زواج معلن
زواج معلن
زواج معلن بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بنتي كانت بتموت على سرير في المستشفى، وقدامي أقل من ساعة عشان أدفع تمن الدواء اللي ممكن ينقذ حياتها. والشخص الوحيد اللي عرض عليا المساعدة، كان راجل الأعمال الغني اللي كان دايماً بينزل في الجناح الملكي في الفندق اللي أنا شغالة فيه. بس عرضه كان له شرط واحد.. إني أكون مراته
أنا اسمي نورا.. عندي 26 سنة، أرملة وأم وحيدة، وشغالة عاملة غرف في فندق كبير في القاهرة. بقالي يومين منمتش، قاعدة على كرسي بلاستيك في طرقة المستشفى، وماسكة ورقة المطالبة بالمصاريف وإيدي بترعش. بنتي ليلى عندها 5 سنين، نايمة ورا الباب الإزاز، وماسك الأكسجين مغطي وشها الصغير. الموضوع بدأ بسخونية، وبعدين الدكتور قالي الجملة اللي قطمت ضهري الالتهاب وصل للرئة يا مدام نورا.. ولازم فوري علاج متخصص.
المستشفى الخاص طلبت مبلغ مكنتش أحلم بيه.. 300 ألف جنيه. كلمت كل اللي أعرفهم، حاولت أخد سلفة من الفندق، بس الكل رفض. سياسة الشركة كانت أهم عندهم من نِفس بنتي اللي بيتقطع.
ليلتها رجعت الشغل غصب عني، كنت مكسورة وتعبانة وعيوني من كتر العياط بقت دم. المشرفة قالتلي جناح 2701.. الجناح الملكي.. آدم المصري بيه موجود، خلي بالك ده مابيقبلش غلطة.
آدم
المصري.. ملياردير وصاحب الفندق نفسه، الكل بيخاف منه وبيلقبوه بالراجل التلج. دخلت الجناح وقلبي بيترعش، كان واقف قدام الشباك اللي كاشف النيل وأضواء القاهرة. وأنا برتب الأوضة، وقعت مني ورقة مصاريف المستشفى. آدم شافها، ومن غير مقدمات سألني عن بنتي. مكنتش قادرة أخبي، انفجرت في العياط وحكيت له كل حاجة. بصلي بهدوء غريب وقال
أنا هدفع كل مليم الليلة دي.. وبنتي هتتنقل لأحسن رعاية.
قلبي دق بلهفة وكنت لسه هشكره، بس كمل كلامه بنبرة حادة
بس مقابل إني أتجوزك يا نورا.. شرعاً وقانوناً،
الدنيا لفت بيا. أنا عارفة إنه متجوز، وعارفة إن عيلته عيلة المصري من أكبر العائلات في البلد واستحالة يقبلوا بواحدة زيي.
بس يا فندم.. أنا.. والمستوى.. ومراتك؟ قلتها وأنا مش مستوعبة. رد ببرود
أنا معجب بيكي من زمان، وشايف فيكي اللي مش موجود عند غيرك. جوازنا هيكون حماية ليكي، وتأمين لمستقبل بنتك.. بس محدش يعرف عنه حاجة دلوقتي.
كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني. ليلى بنتي بتموت، والحل قدامي بس التمن إني أعيش في ضلة راجل، زوجه تانية مخبية راسها من عيلته ومن المجتمع. وافقت.. مكنش قدامي غير كدة. بنتي أهم من أي مبدأ. في نفس الليلة، الفلوس كانت في حساب المستشفى، وليلى اتنقلت أوضة
تانية ودكاترة كبار أشرفوا عليها.
بعد أسبوعين، ليلى بدأت تفوق وبقت أحسن. كنت بحاول أتجنب آدم، خايفة من اللحظة اللي هنفذ فيها الاتفاق. لحد ما جالي اللاسلكي في الشغل نورا.. انزلي الإدارة فوراً. لقيت ظرف فيه ورقة واحدة بكرة الساعة 10 الصبح تكوني في مكتبي الرئيسي في القرية الذكية.. لازم نتكلم في الحقيقة. آدم المصري
رحت وأنا قلبي هيقف من الخوف. خايفة يطلب مني الجواز فوراً، وخايفة من اللي جاي. دخلت المكتب، آدم كان واقف مديني ضهره، ولما لف بصلي.. مكنش فيه البرود بتاع كل مرة. كان فيه قلق وندم. قفل الباب بالمفتاح وقرب مني وقال بصوت واطي
نورا.. قبل ما نمضي ورقة الجواز لما يجي المأذون ، فيه حقيقة عن الليلة اللي بنتك تعبت فيها لازم تعرفيها.. الحقيقة دي ممكن تخليكي تكرهيني العمر كله.
وقفت مكاني مذهولة.. وبدأت أسأل نفسي هو آدم كان عارف بنتي من قبل كدة؟ وإيه اللي ممكن يهدم كل حاجة قبل ما تبدأ؟
لما آدم المصري قفل باب المكتب بالمفتاح، جسمي كله سقع. مبقناش في الفندق دلوقتي، لسه فاكرة وقفتي قدامه وحياة بنتي في كفة، ومبدئي وكرامتي في كفة تانية. لسه فاكرة اللحظة اللي وافقت فيها أكون زوجة تانيه عشان الأم بتمشي في النار لو ضناها في الناحية التانية.
دلوقتي هو واقف قدامي تاني. ماسك ملف دوسيه. وشه كان باهت رغم الهدوء اللي بيحاول يتصنعّه، وده خوفني أكتر من القسوة.. القسوة سهلة، لكن الذنب هو اللي معقد. وأياً كان اللي آدم ناوي يقوله، فواضح إنه كان شايله جواه من قبل ما أدخل المكتب ده بكتير.
رجعت خطوة لورا، وقلت وصوتي بيترعش من الخوف والغضب
لو كنت طلبتني هنا عشان تطلب مني أي حاجة تانية غير اللي اتفقنا عليه.. أنا هصوت وألم عليك الناس.
آدم ماردش فوراً.. فضل باصص لي بنظرة فيها انكسار غريب، كأنه بيحاول يجمع شتات نفسه.
نورا، اقعدي، قالها بصوت هادي لدرجة توجع.
مش هقعد يا آدم بيه.. إحنا اتفقنا، دفعت المصاريف وأنا وافقت على الجواز عشان بنتي، وده كان تمن غالي أوي دفعته من كرامتي.. عايز إيه تاني؟
فتح الملف اللي في إيده وطلّع منه صورة قديمة.. صورة باهتة شوية بس ملامحها واضحة. لما شوفت الصورة، النفس انقطع من صدري. دي صورة ليلى بنتي.. بس وهي لسه مولودة.
إنت.. إنت جبت الصورة دي منين؟ سألته وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
آدم أخد نِفس طويل وقال
الليلة اللي بنتك تعبت فيها مكنتش أول مرة أشوفك فيها يا نورا.. ومكنتش أول مرة أعرف إن ليكي بنت. قرب مني خطوة وهو بيمد إيده بالملف
الجواز اللي عرضته عليكي مكنش مجرد إعجاب زي ما قلتلك في
الفندق.. الجواز ده كان الطريقة الوحيدة اللي لقيتها عشان أكفر بيها عن ذنب عملته فيكي وفي بنتك من خمس سنين.. ذنب إنتي متعرفيش عنه حاجة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بمدها أخد الملف.. فتحته ولقيت أوراق رسمية، شهادات ميلاد، وتقارير طبية قديمة باسم ليلى. وبين الأوراق، لقيت ورقة مكتوبة بخط إيد محمود.. جوزي الله يرحمه.
نظرت لآدم بصدمة ودموعي بدأت تنزل
إنت تعرف محمود؟ إنت ليك علاقة باللي حصلنا؟
آدم غمض عينيه بوجع وقال الجملة اللي دمرت كل كذبة كنت عايشة فيها
أنا السبب في الحادثة اللي مات فيها محمود.. وأنا السبب في إنك تعيشي سنين فقر وتعب من غيره. الليلة دي، أنا مش بشتري سكوتك بجواز سري.. أنا بحاول أنقذ اللي باقي مني قبل ما أنقذك.
وقفت مكاني مذهولة.. الراجل اللي وافقت أتجوزه عشان ينقذ بنتي، طلع هو السبب في موت جوزي وضياع حياتي!
آدم سكت لثواني، كأنه بيستجمع شجاعته عشان يرمي قنبلة هتفرقع في وشنا إحنا الاتنين. بص للأرض وقال بصوت مخنوق
أنا بقالي سنين عايش في سجن يا نورا.. سجن من صنع إيدي. مكنتش عارف أقولك إيه، ولا أبدأ منين، بس الحقيقة إن حياتك اللي اتهدمت دي.. أنا اللي كنت المعول اللي ضرب أول ضربة فيها.
بصيت له برعب وقلت إنت بتقول إيه؟ إنت علاقتك
إيه بمحمود؟
آدم أخد نِفس طويل وبدأ يحكي
من 3 سنين، كنت راجع من شرم الشيخ.. كنت في قمة غضبي. نسرين مراتي مكنتش بتبطّل خناق، طلباتها مابتخلصش، عايزة مجوهرات، عايزة ألماظ، عايزة تدخل سباق مع صاحباتها مين فيهم أشيك ومين حفلاتها أفخم.. سطحية لدرجة تقرف. يومها كنا متخانقين خناقة كبيرة بسبب حفلة كانت عايزة تصرف فيها ملايين، سبتها وركبت عربيتي وكنت راجع القاهرة طاير عشان عندي شغل مهم.
كمل ووشه بيتعصر من الألم
الطريق كان مفتوح، وفجأة ظهرت قدامي عربية 128 قديمة، كانت ماشية بالراحة.. حاولت أتفاداها وأكسر بالدريكسيون، بس في اللحظة دي الفرامل خانتني.. لمست طرف العربية، وشوفتها في المراية وهي بتطير وتتقلب.
شهقت وحطيت إيدي على قلبي، وآدم كمل بدموع
موقفتش.. مكنتش واعي، كملت طريقي كأني هربان من نفسي. لما وصلت وكلمت نسرين وحكيت لها وأنا بنهار، ردت عليا بكل برود وقالت لي إنت مكبر الموضوع ليه؟ الغلط غلط السواق اللي ماشي بعربية سلحفاة في طريق مفروض تمشي فيه زي القطر.. الغلط مش غلطك، ده قضاء وقدر وهو اللي رما نفسه قدامك. فضلوا يقنعوني سنين إن ذنب محمود مش في رقبتي، بس قلبي كان بيقولي غير كدة.
بصيت له بذهول ودموعي نازلة
يعني إنت اللي قتلته؟ إنت اللي
رملتني ويتمت بنتي؟ وجاي دلوقتي تشتري سكوتي بجوازك؟
آدم قرب مني ووقع على ركبه قدامي
والله العظيم ما كنت بشتري سكوتك.. أنا من يومها بدور عليكي، ولما لقيتك في الفندق وشوفت حالتك وعرفت إن بنتك بتموت، حسيت إن ربنا بيديني فرصة أخيرة عشان أكفر عن ذنبي. ع
ضحكت بوجع وقهر
إنت كنت بتحمي نفسك يا آدم بيه! إنت خفت على برستيجك وعلى شكلك قدام الناس، فقررت تخليني مراتك عشان ضميرك يرتاح وفي نفس الوقت تفضل صورتك نظيفة.
آدم هز راسه بالرفض
لأ يا نورا.. أنا عرضت الجواز عشان أقدر أصرف عليكي وعلى ليلى بشرع الله، عشان تكوني تحت حمايتي قانوناً.. أنا عارف إن الفرق بيننا كبير، وعارف إنك سمعتي إني متجوز، بس جوازي من نسرين بقى جثة هامدة.. أنا عايز أصلح اللي انكسر، حتى لو التمن إني أعيش خدام تحت رجليكي إنتي وبنتك.
مسحت دموعي بقوة وقلت له بحدة
اللي عايز يكفر عن ذنبه، بيواجه العالم كله بالحقيقة. إنت عايز تتجوزني عشان ليلى متضيعش؟
آدم بص لي باستغراب يعني إيه؟ رديت عليه بكل قوة يعني لو عايزني أوافق، الجواز ده لازم يكون بعلم الكل.. ومرتك السطحية دي لازم تعرف إن السلحفاة اللي كانت بتستهزأ بيها، عندها أهل مابيبعوش حقهم بالفلوس.
آدم كان واقف قدام نورا،
وجسمه كله بيترعش، وصوته طالع مخنوق بالدموع كأنه بيحاول يزيح جبل من الهموم كان كاتم على أنفاسه بقاله سنين.. بص في عينيها وقال بكسرة يا نورا، أنا مسبتكمش لحظة واحدة.. من يوم الحادثة وروحي بتطاردني في كل مكان. أنا اللي كنت ببعت لصاحب البيت الفلوس كل شهر وأحلفه مياخدش منكم مليم، وأفهمه إن ده كرم منه عشان خاطر ذكرى محمود الراجل الطيب.. أنا اللي سخرت رجالة مخصوص من شركتي وظيفتهم بس يراقبوا حالتك وحالة البنت من بعيد لبعيد.. ولما قدمتي في الوظيفة، أنا اللي وصيت عليكي بالاسم وخليت الإدارة تقبلك فوراً وتعملك استثناء، وكنت مانع أي حد ينطق باسمي.. كنت بحاول أسندك وأرمم اللي كسرته وأنا مستخبي في الضلمة، لأني مكنتش قادر أواجهك بوشي.
نورا كانت واقفة مذهولة، دموعها نازلة زي الشلال ومش قادرة تنطق، وآدم كمل بلهفة وكأنه بيستسمحها لما شوفتك قدامي في الفندق، وشوفت بعيني إخلاصك لراجل مات من سنين وصبرك وتعبك عشان بنتك، قلبي دق ليكي لا إرادياً.. اتمنيت من كل قلبي تكوني مراتي، بس مكنتش أقدر ألمس إيديكِ ولا أتمم الجواز ده قبل ما أصفي حسابي مع ربنا ومعاكي وأقولك الحقيقة.
نورا في اللحظة دي افتكرت كلام جارتها الحكيمة الست فردوس لما راحت اشتكت لها وخايفة من فرق المستوى ومن كلام الناس،
والست فردوس قالت لها يا بنتي الجواز في الحلال سترة من عند ربنا، لا الشرع حرمه ولا القانون منع الجواز التاني طالما الراجل هيصونك، وافقي عشان ليلى تعيش عيشة كريمة وتلاقي اللي يسندها.
آدم مسح دموعه وكمل وهو بيحاول يطمنها أنا يا نورا معنديش أولاد من نسرين، ونفسي ليلى تكون بنتي بجد، وربنا يرزقنا بأخ أو أخت ليها يملوا علينا البيت.. أنا جهزتلك أحلى فيلا في الشيخ زايد وكتبتها باسمك بالكامل كضمان ليكي، وحطيت مبلغ كبير في البنك باسم ليلى عشان مستقبلها يكون متأمن مهما حصل.. بس قبل ده كله، أنا طالب سماحك.. أنا سألت شيخ وقال لي إن الدية ممكن تكون كفارة عن اللي حصل خطأ.
نورا ردت بصوت مكسور بس فيه وقار وحكمة الدية مش ليا لوحدي يا آدم.. محمود كان وحيد أبوه وأمه، وهما اللي انكسر ضهرهم بجد، وهما أولى بالدية دي.. حمايا راجل طيب وعايش على معاش بسيط مبيكفيهوش العلاج.
آدم انهار تماماً لما عرف إنه حطم أسرة بحالها ويتم طفلة ورمل ست وفجع قلب أب وأم.. وقبل ما المأذون يكتب الكتاب، أصر إنه ياخد نورا والشهود ويروحوا لبيت حماها وحماتها. كان بيت بسيط جداً وريحته طيبة، والأم كانت قاعدة في ركن والأسود مبيفارقش جسمها.. أول ما نورا دخلت،
الأم حضنتها بحرقة وبستها، ولما نورا حكت لهم عن الراجل اللي عايز يتجوزها ويسترها هي وبنتها، الأم عيطت وقالت بصفاء يا بنتي إنتي عملتي معانا اللي مفيش مرات ابن تعمل في الدنيا.. شيلتينا في مرضنا وواستينا في حزننا، والجواز مش عيب، عيشي حياتك وإحنا راضيين عنك.
الجيران في الحارة أول ما شافوا العربية الفخمة وقفوا يسمعوا، وكبار السن من الجيران دخلوا وعملوا قعدة عرفية محترمة.. آدم قعد على الأرض قدام الأب والأم، ومسك إيديهم وبكى زي الطفل وهو بيطلب السماح.. الأب بص له بهدوء وقال يا ابني لو روحنا للبوليس واتسجنت، إحنا مش هنستفيد حاجة، ابني مش هيرجع.. لكن إنت دلوقتي هتستر أرملته وهتربي بنته اليتيمة.. أنا مش عايز فلوس، أنا بس نفسي قبل ما أيامي تخلص أروح أزور النبي أنا والست دي، نفسنا في حجة أو عمرة نقعد فيها جنب بيت الله الحرام.
آدم في اللحظة دي قعد تحت رجل الأب وباس إيده وحلف إنه هيفرهم فوراً ويطلعهم حج في أفخم مستوى، وعمره ما هيسيبهم ولا هيسيب نورا.. والمأذون كتب الكتاب في وسط دموع الكل، وكان الشاهد الأول هو أبو محمود نفسه، في مشهد قمة في الوفاء والنبل.
آدم م اكتفاش بكده، ده اتصل بالمساعد بتاعه وهو لسه في البيت وقال
له فضي الفيلا اللي في الشيخ زايد من أي حد فوراً.. بابا وماما أهل محمود هيعيشوا معانا، وهكون ليهم بدل ابنهم اللي راح.
نورا راحت بقلب مطمن أخدت ليلى من عند الحجة فردوس وأخدت شنطة هدومها البسيطة، وطلعت مع آدم وجد وجدة بنتها للفيلا الجميلة.. لكن الفرحة كانت مستنية صدمة كبيرة. حد من الشغالين عند آدم كان عين لنسرين وبلغها بكل حاجة.. وأول ما نورا وآدم دخلوا من باب الفيلا وهما شايلين ليلى وجدها وجدتها، لقوا نسرين واقفة في نص الصالة، عينيها بتطلع شرار وشيطانها راكبها!
أول ما نسرين شافتهم داخلين من باب الفيلا، السكون اللي كان مالي المكان اتحول لإعصار.. صوتها زلزل الجدران، شتائم وزعيق وكلام زي السم كانت بترميه في وش الكل من غير تمييز. والغريب والمقزز في نفس الوقت، إن كلامها مكنش فيه ذرة حب لآدم أو غيرة ست على جوزها، كل اللي كان شاغل عقلها المريض هو شكلها قدام المجتمع والطبقة اللي بتنتمي ليها.. كانت بتصرخ بوقاحة وعينياها بتطق شرار
بقى أنا! نسرين هانم بنت الحسب والنسب، الجميلة اللي لفت دول العالم واتعلمت في أحسن مدارس وأرقى جامعات، تتجوز عليا دي؟! واحدة بسيطة ومستواها يدوب متوسط ولبسها غلبان وشكلها مبهدل؟ إنت اتجننت
يا آدم؟ شكلي هيبقى إيه قدام صحباتي في النادي وفي الحفلات؟ يقولوا عليا إيه لما يعرفوا إن برستيجي اتهز وإنك بدلتني بواحدة خدامة كانت بتمسح وراك في الفندق؟
نسرين م اكتفتش باللسان الطويل، دي فقدت أعصابها تماماً وهجمت بجنون زي القطة السعرانة عشان تشد نورا من شعرها وتذلها وتكسر كرامتها قدام أهل محمود الغلابة.. لكن آدم كان أسرع منها بكتير، وقف قدامها زي السد المنيع، وفي لحظة صدق وقوة كان مأجلها بقاله سنين، ولأول مرة في حياته يحس إنه راجل وبياخد قرار صح، نزل بقلم قوي ومزلزل على وشها، قلم سكتها تماماً وخرس لسانها.. وبصوت هز كيانها وصداه فضل يتردد في الصالة
لحد هنا وكفاية أوي.. التمثيلية دي لازم تخلص، وإنتي لازم تصححي كل القرف والظلم اللي فات بسبب سطحيتك. إنتي طالق يا نسرين.. طالق بالثلاثة، طلاق بائن ملوش رجعة إلا بعقد جديد، وده عهد عليا قدام ربنا إنه مش هيحصل أبداً لو انطبقت السما على الأرض.
نسرين عينيها كانت بتطلع شرار وحقد، ومسحت وشها وبصت له بتهديد مسموم
كده يا آدم؟ بعتني عشان دي؟ طب والله لهدفعك التمن غالي أوي، وهخليك تمشي تكلم نفسك في الشوارع.. هتدفع لي مؤخري وكل مليم في نفقاتي، ولو مخدتش نص ثروتك وفضحتك وجرستك في كل
مكان بالعروسة البيئة دي، هروح حالاً أبلغ عنك وأفتح الدفاتر القديمة.. هقول إنك إنت القاتل اللي دهست جوزها زمان وهربت!
آدم رد ببرود غريب، وهدوء الراجل اللي مابقاش خايف من حاجة، وبص لنورا وأهل محمود بكل فخر
روحي يا نسرين.. اطلعي من هنا على القسم وبلغي، مش هتكسبي أي حاجة غير الفضيحة لنفسك، وساعتها والله ما هتطولي مني مليم واحد، والفلوس اللي كنت ناوي أسيبها ليكي بالمعروف، هصرفها كلها تعويضات ليهم.
في اللحظة دي، تدخل رفعت المساعد بتاع آدم، وهو راجل عاقل ورزين وفاهم كل خبايا المجموعة، قرب من نسرين بهدوء وثبات وقال لها
يا مدام نسرين، كلام آدم بيه هو اللي صح قانوناً.. لو عاندتي وحاولتي تبلغي، إنتي أول واحدة هتخسري. إحنا خلاص بدأنا في إجراءات الدية بشكل رسمي وقانوني قدام الأب والأم اللي واقفين دول، وبما
إنهم قبلوا وبصموا على التصالح، فالموضوع بقى قضاء وقدر وانتهى. لكن إنتي؟ لو دخلتي في محاكم هتقعدي سنين تطلبي نفقات وممكن متطوليش مليم، ما تنسيش إن كل فواتير الألماظ والمجوهرات والرحلات الخرافية واللبس البراندات اللي بتتمتعي بيها باسم آدم بيه وبفلوسه.. يعني قانوناً يقدر يطالب باستردادها أو يحجز عليها في لحظة.
رفعت كمل كلامه وهو بيحط النقط على الحروف بذكاء
ومحدش في مصر كلها هيشتري منك قطعة ألماظ واحدة لأنها من غير فواتير باسمك، ومحلات الصاغة الكبيرة كلها تبعنا. وافتكري كمان إن آدم ومجموعته الاقتصادية هما اللي شالوا شركة والدك من الانهيار والضياع واشتروها بمبلغ خيالي عشان يحمي اسم عيلتك، مش ذنب آدم بيه إن أخوكي مستهتر وضيع فلوسكم.. آدم بيه كريم وهيوفر ليكي حياة كريمة ويسيب لك المجوهرات اللي معاكي
دلوقتي، بس بشرط توقيع عقد تنازل نهائي عن أي مطالبات تانية وبدون شوشرة.
نسرين سكتت فجأة.. الجشع اللي مالي قلبها غلب كبرياءها المزيف. بصت لنورا من فوق لتحت باحتقار وقالت بنبرة فيها سم
مبروك عليكي الجثة دي.. خديه واشبعي بيه، أنا لا حبيته ولا عمري هحبه، أنا اتجوزته بس عشان الخزنة والفيزا كارت. وعلى فكرة يا آدم، عشان ضميرك يرتاح أوي، أنا بقالي سنين باخد حبوب منع الحمل من وراك.. مش ناقصة أنا بوظان جسم ولا حمل ورضاعة وقرف من ده.. أنا متعلمة ومعايا سبع لغات ولافة العالم مش عشان أقعد في الآخر أغير بامبرز وأسمع عياط عيال!
آدم وقع على أقرب كرسي وهو مصدوم.. سنين كان فاكر إن العيب منه أو إنها بتضحي بجمالها عشانه، لقى إنها كانت بتخدعه في أغلى حاجة عند أي راجل.. كان بيتحسر على الضنا وهي كانت بتقتله في رحمها
كل يوم.
نسرين مشيت وراحت في طريقها وسابت وراها ريحة الغرور الرخيصة، وآدم فضل باهت ومكسور.. في اللحظة دي نورا قربت منه بكل حنان وحطت إيدها على كتفه، وليلى بنتها الصغير قربت منه وبصت له بعيونها اللي زي الملاك وحضنت رجله.. آدم حس لأول مرة في حياته بدفء العيلة الصادق، وبنور الحقيقة اللي جلاه من الذنب. نورا همست في ودنه
إحنا جنبك يا آدم.. إحنا عيلتك الحقيقية اللي هتحبك عشانك إنت، مش عشان فلوسك.. وعمرنا ما هنسيبك أبداً.
وأبو محمود وأمه قعدوا جنبه وطيبوا خاطره ودعوا له بالصلاح.. وبكده بدأت حياة جديدة في الفيلا، حياة مبنية على الصدق والستر والتوبة، وأول حاجة عملوها إنهم طلعوا كلهم عمرة وغسلوا همومهم وتعبهم قدام الكعبة المشرفة، وبدأ آدم يعوض ليلى عن حنان الأب اللي اتحرمت منه.
بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
تمت بحمد الله


تعليقات
إرسال تعليق