القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

أبنائي طردوني وباعوا بيتي… لكنهم لم يعرفوا أنني كنت أملك سرًا سيقلب حياتهم رأسًا على عقب

 أبنائي طردوني وباعوا بيتي… لكنهم لم يعرفوا أنني كنت أملك سرًا سيقلب حياتهم رأسًا على عقب



أبنائي طردوني وباعوا بيتي… لكنهم لم يعرفوا أنني كنت أملك سرًا سيقلب حياتهم رأسًا على عقب

 

أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي لكنهم لم يعرفوا أنني أملك سرًا سيغيّر كل شيء

اسمي ليلى، وعمري ستون عامًا.

هل تعرف ما معنى أن تُربي أبناءك بيديك العاريتين، ثم تكون تلك الأيدي نفسها هي التي تدفعك إلى الشارع كما لو كنت قمامة؟

هل بكيت يومًا حتى شعرت بأن صدرك يؤلمك، لا من الجوع، بل من شدّة انكسار القلب؟

دعني أخبرك بشيء أعمق الجراح في الحياة لا تنزف دمًا.

إنها تعيش في الصمت.

تنام إلى جوارك.

وتناديك أمّاه.

أنجبتُ ثلاثة أبناء. حملتهم تسعة أشهر من الألم والجوع والدعاء والسهر. كنتُ درعهم. ومعيلتهم. وكلّ شيء بالنسبة إليهم. كنتُ أسهر إذا مرضوا. وعملتُ نوباتٍ مضاعفة لأدفع رسوم دراستهم. ورهنتُ خاتم زواجي لأشتري الكتب. وحتى حين لم يكن لديّ شيء، كنتُ أمنحهم قوتي.

لكن الآن؟

الآن أجلس على رصيف بارد خارج متجرٍ يوشك أن يُغلق، أضمّ حقيبةً فيها الثياب الوحيدة التي أملكها. لأن أبنائي، نعم، أبنائي من لحمي ودمي، طردوني. باعوا البيت الذي بناه أبوهم وأنا بالعرق والتعب، ولم يتركوا لي سوى المهانة.

حدث ذلك بسرعةٍ مرعبة، ككابوسٍ لا نهاية له.

بدأ ذلك الصباح كما يبدأ أي صباح عادي. كنتُ أعدّ الفطور، اليام المسلوق مع الحساء. كانت الرائحة تملأ المكان. حتى إنني كنتُ أتمتم بلحنٍ قديم وأنا أحرّك القدر. كان قلبي مطمئنًا. أو هكذا ظننت.

قال أدهم، ابني الأكبر أمّاه، نحتاج إلى أن نتحدث. كان واقفًا عند الباب بوجهٍ جاد، والهاتف في يده.

وخلفه جاءت منى، ابنتي الوحيدة، ويوسف، أصغرهم، وعيناه إلى الأرض كعادته.

ابتسمتُ وقلت ما الأمر يا أبنائي؟

تكلّمت منى أولًا لقد قررنا أن الوقت قد حان لكي ترحلي.

سقطت الملعقة من يدي.

قلتُ في ذهول أرحل؟ أرحل إلى أين؟

قال أدهم ببرود من هذا البيت. سنبيعه. وقد وجدنا مشتريًا بالفعل.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 


وقفتُ ساكنةً، كأن صاعقةً جمّدتني. تحرّكت شفتاي، لكن لم يخرج صوت. نظرتُ إلى يوسف، صغيري، لكنه أشاح بوجهه وتظاهر بأنه يتفحّص شيئًا على الأرض.

قلتُ أخيرًا أنتم تمزحون. هذا البيت إرث أبيكم. لقد بناه لنا. للعائلة.

عقدت منى ذراعيها وقالت ونحن العائلة. نحن بحاجة إلى المال. لقد عشتِ في هذا البيت ما يكفي يا أمّاه. الآن جاء دورنا.

مددتُ يدي إلى كرسي قبل أن تخونني ركبتاي. وأين تريدونني أن أذهب؟

هزّ أدهم كتفيه وقال ربما إلى بيت الخالة سعاد. أو اذهبي لتقيمي عند تلك المرأة من الكنيسة ما اسمها؟ ماما زينب. إنها تحبك، أليس كذلك؟

تحطّم قلبي إلى شظايا لا أستطيع عدّها.

ولم أجد ما أقوله سوى بعد كل ما فعلته من أجلكم؟

لم يجب أحد.

كان اليومان التاليان ضبابًا كثيفًا. أحضروا شاحنة وشرعوا في توضيب أشيائي كما لو كنتُ غريبة. وقالوا للسائق ألّا ينتظر طويلًا. ثم ناولتني منى ثلاثة آلاف نايرا وقالت تدبّري أمركِ بهذا يا أمّاه. سنتصل بكِ حين نستقر.

حين نستقر؟

لقد باعوا البيت. باعوا الكراسي. والثلاجة. وحتى ساعة الحائط التي أهداها لي زوجي يوم زواجنا. وتركوا لي حقيبةً صغيرة وقلبًا مثقلًا بالألم.

تهتُ في الشوارع، أخفي دموعي عن الغرباء. وفي الليل كنتُ أجلس على جانب الطريق وأدعو الله أن يخفف عني هذا الحمل قبل الصباح.

لكن الله كان له تدبير آخر.

فزوجي الراحل، رحمه الله، قال لي شيئًا قبل سنةٍ من وفاته. قال ليلى، مهما كان الناس قريبين منكِ، لا تضعي ثقتكِ الكاملة في أحد. حتى في أكثر من تحبين. فالحياة مليئة بالمفاجآت.

ثم أعطاني مفتاحًا صغيرًا. مفتاحًا واحدًا فقط. وطلب مني أن أخفيه. وقال ستحتاجينه يومًا. وحين يأتي ذلك اليوم، لا تبكي. فقط افتحي الصندوق وابدئي من جديد.

لم أفتح ذلك الصندوق قط.

احتفظتُ به تحت

لوحٍ من ألواح الأرضية في غرفة نومنا، بجانب الجدار الذي علّقنا عليه صورة زفافنا. لم يكن أبنائي يعلمون به. ولم يبحثوا أصلًا. كانوا مشغولين بجشعهم نحو الثروة الظاهرة، فلم يحفروا أعمق.

وفي الليلة نفسها التي طردوني فيها، عدتُ.

لا لأتوسل.

أبدًا.

بل لأستردّ ما هو لي.

انتظرتُ في الظلال حتى نام المالكون الجدد للبيت. كانا زوجين شابين، يضحكان في غرفة الجلوس على وقع موسيقى صاخبة. لم يكونا يعلمان كم شهد هذا البيت من دموع ودم.

وعند منتصف الليل دخلتُ من الخلف.

كنتُ أعرف البلاطة التي تُصدر صريرًا ويجب تجنّبها، وأعرف كيف أُزيح الخزانة بالطريقة الصحيحة. جثوتُ على ركبتيّ، ورفعتُ لوح الأرضية المفكوك فإذا به هناك.

الصندوق.

ما زال في مكانه.

لم يمسه أحد.

وبيدين مرتجفتين فتحته.

وفي داخله كان ما يكفي لبدء حياة جديدة. ما يكفي للاختفاء. ما يكفي لأن أبني من جديد من الصفر.

ابتسمتُ عبر الدموع.

ظنّوا أنهم أنهوني.

لكنهم نسوا أنني زوجة رجلٍ حكيم.

أغلقتُ الصندوق، ووقفتُ، وهمستُ في الظلام أنتم لا تدركون ماذا فعلتم.

مرّ أسبوعان.

أقمتُ في غرفة هادئة خلف دار ضيافة صغيرة تابعة للكنيسة، بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن الخيانة. كل صباح، كنتُ أطوي ثوبي، وأربط غطائي بإحكام، وأذكّر نفسي أنتِ لستِ محطمة. أنتِ تبدأين من جديد.

وفي ذلك المكان الهادئ، التقيتُ ماما أمينة، امرأة دافئة رقيقة الكلام كانت تدير دار أيتام في أسفل الطريق. كانت ابتسامتها تذكّرني بزمنٍ سبق الحزن. لم تُكثر من الأسئلة، وأنا لم أقدّم الكثير من الأجوبة. لكن الألم يعرف الألم. بطريقةٍ ما، كانت تعرف.

وفي اليوم الثالث دعتني لأساعدها في إطعام الأطفال.

كانوا تسعة عشر طفلًا، حفاة، جائعين، صاخبين، لكنهم ممتلئون بالحياة. كان ضحكهم يطعن قلبي. تذكّرتُ

أطفالي وهم يركضون في الفناء الخلفي، ينادونني أمّاه، أمّاه، قبل أن يحوّل الزمن أصواتهم إلى سكاكين.

وفي إحدى الظهيرات أمسك ولد صغير اسمه عمر، لم يكن يتجاوز السابعة، بيدي وقال هل أنتِ أمي الجديدة؟

ابتسمتُ، لكن الدموع كانت تحرق عينيّ.

همستُ لا. لكن يمكنني أن أجلس معك.

فأسند رأسه إلى كتفي.

ولأول مرة منذ أسابيع، خفق قلبي بلطف.

في تلك الليلة فتحتُ الصندوق من جديد.

لم أكن قد لمست شيئًا بداخله. لم أكن مستعدة. لكنني الآن كنتُ بحاجة إلى أن أفهم حقيقة ما أملك.

كانت الوثائق ما تزال ناصعة، لم تمسّها يد الزمن ولا الخيانة. ولفتت نظري وثيقة على وجه الخصوص شهادة ملكية أرضٍ باسمي، مسجّلة قبل خمسة عشر عامًا في منطقة نائية لكنها سريعة النمو خارج المدينة. وكانت هناك أيضًا ورقة حسابٍ أجنبي تحمل رمزًا. لقد رتّب زوجي كل شيء في صمت. خطة احتياطية لهذه الخيانة بالذات.

اتصلتُ برقم البنك مستخدمةً هاتفًا مستعارًا.

قال الرجل بأدب نعم يا سيدتي، نرى أن بيانات هويتكِ متطابقة. لديكِ حساب دولي مجمّد وآخر رصيد فيه سبعة وثمانون ألفًا ومئتا دولار.

أسقطتُ الهاتف.

وانهمرت دموعي بحرية. ليس بسبب المال.

بل لأنني طوال ذلك الوقت، لم أكن وحدي.

لقد رأى زوجي الراحل العاصفة قبل أن تأتي.

والآن صار بإمكاني أن أختار الصمت أم الانتقام.

في صباح اليوم التالي اشتريتُ شريحة هاتف جديدة وسجّلتها باسمٍ مزيف. وفتحتُ حسابًا مصرفيًا جديدًا. وارتديتُ شعرًا مستعارًا جديدًا ونظارة بسيطة. وفي المرآة بالكاد عرفتُ نفسي. لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي ترجّت أبناءها. لا. هذه النسخة مني كانت فولاذًا ملفوفًا بجلدٍ بشري.

تبرعتُ بمئتي ألف نايرا لدار الأيتام دون اسم. ركضت ماما أمينة إلى غرفتي وهي تبكي. قالت ملاكٌ فعل هذا. دعوتُ الله أن يعيننا، فأرسل لنا العون.

ابتسمتُ، لكنني لم أقل شيئًا.

كان لديّ ما هو

 

أكبر من أن تتخيله.

وفي الليلة الثامنة حدث ما لم أتوقعه.

كان هناك طرق على البوابة.

ركض طفل صغير إلى الداخل وهو يصيح أمي! هناك زائر يسأل عن امرأة اسمها ليلى!

توقف قلبي.

تجمدتُ في مكاني. لم يكن أحد هنا يعرف ذلك الاسم. ولا حتى ماما أمينة.

خرجتُ ببطء ونظرتُ من وراء الستار.

كان يوسف، أصغر أبنائي.

كان وجهه منتفخًا، وقميصه متسخًا. بدا أنحف وأكثر شيخوخة.

لم يرني، بل كان يتحدث فقط إلى حارس البوابة.

قال إنها أمي. أرجوك. أحتاج أن أراها. لقد لقد ارتكبنا خطأ.

تحولت ساقاي إلى ماء.

لقد جاء؟

كيف عرف مكاني؟

ولماذا الآن؟

تراجعتُ إلى الخلف. ونظرت إليّ ماما أمينة بدهشة هذا ابنك؟

أومأتُ ببطء.

سألت وماذا ستفعلين؟

ابتلعتُ الغصّة وقلت لا أدري.

لكن في داخلي كانت الحرب قد بدأت.

راقبتُ يوسف وهو يجلس خارج البوابة ساعاتٍ طويلة.

ومن وراء الستار رأيته يبكي. ويتحدث إلى نفسه. ويتوسّل في الهاتف لا أعرف أين هي يا نادين! أقول لكِ إنني رأيتها! لكنها لا تخرج!

بدا كأنه عاد طفلًا. صغيري يوسف، الذي كان يجلب لي الزهور بعد المدرسة. والذي بكى يوم ماتت قطته.

لكن كل ما كنتُ أراه الآن هو الخيانة.

ومع ذلك قلبي آه يا قلب الأم تصدّع.

أشحتُ بوجهي. عاد الألم، يشتعل في صدري كالنار.

قالت ماما أمينة برفق أحيانًا، أكثر من يجرحوننا هم أكثر من يحتاجون إلى النجاة.

هززتُ رأسي وقلت لكن ماذا لو لم يأتِ إلا لأنه يريد شيئًا آخر من جديد؟

لم تجب.

ولم تكن بحاجة إلى جواب.

فأنا كنتُ أعرف.

وفي وقتٍ متأخر من تلك الليلة كتبتُ رسالة وطيّتها في هدوء.

يوسف،

إن كنت صادقًا في ندمك، فلتكن أفعالك أبلغ من دموعك.

المرأة التي كنتَ تعرفها رحلت.

لكن لعلّك لعلّك إن كنتَ حقًا تطلب الغفران، ستجدها.

يومًا ما.

أعطيتُ الرسالة للفتى الذي عند البوابة.

وهمستُ له

أعطه إياها حين يستيقظ.

لأنني بحلول الصباح سأكون قد رحلت.

من جديد.

استيقظ يوسف يرتجف على المقعد البارد خارج بوابة دار الأيتام. كانت عصافير الصباح تزقزق كأن شيئًا لم يحدث، لكن جسده كان يؤلمه، من صلابة الإسمنت، ومن الجوع، ومن ثقل الندم الذي صار يلاحقه كظل.

وحين جلس منتصبًا، ناوله طفل صغير ورقة مطوية.

قال الصغير قال أحدهم إن عليّ أن أعطيك هذه.

ارتجفت أصابع يوسف وهو يفتحها. وما إن وقعت عيناه على الكلمات، حتى عادت دموعه.

يوسف،

إن كنت صادقًا في ندمك، فلتكن أفعالك أبلغ من دموعك.

المرأة التي كنتَ تعرفها رحلت.

لكن لعلّك لعلّك إن كنتَ حقًا تطلب الغفران، ستجدها.

يومًا ما.

ضمّ الرسالة إلى صدره ثم قبّلها وهو يبكي.

وقال أمّاه أنا آسف

أما أنا، فقد كنتُ قد رحلت بالفعل.

بلدة أخرى. غرفة مستأجرة أخرى. واسمٌ آخر. تركتُ حياتي الماضية خلفي، لكنها كانت تجرّ سلاسلها خلفها أينما ذهبت.

ومع ذلك، كان أمامي عمل كثير.

اشتريتُ قطعة أرض باسم شركة لا يستطيع أحد تتبعها. وكانت الخطة واضحة بناء شقق للإيجار، وقاعة مناسبات، وملجأ للنساء اللواتي يشبهنني؛ أمهات تُركن خلف الجميع، مهجورات، مجروحات.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لم أكن أعيد بناء حياة فحسب.

كنتُ أبني إرثًا.

لكن جزءًا مني ظلّ يتألم من أجل يوسف. هو وحده. لا الآخرون. كان هو من اغرورقت عيناه بالدمع حين طُردت. وكان الوحيد الذي بدا وكأنه يريد أن يتكلم لكنه لم يفعل.

وحتى الآن، كنتُ أتساءل

هل كان الشعور بالذنب هو ما دفعه للبحث عني؟

أم كانت الحاجة واليأس؟

وفي مكان بعيد، في البيت الذي كان يومًا بيتي، صار الخراب هو السيد الجديد.

أُلقي القبض على أدهم، ابني الأكبر، بسبب تعثره في سداد قرض. ورفع المالك الجديد للبيت قضية. وفُصلت منى من عملها بعد أن زوّرت مستندات محاولةً استرجاع البيت. أما نادين،

زوجة ابني، فحزمت أمتعتها ورحلت وهي تصرخ بأنها لم تتزوج الفقر.

تفرّقوا جميعًا.

إلا يوسف.

عاد يوسف إلى البيت يحمل رسالتي. فوجد غرفة الجلوس شبه فارغة. الكراسي بيعت. والستائر اختفت. وكان صدى ما كان يومًا بيتًا يطارد الجدران.

جلس في مكاني القديم وبكى بكاء الصبي الذي فقد أمه إلى الأبد.

دخلت منى وهي تهمس بحدّة وماذا الآن؟ وجدتها؟

أومأ ببطء وأراها الرسالة.

اختطفتها منه وقرأتها ثم ضحكت بمرارة.

قالت بانفعال إنها تلعب بعقلك. انسَ تلك المرأة العجوز. لدينا مشاكلنا الخاصة.

وقف يوسف.

وقال لا. أنتم لديكم مشاكلكم. أما أنا فقد كانت لي أم، وخنتها.

ثم خرج.

وكان ذلك آخر عهد منى به.

وفي بلدتي الجديدة بدأت امرأة تُدعى الخالة أمينة تساعدني في تسجيل مؤسسة خيرية. وأطلقتُ عليها اسم

ماما ما زالت تتنفس.

لأنني فعلًا كنت ما أزال أتنفس.

ساعدتُ النساء على النهوض من جديد. ودفعتُ رسوم الدراسة لأطفال الأحياء الفقيرة. وأرسلتُ الطعام إلى الأرامل المنسيات كل عطلة أسبوعية.

كان كل وجهٍ ألمسه بالرحمة يلتئم معه جزء من روحي المكسورة.

لكن في إحدى الأمسيات حدث أمر غريب.

وصلني ظرف.

من غير طابع. ومن غير اسم. تُرك فقط عند بوابتي.

وكان بداخله صورة ليوسف

واقفًا أمام بيتي القديم

وفي يده وردة واحدة

ومعها ورقة كُتب فيها ببساطة

ما زلتُ أبحث عنك يا أمّاه. لا عن المال. ولا عن البيت.

بل عنكِ أنتِ.

أسقطتُ الصورة.

ولم تتوقف يداي عن الارتجاف.

قلتُ لنفسي ألا أهتم. وأنها ربما تكون حيلة. وأنهم جميعًا سيعودون حالما يعرفون أنني لم أعد فقيرة.

لكن في الزاوية العميقة من قلب الأم في داخلي

كنتُ أتمنى أن يكون الأمر حقيقيًا.

وبعد ليلتين استيقظتُ من حلم. كان زوجي، سامي، واقفًا إلى جواري فيه. ابتسم وقال

المغفرة لا تعني الضعف. بل تعني أنكِ انتصرتِ.


استيقظتُ وأنا أبكي.

لكنها لم تكن دموع الحزن.

بل كانت كالمطر بعد جفافٍ طويل.

ومع ذلك، كنتُ بحاجة إلى اليقين.

إن كان يوسف حقًا يقصد ما يقول، وإن كان قد تغيّر فعلًا، فسوف يجدني مرة أخرى.

لكن هذه المرة، لا مصادفة.

ولا بالتوسّل.

بل عليه أن يستحقّ حقّ أن يناديني أمي مرة أخرى.

لذلك تركتُ دليلًا واحدًا. دليلًا وحيدًا.

أعطيتُ الخالة أمينة رسالة مختومة وقلتُ لها إذا جاء يومًا شاب اسمه يوسف يسأل عني، فأعطيه هذه.

بدت عليها الدهشة. أتثقين به؟

حدّقتُ في البعيد وقلت لستُ متأكدة بعد. لكنني أريد أن أؤمن من جديد.

وفي تلك الليلة، بينما كان القمر يرتفع في السماء استقلّ يوسف حافلة.

إلى لا مكان.

إلى مكان ما.

إلى أي مكانٍ قد يقوده إليّ من جديد.

لكنه لم يكن يعلم ما الذي ينتظره.

لأن شخصًا آخر كان يبحث عني أيضًا.

ونواياه لم تكن حبًا.

كان الهواء في ذلك الصباح غريبًا.

لم يحمل رائحة أمل بل إنذارًا فقط.

كنتُ أجلس على مقعدٍ خشبي أمام

المبنى غير المكتمل الذي كان سيصبح ملجأ للنساء. وكان العمّال قد توقفوا لتناول الغداء. راقبتهم وهم يضحكون، ويمزحون، ويسكبون الماء على الإسمنت الساخن. كان ينبغي أن يبعث ذلك في نفسي ابتسامة. لكن شيئًا ما كان يلتوي في صدري.

كان ظلّ يلاحقني منذ أيام.

ليس الظل الذي تراه بعينيك

بل ذاك الذي تشعر به في روحك.

تجاهلتُ الأمر ووقفتُ عائدة إلى شقتي الصغيرة المستأجرة.

ثم رأيته.

طويلًا. أسمر. أكبر سنًا قليلًا. واقفًا في الجهة المقابلة من الطريق، يحدّق نحوي مباشرة.

تجمّدتُ.

انحبس نفسي في حلقي.

لم أر ذلك الوجه منذ واحد وعشرين عامًا.

فؤاد.

أخو زوجي.

أخو سامي الأصغر.

ذلك الذي قال لي يومًا في وجهي يوم يموت سامي سترين قيمتك الحقيقية.

كان قد اختفى بعد جنازة زوجي.

والآن ها هو، حيًّا، يبتسم بعينين لا تحملان أي فرح.

قلتُ بصوت مرتجف ماذا تفعل هنا؟

عبر الطريق ببطء وقال أنتِ تبنين يا ليلى. في صمت. وفي خفاء. لكنكِ نسيتِ أن بعض الأشباح لا

 تبقى مدفونة.

لم أدعه يدخل.

جلسنا على مقعد خارج المجمع. كانت الشمس حارقة، لكن حضوره كان أبرد منها.

قلتُ كنتَ تبحث عني؟

ضحك وقال لا يا ليلى. لم أكن أبحث. كنتُ أنتظر. أنتظر اليوم الذي تكتشفين فيه أسرار سامي. كنتُ أعلم أنكِ بمجرد أن تجدي ذلك الصندوق، ستنهضين.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة. وماذا تريد؟

مال نحوي وخفض صوته خمسين في المئة من كل شيء. وإلا أخبرتُ أبناءكِ أين أنتِ ودعوتهم ليحطموا جنتكِ الصغيرة من جديد.

انقبضت يدي.

ابتسم وقال أتظنين أنكِ الوحيدة صاحبة الأسرار؟ سامي كان أخي، لكنه وثق بي أكثر مما تتصورين. تلك الأرض، وذلك الحساب الأجنبي أتظنين أنكِ وجدتهما بالمصادفة؟ لقد أخبرني بكل شيء قبل موته.

ثم أخرج ورقة قديمة بالأبيض والأسود تحمل خط سامي. وقال أراد مني أن أحميكِ، نعم لكن أيضًا أن أسيطر عليكِ إن فقدتِ طريقكِ يومًا. كان يخشى أن تهبي كل شيء للغرباء باسم العمل الخيري.

طوى الورقة بعناية.

وقال أمنحكِ أسبوعًا واحدًا.

ثم رحل.

في تلك الليلة لم أستطع النوم.

شعرتُ بأن الغرفة تضيق. وبأن صدري أثقل.

إن أعطيته ولو جزءًا من المال، فسوف ينهار كل ما بنيته.

وإن لم أفعل فقد يفضحني. ويعيد النسور من جديد.

سيزحف أبنائي نحوي. لا طلبًا للمغفرة.

بل طلبًا للنهش.

مددتُ يدي إلى دفتري وكتبتُ في أعلاه

لن أسمح للخوف أن يتحكم بي مرة أخرى.

ثم رفعتُ الهاتف واتصلتُ بالخالة أمينة.

قلتُ رجاءً، فعّلي الأمانة الاحتياطية. اقفلي كل شيء باسم مؤسسة ماما ما زالت تتنفس. اجعليني وصية صامتة. يجب ألّا يستطيع أحد تتبع أي شيء إلى اسمي.

توقفت قليلًا ثم قالت ماما ليلى، هل هناك ما يدعو للقلق؟

همستُ لقد أدركتُ الآن شيئًا أحيانًا يكون أخطر عدو هو من يحمل اسم عائلة زوجك.

وفي تلك الأثناء، كان يوسف ما يزال

يبحث.

تتبع توجيهات عاملة النظافة في دار الأيتام إلى البلدة التالية.

ونام في رواق كنيسة. وأكل من باعة الشوارع. وسأل الغرباء وهو يحمل صوري.

وفي أحد الأيام قال له شخص ابحث في المركز الخيري وراء السوق القديمة. سمعتُ أن امرأة مسنة بدأت شيئًا جميلًا هناك.

قفز قلبه من مكانه.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ركض إلى هناك.

لكنه وصل بعد فوات يوم كامل.

قال له أحد الموظفين غادرت ماما ليلى البلدة أمس. قالت إنها تحتاج إلى أن تحمي شيئًا أكبر من نفسها.

تنهد يوسف وقال هل تعرفون إلى أين ذهبت؟

تردد الموظف ثم أخرج ببطء ظرفًا مختومًا من تحت الطاولة.

وقال قالت لي إن جاء يومًا هذا الشاب، فأعطه هذا.

فتح يوسف الرسالة، فوجد فيها كلماتٍ قليلة

رحلة البحث عني ليست مسألة مسافة يا بني.

إنها مسألة قلبك.

إن كنت تريد حقًا أن تجدني، فاحمِ ما أحب.

وعندها سأجدك أنا.

سقط على ركبتيه.

وقال أمّاه ماذا تحاولين أن تعلّميني؟

لكن بينما كان يوسف يبحث عن الشفاء

كان فؤاد يخطط لشيءٍ أشد ظلامًا.

طبع وثائق مزورة ليطالب بالأرض بوصفه أقرب الأقارب. ورفع قضيةً سرًا في المحكمة، آملًا أن يحاصرني في زاوية.

لكنه لم يكن يعلم

أنني تعلمتُ لعبة الصمت جيدًا.

وهذه المرة، لم أعد ألعب وحدي.

لقد اتصلتُ بمحامٍ هادئ، عجوز، قاتل بطريقته.

كان قد عمل مع سياسيين.

أما الآن، فهو يعمل معي.

وحين وصل إلى فؤاد استدعاءٌ قضائي بتهمة انتحال الشخصية، وصودرت أوراقه المزوّرة، ووُضع اسمه في القائمة السوداء لدى وزارة الأراضي

أدرك متأخرًا

أنه لم يكن يواجه ليلى القديمة.

بل كان يواجه امرأة نهضت من الخيانة والنار في صدرها والعدالة في يديها.

لكن حتى بعد ذلك الانتصار القانوني

لم يجد قلبي السلام.

لأن جزءًا مني كان ما يزال يهمس

ماذا لو استسلم يوسف قبل أن أكون مستعدة لأن يجدني؟


وما هو أسوأ

ماذا لو وجده شخصٌ آخر أولًا وحطّمه تمامًا؟

أشرقت الشمس ببطء ذلك الصباح، لكن لم يكن في صدري دفء. جلستُ إلى النافذة، وأصابعي ملتفّة حول كوب شاي ساخن برد منذ زمن.

حتى بعد إسكات فؤاد بالقانون، وحتى بعد أن أمنتُ كل شيء باسم المؤسسة، لم أستطع التخلص من الشعور بأن شيئًا أعمق أشد سوادًا ما يزال يزحف نحوي.

طارقٌ على الباب.

كانت الخالة أمينة، ووجهها شاحب، ويداها ترتجفان قليلًا وهي تحمل ظرفًا.

قلت ما هذا؟

قالت تُرك عند البوابة دون اسم. كدتُ أرميه، لكن شيئًا ما أخبرني أن آتيكِ به.

أخذته ببطء. كان اسمي مكتوبًا على الجهة الأمامية بلا عنوان مرسل. والختم كان مكسورًا أصلًا.

وفي الداخل كانت هناك ورقة واحدة رقيقة.

نتيجة فحص حمض نووي.

المريضة ليلى سامي

الطفل يوسف سامي

العلاقة 0 00

النتيجة لا توجد صلة بيولوجية

سقطت الورقة من يدي.

توقف قلبي.

دار المكان من حولي.

لم أستطع التنفس.

يوسف ليس ابني البيولوجي؟

انهالت عليّ ذكرى يوم ولادته يوم صرختُ من الألم، والممرضة تقول مبارك، إنه صبي!. وسامي يحمل الطفل. وابتسامته المتعبة. وفرحي. بدا كل شيء حقيقيًا جدًا.

فهل كان كذبًا؟

قبضتُ على صدري وأنا أرتجف. وصرختُ صرخةً جعلت الخالة أمينة تندفع إلى الداخل.

قالت ما الذي حدث؟!

ناولتها الورقة.

قرأتها مذهولة.

وقالت لكن كيف ولماذا الآن؟

وكان هذا هو السؤال الذي مزّق روحي.

لماذا الآن؟

من الذي يرسل هذا؟

والأهم من كان يعرف هذا السر غيري وغير سامي؟

إلا إذا

إلا إذا كان الأمر مخفيًا حتى عني أنا.

وفي تلك اللحظة نفسها، كان يوسف جالسًا في محطة حافلات، وقد أثقله التعب. لم يكن قد أكل طوال اليوم. وكان ماله يكاد ينفد. لكن بقي لديه خيط أخير، امرأة كانت تعمل خادمة عند عائلتنا. حصل على رقمها من صديق

قديم ورتّب للقائها في ساحة قرية هادئة.

كانت أكبر سنًا الآن، لكن في عينيها بقيت الحكمة نفسها.

قالت بهدوء آه يا يوسف، إنك تشبه أباك.

ابتسم، لكن ابتسامته لم تبلغ عينيه. هذا ما يقولونه.

توقفت لحظة ثم قالت أعني أباك الحقيقي.

تجمّد يوسف.

وقال ماذا ماذا تقصدين؟

تنهدت ونظرت بعيدًا. لم أرد أن أقول شيئًا. لكن ربما حان الوقت.

ثم أخرجت من حقيبتها صورة صغيرة باهتة، لرجل طويل يرتدي زيًا عسكريًا.

وقالت هذا أبوك. كانت أمك تعمل في البيت قبل أن تعود السيدة ليلى من المدينة. والحقيقة أنك وُلدت بعد أشهر من اختفائه.

حدّق يوسف في الصورة وكأنه مخدّر.

وقال إذن من الذي ربّاني؟

قالت ماما ليلى. ربّتك كما لو كنت ابنها. ولم تدع أحدًا يعاملك على أنك مختلف.

وفي الوقت نفسه، كنتُ أنا أتفتت في غرفتي.

تذكّرتُ اليوم الذي أخبرني فيه الطبيب أنني لن أستطيع الإنجاب مرة أخرى بعد الإجهاض.

وتذكّرتُ سامي، صامتًا أسابيع، ثم عاد فجأة يحمل رضيعًا ملفوفًا بقماش أبيض، من دون تفسير، مكتفيًا بالقول

لقد منحنا الله فرصة أخرى. خذيه. أحبّيه.

وقد أحببته. بكل ما فيّ. كما لو كان من صلبي.

لكن الحقيقة الآن خرجت من قبرها.

وأسوأ ما في الأمر؟

أنني لم أغضب من الكذبة.

بل خفتُ من أن أفقده من جديد.

وفي وقتٍ متأخر من تلك الليلة وصل ظرف آخر.

هذه المرة من فؤاد.

لم يكن فيه إلا سطر واحد

لنرَ إن كان يوسف ما يزال يريد أن يبحث عن أم لم تكن يومًا أمه.

ارتجفت يداي.

كان يعلم.

هو من أرسل الفحص.

وقد وجد وسيلة ليفتح جرحًا لم أكن أعرف أصلًا أنه موجود.

لا ليحطمني أنا فحسب

بل ليحطم يوسف أيضًا.

وفي صباح اليوم التالي كان يوسف يجلس على حافة جرف، يحدّق في صورة أبيه البيولوجي، ويداه ترتجفان وقلبه ممزق.

قال في نفسه لقد كذبت عليّ أمي

وأغمض عينيه، ولأول مرة تسلل إلى قلبه خاطر مظلم.

ماذا لو أن لا أحد أرادني يومًا؟

ترك الصورة تسقط.

ووقف.

وخطا خطوة أقرب إلى الحافة.

ثم

اهتز

 

هاتفه.

رسالة.

من رقم مجهول.

قد لا أكون من دمك.

لكنّك كنت قلبي.

لم ألدك.

لكنني اخترتك.

ولو خُيّرتُ لاخترتك مرة أخرى.

انهارت ركبتاه.

وسقط على الأرض يبكي كبكاء الطفل الضائع.

كنتُ أنا من أرسلها.

لأنني ربما لم ألده

لكنني كنت أمه بكل معنى يهمّ في الحياة.

وفي البيت كنتُ أنا أيضًا أبكي.

فالألم الذي يسببه لك خذلان أبنائك من دمك شيء.

أما ألم أن تكاد تفقد ولدًا اخترتَ أن تحبه، فذاك أعمق وأقسى.

لكنني اتخذتُ قرارًا.

سأجده.

قبل أن يفسد فؤاد قلبه أكثر.

وقبل أن تدفن أكاذيبهم الحب الذي جمعنا.

غير أنني لم أكن الوحيدة التي تتحرك.

كان فؤاد قد تعقّب يوسف.

أراده محطمًا.

لا مني وحدي بل من نفسه أيضًا.

عرض عليه الوثائق.

والحكاية المزيفة.

والمال.

لكن يوسف نظر في عينيه وقال شيئًا لن أنساه ما حييت

أتظن أن الاسم يصنع أبًا؟

أتظن أن الدم يصنع أمًا؟

لا.

الحب هو الذي يفعل.

وأنا وجدتها بالفعل.

ثم مضى.

أما فؤاد؟تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

فلم يكن قد انتهى بعد.

لأن لديه الآن خطة جديدة.

الأخيرة.

أن يفضح مؤسستي.

وأن يلطخ سمعتي.

وأن يهدم كل ما بنيته.

حتى لو استخدم أبنائي أنفسهم

طُعمًا.

كان الهواء في ذلك الصباح يزمجر عبر شقوق نوافذ شقتي الصغيرة المستأجرة، لكن برد الخارج لم يكن شيئًا أمام الصقيع في قلبي.

ما تزال كلمات فؤاد ترنّ في أذني

لنرَ إن كان يوسف ما يزال يريد أن يبحث عن أم لم تكن يومًا أمه.

لكنه لم يكن يستهدف يوسف وحده.

بل أبنائي أيضًا، أولئك الذين طردوني، وباعوا بيتي، وجعلوني أشعر بأنني لا شيء.

والآن ها هم يعودون زاحفين.

لكن ليس ندمًا.

بل لأنهم شمّوا رائحة المال.

بدأ الأمر باتصال من رقم خاص.

تجاهلته.

ثم جاءتني رسالة

أمي، أنا منى. نحتاج أن نتحدث. العم فؤاد أخبرنا بكل شيء. أرجوك، هل يمكن أن نلتقي؟

تجمدت يداي.

أتجرؤ على مناداتي أمي بعد كل ما فعلته؟

بعد أن سمحت لي بالإهانة، وبعد أن شاهدتني أغادر بحقيبة نايلون


سوداء صغيرة وقدماي متورمتان؟

انزلق الهاتف من يدي إلى الأرض.

وبقيتُ أحدّق في الرسالة، لا أدري أأبكي أم أضحك.

لقد علموا بالأمر.

الأرض. والحساب المخفي. والاستثمارات. والمؤسسة.

كل ما بنيته بعد أن دفنوني حيّة.

ظنّوا أنهم تخلصوا من امرأةٍ مكسورة، لكنني كنت أملك ثروة خفية لم يعرفوا بوجودها.

والآن عادوا ليطالبوا بحصتهم من الثروة.

لم أجب مدة يومين.

كنتُ بحاجة إلى وقت لأتنفس، لأشعر من جديد.

وفي إحدى الأمسيات سرتُ إلى طرف المجمع ووقفتُ أراقب الأطفال في الملجأ وهم يضحكون ويلعبون كرة القدم في الغبار.

لم يكن عندهم شيء.

ومع ذلك كانت عندهم فرحة.

أما أبنائي من دمي، فقد كان عندهم كل شيء.

ومع ذلك امتلؤوا جشعًا.

جلست الخالة أمينة إلى جواري. لم تسأل. فقط وضعت يدها فوق يدي.

قلتُ بهدوء إنهم عائدون.

أومأت وقالت كنت أعلم أنهم سيعودون. لكن ماذا ستفعلين؟

نظرتُ إلى الأطفال مجددًا، ثم همستُ سألتقيهم. لكنني لن أبكي هذه المرة. ليس من أجلهم.

رتبتُ لقاءً.

لا في مطعم فاخر. ولا في بيتي.

بل في الملجأ نفسه.

جاؤوا بأفضل ثيابهم.

منى في سلاسل ذهبية.

وأدهم في بدلة ضيقة.

صرخت منى أمي! وهي تفتح ذراعيها.

لم أتحرك.

ولم يصلني العناق.

جلسا.

يبتسمان.

ويمثلان.

وانسكبت الاعتذارات المزيفة كأنها زيت على ماء آسن.

قال أدهم أمي، نعلم أننا آذيناك. لكننا كنا مضلَّلين.

وأضافت منى نعم. فؤاد قال إنك تخفين المال. لم نكن نعرف أنك تخططين لشيء بهذا الحجم. نحن فخورون بك.

فخورون؟

كدتُ أضحك.

قلت أنتم لستم هنا بدافع الفخر. أنتم هنا لأنكم تريدون نصيبًا مما لم تساعدوا يومًا في بنائه.

ساد الصمت.

ثم قال أدهم أمي، دعينا نكون واقعيين. أنتِ تكبرين في السن. ما فائدة الاحتفاظ بكل هذا؟ دعي أبناءك يساعدونك في إدارة الأمور.

نظرتُ إليه مباشرة.

وقلت لقد طردتموني من بيتي. وبعتم سريري. وذكرياتي. وألمي. والآن تريدون بركتي؟

مالت

منى نحوي محاولةً الابتسام نحن عائلة.

هززتُ رأسي.

لا. العائلة لا تبيع روحك وأنت ما زلت تتنفس.

اسودّ وجه أدهم.

وقال إذًا لا تلومينا إذا خرجت الحقيقة. سنخبر الجميع أنك تغسلين الأموال عبر مؤسسة مزيفة.

توقفت.

ها هي الحقيقة.

ابتسمتُ بهدوء.

وقلت افعلوا. لكن لا تنسوا أن تخبروا العالم أيضًا كيف بعتم بيت أمكم وهي ما تزال تعيش فيه.

وقف أدهم غاضبًا.

لكنه لم يقترب.

لأنه رأى في عيني شيئًا جديدًا.

شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.

القوة.

وفي اليوم التالي

رفعتُ دعوى قانونية.

وضمنتُ أن كل شيء أصبح باسم المؤسسة.

ولم يعد لأحد سلطة عليّ.

لكن الحرب

لم تنتهِ.

لأن الليل جاء

ومعه

اختفى يوسف.

رن هاتفه.

ثم انطفأ.

بحثتُ عنه في كل مكان.

وفي النهاية

وصلني صندوق.

وفي داخله

ساعته.

محطمة.

ومعها رسالة

نقطة ضعفك أصبحت بين أيدينا.

في تلك اللحظة

لم أعد خائفة.

بل أصبحت

أمًا مستعدة للحرب.

في اللحظة التي رأيتُ فيها ساعة يوسف داخل الصندوق توقف كل شيء.

لم أصرخ.

لم أبكِ.

فقط سكتُّ.

وهذا أخطر ما يمكن أن تفعله أم حين يُؤخذ منها ابنها.

وضعتُ الصندوق على الطاولة ببطء، ويدي ترتجف.

ثم رفعتُ الهاتف.

لكن هذه المرة

لم أتصل بالشرطة.

اتصلتُ بمن لا يُقال لهم رجال أمن

بل يُقال عنهم من يُنهي الأمور.

قلتُ بصوت ثابت

ابني خُطف. أريده حيًّا.

جاءني الرد بعد ثانيتين فقط

أعطينا ساعة واحدة.

أغلقتُ الهاتف.

جلستُ.

وأغمضتُ عينيّ.

وفي داخلي لم يكن هناك خوف.

كان هناك شيء واحد فقط

غضب.

غضب أم.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات 

وذلك النوع من الغضب

لا يُطفأ.

بعد أربعين دقيقة فقط

رن الهاتف.

وجدناه.

نهضتُ فورًا.

أين؟

مزرعة مهجورة على أطراف المدينة. لكن

توقف الصوت.

قلت بحدة لكن ماذا؟

هناك شخص بانتظارك.

وصلتُ المكان.

سيارات سوداء.

رجال واقفون في الظلال.

وصمت ثقيل.

دخلتُ.

الباب كان مفتوحًا.

والرائحة

كانت خليطًا من الغبار والخيانة.

ثم رأيته.

يوسف.

مقيد.

لكن

حي.

حين وقعت عيناه عليّ

قال بصوت مكسور

أمي

وكأن العالم عاد للحياة في تلك اللحظة.

لكن قبل أن أتحرك نحوه

خرج صوت من الظلام

لا تتحركي خطوة أخرى.

عرفتُ الصوت فورًا.

منى.

خرجت ببطء.

ترتدي الأسود.

وعيناها لم تكونا ابنتي.

بل شخصًا آخر تمامًا.

قالت بهدوء

كنت أعرف أنك ستأتين.

قلت وأنا أحدق فيها

أطلقِ سراحه.

ابتسمت.

بهذه السهولة؟ بعد كل ما فعلتِ؟

تقدمت خطوة.

أنتِ من بدأ كل هذا.

ضحكت.

لا يا أمي أنتِ من بدأته منذ سنوات. حين قررتِ أن تكوني كل شيء وتركتِني لا شيء.

تقدمت أكثر.

حتى أصبحت على بُعد خطوات منها.

قلت بهدوء قاتل

كنتِ ابنتي.

صرخت

كنتِ؟!

ثم أشارت إلى يوسف.

هذا هو كل شيء بالنسبة لك! دائمًا كان هو!

صرخ يوسف

هذا غير صحيح!

لكنها تجاهلته.

وقالت لي

اليوم إما أن أخرج أنا بكل شيء أو لا أحد يخرج.

ثم أخرجت

مفتاح سيارة.

وضغطت زرًا.

وفي الخارج

سمعنا صوتًا.

صوت عدّاد.

انقبض قلبي.

قنبلة.

لكنني

لم أركض.

لم أصرخ.

بل ابتسمت.

نظرت إليّ منى بصدمة.

لماذا تبتسمين؟

قلت بهدوء

لأنكِ تأخرتِ.

وفجأة

اندفع رجال الأمن من كل الجهات.

سقطت منى أرضًا.

وتجمدت.

صرخت

مستحيل!

اقتربتُ منها ببطء.

وانحنيت.

وقلت

تعلمتُ منكم شيئًا واحدًا لا أثق بأحد بعد الآن.

تم إبطال القنبلة.

وفُكّ قيد يوسف.

وحين ركض نحوي

احتضنته.

بقوة.

بقوة أم عادت للحياة.

بكى.

وبكيت.

لكن هذه المرة

لم تكن دموع ضعف.

بل دموع نجاة.

اقتيدت منى مكبلة.

وكانت تصرخ

لم ينتهِ الأمر! سأعود!

لكنني لم أنظر إليها.

لأنني

كنتُ قد انتهيت.

بعد أسابيع

هدأ كل شيء.

سُجنت منى.

واختفى أدهم.

أما فؤاد

فلم يخرج من السجن أبدًا.

وأنا؟

لم أعد تلك المرأة التي طُردت.

ولم أعد تلك التي تبكي على الرصيف.

بل أصبحت

امرأة تعرف حقيقتها.

تعرف قوتها.

تعرف أن الحب

لا يعني أن تسمح لأحد أن يحطمك.

في بيت صغير قرب البحيرة

أجلس الآن.

أشرب الشاي.

وأراقب يوسف

وهو يلعب مع طفلته الصغيرة.

يناديها

تعالي عند ماما ليلى.

أبتسم.

لأنني أدركت أخيرًا

أن الأم ليست من تلد فقط.

بل من تبقى.

من تحارب.

من لا تتخلى.

أنا ليلى.

عمري ستون عامًا.

وقد خُنت

وانكسرت

وخُذلت

لكنني

لم أُهزم.

ولو سألتني الآن

ما هي أكبر ثروة أملكها؟

لن أقول المال.

ولا البيوت.

بل

قلبي الذي ما زال ينبض.

 

تعليقات

close