جـارتي الغـامضة كـاملة
جـارتي الغـامضة كـاملة
أنا كنت في الشهر الثامن، بطني قدامي وواجعي مبيخلصش، وفوق كل ده كنت لوحدي تماماً
أبو اللي في بطني سابني وخلع أول ما عرف بالخبر، وسابني غرقانة في ديون وأقساط الشقة اللي كانت هتتسحب مني في أي لحظة. الهم كان راكبني، والجوابات الحكومية والتحذيرات من البنك بقت كوم ورا الباب، كأنها بتفكرني كل يوم إني خلاص هترمى في الشارع.
يوم الثلاثاء اللي فات، كنت حاسة إنها النهاية.
الدنيا كانت نار، الرطوبة تخنق، وظهري كان مقسوم نصين من الحمل. وفي عز الضلمة دي، جالي تليفون من البنك بيأكدوا إن إجراءات الحجز على الشقة بدأت فعلاً. بقلم مني السيد
خرجت البلكونة عشان كنت حاسة إني بختنق جوه الحيطان، وهنا عيني وقعت على ست هانم.
ست هانم جارتي، ست طيبة ووحيدة عندها فوق ال 80 سنة، وجوزها عم عبده الله يرحمه لسه متوفي من قريب. لقيتها واقفة في جنينة بيتها الصغيرة، ماسكة مقص شجر قديم وبتحاول بالعافية تقص الزرع اللي طول وبقى شكله يغم القلب.
كان المفروض أدخل وأقفل عليا بابي، أنا اللي فيا مكفيني.. بس رجلي سحبتني ليها.
روحتلها، أخدت منها المقص بالراحة وقولتلها ارتاحي إنتي يا حاجة هانم، أنا هخلص الكلمتين دول. قعدت 3
ساعات تحت الشمس، بقص وبنضف الجنينة، ميتة من التعب، وعرقي مغرقني، ووجع الطلق الكداب مش سايبني.. بس قولت كله ثواب.
لما خلصت، مسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي إنتي أصيلة يا بنتي.. والشدة بتظهر المعادن، افتكري الكلمة دي كويس. مفهمتش هي تقصد إيه، وشكرتها ودخلت بيتي.
ليلتها منمتش من كتر القلق والوجع.
وتاني يوم الصبح.. صحيت على صوت سرينة عربية بوليس!
قلبي وقع في رجلي.. الصوت كان قدام باب بيتي أنا!
خبط رزيع على الباب، فتحت وأنا بترعش لقيت قدامي مأمور القسم، ووراه عساكر وعربيتين بوكس.
قاللي بجمود يا مدام، محتاجين نسألك كام سؤال بخصوص الست هانم جارتك.
بطني وجعتني وقولتله بصوت مرعوش هو في إيه؟ حصل إيه؟
سكت شوية وقال لقيناها ميتة النهاردة الصبح في سريرها.
الدنيا لفت بيا وقولتله يا فندم أنا لسه كنت عندها إمبارح، كنت بساعدها في الجنينة والله!
بصلي بنظرة غريبة وقال ما هو ده بالظبط سبب وجودنا هنا.. إنتي كنتي آخر واحدة دخلت عندها.
رجلي مكنتش شايلاني أنا عملت حاجة غلط؟ أنا كنت بجبرها بخاطرها بس!
قاطعني بحدة وقال طب ممكن تفسري اللي موجود في صندوق البريد بتاعك ده؟ بقلم مني السيد
وشي جاب ألوان ودمي جمد في عروقي.
قاللي اتفضلي.. افتحي الصندوق بنفسك. مديت إيدي وأنا بتنفض، مكنتش متخيلة هشوف إيه..
بس أول ما عيني وقعت على اللي جوه الصندوق..
صوت صويتي جاب آخر الشارع!
فتحت الصندوق بوجل، لقيت ظرف كبير، تقيل، ومكتوب عليه اسمي بخط مهزوز.. وجنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها إنتي بنت أصول يا إيمي.. أوعي تنسي كدة أبداً. جارتك هانم.
فتحت الظرف، وأول ما عيني وقعت على اللي جواه.. صرخت!
صرخة هزت العمارة كلها، بس مكانتش صرخة رعب.. كانت صرخة ذهول، صدمة، وكأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح
جوه الظرف كان فيه شيك بمبلغ 250 ألف جنيه.. وتنازل رسمي وموثق عن عقد بيع لشقتي لصالحي، يعني الشقة بقت ملكي خالص مخلص، مفيش بنك ولا فيه طرد!
المأمور بصلي بهدوء وقال الحاجة هانم الله يرحمها راحت لمكتب المحامي بتاعها من 3 أسابيع، وغيرت وصيتها.. وطلبت إن الظرف ده يوصلك في اللحظة اللي تخرج فيها روحها لبارئها.
أنا مكنتش قادرة أنطق، دموعي كانت نازلة مغرقة الورق.
بس ليه؟ أنا معملتش حاجة.. ده أنا بس نضفتلها الجنينة! تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
المأمور ابتسم وقال الحاجة هانم مكنش ليها حد، وعاشت سنين بتراقب الناس من بلكونتها.. قالت للمحامي إنك الوحيدة اللي كنتي بتبتسمي في وشها وإنتي
طالعة ونازلة رغم همك اللي كان باين لكل الناس.. وقالت إن الحركة اللي عملتيها إمبارح وإنتي في شهرك الثامن عشان تريحي ست عجوزة، كانت هي الإشارة اللي مستنياها عشان تتأكد إن فلوسها هتروح للي يستحقها.
اللي حصل بعد كدة غير حياتي تماماً
سددت مديونات البنك كلها في نفس اليوم، وشيلت الباقي في حساب لبنتي اللي جاية. بقلم مني السيد
عرفت إن ست هانم مكنتش كريمة معايا أنا بس، دي سابت مبالغ لعم محمد البوسطجي، وللممرضة اللي كانت بتجيلها، ولكل
حد عاملها بإنسانية مش عشان مصلحة.
أهلها اللي مكنوش بيسألوا عليها حاولوا يرفعوا قضايا عشان يوقفوا الوصية، بس المحامي كان مأمن كل حاجة، والقاضي رفض كلامهم لأنها كانت في كامل قواها العقلية.
بعد 5 أسابيع، شرفت بنتي الدنيا.. سميتها هانم.
سميتها على اسم الست اللي أنقذتني من الضياع، الست اللي علمتني إن جبر الخواطر مش مجرد كلمة، ده عبادة وتجارة مع ربنا مبيخسرش صاحبها أبداً.
دلوقتي، لما بنزل الجنينة وبشوف الورد اللي زرعناه سوا بيطرح، بفتكر جملتها الأخيرة إنتي بنت أصول.
وفعلاً، الدنيا لسه بخير.. وطول ما فيه قلوب بتحس ببعضها، ربنا هيفضل يبعت رسايل جبر في وقت إحنا بنبقى فاكرين فيه
إن الأبواب كلها اتقفلت.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق