سافرت عشان اشوف ابني
سافرت عشان اشوف ابني
سافرت عشان أشوف ابني. أول ما شافني بص في ساعته وقالي: "إنتي جاية بدري 15 دقيقة.. استني بره شوية!"
أنا قولت أكيد "محمود" بيهزر.
بقالي سنة بحالها مشوفتهوش، كنا بنتكلم في التليفون كل فين وفين كلام سريع كده، كان دايماً مشغول. بس من شهر فات قالي: "يا ماما، تقدري تيجي في أي وقت."
وعشان كده جيت.
رتبت كل حاجة، وحجزت الطيارة قبلها بأسابيع، وأكدت الميعاد، ولميت شنطتي بالهدايا اللي منقياها للفرافير الصغيرين (أحفادي).
كل اللي كنت عاوزاه إني أشوف عيلتي.
لما وصلت، محمود فتح الباب.. حتى ماخدنيش بالحضن!
قالي: "يا ماما، إحنا مش قولنا الساعة 4؟ دلوقتي لسه 4 إلا ربع."
رديت عليه: "عارفة يا حبيبي.. بس السواق كان سريع، وأنا ماصدقت أوصل عشان أشوفك أنت والولاد."
رسمت ابتسامة على وشي بالعافية وأنا بفرد فستاني.. أحلى فستان عندي، كنت اشتريته مخصوص للزيارة دي عشان أكون واجهة تشرف قدامهم.
محمود مابتسمش حتى.
قالي بصوت واطي: "هناء" لسه بتوضب في البيت، والبيت مش جاهز.. استني بره معلش، هما 15 دقيقة بس."
وراح قفل الباب.
كنت سامعة صوت ضحك وكلام جوه، وحد علا صوت المزيكا.
فضلت واقفة مكاني قدام الباب.
واحدة عندها 69 سنة، مش بتسافر المسافة دي كلها عشان تتهان.. بس قعدت أصبر نفسي وأقول "معلش، أصل هو مشغول، وأنا اللي جيت بدري شوية."
وفضلت واقفة مستنية.
خمس دقايق.. عشرة.. ربع ساعة.
ومحدش خرج.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قعدت على شنطة هدومي عشان رجلي بدأت توجعني، وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة.
أنا ماجيتش بدري.. أنا أصلاً ماكنتش مرغوب فيا.
طلعت الموبايل، فضلت باصة على اسمه.. وبعدين قفلت الشاشة.
مخبطتش تاني.
مشيت في الممر وأنا بجر شنطتي ورايا، وطلبت تاكسي من على أول الشارع.
السواق سألني: "على فين يا حاجّة؟"
قلتله: "وديني أي لوكاندة رخيصة."
قضيت الليلة دي لوحدي في أوضة صغيرة في بنسيون، وكنت لسه لابسة الفستان اللي منقياه عشان أقابل بيه أحفادي.
مفتحتش الموبايل خالص.
غير تاني يوم الصبح..
لقيت 27 مكالمة فايتة، ورسايل كتير ورا بعض.
أول رسالة كانت من ابني بتقول...
أول رسالة كانت من ابني بتقول: **"يا ماما إنتي فين؟ إحنا فتحنا الباب الساعة 4 وربع ومالقناكيش! إنتي إزاي تمشي كده وتعملي لنا قلق؟ هناء كانت محضرة سفرة غالية والولاد كانوا مستنيين الهدايا.. بلاش حركات الدراما دي يا ماما وطمنينا عليكي."**
قريت الرسالة وأنا قاعدة في البنسيون المتواضع، بصه للسقف اللي فيه شروخ تشبه الشروخ اللي في قلبي. مكنش في عيني دموع، كان فيه "ذهول". ابني شايف إن وقفتي قدام بابه المقفول "دراما"، وشايف إن "تمن الأكل" أهم من كرامة أمه اللي اتهانت على عتبة بيته.
فتحت الرسالة التانية من "هناء" مراته: **"يا طنط بجد ذوقك مش حلو خالص، إحنا لغينا خروجة مهمة عشان نستقبل حضرتك، وفي الآخر تمشي من غير ما تقولي؟ ياريت تيجي دلوقتي عشان الأكل ميبوظش، وعشان محمود أعصابه تعبت من كتر التفكير."**
رديت عليهم بجملة واحدة بس: **"الأكل اللي يخاف عليه صاحبه ميتفتحش له باب، والابن اللي يحسب لأمه بالدقيقة ملوش عندي عتاب.. أنا في مكاني المناسب، كملوا سهرتكم."** وقررت أعمل "بلوك" لكل الأرقام.
## الخطة البديلة
فتحت شنطتي، وطلعت الهدايا اللي كنت جايباها. لبس غالي، ألعاب إلكترونية كان أحفادي نفسهم
فيها، وعقود دهب كنت شايلاها لهناء وللبنات. بصيت للحاجات دي وقلت لنفسي: "اللي ملوش خير في الكبير، ملوش خير في ماله."
نزلت لصاحب البنسيون، راجل عجوز ووشه بشوش، قلت له: "يا حاج، أنا عاوزة أروح دار أيتام قريبة من هنا، وعاوزة حد يوديني بسيارته وأنا هدفع له اللي يطلبه." الراجل استغرب بس نفذ طلبي.
رحت الدار، ووزعت كل الهدايا على الأطفال اللي هناك. شوفت فرحة في عيونهم مكنتش هشوفها في عيون أحفادي اللي محمود رباهم على "المظاهر". وزعت الفلوس اللي كنت ناويه أصرفها في الفسح معاهم على تجهيز وجبات للدار. حسيت برضا غريب، كأن الفستان اللي كنت لابساه نطق من الفرحة.
## المواجهة الكبرى
بعد يومين، عرفوا مكاني عن طريق شركة الشحن اللي كنت باعتة منها الشنط الكبيرة. الباب خبط، ولقيت محمود واقف، وشه أصفر وشكله مبهدل.
دخل وهو بيزعق: "إيه اللي بتعمليه ده يا ماما؟ فضحتيني وسط الناس! الناس يقولوا إيه؟ أم محمود ساكنة في بنسيون بـ 3 مليم وهو فاتح بيت قد الدنيا؟"
بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت له:
* "البيت اللي يتقفل في وش صاحبه، ميبقاش بيت يا محمود. والناس اللي يهموك دول، مسألوش عني وأنا واقفة 15 دقيقة في السقعة قدام بابك."
قال لي بحدة: "يا ماما قولت لك كنا بننظف! هناء عندها وسواس نظافة ومكنتش عاوزاكي تشوفي كركبة."
ضحكت بمرارة: "كركبة البيت تتلم يا ابني، لكن كركبة النفس ملهاش لمّام. أنت نسيت لما كنت بتيجي من المدرسة هدومك كلها طين وكنت بفتح لك حضني قبل ما تلمس عتبة البيت؟ نسيت لما كنت بتعيط بالليل وأنا بنظف دموعك قبل ما أفكر أنظف السرير؟"
## الضربة القاضية
محمود حاول
يغير الموجة: "خلاص يا ماما، حصل خير، قومي معايا البيت والولاد مستنيينك، وهناء اعتذرت أهي."
طلعت ورقة من شنطتي، كانت توكيل عام كنت عاملاه له عشان يدير أملاكي في المحافظة اللي هو فيها (أراضي ومحلات ورثتها عن والده).
* "خد يا محمود، التوكيل ده اتلغى الصبح في الشهر العقاري."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
اتصدم، وكأن حد ضربه قلم: "إيه؟ ليه يا ماما؟ دي الأملاك دي هي اللي ممشية حالنا ومخليانا عايشين في المستوى ده!"
قلت له ببرود: "المستوى ده محتاج ابن بار، مش ابن بيحسب لأمه بالثانية. الأملاك دي من النهاردة تحت إشراف محامي، والريع بتاعها هيروح لدار الأيتام اللي زرتها. أما أنت، فعندك شهادتك وشغلك، وريني هتعيش 'هناء' إزاي في المستوى ده من غير 'فلوس الكركوبة' اللي كانت بتسندكم."
بدأ يتوسل، ويبكي، ويقول إنه كان مضغوط، وإن هناء هي اللي ضغطت عليه.
* "اللي يرمي لوم جحده على مراته، يبقى لا طال بر أمه ولا طال رجولة بيته. اخرج يا محمود، وقفّل الباب وراك.. المرة دي بالثانية وبالدقيقة، عشان أنا اللي مش عاوزة أشوفك."
## الحرية
خرج محمود وهو مكسور، مش عشان خسرني، لكن عشان خسر "المصدر". وأنا قعدت في بلكونة البنسيون، وطلبت كوباية شاي بالنعناع، وبصيت للسما.
لأول مرة من سنين، أحس إني خفيفة. لا شايلة هم إرضاء حد، ولا خايفة من زعل حد.
أنا عندي 69 سنة، وفاضل لي في العمر أيام، قررت أعيشها لنفسي، في مكاني اللي أحبه، ومع الناس اللي بتقدر قيمة "اللحظة"، مش اللي بتبص في "الساعة".
الدرس اللي اتعلمته؟ إن القسوة مش بس ضرب وإهانة، القسوة أحياناً بتبقى "باب مقفول" في وقت كنت محتاجة فيه حضن. والكرامة
غالية قوي، أغلى من الدم، وأغلى من أي "مظاهر" كدابة.
**تمت.**


جميلة ومعبرة ...صار معي تقريبا نفس الموقف ...ابني صدق زوجته بكل شئ وتركني واخته الأرملة...وذهب مغ زوجته ....وتركني اصارع هذه الحياة...لكن اتكلت على الحي اللذي لايموت...الله سبحانه وتعالى...قادر على كل شئ...
ردحذف