاعة محكمة بيحاكم فيها أمي كل يوم. الأرقام مكنش فارق معاها إن لون شعري
وبياضي كان دين أبويا بيعبد فيه كرهه لينا.. الأرقام كان يهمها حاجة واحدة بس إن القصة اللي عيلتنا عاشت فيها طلعت كدبة من الساس للرأس.
أول حد كلمته كان أحمد خطيبي.
مش عشان يحلها، مفيش حد يقدر يحل كارثة زي دي.. لكن عشان هو الوحيد اللي بيعرف يمتص صدمتي من غير ما يحاول يهونها بكلام ملوش لازمة. جالي في عشر دقايق، لقاني قاعدة على الأرض جنب الكنبة وتقرير المعمل متكرمش في إيدي.
قرا الصفحة الأولى.. وبعدين التانية.
قعد على الأرض قدامي وقال بصوت واطي ومرعب إحنا لازم نكلم مامتك وجدتك.. حالاً.
صوته كان فيه نبرة التحقيق، النبرة اللي بتطلع لما الوجع بيتحول ل دليل إدانة. وده اللي خلاني أتماسك.
أمي فردوس وصلت وشها أصفر زي الليمونة وبتترعش.
لما شافت الورقة، مانهارتش.. هي انطفت. وكأن الروح اللي كانت باقية فيها طلعت منها.
قعدت على الكرسي وهمست بكلمة واحدة إزاي؟
جدتي ليلى كانت هي الوحيدة اللي عيونها فيها شرارة غضب قديمة. خبطت بإيدها على التربيزة وقالت الممرضة.. الممرضة اللي كانت بتجري في الطرقة ليلة ولادتك في القصر العيني.. أنا
كان قلبي حاسس.
تاني يوم الصبح، كنا قدام عمارة قديمة في السيدة زينب.
ده كان العنوان اللي جدتي جابته للممرضة ميرفت، الست اللي كانت ماسكة الوردية ليلة ولادتي من 28 سنة.
طلعنا السلم والنهجان واكل صدرنا.. خبطنا.. فتحت لنا ست عجوزة، عينيها فيها نظرة خوف أول ما شافت جدتي.
جدتي مهدتش ولا لفت ولا دارت، طلعت صورة عثمان وصورتي وقالت لها إنتي عارفة إحنا مين.. وعارفة إيه اللي حصل ليلة 14 نوفمبر سنة 1998.
الست ميرفت رجلها مكنتش شايلاها، دخلتنا الصالة وهي بتبكي وتقول والله ما كان قصدي.. الدنيا كانت مقلوبة، المستشفى كانت زحمة، والنور قطع.. حصل لبطة في الحضانات.. ولما عرفنا الصبح، كان الأوان فات.. والمدير وقتها قال لي لو فتحتي بوقك هتروحي ورا الشمس.
أمي صرخت صرخة هزت الحيطان بنتي فين؟ البنت اللي أنا خلفتها من بطني فين يا ميرفت؟
ميرفت قامت دخلت جوة وجابت كشكول قديم، متقطع.. وقالت بصوت مخنوق أنا عمري ما نسيت.. فضلت مراقبة العيلة التانية من بعيد.. البنت اللي بدلتك بيها يا فردوس، راحت لعيلة بسيطة في شبرا.. عيلة على قد حالها، لكنهم
ناس طيبين.
فتحت الكشكول، وطلعت صورة مقصوصة من جرنان قديم.. صورة لبنت بتتكرم في الثانوية العامة..
أول ما شوفت الصورة، قلبي وقف.
البنت كانت نسخة من أمي فردوس.. نفس العينين السوداء الواسعة، نفس الشامة اللي فوق شفتها، نفس الضحكة الهادية.
في اللحظة دي، الغضب اللي جوايا ناحية عثمان اتحول لبركان.
الراجل ده دمر حياة أمي، وشكك في شرفها، وعيرها بيا 28 سنة.. وهو في الحقيقة مكنش مخدوع بس، ده كان ظالم لدرجة إنه معملش مجهود لحظة واحدة يفكر إن في غلطة طبية ممكن تحصل.
قولت لأمي وجدتي إحنا مش هنروح ل عثمان دلوقتي.
أمي بصت لي باستغراب أمال هنعمل إيه؟
قولت لها وعيني فيها لمعة انتقام هنروح نجيب بنتك الحقيقية.. وهنروح نادي التجمع يوم الجمعة الجاية.. في وسط العيلة كلها.. عشان ننهي المسرحية دي للأبد.
الجمعة اللي بعدها..
نفس السفرة.. نفس الوشوش.. وعثمان قاعد زي الملك في نص التربيزة، مستني ولاء تعلن انكسارها وتقدم له اعتذارها وتثبت خيانة أمها.
وقف عثمان ورفع كاسه وقال ها يا ولاء؟ المعمل قال لك إيه؟ عرفتي مين هو أبوكي الحقيقي؟
قومت
وقفت، وبكل ثبات طلعت تقرير المعمل، وحطيته قدامه..
وقبل ما يقرأ، قولت بصوت عالي سمعه الكل
أنا فعلاً عرفت مين أبويا الحقيقي يا عثمان بيه.. بس الأهم، إني عرفت إنك مش بس أب فاشل.. إنت طلعت راجل ظالم، ضيعت عمر ست شريفة في وهم إنت اللي اخترعته.
فتح الورقة.. وشه بدأ يقلب ألوان.. من الأبيض للأزرق.
يعني إيه 0 من فردوس كمان؟ صرخ وهو مش فاهم.
في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح.. ودخلت بنت تانية.. لابسة لبس بسيط لكن شكلها يخطِف القلب..
أول ما العيلة شافتها، القاعة كلها سكتت سكتة الموت.
البنت كانت فردوس وهي صغيرة.. مفيش مجال للشك.
قولت له بصوت زي السكين دي نور.. بنتك اللي إنت رمتها في شبرا وعشت تعاير أمي بيا.. دي البنت اللي إنت حرمت نفسك وحرمت أمي منها عشان كبريائك وغرورك.
عثمان المنشاوي، الراجل اللي مكنش بيتهز، وقع على الكرسي.. الورقة وقعت من إيده..
والعيلة كلها، الستين واحد اللي كانوا بيضحكوا، نزلوا روسهم في الأرض بكسوف وخزي..
اللحظة دي مكنتش مجرد فضيحة.. دي كانت اللحظة اللي العيلة دي كلها جثت فيها على ركبها قدام الحقيقة.
نهاية


تعليقات
إرسال تعليق