رواية عشقت محتالة الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
رواية عشقت محتالة الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
_ "إنت أكيد اتجننت يا جدع إنت! معقولة واحد زي أدهم السويسي، بالذكاء والجبروت اللي بيتقال عليه، أدخل عليه بكل بسهولة وأقوله إني أخته اللي تاهت من عشرين سنة؟ مستحيل.. أنا مش هرمي نفسي في النار، ومش هشارك في النصباية دي"
كانت بتتكلم وهي باصه للراجل اللي ملامحه مليانه شر، وقال بصوت واثق:
"قولتلك ميت مرة أنا مخطط لكل فتفوتة في الحكاية دي، متقلقيش.. كل اللي مطلوب منك دور تمثيل مش أكتر. هتمثلي إنك ياسمين أخته، اللي أدهم السويسي مبيغمضلوش جفن وهو بيدور عليها بقالوا سنين. هتدخلي الفيلا، تعيشي هانم، وأول ما يطمنلك ويصدق إنك دمه ولحمه، هيبدأ إجراءات الورث. هتمضي بصفتك ياسمين السويسي إنك استلمتي نصيبك، وأول ما ده يحصل هتختفي من حياته كأنك سراب، وهسفرك بره مصر لأي بلد تحلمي بيها، وده غير شيك محترم يخليكي تعيشي ملكة.. فكري يا جميلة، الفرصة دي بتيجي مرة واحدة في العمر."
جميلة وقفت مكانها، التردد بياكل في عقلها، وقالت بصوت مهزوز:
"ولو كشفني؟ ده أدهم السويسي يا إبراهيم بيه! ده أنا لما بعدي بالصدفة من قصاد شركته نظرى ميجيبش أخرها من ضخامتها .. ده ممكن يقتلني في لحظة لو عرف إني بلعب بيه."
ضحك إبراهيم بـ سخرية وهو بيحاول يطمنها:
"هيعرف منين؟ هو شافك أصلًا؟ ده ولا يعرف شكلك حتى ،أخر مره شاف أخته كانت حتة لحمة حمره متمتش كام شهر، لما ناس جت واتبنتها من الملجأ .. ميعرفش ملامحك . هتدخلي له باسمك الحقيقي جميلة، وهنقول إن ده الاسم اللي الناس اللي ربوكي سموكي بيه، عشان ميفكرش ينبش ورا أوراقك الشخصية، وعشان كمان لو اتلغبطتي في اسمك قصاده يبقى ليكى حجه،حتى الشقة اللي هتظهري فيها جهزتها؛ حارة قديمة، وجيران أنا مشتريهم بفلوسي، هيحلفوا إنك ساكنة وسطهم من عشرين سنة وأهلك ماتوا وسابوكي وحيدة."
جميلة خدت نفس طويل، بتحاول تقنع نفسها إنها مجرد مصلحه وهتعدي..
هي كمان يتيمة، بس الدنيا كانت قاسية معاها بزيادة. جميلة مكنتش بنت شوارع من يومها، دي كانت بتروح مدرستها لحد ثانوي، عايشة مع أهل قد حالهم بس كانوا ماليين عليها الدنيا.. لكن فجأة كل ده انهار بموتهم.
بعد ما أهلها فارقوا الحياة، لقت نفسها لوحدها تماماً،وصاحب البيت مرحمش يتمها ورماها في الشارع. ومن هنا، حياتها اتقلب حالها 180 درجة؛ البنت اللي كانت بتشيل كتبها، لقت نفسها بتشيل هم اللقمة، واتعلمت إزاي تسرق وتتسول وتناهد في الشوارع عشان تعيش، لحد ما حظها وقعها في طريق إبراهيم.
إبراهيم من اللحظة الأولى اللي شافها فيها وهي بتتمسك في قضية سرقة كانت هترميها ورا القضبان سنين، قرر إنه ينتشلها.. مش رحمة بيها، لا، ده عشان يستخدمها للعبته الخبيثة اللي كان بيخطط لها، وكان عارف إن جميلة هي الوحيدة اللي تقدر تقوم بالدور ده ببراعة.
بصت له باستغراب وقالت:
"طيب وإنت مصلحتك إيه في الفيلم ده كله؟ ده إنت عمه! يعني المفروض تخاف عليه مش تسرقه."
وش إبراهيم اتقلب، وملامحه بقيت قاسية جداً وهو بيزعق:
"ملكيش دعوة ..وحسك عينك لو الخطة نجحت تجيبي سيرتي قدامه. أنا بعمل كده عشان أدهم دماغه ناشفة، ومش راضي يفك الوديعة اللي في البنك باسم أخته ياسمين.. ده الورث اللي محمود أخويا سابه ليهم قبل ما يموت، الوديعة دي لازم تخرج، وهتبقى من نصيبي أنا. ومفيش حل غير إن ياسمين تظهر وتمضي على الورث، وعشان كده أنا جبتك ."
جميلة بشك واستغراب :
"أنا مش فاهمة حاجه.. منين إنت عمه، ومنين أدهم بيه كان في دار أيتام هو وأخته؟"
إبراهيم اتوتر للحظة، وبلع ريقه وهو بيحاول يداري ارتباكه، ورد بحدة:
"قولتلك مية مرة متدخليش في اللي ميخصكيش! ركزي في دورك وبس.. ها، قولتي إيه؟ موافقة؟"
جميلة بصت للفراغ، حست إنها قدام مفترق طرق، يا ترجع للشارع والجوع والخوف من إنها تتمسك وتتحبس فى أي لحظه، يا تدخل قصر السويسي وتلعب لعبة الموت وتطلع منها هانم. اتنفست بعمق وقررت قرار هيغير حياتها للأبد .. وهي بتطمن نفسها ان الموضوع مش هياخد كام شهر وبعدها حياتها هتتغير للأبد
__ موافقه
__________________________________
في منطقه راقيه في أحد أحياء منطقه الشيخ زايد .. هناك حيث ناطحات السحاب اللي بتنافس السحاب نفسه، كان واقف مبنى ضخم، واجهته من الزجاج الأزرق بتعكس ضوء الشمس بهيبة، ومكتوب عليه ببنط عريض يخطف العين: (شركة السويسي للاستيراد والتصدير).
في الدور الخمستاشر، الدور اللي بيتحكم في مصير صفقات بملايين، كانت الأجواء هادية جداً ومنظمة لدرجة تخوف. قاعده السكرتيرة اللي اللباقة والتحضر باينين في كل تفصيلة في لبسها وطريقتها، قفلت المكالمة وقامت بتوتر مكتوم.. خبطت على باب مكتب المدير التنفيذي خبطتين، واستنت لحد ما جالها الرد بصوت رخيم، حاد، ومسيطر:
- "ادخلي."
فتحت رزان الباب ودخلت المكتب اللي كان أشبه بجناح ملكي مودرن، ألوانه هادية وديكوراته بسيطة بس تنطق بالفخامة. وفي نص الأوضة، قدام شباك زجاجي واخد مساحة الحيطة كلها، كان واقف بطلنا "أدهم السويسي".
كان مدي ضهره للباب، بس هيبته كانت كفيلة تخلي أي حد يبلع ريقه.. جسم رياضي مرسوم بالمسطرة نتيجة تمارين شاقة ورياضه عنيفه ؛لإنه بيقضي معظم يومه فى الجيم، لابس بدلة كحلي متفصلة عليه بالملي، وتحتها قميص أبيض ناصع. إيده في جيبه، باين منها ساعة روليكس، اللي تمنها كليتين وقلب، والإيد التانية ماسك فيها فنجان قهوة إسبريسو مُره، بيشربه بهدوء وكأنه بيفكر في غزو العالم.
رزان بصوت واطي:
- "مستر أدهم.."
لف أدهم ببطء، وهنا بانت ملامحه اللي تجمع بين الجاذبية الأوروبية وخشونة العرب.. بشرة برونزية، عينين بلون الفحم حادة زي الصقر، وفك متحدد بيبرز أكتر لما بيضغط عليه في وقت الغضب.
- "فيه إيه يا رزان؟"
- "الإيميل بتاع شركة فرنسا وصل يا فندم."
اتحرك بهدوء وقعد ورا مكتبه، لبس نظارة القراءة اللي بتزيده وقار، وراجع الإيميل لثواني قبل ما يهز راسه بجدية:
- "تمام.. ردي عليهم بالموافقة، وبلغيهم إننا في انتظارهم في مصر لإتمام التعاقد."
- "تمام يا مستر أدهم."
خرجت رزان وقفلت الباب وراها، وهنا أدهم ساب القناع الجاد ورفع راسه بتعب.. حياته عبارة عن تروس بتلف في ماكينة شغل مبيخلصش، روتين قاتل ومجتمعات. عينه وقعت على برواز قديم على مكتبه، ابتسامته الوحيدة الصادقة ظهرت لما شافه.
في البرواز صورة لولد عنده عشر سنين، ملامحه هي هي ملامح أدهم بس براءة الطفولة لسه فيها، وكان شايل طفلة رضيعة مكملتش شهور، بتضحك ببرائه. لمس أدهم الصورة من ورا الزجاج بحنين وهمس:
- "وحشتيني أوي يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب أخوكي."
أدهم قفل عينيه للحظة، وكأن شاشة اللابتوب اللي قصاده اتحولت لمرايا بتعرض أحداث من ٢٠ سنة فاتوا.. مشهد لسه محفور في ذاكرته بكل تفاصيله المؤلمة.
كان عنده عشر سنين، طفل واعي كفاية إنه يفهم إن العالم ده قاسي، بس مش قوي كفاية إنه يحمي حتة من قلبه. ياسمين أخته كانت لسه يدوب شهور، حتة لحمة حمراء في لفة بيضاء، كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليه جدران الملجأ الباردة.
اليوم ده مش هينساه؛ لما جت عيلة وشاورت عليها هي بس. صرخ بكل قوته، اتشبث بطرف هدوم الست اللي شايلاها، بس المديرة شدته بعيد وهي بتقول بقسوة:
"هما عايزين طفلة رضيعه يربوها على إيدهم.. أنت كبير يا أدهم، افهم بقى!"
وقف يتفرج عليهم وهم بياخدوا ياسمين وبيمشوا، عياطها كان بيقطع في قلبه، وهو واقف مشلول، مفيش في إيده غير صورة صغيرة بتجمعهم لسه محتفظ بيها ، فضل حاططها في جيبه زي التميمة.
______________________________
بعد مرور أسبوع، كانت جميلة قاعدة في شقتها الجديدة في الحارة، شقة متوسطة الحال لكن بالنسبة لجميلة اللي عاشت مشردة كانت شايفة إنها فخمة جداً .
كانت قاعدة قصاد التسريحة، ولابسة بجامة باللون النبيتي مبرزة جمالها الهادي اللي يخطف العين.. هي فعلاً كانت "جميلة" اسم على مسمى. بشرتها خمرية صافيه، ملامحها بريئة لدرجة تخلي اللي يشوفها يحلف إنها متعرفش عن غدر الدنيا حاجة، لكن اللي يدقق في عينيها الواسعة اللي زي عيون الغزلان، يحس بسحر غريب يشد ويأسر أي حد يبصلهم.ونظرة عينيها كانت مزيج غريب بين البراءة، وبين الذكاء اللي اتعلمته عشان تنجو من مخالب الدنيا.
كانت ماسكة المشط وبتسرح شعرها الأسود الناعم اللي نازل على ضهرها زي الحرير، وعقلها سرحان لبعيد.. غرقانة في تفاصيل اللعبة اللي داخلة عليها.
حسب كلام إبراهيم، اللقاء الأول بينها وبين أدهم السويسي ممكن يحصل في أي لحظة، بمجرد ما إبراهيم يرمي طعمه ويخلي أدهم يعرف بطريقته إنه لقى خيط يوصله لأخته اللي غايبة بقالها عشرين سنة.
سابت المشط من إيدها بملل وقامت فردت جسمها على السرير، عينيها كانت متعلقة بالسقف وهي بتكلم نفسها بقلق وتساؤل:
- "يا ترى يا أدهم يا سويسي هتصدق؟ معقول هتدخل عليك اللعبة وأبقى في نظرك أختك ياسمين؟ يا ترى هدخل حياتك فعلاً وأعيش في بيتك؟ دي حياتك هتتشقلب رأساً على عقب يا بت ياجميلة
.. بس يا ترى إنت شكلك عامل إزاي يا ابن السويسي؟ هل إنت فعلاً مرعب وزي ما بيقولوا قلبك حجر، ولا الشوق لأختك هو اللي هيحركك ويخليك حنين معايا؟"
جميلة كانت بتحاول تطمن نفسها، لكن ضربات قلبها كانت بتعلى كل ما تتخيل إن الباب ممكن يخبط في أي ثانية، وتلاقي نفسها وجهاً لوجه قدامه ، قدام أدهم السويسي.
________________________________
في شركة السويسي، الجو كان مشحون كالعادة بالهيبة والتركيز. أدهم كان قاعد ورا مكتبه الضخم، غرقان وسط ملفات الصفقات الجديدة، بيقرا بتركيز وعينيه مابتفوتش الهفوة، والهدوء في المكتب مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة ومن غير استئذان، دخل "علي" الحارس الشخصي لأدهم وضلّه اللي مبيفارقهوش، وبيساعده في البحث عن ياسمين .
علي كان بينهج ونفسه مقطوع كأنه كان في سباق، وملامح وشه كانت بتقول إن فيه خبر هيهز كيان المكان.
أدهم رفع عينه بحدة وضيق من الدخلة دي، ولسه هيتكلم ويوبخه، لقى علي بيقول بصوت مهزوز من الفرحة والنهجان:
- "أدهم بيه.. لقيناها! لقينا ياسمين هانم أخت حضرتك.. وعرفنا طريقها ومكانها بالظبط!"
— "إنت بتقول إيه يا علي؟ ياسمين؟ إنت متأكد؟"
علي بحماس:
— "والله يا فندم، كل المعلومات اللي وصلت لنا بتأكد إنها هي. وقدرنا نوصل لمكانها. هي عايشة في منطقة شعبية، واسمها جميلة، الاسم اللي العيلة اللي اتبنتها سموهولها قبل ما يتوفوا ويسيبوها لوحدها."
أدهم مسمعش باقي الكلام، كان قلبه بيدق بعنف. مسح وشه بإيده وهو بيحاول يستوعب إن حلم عشرين سنة بقى حقيقة.
— "جهز العربية فوراً يا علي.. أنا لازم أروح لها دلوقتي."
_______________________________
الحارة الهادية اللي مبيقطعش سكونها غير صوت خناقات الجيران، فجأة اتزلزلت.. صوت محركات قوية وزئير عربيات فخمة اقتحم المدخل الضيق. أسطول من العربيات السوداء المصفحة، كأنها موكب ملكي، سدّت المخارج والمداخل.. والكل وقف يتفرج بذهول، اللي باصص من الشبابيك واللي ساب اللي في إيده ووقف بقه مفتوح.
في مقدمة الأسطول، وقفت عربية BMW سوداء بتلمع، نزل منها علي الحارس الشخصي بهيبته المعتادة وجسمه الضخم بسبب طبيعة عمله ك بادي جارد، وبسرعة البرق لف وفتح الباب الخلفي.
نزل أدهم السويسي.. نزل وهو بيعدل جاكت بدلته الكحلي، ونظارته السوداء مخبية نظراته اللي كانت بتفحص الحارة بوجع وقرف في نفس الوقت. سكت لثواني، سحب نفس طويل من هوا الحارة المكتوم، وسرح.. "معقولة؟! معقولة أخت أدهم السويسي عايشه فى حاره زي دي !
فاق من شروده على صوت علي وهو بيشاور بجدية على عمارة قديمة، طلائها مقشر وبان عليها غدر الزمن:
- "هي دي الشقة يا أدهم باشا.. الدور التالت."
هز أدهم راسه بشرود، ملامحه كانت مزيج غريب بين القوة والتردد. اتحرك بخطوات ثابتة، خلت الأسفلت تحت جزمته يشتكي من قوتها، وخلفه جيش من الحراس الشخصيين اللي مأمنين المكان.
طلعوا السلم الخشبي اللي كان بيزيق تحت ضغط خطواتهم. وقفوا قدام الباب، "علي" اتقدم وخبط خبطات منظمة.. ثواني، والباب اتفتح.
- "حضرتك الآنسة جميلة؟"
جميلة وقفت ورا الباب، ملامحها باين عليها الخوف الممزوج بالبراءة المصطنعة، بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبص لـ علي الطويل العريض اللي سادد قدامها النور:
- "أ.. أيوه، أنا."
في سرها كانت بتقول بصياعة: "أوبا! بقا هو ده أدهم السويسي ، اممم شكله مش بطال وكمان وسيم، وواضح إنه طيب.." لكنها سرعان ما لبست قناع التمثيل، ورقت صوتها بخوف:
- "حضرتك مين؟ وعايز إيه؟"
علي مردش، لكنه رجع خطوة لورا بمنتهى الهدوء، وفجأة سمعت جميلة صوت تكة جزمة فخمة بتقرب.. وفجأة ظهر هو!
أدهم قلع النظارة ببطء، وعينيه اللي بلون الفحم بدأت تمسح ملامحها بدقة مرعبة.. فضل ساكت لثواني كانت تقيلة كأنها سنين، ملامحه اللي كانت زي الحديد بدأت تتهز، ونظرة الصقر اللي في عينيه اتحولت لنظرة حنين مداريه.
جميلة حست إن الأرض بتهز تحتها، وبلعت ريقها بصعوبة بالغة وتوتر حقيقي المرة دي.. عقلها كان بيصرخ بصدمة: "يلللهوي! مستحيل.. ده أدهم السويسي؟ ده جماله يرعب، وهيبته تخلي الواحد ينسى اسمه! ده لو عرف إني بكدب عليه مش هيطلع عليا نهار !"
أدهم أخد خطوة واحدة قربها، ريحة برفانه الفخم غطت على ريحة الشقة القديمة، ومد إيده ببطء شديد كأنه خايف يلمسها فتختفي، وقال بصوت رجولي عميق، هادي بس فيه رشة وجع هزت كيانها:
— "مفيش داعي للخوف.. أنا جيت عشان آخدك يا ياسمين.. جيت عشان أرجعك لمكانك اللي كان لازم تكوني فيه من زمان."
جميلة بتمثيل متقن، دموعها نزلت في التوقيت الصح، ورجعت خطوة لورا وهي بتترعش:
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم بمرارة وقال بلهفة :
— "أنا أخوكي يا ياسمين .. أنا أدهم ...."
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 2
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم ،وقال بلهفة:
— "أنا أخوكي يا ياسمين.. أنا أدهم."
— قولتلك أنا اسمى جميله ومليش اخوات انا ابويا وامي ماتوا من زمان ومسابوليش اخوات
على بجديه:"طيب ممكن يا انسه جميله ندخل وهتفهمى كل حاجه ."
جميله بصتلهم بتمثيل التردد لكنها هزت راسها بموافقه.
بعد شويه ..
أدهم كان قاعد قدامها على الكرسي الخشبي المتهالك اللي في الصالة، وعينيه مش مفارقة وشها.. حاسس ببركان مشاعر جواه، الفرحة بإنها قدامه، والوجع على الحالة اللي هي فيها.
جميلة رفعت راسها ببطء من بين إيديها، وعينيها كانت حمراء من كتر العياط المزيف، وبصت له بنظرة تايهة وقالت بصوت مبحوح:
— "يعني إيه؟ يعني السنين دي كلها كنت عايشة في كذبة؟ الناس اللي شلت اسمهم وحبيتهم ودفنتهم بإيدي مطلعوش أهلي؟ وأنت.. أنت جاي دلوقتي تقول لي إنك أخويا؟ أنت كنت فين يا أدهم بيه وأنا بترمى في الشارع عشان مش لاقية أدفع إيجار الشقة دي؟ كنت فين وأنا بجوع بالأيام ومحدش بيسمي عليا؟"
أدهم غمض عينيه بوجع حقيقي، كلامها نزل على قلبه زي السكاكين.. مكنش يعرف إنها شافت كل ده، كان فاكر إن العيلة اللي خدوها حافظوا عليها. قام وقف وقرب منها وقال بنبره خشنه متلقش أبدًا على كلامه الحنين
— "والله ما بطلت أدور عليكي.. كنت بقلب مصر حتة حتة،دورت في كل السجلات.. حقك عليا، أنا عارف إن مفيش كلام يعوضك، بس أوعدك إن من اللحظة دي مفيش دمعة واحدة هتنزل من عينيكي تاني."
جميلة في سرها: "يا حلاوة! ده طلع حنين أوي، والتمثيلية ماشية زي السكينة في الحلاوة.. بس لازم أتقل عليه شوية عشان ميشكش."
مسحت دموعها بظهر إيدها زي الأطفال ،وقالت بتمرد:
— "أنا مش عايزة وعود.. أنا مش عارفاك، ومش متعودة أخد حاجة من حد.. سيبني في حالي يا بيه، أنا خلاص اتعودت على عيشتي كده."
أدهم بص في عينيها بتصميم ونظرة مش مفهومة، مزيج بين الحنية وبين السيطرة اللي متعود عليها:
— "مش بمزاجك يا ياسمين.. أنا ملقيتكيش عشان أسيبك تاني. أنتِ هتيجي معايا دلوقتي، هتعيشي معايا في القصر اللي كان لازم تكبري فيه."
وقبل ما جميلة تنطق، كمل أدهم ببرود وثبات وهو بيحط النقط على الحروف:
— "طبعاً لازم إجراءاتنا تكون رسمية، وعشان قلبي يطمن وعقلي يرتاح، أول ما نوصل هنعمل تحليل DNA.. ولحد ما النتيجة تظهر، مش هسمحلك تغيبي عن عيني ثانية واحدة، ولا هقبل إنك تقعدي في مكان زي ده يوم كمان."
نادى بصوته الجوهري اللي هز جدران الشقة: "علي!"
علي دخل فوراً: "تمام يا فندم؟"
أدهم بلهجة آمرة: "الآنسة ياسمين هتيجي معانا، شنطة هدومها وكل حاجتها تتحط في العربية فوراً."
جميلة وقفت بذهول مصطنع، وبدأت تمثل دور البنت العزيزة النفس اللي مش فارق معاها الفلوس:
— "أنت بتؤمرني؟ أنت فاكر عشان غني هتمشي كلامك عليا؟ وبعدين تحليل إيه؟ أنت شاكك فيا ولا إيه يا بيه؟"
أدهم بص لها بابتسامة خفيفة، أول ابتسامة تشوفها جميلة، كانت ساحرة لدرجة خلت قلبها يدق بعنف حقيقي المرة دي مش تمثيل، وقال بوقار:
— "أنا مش بؤمرك.. أنا برجع حق أختي الصغيرة اللي اتسرقت مني زمان، والتحليل ده مجرد روتين عشان أقطع لسان أي حد ممكن يتكلم.. يلا يا ياسمين، اجهزي، مفيش وقت نضيعه هنا."
جميلة لفت وشها وهي بتمثل الضيق، بس في سرها كانت بتقول: "ده طلع مش سهل خالص.. بس ماشي يا أدهم يا سويسي، لما نشوف هتودينا لفين!"
وافتكرت إن إبراهيم طمنها، وإنه مظبط كل حاجه تخص التحليل لو أدهم أصر يعمله .
مرت ساعه تقيلة على أدهم وهو قاعد في عربيته الفارهة، مستني جميلة وهي بتلم حاجتها. . بعد دقايق ركبت جنبه في العربية، وكانت منبهره من فخامة الكراسي الجلد وريحة العربية اللي تخطف النفس، أما هو فكان بيبص لها بنظرات كلها ذنب، وكأنه بيعتذر لها عن كل ليلة قضتها بعيد عن حضنه وحمايته.
أدهم أمر السائق يتحرك، وطول الطريق عينه مكنتش بتنزل من عليها، كأنه خايف تغيب عن نظره ثانية واحدة فتطلع سراب ويصحى من الحلم الجميل ده.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت إلكترونياً، عشان يظهر وراها جنينة واسعة وفي نصها قصر يخطف الأنفاس.. قصر السويسي.
جميلة بذهول حقيقي المرة دي:
— "هو.. هو إحنا هنعيش هنا؟"
أدهم بابتسامة حنونة:
— "ده بيتك يا ياسمين.. القصر ده ملكك زي ما هو ملكي بالظبط. ومن بكرة، كل شيء في حياتك هيتغير."
نزل أدهم وفتح لها الباب بنفسه، ودخلوا من الباب الرخامي الكبير.. الشغالات كانوا واقفين في استقبال أدهم. لكن فجأة، قطع السكون ده صوت خطوات صغيرة وسريعة جاية من الدور اللي فوق، وصوت طفل بينادي بأعلى صوته:
— "بابا أدهم! بابا أدهم!"
جميلة اتسمرت مكانها، وبصت لأدهم بصدمة وهي شايفة طفل عنده حوالي 10 سنين بيرمي نفسه في حضن أدهم، وأدهم بيبادله الحضن بحب وحنيه..
جميلة (بهمس وارتباك):
— "بابا؟! هو أنت متجوز يا أدهم بيه؟"
أدهم شال يزن وباسه، وبص لجميلة بملامح هادية ومرتاحة وقالها:
— "لا يا ياسمين.. يزن يبقى أخونا الصغير
قطع حبل أفكارها يزن اللي ساب حضن أدهم وجري عليها، وقف قدامها وبص لها بعيون واسعة مليانة براءة وفرحة وقال بصوت طفولي خطف قلبها:
— "إيه ده.. هو أنتي أختي؟ أنتي ياسمين اللي بابا أدهم كان بيحكي لي عنها؟"
جميلة اتسرعت دقات قلبها وسكتت، مكنتش عارفة ترد تقول إيه، حست بوزن الكذبة بدأ يتقل على كتافها قدام براءة الطفل ده. بصت لأدهم بتوهان، فأدهم بابتسامة حنونة ركع على ركبته قصاد يزن،وقال:
— "أيوة يا حبيبي.. جميلة تبقى أختك الكبيرة، ومن النهاردة كلنا هنبقى عيلة واحدة وما فيش حد فينا هيبعد عن التاني أبداً."
أدهم رفع عينه لجميلة اللي كانت بتبص له بتوهان وعدم فهم، هز لها راسه بطمأنينة وكأنه قرا اللي في دماغها، وهمس لها:
— "هفهمك كل حاجة بعدين.. المهم دلوقتي يزن."
يزن قفز من الفرحة وهو بيصقف بإيده:
— "هيييه.. يعني هتعيشي معانا في القصر وتلعبي معايا؟ بابا أدهم بيبقى مشغول دايما في الشركة ومش بيلعب معايا كتير، أنا كنت زهقان لوحدي أوي!"
جميلة حست بغصة في حلقها، رقت ملامحها غصب عنها ورسمت ابتسامة هادية على وشها، وطبطبت على شعر يزن:
— "إن شاء الله يا حبيبي.. هنلعب كتير سوا."
في اللحظة دي، قربت واحدة من الخادمات وقالت باحترام:
— "أدهم بيه.. الغدا جاهز في السفرة."
أدهم قام وقف وشال يزن على كتفه بحفة، وبص لجميلة بنظرة جادة ورجعت له هيبته وتفكيره العملي وقال:
— "يلا يا جميلة عشان نتغدا.. وبعد الغدا عايزك في موضوع مهم جداً، الدكتور زمانه على وصول عشان إجراءات التحليل اللي اتفقنا عليها."
جميلة بلعت ريقها، حست إن وقت الجد جه، وموضوع التحليل ده هو اللي هيحدد يا إما تعيش هانم في القصر ده، يا إما ترجع في الشوارع تاني .. وده هيبقى أهون بكتير من اللي أدهم ممكن يعمله فيها لو كشف كذبتها .مشيت وراه وهي بتدعي في سرها إن خطة إبراهيم تكون محبوكة صح.
بعد الغدا، الجو في القصر كان مشحون بهدوء يسبق العاصفة. فريق من المعمل جيه وسحب عينات دم من أدهم وجميلة وسط نظرات أدهم الثابتة اللي مابتتهزش، ونظرات جميلة اللي كانت بتحاول تداري ارتباكها ورا قناع من الثبات المزيف.
بعد ما الفريق مشي، جميلة لقت نفسها بتتوجه لمكتب أدهم بناءً على طلبه. دخلت وقعدت على كنبة جلد كبيرة باللون البني، كانت بتتلفت حواليها بذهول من ضخامة المكتب والكتب اللي واصلة للسقف، وبدأت تفرك إيديها بتوتر وهي مستنياه.
فجأة باب المكتب اتفتح، ودخل أدهم.. جميلة بلعت ريقها بصعوبة أول ما شافته. أدهم كان غير هدومه الرسمية، ولابس هدوم بيتي عبارة عن تيشرت رصاصي أبرز عضلات جسمه الرياضي وتقسيمة صدره، وبنطلون أسود مريح.
جميلة أول ما شافته بالهيئة دي، غمضت عينيها بسرعة وهي بتهمس لنفسها بصوت واطي جداً:
— "يا مري.. إحنا متفقناش على كدة! هو في بني آدم بيبقى حِلو كدة وهو ببيجامة؟ على رأي ياسمين عز كتاف الراجل بالدنيا !"
ارتباكها زاد لما لقت ريحة برفانه، اللي بقت أهدى وأجمل، بدأت تخترق أنفاسها وهو بيقرب منها وقعد جنبها على الكنبة بمسافة تسمح لها تحس بحرارة جسمه، وقال بهدوء:
— "إن شاء الله نتيجة التحاليل هتظهر بعد يومين."
جميلة اكتفت إنها تهز راسها "أيوة" وهي لسه باصة في الأرض، مش قادرة تنطق كلمة ولا ترفع عينها فيه. أدهم لاحظ سكوتها، فنداها بصوته الرجولي الخشن اللي فيه نبرة حنين:
— "جميلة.."
جميلة رفعت عينيها في عينه فجأة، وحست إن قلبها هينفجر من دقاته لما سمعت اسمها خارج منه بالنبرة دي، كأنه بيغنيه مش بينطق اسم عادي.
أدهم ابتسم وقال بوقار:
— "أنا عارف إنك لسه متعودتيش على اسمك الحقيقي، وعشان كدة هناديكي جميلة لحد ما تاخدي على المكان وتتعودي.. وبعدين، أنا كنت عايز أحكيلك عن يزن، عارف إن فيه حاجات كتير بتدور في دماغك ومش فاهماها."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنه بيطلع وجع سنين، وبدأ يحكي:
— "بعد ما عيلتك جت اتبنتك من الميتم وبعدتك عني، قعدت شهور مش بتكلم مع حد، كنت طفل وحيد مكسور.. لحد ما في يوم، جت أسرة غنية، راجل وست طيبين جداً، أول ما شافوني حبوني وقرروا يتبنوني، خصوصاً إنهم مكنوش بيخلفوا."
أكمل وهو باصص للفراغ وكأنه شايف الأحداث قدامه:
— "عشت معاهم أجمل سنين حياتي، حبوني كأني ابنهم بجد، بس عمري ما نسيتك. عدى 8 سنين، بقى عندي وقتها 18 سنة، وفجأة حصلت المعجزة.. الأم اللي اتبنتني ومكنتش بتخلف حملت! كلنا فرحنا، بس الفرحة متملتش.. وهي بتولد يزن، توفت لأن قلبها مكنش مستحمل، وسابت لي يزن حتة من روحها. وبعدها بسنة لحقها بابا، ومبقاش ليا حد غير يزن.. اعتبرته ابني مش أخويا، أنا اللي ربيته وشلت همه لوحدي لحد ما اتخرجت وكبرت ثروة أهلي وبدأت أكبر في شغلي."
سكت شوية وبص لجميلة وكمل بصدق:
— "وقتها بدأت أدور عليكي.. كنت عارف إن والدي ووالدتي الحقيقيين ماتوا في حادثة، بس عرفت إن عندي عم اسمه إبراهيم وقدرت أوصله، وفرحت جداً إن ليا عيلة. فضلنا ندور عليكي سنين، والحمد لله ربنا عوضني ولقيتك. أنا مش عايزك تزعلي من حكاية التحليل دي، ده مجرد إجراء شكلي عشان الورث والشركات، لكن أنا قلبي متأكد إنك أختي."
جميلة في اللحظة دي مسحت دموعها اللي نزلت غصب عنها.. المرة دي الدموع كانت حقيقية، تأثرت بكلامه وبحياته اللي كانت شبه حياتها في اليتم والوجع. بصت له بتأنيب ضمير بياكل في قلبها.. هي بتخدعه، وهو بيحكي لها أسرار حياته
أدهم لاحظ إن ملامح جميلة بدأت ترهق من كتر التفكير والتمثيل، فقام وقف وقال بهدوء:
— "أنا عارف إن اليوم كان طويل وصعب عليكي.. اطلعي دلوقتي عشان أوريكي جناحك، لازم ترتاحي وتنامي كويس."
جميلة فتحت عينيها بذهول وقالت بعفوية:
— "جناح؟! هو أنا هنام في جناح لوحدي؟"
أدهم ابتسم على براءتها اللي لسه بيستكشفها وقال:
— "تعالي ورايا وانتي تشوفي."
خرجوا من المكتب وطلعوا السلالم الرخامية العريضة اللي بتوصل للدور العلوي، وجميلة كانت ماشية وراه وهي بتنهج من كتر الانبهار.. مع كل درجة بتطلعها، فخامة القصر كانت بتزيد. الدور الفوقاني كان عبارة عن ممرات طويلة، وكل ممر فيه عشرات الغرف، فعلاً كأنه فندق سبع نجوم مش مجرد بيت.
أدهم وقف قدام باب خشب أبنوس ضخم، فتحه وشاور لها تدخل. جميلة دخلت وشهقت من الجمال؛ الجناح كان عبارة عن قطعة من الجنة. السرير مفروش بستان ناعم لونه لؤلؤي، والسجاد يدوي بيغوص فيه الرجل، والحيطة كلها عبارة عن شباك زجاجي بيبص على حمام السباحة والجنينة اللي منورة بالليل. وفيه ركن ليفينج صغير بكنب مريح، وحمام خاص كله من الرخام الإيطالي.
أدهم ابتسم لما شافها بتلف حوالين نفسها زي الطفلة التايهة، وقال بصوت دافي:
— "هسيبك بقى تنامي، ولو احتجتي أي حاجة، التليفون ده بضغطة واحدة تقدري تنادي على الخدم تحت وهيكونوا عندك في ثانية."
جميلة هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة إن ده بقى مكانها،
لكن فجأة اتصنمت مكانها وحبست أنفاسها لما لقت أدهم قرب منها فجأة. المسافة بينهم بقت معدومة، لدرجة إنها حست بحرارة جسمه بتخترق لبسها، وأنفاسه السخنة ضربت في خدها.
فتحت عينيها على آخرهم وخرجت منها شهقة مكتومة لما أدهم ميل راسه ناحية خدها، وطبع بوسة رقيقة وهادية جداً.. بسببها رعشة قوية سرت في جسم جميلة خلت أطرافها تتلج وقلبها يقع في رجليها.
أدهم بعد بهدوء، وبص في عينيها بنظرة غامضة مليانة حنان وقال بصوت واطي وهامس:
— "تصبحي على خير يا جميلة."
خرج أدهم وقفل الباب وراه بكل هدوء، وساب المسكينة واقفة مكانها زي الصنم، حاطة إيدها على خدها، وعينها متعلقة بالباب.. مكنتش قادرة تفوق من الصدمة ولا من إحساس الرعشة اللي هز كيانها.
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 3
في صباح يوم جديد، جميلة فتحت عينيها على صوت خبط على الباب. غطت وشها بالمخدة، لسه مش متعودة على نومة السرير الناعم ده ولا على الهدوء اللي بيقطع النفس. لما الخبط زاد، قامت دعكت عينيها وقالت بصوت كله نوم:
- "مين؟"
جالها صوت يزن الطفولي من ورا الباب وهو بيقول برقة:
- "أنا يزن يا جميلة.. ممكن أدخل لو سمحتي؟"
ابتسمت غصب عنها من طريقته المؤدبة وقالت: "ادخل يا يزن."
يزن دخل وجري على سريرها وقعد على الطرف بحماس: "صباح الخير"
جميلة ردت بكسل وهي بتمط جسمها: "صباح النور يا حبيبي.. أنت صاحي بدري كدة ليه؟"
يزن رد باستغراب: "بدري إيه؟ احنا هنا بنصحي من الساعة سبعة!"
جميلة برقت بذهول وفقدت أعصابها للحظة: "إيه البيت ده! أنت في معسكر؟ بتصحوا من الساعة سبعة تعملوا إيه؟"
يزن ضحك على منظرها ورد ببراءة: "بابا أدهم بيقوم يتمرن الأول، ويخلي الخدم يفطروني، وبعدين بيجي ياخد شاور ويقعد في مكتبه يشتغل شوية، وبعدين بيفطر.. والساعة دلوقتي عشرة، وانتي لازم تقومي عشان أدهم ميزعقلكيش، لأنه مبيحبش الناس الكسلانة اللي بيصحوا متأخر."
أول ما جميلة سمعت اسم "أدهم"، قلبها دق بسرعة غريبة، وافتكرت ملامحه وهو قريب منها امبارح واللي عمله بعدها، جسمها كله يتنفض. خدودها سخنت فجأة وبقت حمراء زي الدم من الخجل
ويزن لاحظ ده وسألها بلهفة:
- "انتي وشك أحمر كدة ليه؟ انتي تعبانة؟ أنادي بابا أدهم يشوفك؟"
جميلة قامت بفزع من على السرير ونطت واقفة:
- "لا لا! أنا تمام، أنا زي الفل أهو..هغير هدومي وأنزل فوراً!"
دخلت جميلة الحمام وخدت شاور سريع يفوّقها من أفكارها، وبعد ما خرجت فتحت دولابها ووقفت تتأمله بضيق وحزن.. هدومها معظمها فيها قطع ومترقعة، ولو فيه طقم سليم بيبقى لونه باهت وباين عليه القدم من تكرار الغسيل. وقفت شوية بتردد لحد ما استقرت على بلوزة صيفية باللون الأصفر، لبستها ومعاها بنطلون جينز بالي من كتر الغسيل، ورفعت شعرها كحكة عشوائية لفوق ونزلت شوية خصلات على خدها زادتها رقة وجمال.
نزلت السلالم وهي بتحاول ترسم الثبات على وشها، وأول ما وصلت الجنينة شافت أدهم قاعد بهيبته المعتادة، بيشرب قهوته وبيشتغل على اللابتوب، وكان لابس قميص أبيض نص كم أبرز عضلات دراعه وقوته بشكل يخطف العين.
أدهم رفع عينه من اللابتوب وبص لها نظرة طويلة، خلت الأكسجين يهرب من المكان، وقال بصوته الرجولي الهادي:
- "صباح الخير يا جميلة.. نمتي كويس؟"
جميلة نزلت الجنينة وهي مكسوفة وبتحاول تداري ارتباكها:
- "صباح النور.. أيوة، الحمد لله نمت كويس جداً."
أدهم عينه وقعت على هدومها القديمة والبنطلون الباهت، وجميلة لاحظت نظرته ففركت إيديها بتوتر وخجل، وحست بفقرها وسط القصر ده. أدهم ابتسم عشان يطمنها وقال:
- "صحيح.. إحنا كمان شوية هنخرج أنا وأنتي ويزن نعمل شوبينج. يزن مدرسته هتبدأ ومحتاج أجيبله يونيفورم، وأنا كمان محتاج أجيب شوية قمصان وهدوم، وبالمرة أجيبلك هدوم تليق بيكي."
جميلة حاوطت نفسها بدراعاتها بخجل وقالت بنبرة فيها حزن مكتوم:
- "ملوش لازمة يا أدهم بيه.. أنا مش عايزة حاجة، هدومي كويسة."
أدهم بلمسة حانية، مد إيده ولمس كف إيدها المحطوط على الطاولة، اللمسة دي سببت رعشة في جسم جميلة وخلت أنفاسها تضيق، وقال بنبرة هادية جداً:
- "جميلة.. أولاً أنا اسمي أدهم وبس، مش أدهم بيه. ثانياً أنتي أختي، يعني كل فلوسي هي فلوسك، أنا مش بعطف عليكي ولا حاجة. وبعدين أنا فعلاً محتاجك تيجي معايا تنقي لبسي، أنا عايز أجيب كام طقم كاجوال وأنا ماليش فيه خالص، كل لبسي كلاسيك وبدل، فمحتاج ذوقك يساعدني."
جميلة هزت راسها بفرحة حقيقية المرة دي وقالت: "أكيد!".. أدهم شال إيده من على كفها وكمل شرب قهوته بهدوء، لكن فجأة جالهم صوت خلى جميلة تفتح عينيها بتوتر وقلق، وقلبها كاد يتوقف من الرعب.
- "يا محاسن الصدف! العيلة كلها متجمعة في الجنينة من غيري؟"
التفتوا لمصدر الصوت، وكان إبراهيم، عم أدهم.. واقف بابتسامته الصفراء وعينيه اللي بتلمع بالمكر وهو بيبص لجميلة كأنه بيحذرها من أي غلطة
أدهم بص لإبراهيم وقال بوقار:
- "تعالى يا عمي اتفضل.. القصر نور."
وبعدين بص لجميلة اللي كانت واقفة متصنمة، ملامحها مخطوفة وعينيها مش قادرة تثبت في مكان واحد من كتر التوتر، وكمل:
- "ده عمك إبراهيم يا جميلة.. اللي حكيتلك إنه فضل يدور عليكي معايا السنين دي كلها."
إبراهيم ملامحه اتغيرت في ثانية لتمثيل متقن، وعينيه دمعت بتأثر غريب وقال بصوت مهزوز:
- "أنا مصدقتش لما أدهم حكالي.. تعالي في حضني يا ياسمين، تعالي يا بنت الغالي."
جميلة اتحركت ببطء وهي بتقدم رجل وتأخر رجل، مدت إيدها تسلم بس إبراهيم سحبها بقوة وحبسها جوه حضنه.. من بعيد، عم وبنت أخوه بيحضنوا بعض بعد سنين، لكن الحقيقة كانت مرعبة. إبراهيم كان عاصر جسمها بقوة مريبة، كأنه بيخنقها أو بيفكرها بمكانه تحت إيده، وهمس في ودنها بصوت واطي مليان شر هز كيانها:
- "وحشتيني يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب عمك.. افتكري إنتي هنا ليه، وإياكي عينيكي تلمع قدام الواد ده، وإلا هحفر قبرك بإيدي."
جميلة بعدت عنه بسرعة وهي بتنهج، وبصت ناحية أدهم اللي كان متابع المشهد بصمت ونظرات صقر مبيفوتش تفصيلة. فجأة أدهم قام وقطع الجو ده وقال بلهجة حازمة:
- "بعد إذنك يا عمي.. محتاجك في المكتب شوية بخصوص الشغل."
إبراهيم بتمثيل مبالغ فيه: "شغل إيه بس دلوقتي يا أدهم؟ سيبني أقعد مع بنت أخويا، ده أنا مشوفتهاش من وقت ما كانت شهور.. قلبي كان هيوقف من الفرحة!"
أدهم ملامحه ثابته، ورد ببرود:
- "معلش يا عمي، بس ده موضوع ضروري ومستعجل ومينفعش يتأجل."
إبراهيم : "ماشي يا ابني..." ولف لجميلة وباس إيدها بتمثيل مقزز: "مش هتأخر عليكي يا حبيبتي."
جميلة وقفت مكانها متابعه دخولها للمكتب وهي مش مصدقة، إزاي البني آدم ده عنده القدرة دي على التمثيل؟ إزاي باين قدام أدهم إنه بيحبها وخايف عليها وهو من ثانية كان بيهددها بالقتل؟ حست بقرف وتقزز منه، وفي نفس الوقت حست براحة غريبة إن أدهم خلصها منه، حتى لو كانت عارفة إنها صدفة وإنه مجرد محتاجه في شغل.
_____________________________________
في مكان تاني خالص، بعيد عن فخامة قصر السويسي، وفي قلب أحد الأحياء الشعبية اللي البيوت فيها مرصوصة فوق بعضها
مكان ضيق، ريحة الرطوبة مالية الحيطان، والأرضية متكسرة لدرجة إنها بتهتز تحت رجليها. بنت في منتهى الجمال رغم فقرها، ملامحها رقيقة بس باهتة من قلة الأكل والتعب، لابسة جلابية قديمة، ورابطة شعرها بطرحة بتهرب منها خصلات متمردة.
كانت بتنهج وهي بتمسح الأرض بمية وصابون، وبتحاول تتجاهل النظرات اللي كانت حاسة بيها بتخترق جسمها النحيل. على كنبة قديمة ومتهالكة، كان قاعد راجل في منتصف الخمسين، لابس فانلة حمالات ، فاتح التليفزيون وبيمثل إنه متابع ماتش كورة، لكن عينيه كانت مركزة في حتة تانية خالص.. كانت بتتحرك على جسم البنت بنظرات مقززة كلها شهوة .
منصور بصوت خشن :
- "بت يا ياسمين.. سيبي اللي في إيدك ده وروحي اعمليلي كوباية شاي تعدل دماغي."
ياسمين اتنهدت بتعب، ووقفت وهي بتسند ضهرها اللي وجعها من كتر الشغل، بصت للأرض بخوف وهي بتحاول متبصش في عينيه اللي بتفترسها وقالت:
- "حاضر يا بابا.. ثواني والشاي يكون عندك."
منصور بضحكة صفراء كشفت عن سنانه المسوسة:
- "ماشي يا ست البنات.. تسلم إيدك مقدماً."
ياسمين دخلت المطبخ اللي هو عبارة عن ركن صغير فيه بوتاجاز بعين واحدة، ودموعها بدأت تلمع في عينيها. هي مش عارفة ليه الراجل ده بيعاملها بالأسلوب ده، وليه دايماً بتحس إنها غريبة عنه، مش قادرة تقتنع إن ده أبوها اللي المفروض يحميها، مش يخليها تخاف من قعدتها معاه في بيت واحد.
__________________________________
في أحد المولات الفاخرة اللي مبيدخلهاش غير الطبقة المخملية، كان أدهم قاعد في ركن مخصص للانتظار داخل محل ملابس نسائية عالمي.
قاعد بوقاره المعتاد، بيشرب قهوته ،مستني جميلة تخرج من غرفة تغيير الملابس (البروفا). وأثناء احتسائه لآخر بق في فنجان القهوة، الباب اتفتح.. ولمحها وهي خارجة باستحياء وخطوات بسيطة ومرتبكة.
جسمه اتصنم في مكانه، والفنجان كاد يقع من إيده.. فتح عينه بانبهار من جمالها غير العادي اللي الفستان أبرزه بشكل خيالي. مشى عينه عليها ببطء وبتركيز؛ من أول رجليها لحد وسطها اللي مكنش نحيف بشكل مبالغ فيه، بل كان مرسوم بفضل قصة الفستان اللي باللون السماوي، والكشكشة اللي عند الوسط حددت تفاصيل جسمها بأنوثة طاغية. شعرها المنساب اللي جابته على جنب كتفها العاري برقة، كان بيلعب على بشرتها البيضاء زي الحرير.
جميلة كانت بتفرك إيديها بتوتر، حاسة بنظراته اللي بتخترقها، وسألته بصوت منخفض ومبحوح من الكسوف:
- "شكلي حلو؟"
أدهم هز راسه بتوهان للحظة، وكأن الكلمة تاهت منه، لكن سرعان ما رجع لوعيه ورسم البرود المزيف وهو بيمشي كف إيده على شعره الفحمي الغزير عشان يداري ارتباكه، وقال بنبرة حاول يخليها عادية:
- "آه.. مش بطال. ادخلي اقلعيه عشان نشتريه.. محتاجة حاجة تاني؟"
جميلة ردت بفرحة طفولية مقدرتش تداريها، وضحكتها نورت وشها:
- "لا هحتاج إيه تاني؟ ده أنت جبت لي لبس يناسب كل الأوقات، بجد شكراً يا أدهم."
أدهم هز راسه وهو بيمثل إنه انشغل فجأة بموبايله عشان ميبصش في عينيها أكتر من كدة ويضعف قدام سحرها، وقال بصوت أجش:
- "طيب يلا.. ادخلي غيري بسرعة عشان منتأخرش على يزن، زمانه خلص كل لعب الألعاب اللي في الكيدز أيريا وهيقلب الدنيا علينا لو استنى أكتر من كدة."
جميلة قالت بحماس: "تمام!"، ورجعت للبروفا وهي طايرة من الفرحة
أما أدهم، فأول ما قفلت الباب، خد نفس طويل وطلعه ببطء، وهمس لنفسه بذهول:
- "جرى لك إيه يا أدهم؟ .. فوق لنفسك، انت اتجننت ولا ايه
بعد ساعات من اللف والتعب، انتهى بيهم المطاف في واحد من أشهر محلات الأيس كريم في المول. الجو كان مليان ضحك وبهجة، وجميلة كانت قاعدة بتستمتع بكل لحظة وكأنها طفلة خرجت للدنيا لأول مرة.
جميلة كانت ماسكة بولة"أيس كريم الشوكولاتة وبتاكل بتلذذ غريب، ملامحها كانت منورة والابتسامة مش مفارقة وشها. وجنبها كان يزن، اللي وشه كله بقى لون المانجا من كتر حماسه وهو بياكل الكونو بتاعه وبيرجله بتخبط في الكرسي من الفرحة.
أما أدهم، فكان قاعد بوقاره المعتاد، بياكل أيس كريم الفانيليا ببطء وهدوء، بس عينيه مكنتش على الأيس كريم بتاعه.. كانت متثبتة على جميلة. كان بيراقب حركاتها العفوية، طريقتها وهي بتغمض عينيها مع كل معلقة، واللمعة اللي في عينيها اللي كانت حقيقية جداً وصادقة.
بعد شويه ..
العربية كانت ماشية في هدوء الليل، أدهم ماسك الدريكسيون بثبات وعينه على الطريق، وجنبه جميلة اللي كانت سارحة في أنوار الشوارع اللي بتجري، وفي الكنبة اللي ورا كان يزن غرقان في نوم عميق
.
فجأة العربية وقفت في إشارة، وظهر من بين العربيات طفل صغير، هدومه مقطعة ووشه أسمر من شمس الشارع، قرب من شباك أدهم ومد إيده بكسرة. جميلة عينها اتعلقت بالطفل ده بنظرة غريبة، نظرة مليانة وجع وكأنها شايفة نفسها فيه من كام سنة.
أدهم لمح نظرتها، ومن غير ولا كلمة، طلع مبلغ كبير من محفظته واداه للطفل. الطفل عينيه لمعت بذهول ودعا لأدهم بصوت عالي:
- "ربنا يباركلك يا بيه، ويرزقك ويخليلك الست الحلوة اللي جنبك دي ويجعلها من نصيبك!"
أدهم معلقش، بس ملامحه اتصلبت وضغط على الدريكسيون بقوة، والسكوت ساد المكان لحد ما الإشارة فتحت وكمل سواقة. جميلة كانت لسه متأثرة، حست إنها لازم تتكلم، لازم تطلع الحمولة اللي في قلبها.
بصت لأدهم وقالت بصوت مهزوز:
- "تعرف يا أدهم.. فيه أطفال كتير زي الطفل ده، الشارع بياكل فيهم كل يوم.. الشارع قاسي أوي، مبيسميش على حد."
أدهم بص لها بطرف عينه وسكت، فكملت جميلة وهي بتفتكر حياتها الحقيقية، بس المرة دي كانت بتحكي بصدق وكأنها ياسمين فعلاً:
- "أنا بعد ما العيلة دي اتبنتني.. مكنتش عايشة في جنة زي ما كنت فاكر، أنا اتمرمطت وكنت ببات في الشوارع.
بدأت تحكي له عن ليالي البرد وهي نايمة على الأرض، وعن الجوع اللي كان بيعصر بطنها، وعن نظرات الناس اللي كانت بتبصلها بقرف.. حكت له كل حاجة عن حياتها الحقيقية باستثناء السرقة .
صوتها بدأ يتهدج ودموعها نزلت غصب عنها:
- "كنت كل يوم بالليل أبص للسما وأقول يا رب.. هو أنا مليش حد؟
أدهم ركن العربية فجأة على جنب الطريق، ولف جسمه كله ليها. بص في عينيها اللي غرقانة دموع، وحس إن قلبه بيتمزق.. كل كلمة كانت بتقولها كانت بتغرس سكين في ضميره لأنه سابها السنين دي كلها.
مد إيده ومسح دموعها بصباعه بإحساس عالي، وقال بصوت خشن من كتر التأثر:
- "أوعدك يا جميلة.. وحق كل دمعة نزلت من عينيكي، وحق كل ليلة نمتي فيها خايفة، إني هعوضك... مفيش حد في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك وأنا عايش."
جميلة بصتله بحب حقيقي ونقي لأول مرة، حست إنها عايزة تصرخ وتقوله "أنا مش أختك"، بس الخوف منعها.. الخوف من إنها تخسر النظرة دي.
دخل أدهم من بوابة القصر بهدوء، ركن العربية ونزل بكل رقي، فتح الباب اللي ورا وشال يزن اللي كان غرقان في نومه بعمق وكأنه ملاك صغير. نادى أدهم على البواب عشان يطلع الشنط الكتيرة من شنطة العربية، وطلع هو وجميلة لغرفة يزن.
جميلة كانت واقفة متابعة أدهم وهو بينيم يزن على سريره، بيغطيه بحنان وبيقلعه الكوتشي بكل هدوء.. فضلت مبتسمة وهي مبهورة؛ إزاي الشخص اللي عنده الهيبة والكاريزما المرعبة دي يكون جواه كل الحنين ده؟ عرفت في اللحظة دي إن ورا القناع الجامد ده حنية تكفي العالم، بس هو مبيبينش.
خرجوا من الأوضة وأدهم ودعها بجملة: "تصبحي على خير يا جميلة"، ودخل جناحه فوراً.
جميلة وقفت مكانها لثواني، حست بضيق طفيف إنه مغلّفش الوداع بنفس الطريقة بتاعة المرة اللي فاتت، بس سرعان ما هزت راسها تضرب أفكارها: "فوقي يا جميلة، إنتي شكل أفكارك بدأت تنحرف !"
دخلت أوضتها، لقت الشنط مرصوصة على السرير. بدأت تفتحها وتتفرج بذهول.. أدهم مجابش لبس بس، ده جاب شنط، وجزم، وميكب، وحتى الملابس الخاصة مغفلش عنها ... افتكرت لما البنت في المحل نادتها وعرضت عليها النوع ده من الملابس ، وأدهم وقتها عمل نفسه باصص في الموبايل ومش مهتم، بس الحقيقة إنه كان متابع كل حاجة.
وفي وسط ما هى بتتفرج على الحاجه ، موبايلها رن برقم غريب ،ردت.. قلبها انقبض لما سمعت الصوت اللي بيكرهها في حياتها.
إبراهيم بنبرة ساخرة ومنفرة:
- " إيه يا حلوة، الفسحة بتاعة النهاردة عجبتك؟ اتبسطتي بالهدمتين الجداد؟ أوعي تنسي نفسك، أنا عارف كل نفس بيخرج وبيدخل منك في القصر ده."
جميلة صوتها اترعش: "عايز إيه يا إبراهيم بيه؟"
إبراهيم كمل بتهديد: "عايزك تركزي في اللي جاي.. نتيجة التحليل هتظهر بكرة، وطبعاً أنا مخلص كل حاجة مع المعمل والنتيجة طالعة 'إيجابية' غصب عن عين أي حد. إوعي تنسي نفسك يا بت انتي ، ده أنا جايبك من الشارع. افتكري إنك بالنسبة لي مجرد كارت هكسب بيه، ولو الكارت اتحرق.. هحرقك معاه."
جميلة لسه هترد لكنها اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت واطي ومرعب:
- "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفرع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
- "أنا.. أنا..
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 4
جميلة اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت مرعب:
— "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفزع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
— "أنا.. أنا..
أدهم كان واقف ساند ضهره على الباب، وعينه مركزة على ملامحها اللي اتخطفت فجأة. قرب منها خطوة وبصوت هادي بس فيه نبرة شك مش مفهومة، سألها:
— "بتكلمي مين في الوقت ده يا جميلة؟"
جميلة حست إن لسانها اتعقد، وبسرعة البرق داست على زرار القفل وفصلت المكالمة، وإيدها كانت بتترعش وهي بتحط الموبايل ورا ضهرها. ردت بصوت مهزوز ومقطوع:
— "دي.. دي واحدة صاحبتي.. كانت بتطمن عليا بس عشان بقالنا كتير مكلمناش بعض."
أدهم فضل باصص في عيونها ثواني كأنه بيقرا اللي جواها، وبعدين هز راسه ببرود وقال:
— "تمام.. طيب يلا نامي عشان الوقت اتأخر، السهر مش كويس عشانك."
جميلة بدأت تاخد نفسها بصعوبة لما حست إن الموضوع عدى، وبتحاول تداري توترها سألته باستغراب:
— "أنت.. أنت رجعت تاني ليه؟ نسيت حاجة؟"
أدهم رفع إيده اللي كانت مخبيها ورا ضهره، وظهرت كوباية لبن، وقال بهدوء:
— "نسيت أديلك كوباية اللبن دي.. خدي اشربيها عشان تهديكي وتنامي بسرعة."
جميلة أول ما شافت الكوباية، معالم وشها اتمعضت ووشها كرمش بطفولة وقالت بضيق:
— "يععععع.. أنا مبحبش أشرب اللبن خالص يا أدهم، بلاش بالله عليك."
أدهم اتنهد وقرب منها أكتر، ورفع الكوباية لمستوى وشها وهو بيقول بحزم حنين:
— "لا لازم تشربيه.. اللبن مفيد وهيريح أعصابك، مش عايز نقاش."
جميلة رجعت لورا خطوة وقالت بحدة وهي بترفض:
— "والله مبحبوش! وممكن أستفرغ فعلاً لو شميت ريحته.. بلاش تضغط عليا."
أدهم مسمعش كلامها، ومسك إيدها براحة وقعدها على طرف السرير، وقعد قدامها وقرب الكوباية من بقها وهو بيبتسم نص ابتسامة:
— "شكلي هتعامل معاكي زي ما بتعامل مع يزن.. رغم إن يزن مبيتعبنيش كدة وبيشرب كوبايته علطول عشان يكبر."
جميلة لفت وشها الناحية التانية وهي مغمضة عينيها بشدة
أدهم فجأة، ومن غير مقدمات، حط إيده على خدها وبصباعه الكبير ضم شفايفها براحة عشان تفتح بقها، ورفع الكوباية وهو بيبص في عينيها بنظرة ساحرة وقال بهمس:
— "عشان خاطري.. اشربيها عشان خاطري يا جميلة."
جميلة اتثبتت مكانها.. لقت وشه قريب من وشها جداً، لدرجة إنها حست بأنفاسه على بشرتها، وعنيه مركزه فى عيونها ، من كتر التوتر والارتباك اللي سيطر عليها، هربت من نظراته بأنها تشرب، وفعلاً سحبت الكوباية وشربتها كلها بوق واحد وهي مغمضة عينها.
أدهم ابتسم بانتصار، وحط الكوباية الفاضية على الكومود اللي جنب السرير، وسحب منديل ورق وبدأ يمسح جنب بقها براحة من أثر اللبن، وقالها بنبرة هادية:
— "شطورة يا جميلة."
جميلة كانت لسه في حالة ذهول، وتفاجأت بيه وهو بيرفع رجليها براحة على السرير وبيشد الغطا عليها لحد رقبتها وهو بيقول:
— "يلا.. غمضي عينك ونامي."
جميلة ضمت شفايفها بحيرة وقالت بصوت واطي:
— "بس أنا مش جايلي نوم.. حاسة إني فايقة أوي."
أدهم ضحك ضحكة خفيفة سحرتها، وقال بمشاكسة وخبث:
— "تحبي أنام جنبك عشان تروحي في النوم بسرعة؟"
جميلة عيونها برقت بصدمة واستخبت تحت الغطا بسرعة وهي بتقول بلجلجة:
— "لا لا! أنا هنام أهو.. خلاص أنا نمت أصلًا.. تصبح على خير!"
أدهم ضحك بصوت عالي وهز راسه على هبلها وطريقتها العفوية، وقال وهو بيقوم:
— "وأنتي من أهله ".
ولكنه افتكر حاجة ورجع تاني.. انحنى وباس راسها من فوق البطانية وسكت ثواني، كأنه بيستنشق ريحتها، وبعدين خرج وقفل الباب وراه بهدوء.
أما جميلة، فأول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، شالت الغطا من على وشها وهي بتنهج ونفسها سريع جداً.. فضلت حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق زي الطبل، وهي مش عارفة ده من أثر كتمة نفسها تحت الغطا.. ولا من قرب أدهم اللي بدأ يزلزل كل حصونها.
قامت وسندت ضهرها على السرير، وهمست لنفسها بذهول:
— "أنا لازم أمشي من هنا في أسرع وقت.. أدهم ده خطر، خطر على قلبي وعلى الخطة كلها!"
_____________________________
تاني يوم
أدهم كان لسه خارج من جناحه، لابس قميص أبيض فاتح، وسايب أول زرارين منه مفتوحين، وشعره لسه مبلول من أثر الشاور.. فجأة وقف مكانه وهو بيسمع صوت مزيكا غريب وعالي جداً مالي أركان القصر.
استغرب جداً، لأن القصر ده مبيشتغلش فيه غير الموسيقى الكلاسيكية الهادية، أو سنفونيات عالمية راقية.. نزل درجات السلم ببطء وهو عاقد حاجبه، بس الصدمة خليته يتسمر في نص السلم وهو شايف المنظر اللي قدامه.
الصالة الكبيرة اتقلبت لـ ساحة فرح شعبي.. أغنية شغاله بأعلى صوت، وفي وسط الصالة كانت جميلة واقفة، رابطة طرحة ستان حوالين وسطها، وبترقص بهبل وعفوية وبتدبدب برجليها في الأرض، وقصادها يزن واقف وبيرقص بطريقة مضحكة جداً وهو باصصلها بتركيز وبيحاول يقلد حركاتها بالظبط.
"إيه يا ستو أنا
ستو أنا، أنا
إيه يا ستو أنا (الله)
ستو أنا، أنا
جميلة وهي بتنهج من كتر التنطيط، شاورت ليزن بإيدها:
— "اديله ادي يا زوزو.. هو ده "
يزن رد عليها بضحكة مالية وشه وهو بيحاول يهز كتافه:
— " أيوه بقى ..اديله ادي يا جوجو..!"
أدهم فضل واقف مبهوت، عينه بتتحرك بينهم ومش مصدق إن ده يزن الهادي الرزين اللي مربيه على ايديه.. نزل باقي السلم ببطء شديد وهو بيدقق في كل حركة، والمزيكا مكملة:
"قلبي برتقان بصرة ملكك وأنتي حرة تعصريه عصير (الله)
قلبي كمتراية ناشفة بس فيها بذرة بتحب بضمير
قلبك بطيخة صيفي قرعة بختي وجاي في قرعة والبطيخ كتير (الله)
قلبي أناناس شرايح دايخ جاي رايح من كتر التفكير
يزن فجأة قعد على ركبته في الأرض، وعمل بإيده حركة كأنه بينقط فلوس على جميلة وهي مندمجة في الرقص وبترقص باحترافية وتلف حوالين نفسها.
فاتح شباكي فاتح شيشي (الله)، الوقت في بعدك ما مشيشي
بتقولي هتيجي ما بتجيشي وما يدوقش النوم
آه، يا نسمة صيف جايبة طراوة (الله)، قلبي إتعور منك واوا
محتاج يتعالج يتداوى بالمكروكروم
قلبي حرنكش فيه مزازة وأنتي في اللذاذة ما بتهزريش (الله)
قلبك coconut ثمرة أنتي حلوة قمرة ما بتتكرريش
قلبك قرع يمد لبره الجنازة حارة والميت مفيش
قلبك مشمش مش هسيبه هجري وراه وأجيبه لو كان في العريش
أدهم كان خلاص قرب منهم جداً، بس هما كانوا في عالم تاني.. جميلة بتلف وتلوح بإيدها ويزن بيسقف بجد وحماس رهيب، لحد ما الأغنية خلصت وجميلة وقفت وهي بتنهج جامد وبتمسح عرقها.
فكت الطرحة من حوالين وسطها وبصت ليزن وهي بتضحك:
— "أنا كل يوم لازم أديك درس في الأغاني دي، ده إنت فاتك كتير أوي يا زوزو.. لازم الواحد يفك عن نفسه شوية، سيبك من العملاق الكئيب اللي فوق ده اللي مش فالح غير في.."
ولسه مكملتش جملتها، لفت وشها، لقت أدهم واقف وراها مباشرة، حاطط إيده في جيبه، وباصصلها بنظرة غامضة جداً ممزوجة بذهول.
جميلة شهقت بخضة لدرجة إنها نطت من مكانها، ووشها جاب ألوان الطيف، وقالت بلجلجة:
— "أ.. أ.. أدهم! أنت.. أنت هنا من إمتى؟"
أدهم رفع حاجبه وبص للطرحة اللي في إيدها وبعدين بص ليزن اللي جري استخبى ورا جميلة، وقال بصوت رخيم وهادي:
— "كنت بتقولي إيه بقى؟ سيبك من العملاق الكئيب؟"
جميلة بلعت ريقها وحاولت تخبي الطرحة ورا ضهرها:
— "أنا.. أنا كنت.. أنا كنت بقول العملاق الطيب.. أيوه، أصل أنت طويل ما شاء الله.. فكنت بشكر فيك ليزن."
أدهم كتم ابتسامة بالعافية وهو شايف منظرها المرتبك، وقرب منها خطوة وقال:
— "والبرتقان البصرة والكمتراية الناشفة دول يبقوا مين؟"
جميلة بصت للأرض بكسوف وقالت بصوت واطي وارتباك:
— "ده ..ده .. تعليم حديث يا أدهم ، بنعلم الولد أنواع الفاكهة بس بطريقة مبتكرة.".
أدهم بص ليزن اللي كان بيضحك من وراها، وبعدين رجع نظره لجميلة وقال بحزم مصطنع:
— "خمس دقايق والاقيكم على السفرة.. وحسابي معاكي بعدين ياااا ..
قرب من ودنها وقال بهمس : " ياستو أنا."
جميلة جريت من قدامه وهي بتبرطم بصوت واطي، وأدهم فضل واقف مكانه وبص لأثرها وهو بيبتسم لأول مرة من قلبه، وحس إن روح القصر اتغيرت تماماً بوجودها.
أدهم كان قاعد في مقدمة السفرة، بهيبته اللي بتخلي المكان كله يسكت، وجميلة قاعدة جنبه بتحاول تتجنب نظراته وهي بتقطع الأكل ببطء، ويزن الناحية التانية بياكل وهو لسه بيفتكر رقصة الصبح وبيبتسم لجميلة من تحت لتحت.
وأثناء ما هما بياكلوا ،دخلت الخادمة وقطعت الصمت ده وهي بتقدم ظرف مقفول :
— "أدهم بيه، الظرف ده لسه واصل حالا، حد سلمه على البوابة ومشي."
أدهم خد الظرف ببرود،، وقال :
— "تمام.. اتفضلي إنتي ".
أدهم فحص الظرف في إيده وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
"ده جاي من المعمل"
جميلة كانت بتشرب عصير، وفجأة شرقت بعنف لدرجة إن وشها بقى أحمر . أدهم مد إيده وبدأ يخبط على ضهرها براحة وهدوء مريب وهو بيقول:
— "براحة يا جميلة.. إنتي كويسة؟"
جميلة هزت راسها وهي بتكح وبتحاول تداري الرعب اللي في عينيها، ونفست بصعوبة:
— "ك.. كويسة، الحمد لله، زورت بس."
أدهم سحب إيده وبدأ يفتح الظرف ببطء شديد.. صوت قطع الورق كان بالنسبة لجميلة زي صوت طلقات الرصاص. طلع الورقة وفردها قدامه، وبدأ يقرا الكلام اللي فيها بعينه، وهو ساكت تماماً.. مفيش شعرة منه اتحركت.
الثواني كانت بتمر على جميلة كأنها سنين، ريقها نشف وبقت حاسة إن الدنيا كلها بيلف بيها.. "خلاص يا جميلة، النهاية جت، أدهم هيعرف إنك نصابة وهيرميكي في الحبس."
أدهم حط الورقة على الترابيزة بهدوء مبالغ فيه، وسكت لثواني وهو باصص قدامه كأنه بيفكر في حاجة كبيرة، وفجأة.. نقل نظره لجميلة. عينيه كانت حادة ومركزة عليها زي الصقر اللي حدد فريسته.
أدهم ببرود قاتل:
— "دي نتيجة تحليل الـ DNA.. التحليل اللي هيقطع الشك باليقين يا جميلة."
سكت تاني، وجميلة كانت خلاص هتيأس وتتكلم من كتر الخوف، لحد ما نطق وقال:
— "للأسف.. النتيجة طلعت.."
جميلة غمضت عينها بشدة وهي مستنية الحكم، بس أدهم كمل جملته بابتسامة هادية:
— "النتيجة طلعت إيجابية.. إنتي فعلاً ياسمين السويسي، أختي اللي كنت بدور عليها."
يزن بفرحة طفولية وه مش فاهم ايه الي بيحصل :"هييييه يعنى جميله تبقى أختي".
جميلة فتحت عينها بصدمة حقيقية.. كانت متوقعة عكس كده، لكن النتيجة طلعت مطابقة؟! إبراهيم عملها إزاي؟ وازاي المعمل طلع النتيجة كدة؟
أدهم قام من مكانه وقرب منها، ومسك إيدها اللي كانت بتترعش، وقال بصوت واطي فيه حنان مشوب بالغموض:
— "مبروك يا ياسمين.. القصر ده وأملاك كتير غيره هيبقوا ملكك رسمياً.. بس غريبة، ليه ملامحك مفيش عليها أي فرحة؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهزوز:
— "أنا.. أنا بس مش مصدقة.. من كتر الفرحة مش عارفة أقول إيه."
أدهم ضغط على إيدها وقال:
— " عموماً النهاردة بليل فيه حفلة صغيرة، هعلن فيها لكل الناس إن ياسمين السويسي رجعت لمكانها.. جهزي نفسك."
_________________________________
أوضة حيطانها مشققة كأنها بتحكي سنين من التعب، والدهان بيقع منها
وقفت قدام مراية مكسورة في نص الأوضة، اتأملت شكلها بهدوء؛ كانت لابسة بلوزة باللون الزيتي وبنطلون أسود بسيط، ورافعة شعرها لورا في ديل حصان بملامحها الرقيقة اللي الفقر مقدرش يطفي جمالها. نزلت عينيها للكوتشي الأبيض اللي لابساه، كان مهتري ومقطوع من قدام، زيه زي كل حاجة في حياتها اللي ماشية بالعافية.
اتنهدت تنهيدة طويلة مليانة حمول، وسحبت شنطتها الجلد المقشرة وخرجت للصالة. لقت منصور قاعد كالعادة، حاطط رجل على رجل قدام التلفزيون الموشوش وهو بيتابع الماتش بتركيز، وسيجارته في إيده.
ياسمين بصوت هادي وخفيض:
— "بابا.. أنا نازلة شغلي."
منصور محركش عينه من على الشاشة، ورد بتهكم وسخرية:
— "أنا مش عارف شغل إيه اللي رايحاه ده! قال محل لبس قال.. واقفالي فيه طول النهار والليل وبترجعي بملاليم."
ياسمين غمضت عينيها، وحاولت تحافظ على هدوئها وهي بترد نفس الرد اللي بتقوله كل يوم بقالها سنين:
— "معلش يا بابا.. ربنا يرزقني بشغل أحسن، أهو ده اللي موجود دلوقتي ومشي حالنا."
منصور نفخ دخان سيجارته وقال بلا مبالاة:
— "ماشي يا ختي.. وعلي الله تيجي متأخر، أنا مش ناقص وجع دماغ وكلام ناس."
ياسمين مردتش عليه، مشيت من قدامه بقلب مقبوض، وخرجت من باب الشقة اللي بيزيق، ونزلت السلم المكسر بسرعة. وقفت على أول الحارة وشاورت لتوكتوك:
— "على المحل يا أسطى بسرعة الله يباركلك."
ركبت التوكتوك وهي بتسند راسها على الحديد بتاعه، وعيونها بتراقب المحلات والناس، ومكنتش تعرف إن في الوقت ده بالظبط، في قصر فخم على الناحية التانية من المدينة، في واحدة تانية عايشة حياتها، وبتاخد مكانها في حضن أخوها اللي متعرفش عنه حاجة! ....
________________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام بعد شاور طويل استعداداً للحفلة اللي أدهم أصر يعملها. فكت الفوطة وبدأت تنشف شعرها، وفجأة سمعت دقات هادية على الباب، قالت بصوت هادي:
— "ادخل."
دخلت الخادمة وهي شايلة في إيدها حاجة متغطية بقماشة طويلة، وقالت باحترام:
— "جميلة هانم، ده الفستان بتاعك، أدهم بيه أمرني أوصلهولك لحد هنا."
جميلة استغربت وقالت بتساؤل:
— "فستان إيه؟"
خدت منها الفستان، والخدامة خرجت من الجناح بهدوء. جميلة حطته على السرير وبدأت تفتح سوستة القماش المخبية اللي جواه، وأول ما ظهر، شهقت بانبهار من اللي شافته.
كان فستان سهرة بلون فيروزي ساحر، طويل لحد الكاحل، ومن فوق مفتوح من عند الكتف أوفف شولدر ونازل بانسيابية رقيقة جداً. جميلة قالت بانبهار وهي بتلمس القماش:
— "إيه الجمال ده! ده ذوق أدهم؟"
خدته بسرعة وقاسته، وبدأت تعمل شعرها تسريحة بسيطة وناعمة عشان تليق مع استايل الفستان، واكتفت بتوكة رقيقة من ورا على شكل فراشة زجاجية غاية في الرقة، وحطت ميكب بسيط جداً أبرز نعومة ملامحها اللي بتجمع بين الأنوثة والبراءة، مع جزمة كعب عالي.
وقفت تتأمل نفسها في المراية الكبيرة اللي في نص الجناح.. الفستان كان كأنه متفصل عليها مخصوص، واللون الفيروزي كان عامل تباين يجنن مع لون بشرتها الخمرية.
فاقت من سرحانها لما الباب خبط للمرة التانية، وكانت نفس الخادمة وهي بتقول بلهفة:
— "أدهم بيه والبيه الصغير مستنيين حضرتك تحت، الحفلة بدأت يا هانم."
جميلة ردت بتوتر:
— "تمام.. قولي لهم أنا جاية."
ألقت نظرة أخيرة على شكلها في المراية، خدت نفس طويل عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت بتسمعها في ودنها، وفتحت الباب وخرجت.
في الصالة الرئيسية
أدهم كان واقف في نص القاعة، لابس بدلة سودة تكسيدو مرسومة عليه رسم، وجنبه يزن اللي كان لابس بدلة صغيرة وشكله قمر. أدهم كان بيتكلم مع واحد من الضيوف، لكن عينيه كانت كل شوية تبص على السلم.
وفجأة.. ظهرت جميلة في أول السلم.
أدهم سكت تماماً، ونظراته اتسمرت عليها. يزن أول ما شافها سقف بإيده وصاح بفرحة:
— "بص يا بابا! جميلة بقت شبه الأميرات اللي فى الكارتون!"
أدهم مكنش سامع يزن، كان مركز مع اللي نازلة السلم بكل رقة، وحس للحظة إن قلبه بيدق بسرعة مش مفهومة..
جميلة نزلت آخر درجة، ووقفت قدامه وهي وشها أحمر من الكسوف وقالت بصوت واطي:
— "شكراً على الفستان.. ذوقك حلو أوي."
أدهم قرب منها، وعينه في عينها، وهمس بصوت رجولي دافي:
— "الفستان هو اللي بقى له قيمة لما لبستيه يا جميلة.. أنتي النهاردة مفيش حد هيقدر يشيل عينه من عليكي ...وأولهم أنا."
الوقت بيمر ، جميلة واقفه مع يزن وهما بيشربوا العصير، كانت بتضحك معاه وبتحاول تنسى توترها، لكن يزن فجأة شاف واحد من أصحاب وراح يلعب معاه
وساب جميلة واقفة لوحدها بتتأمل زحمة الحفلة بملل.
كانت حاسة إنها مخنوقة من الأجواء الرسمية، والأصعب من ده كله كان الكعب العالي اللي أول مرة تلبسه في حياتها وحاسة إنه بيغرس في رجليها. بصت يمين وشمال، ولما لقت الكل مشغول، قررت بتهور وعفوية إنها تقلع الجزمة وتفضل حافية، وبما إن الفستان كان طويل ومنفوش من تحت، مكنش باين خالص إنها حافية على الأرضية.
من بعيد، كان فيه شاب مركز مع كل حركاتها، بتابع عفويتها بابتسامة إعجاب، وقرر يقرب منها. فجأة، جميلة لقت شاب وسيم جداً واقف قدامها، لابس بدلة جملي شيك، ملامحه أروبية ببشرة بيضا وعيون خضرا وشعر بني متسرح لورا بانتظام.
الشاب بابتسامة جذابة:
— "أحلى حاجة عملتيها إنك قلعتي الشوز.. أهم حاجة الواحد يبقى مرتاح بعيد عن المنظرة وراي الناس."
جميلة اتفاجئت وبصتله بذهول، وبعدين ضحكت بكسوف:
— "هو أنت خدت بالك؟ بجد رجلي كانت هتتكسر."
الشاب مد إيده بكل رقي وقال:
— "هاي.. أنا هشام، رجل أعمال، واتشرفت جداً بمعرفتك."
جميلة سلمت عليه بابتسامة مجاملة:
— "أهلاً وسهلاً.. أنا جميلة."
هشام همس باسمها وكأنه بيستطعمه:
— "جميلة.. اسم على مسمى .. قوليلي بقى، أنتي تبع مين هنا؟ ولا أوعي تقوليلي إنك صاحبة شركة كبيرة وأنا اللي مش عارف؟"
جميلة هزت راسها بنفي وضحكت بعفوية:
— "لا طبعاً شركة إيه! أنا مقدرش أدير محل صغير، هتدير شركة!"
هشام ضحك بصوت عالي على صراحتها:
— "دمك خفيف أوي يا أنسة جميلة.. بجد مش لاقي فيكي غلطة، رقة وجمال وخفة دم."
وفجأة، طلع صوت من وراه زي الرعد، قطع كلامه بحدة:
— "وفيها مميزات كتير يا هشام.. تحب أعرفهالك؟"
هشام لف واتفاجئ بأدهم واقف والشر بيتطاير من عينيه، ملامحه الرجولية القوية كانت مسيطرة على المكان بهيبة مرعبة خلت وسامة هشام الأروبية تبهت قدامه. أدهم وقف جنب جميلة وحاوط كتفها بإيده بملكية واضحة، وقال ببرود قاتل:
— "إيه يا حبيبتي.. معرفتيهوش أهم ميزة فيكي؟ إنك حبيبتي."
أدهم لقى نفسه بيكدب على هشام لسبب مجهول، بس اللي متأكد منه إنه مش عايز يعرفه إنها أخته وإن ممكن يبقى له فرصه يتقرب منها
هشام برق بعينه بصدمة:
— "حبيبتك هو انت ارتبطت امتى .. أقصد يعنى إنى مكنتش أعرف إنها تخصك؟"
أدهم رد بسماجة وهو بيضغط على كتف جميلة:
— "آه.. عندك اعتراض ولا حاجة؟ وبعدين الحفلة دي أصلاً معمولة عشان أرحب بوجودها في حياتي."
هشام حاول يلم الموضوع بارتباك:
— "لا أبداً.. أنا بس استغربت مش أكتر، ومكنتش أعرف إنها حفلة هتعلن فيه ارتباطك، افتكرتها بخصوص الشغل زي العادة."
أدهم سحب جميلة من إيدها فجأة وقال وهو بيمشي بيها بعيد:
— "طيب هسيبك في استغرابك ده، وآخد حبيبتي أرقص معاها."
جميلة لقت نفسها فجأة مع أدهم في وسط ساحة الرقص، والعيون كلها اتوجهت عليهم. همست بتوتر وخوف:
— "أدهم.. أرجوك، أنا مش بعرف أرقص."
أدهم بص لها بسخرية وهو بيقربها منه:
— "ليه؟ ده أنتي كويسة خالص الصبح.. أنا شوفت المواهب بنفسي."
جميلة وشها احمر:
— "ده كان هبل وقصاد يزن بس.. لكن ده رقص سلو والناس كلها شيفانا، أرجوك بلاش."
أدهم فجأة حاوط وسطها بإيده التانية وشدها عليه بقوة خلت أنفاسها تهرب، وهمس بصوت واطي وساحر:
— "ملكيش دعوة بالناس.. خليكي معايا أنا وبس."
شاور أدهم بدماغه للراجل المسؤول عن الموسيقى، وفجأة الأنوار الكبيرة انطفت، وساد صمت للحظات، قبل ما يرجع نور خافت جداً باللون الموف الهادي، عطى أجواء رومانسية خيالية.
أدهم قرب جميلة منه أكتر، لدرجة إنها بقت سامعة دقات قلبه القوية، وهي اتشبثت في صدره بتوتر. بدأت ألحان أغنية "ومالو" تشتغل بصوت عمرو دياب، وأدهم بدأ يتحرك ببطء وثبات، وهو بيقود حركتها وكأنه بيحتويها تماماً..
" وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كل الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد
ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس
أنا جنبي أحلى الناس
جميلة سألته باستغراب وتوهان: ليه قولت كده لهشام ..ليه مقولتش إني أختك
أدهم بصلها بنظرات ثابته بتخترق قلبها قبل عنيها ،وفجأة مد إيده على راسها وشدها على كتفه، فبقت راسها على كتفه وحرف صدره، وبتكمل الأغنية بصوت الهضبة الدافي اللي ملى المكان:
"حبيبى ليلة، تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح
دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك ولولا حبك هعيش لمين؟
حبيبي جاية أجمل سنين
وكل مادى تحلى الحياة
الناس في القاعة بدأوا يتهامسوا بذهول على الثنائي ده؛ الكل بيسأل: "مين البنت اللي خطفت قلب أدهم السويسي بالشكل ده؟ ومين اللي قدرت تخليه بالهيام والرقص ده وهو المعروف عنه الجمود؟"
أما عند أدهم وجميلة، فكانوا في عالم تاني خالص.. أدهم كان باصصلها في عيونها اللي شبه عيون الغزلان وغرقان فيهم، وجميلة دقات قلبها كانت عالية وسريعة جداً، لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سامع دقات قلبها بوضوح من كتر قربهم.
بسبب الشعور ده والتوتر اللي سيطر عليها، مسكت إيده بقوة وضغطت عليها، لأنها حست إن توازنها ممكن يختل في أي لحظة ورجليها مش شايلاها.. والأغنية بتكمل في الخلفية:
" حبيبي المس إيديا عشان أصدق اللي أنا فيه
ياما كان نفسي أقابلك بقالي زمان
خلاص وهحلم ليه؟
ما أنا هنا جنبي أغلى الناس
جنبي أحلى الناس
أدهم مال على ودنها وهمس بصوت أجش خلى جسمها كله يتنفض:
— "خايفة من إيه يا جميلة؟ إيدك بتترعش ليه؟"
جميلة رفعت عينها وبصتله بتوهان، ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، كانت حاسة إن ياسمين اللي بتمثل دورها اختفت، ومفضلش غير جميلة اللي بدأت تقع في عشقه.
أدهم شدد من قبضته على وسطها وكأنه بيطمنها، وهمس تاني وهو باصص في عيونها:
— "لو كان ده حلم، فأنا مش عايز أصحى منه أبداً يا جميلة ."
جميلة في اللحظة دي نسيت إنها حافية، ونسيت الحفلة، ونسيت حتى تهديد إبراهيم.. مكنتش شايفة غير نظرة أدهم اللي كانت بتقول كلام كتير أوي مبيتحكيش.
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 5
بعد الحفلة، كانت جميلة قاعدة في غرفتها قدام التسريحة، بتفك التوكة الفراشة وبتسرح شعرها ببطء، وعقلها لسه محبوس في القاعة تحت.. كانت بتفتكر اللحظات اللي عاشتها مع أدهم، ونظراته ليها اللي كانت بتخترق روحها. حست إنها كانت منفصلة عن العالم وهي في حضنه، وافتكرت همساته المليانة سيطرة وعشق..
سألت نفسها بحيرة: "إزاي تكون دي نظرات أخ لأخته؟ دي نظرات راجل دايب!"
اتنهدت بضيق وهي بتدعي في سرها إن أدهم يفتح معاها موضوع الورث في أسرع وقت عشان تخلص المهمة دي وتهرب، لأنها بدأت تعترف بتأثيره المرعب عليها، وبنبضات قلبها اللي بتتمرد وتزيد في قربه.
قطع حبل أفكارها رنة موبايلها. بصت على الشاشة ونفسها ضاق أول ما عرفت هوية المتصل، وردت بضيق مكتوم:
— "أيوة يا إبراهيم بيه؟"
جاء لها الرد من الناحية التانية بصوت فيه مكر:
— "إيه يا سنيورة؟ إيه آخر الأخبار عندك في القصر؟ السمكة بلعت الطُعم؟"
ضمت شفايفها بتأفف وهي مجبرة ترد:
— "عادي.. كان فيه حفلة أدهم عملها بمناسبة إن أخته اللي هي أنا رجعت."
إبراهيم سكت ثواني، وبعدين ضيق حواجبه باستغراب وريب:
— "حفلة؟ حفلة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"
جميلة كملت :
— "بعد ما نتيجة الـ DNA اللي إنت طبعاً ضربتها طلعت، قالي إنه هيعمل حفلة وهيعرّف الناس إني رجعت، وده اللي حصل بليل."
إبراهيم صوته اتغير وبقى فيه توتر واضح:
— "أنا معرفش حاجة عن الحفلة دي، وأدهم مقاليش أي حاجة بخصوصها.. ده غير إن لو فعلاً كان فيه حفلة وأعلن فيها إن أخته رجعت، كان زمان مصر كلها اتكلمت والصحافة مقلوبة! أدهم السويسي مش شخص عادي يا جميلة عشان يعمل خبر زي ده في السر."
جميلة بدأت بالحيره :
— "مش عارفة.. بس ده اللي حصل، وكان فيه ناس كتير ورجال أعمال."
إبراهيم رد بسرعة وهو بيقفل:
— "طيب اقفلي.. اقفلي دلوقتي وأنا هشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.. الموضوع فيه إن!"
جميلة قفلت الموبايل وبصت قدامها بشرود وهي بتسترجع ذكريات الحفلة بعقل واعي المرة دي.. هي فعلاً حست إن محدش من المعازيم كان عارف إنها أخته! افتكرت نظرات الستات ليهم وهم بيرقصوا، وإزاي كانوا بيتهامسوا بفضول "مين دي اللي مع أدهم السويسي؟". وافتكرت رد أدهم على هشام لما قاله إنها حبيبته، الطريقة كانت غريبة.. كأنه بيقولها عشان يبعده عنها .
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت بدأت تتسلل من الشبابيك العالية بتاعة القصر، وترسم خيوط دهبية على الأرضية الرخام. جميلة نزلت من على السلم وهي لابسة فستان قطن رقيق لونه بينك، هادي وفيه ورود بسيطة، ورافعة شعرها كحكة فوضوية نزلت منها كام خصلة على خدها، خلت ملامحها أرق وأجمل.
أدهم كان قاعد على راس السفرة، بهيبته المعتادة اللي تملا المكان، وبمجرد ما سمع صوت خطواتها الرقيقة على السلم
رفع نظره ببطء.. وفجأة، الزمن وقف عنده لثواني. اتأسر من هيئتها ورقتها، وقلبه دق دقة غريبة وهو بيفتكر إنه هو اللي منقى الفستان ده بنفسه، وكان متأكد إنه هيكون قطعة من السما عليها.
جميلة أول ما شافته، ابتسمت بصفاء وقالت بصوت هادي وناعم:
"صباح الخير."
أدهم حمحم بخشنونة، وحاول يداري ارتباكه وهو بيلف وشه الناحية التانية.. مش عايز يضعف قدام نظراتها، خصوصاً بعد اللي حصل إمبارح في الرقصة، والمشاعر اللي فضحته وخلته مش عارف يسيطر على نفسه. رد بصوت واطي ومتحفظ:
"صباح النور."
جميلة لاحظت إنه لابس بدلة كاملة وجاهز للخروج، فسألت باستغراب وقلق مداري:
"إنت.. إنت رايح الشركة؟"
أدهم رد بإيجاز وهو بيبص في ساعته:
"أيوة."
جميلة هزت راسها بحزن مفاجئ سكن قلبها.. استغربت نفسها، هي ليه مضايقة؟ وليه عايزاه يفضل جنبها طول الوقت؟ بس سكتت وحاولت تسيطر على أفكارها اللي بدأت تروح لسكة خطر.
قطع الصمت ده "يزن" اللي دخل وهو لابس يونيفورم المدرسة، جرى باس جميلة من خدها بحب وبعدها أدهم، وقعد في كرسيه وهو كله حماس. أدهم سأله بهدوء:
"جهزت يا بطل؟ عشان هاخدك المدرسة في طريقي."
جميلة اتفاجئت وبصت ليزن:
"إيه ده، هو إنت وراك مدرسة النهاردة؟"
يزن رد بحماس:
"آه، الدراسة بدأت والنهاردة أول يوم مدرسة."
وفجأة ملامحه اتغيرت وبص لجميلة بزعل:
"بس كده جميلة هتقعد لوحدها طول اليوم!"
جميلة ابتسمت له بوجع خفي، هي فعلاً حست إن القصر هيضيق عليها من غيرهم:
"لا يا يزن مش هكون لوحدي، فيه خدم في القصر وأنا اتصاحبت عليهم.. متقلقش عليا."
أدهم كان متابع الحوار بتركيز، وفجأة سألها بجدية قطعت تفكيرها:
"احم.. أنا عرفت من ورقك إنك خرجتي من المدرسة وإنتي في تالتة ثانوي، صح؟"
جميلة اتصدمت من السؤال، ووطت راسها في الأرض بإحراج وحزن حقيقي:
"صح.."
أدهم كمل بصوت فيه نبرة آمرة بس حنينة:
"طيب، أنا قررت أقدملك ورقك في الجامعة عشان تكملي تعليمك.. مينفعش ياسمين السويسي تبقى معاها ثانوية."
جميلة رفعت عينيها وبصت له بصمت.. كلامه لمس حتة جواها كانت ميتة. هي عارفة إن كل ده كدب، وإنها فترة وهتمشي، وإن "ياسمين" اللي بيكلمها دي مش موجودة أصلاً.. بس غصب عنها عينيها دمعت بامتنان. حست إن فيه حد لأول مرة بيفكر في مصلحتها، وبيخاف على تعليمها، حتى لو كان فاكرها أخته.. الحنية اللي في صوته خلت قلبها يوجعها أكتر على اللعبة اللي هي فيها.
هزت راسها من غير ولا كلمة، وهي بتدعي في سرها إن اللحظة دي متبوظش، وإنها تقدر تفضل في الجنة دي لأطول وقت ممكن قبل ما الحقيقة المُره تصحيها.
__________________________________
في مكتبه الفخم بشركة السويسي، كان أدهم ساند ضهره لورا، وماسك قلم بيلفه باحترافية وسرعة حوالين صباعه؛ الحركة دي مبيعملهاش إلا لما يكون عقله شغال في مية اتجاه. عينيه كانت مركزة على نقطة وهمية في الفراغ، وملامحه جامدة مابتبيّنش أي انفعال، لكن هدوءه ده دايماً بيكون الهدوء اللي قبل العاصفة.
قطع حبل أفكاره دخول "علي" اللي قفل الباب وراه، ووقف قدام المكتب بملامح مشدودة وجادة جداً.
أدهم من غير ما يرفع عينه، وبنبرة صوت هادية بزيادة تخوف:
"ها يا علي.. وصلت لإيه؟"
علي حمحم بجدية:
"كله تمام يا أدهم باشا.. الطرف التاني بيتحرك زي ما حضرتك توقعت بالظبط، فاكر إن الخيوط كلها في إيده ومطمن عالأخر. حتى بعد المكالمةاللي تمت بينهم إمبارح ،هو قلق شوية لكن مازال مطمن ، ومستحيل يتخيل إننا ممكن نكون عارفين حاجه."
أدهم بطل يلف القلم فجأة، ورزعه على المكتب بقوة، وسند إيده وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة مبيظهرش منها غير طرفها:
"تمام.. خليه مطمن. أنا بحب أوي اللي بيلعب وهو فاكر إنه غالب، بتبقى وقعته دويها عالي. سيبه يعيش الوهم شوية، ويفرش أحلامه على رمله ناعمة.. وأنا هتفرج عليه من بعيد وأنا مستمتع بالسيناريو اللي أنا كاتبهوله بنفسي، بس النهاية هتكون من تأليفي أنا."
علي بص له بتردد، وحاول يفهم اللي بيدور في دماغ أدهم، وسأله:
"حضرتك ناوي على إيه يا باشا؟ القصر بقا فيه غريب، وإحنا مش ضامنين رد فعلها لو حست إننا كاشفينها."
قاطعه أدهم بصوت حاد وواثق وهو بيلف بالكرسي ناحية الشباك الزجاجي اللي كاشف القاهرة كلها تحت رجليه:
"أنا عارف كل حاجة يا علي.. عارف إنها داخلة بيتي عشان تنصب عليا، وسايبها بمزاجي. وعارف إن القصر داخل عليه أيام مش هتهدى بالساهل. اللعب المرادي مش على فلوس وبس، اللعب بقى على المكشوف.. هي جاية تتاجر باسم أختي، وده ذنب عقابه عندي غالي أوي."
سكت أدهم لحظة، وعينيه لمعت بنظرة غامضة وكمل:
"المهم دلوقتي، العين تفضل مفتوحة على كل حركة بيعملوها، وكل نفس بياخدوه. عايز تقرير عن كل نفس بيطلع منهم .. فاهم؟"
علي هز راسه بجدية:
"تمام يا فندم، كل شيء تحت السيطرة."
أدهم رجع قعد تاني ببرود، وسحب ملف من قدامه:
"ابعتلي رزان.. عايز أخلص صفقات النهاردة بسرعة، عشان ورايا حاجات تانية أهم محتاجة تركيز في القصر.
علي خرج وقفل الباب، وأدهم فضل باصص للسراب بجمود، ورجع مسك القلم ولفه لفة أخيرة وهو بيهميس لنفسه :
"يا ترى اللي باعتك ليا ورماكي في النار دي كنتي عارفة نهايتها.. ولا إنتي مجرد طُعم في صنارة ،مسيرنا نعرف يا.. جميلتي.
__________________________________
كانت جميلة قاعدة في جنينة القصر، سرحانة في الخضرة والهدوء اللي حواليها، ومزاجها كان رايق لأول مرة من ساعة ما دخلت السكة دي.. بس فجأة، شافت خيال شخص داخل عليها، وبمجرد ما ميزت ملامحه، قلبها اتنفض وضيق عينيها بقرف.
همست لنفسها بضيق: "يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابه ده دلوقتي؟ ما أنا كان مزاجي حلو ورايق!"
إبراهيم دخل بخطواته الثقيلة وقعد قدامها ببرود، وبص لها بنظرة فاحصة وقال:
"إزيك يا حلوة؟ واكلة الجو هنا وشكلك نسيتبنا خالص."
ردت عليه باقتضاب وهي بتبص حواليها بتوتر:
"إيه اللي جابك هنا يا إبراهيم بيه؟ كده أدهم ممكن يشك فينا.. مش إحنا اتفقنا إن التحركات تكون بحساب؟"
إبراهيم رد عليها باستخفاف:
"يشك في إيه يا هبلة؟ أنا عمك.. ومن حقي آجي أزور بنت أخويا اللي كانت غايبة بقالها عشرين سنة وأشبع منها.. المهم سيبك من الكلام ده، أنا نبشت ورا الواد أدهم ولقيت إنه موصلش لحاجة، بس اللي جنني وعايز أعرفه.. ليه معرفنيش بحفلة إمبارح؟ وليه مقاليش إن فيه مناسبة كبيرة زي دي؟"
جميلة ردت ببساطة وبرود وهي بتهز رجلها:
"طيب وما تسأله هو.. أنا مالي؟"
إبراهيم ملامحه اتقلبت بغضب ووطى صوته:
"أسأله إزاي يا غبية؟ كده هيشك أكتر.. هو عارف إن العلاقة ما بيني وبينك لسه جديدة ومش قوية لدرجة إنك تعزميني أو تعرفيني بتفاصيل الحفلة.. كنت مستني هو اللي يكلمني."
جميلة لوت بوزها وقالت بتفكير:
"طيب ما يمكن يكون يزن هو اللي قاله إنه عرفني.. أو أي حد من الخدم."
هز راسه بنفي وقرف:
"لا.. الواد يزن ده مبيطقنيش، وعمره ما هيفتح بقه معايا بكلمة."
جميلة همست بينها وبين نفسها بسخرية: "عنده حق بصراحة، ده إنت تسد النفس."
وفجأة، اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما سمعت الصوت اللي دب الرعب في قلبها، صوت رجولي حاد ومن وراهم:
"إيه يا عمي.. جيت من إمتى؟"
إبراهيم اتنفض من مكانه وبدأ يفرك في إيده بتوتر واضح، ورد بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة:
"إزيك يا حبيبي؟ حمد لله على سلامتك.. أنا جيت من شوية صغيرة، قلت أقعد مع بنت أخويا وأملي عيني منها، وأعوض نفسي عن السنين اللي مكنتش في حضني فيها."
أدهم هز راسه ببطء وهو مربع إيده، وعينيه كانت مركزة على جميلة وملاحظ توترها اللي مش عارفة تداريه، سألها بهدوء غريب:
"مالك يا جميلة؟ وشك جاب ألوان ليه؟ هو عمي ضايقك ولا حاجة؟"
إبراهيم اتدخل بسرعة عشان يلحق الموقف:
"وأنا هضايقها في إيه بس يا أدهم؟ ده إحنا كنا بنتعرف على بعض أكتر، وكانت بتحكي لي عن حياتها طول العشرين سنة اللي كانت بعيدة عني وعن حضن العيلة فيهم."
أدهم رفع حاجبه وبص لعمه بنظرة غامضة، نظرة كأنه بيخترق بيها عقله، وسأله بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
"آه.. تمام.. وقالتلك إيه بقى يا عمي؟ شوقتني أعرف إيه اللي ممكن تحكيهولك ومحكتهوش ليا."
إبراهيم زاد توتره وبلع ريقه بصعوبة:
"ها.. لا.. كلام عادي يعني.. ذكريات قديمة وكده."
أدهم قام وقف بهيبته اللي غطت على المكان، وبص لعمه ببرود وقال:
"طيب يا عمي.. أنا هقوم أغير هدومي، خليك قاعد عشان تتغدى معانا، الأكل زمانه جهز."
إبراهيم حس إنه محتاج يهرب من تحت نظرات أدهم في أسرع وقت، فقام بسرعة وهو بيعدل جاكته:
"لا يا حبيبي.. تسلم، أنا هقوم أمشي بقى ورايا مشاوير تانية، المهم إني اطمنت على ياسمين..
أدهم فضل واقف مكانه لثواني، عينيه كانت مثبتة على جميلة بنظرة باردة وصعبة تتفهم، كأنه بيقرا اللي بيدور في عقلها من غير ما ينطق ولا كلمة. السكوت كان تقيل لدرجة إن جميلة حست إنها عايزة تقوم تجري من قدامه.
وفجأة، كسر الصمت ده ووجه كلامه ليها بنبرة هادية بس فيها حزم، وهو بيتحرك ناحية باب القصر:
"أنا طالع أغير هدومي.. ياريت تطلبي من الشغالة تجهز السفرة، عشان عندي كلام كتير عايز أحكيه معاكي وإحنا بنتغدى."
جميلة بصت لضهره وهو ماشي بخطواته الواثقة، وحست بقلبها بيدق بعنف. "كلام كتير؟ يا ترى قصده إيه؟ وهل سمع حاجة من اللي اتقالت؟"
أول ما أدهم اختفى من قدام عينيها، جميلة اتنفست بعمق وسندت ضهرها على الكرسي وهي بتمسح عرق خفيف ظهر على جبينها.
"يخرب بيتك يا إبراهيم يا سويسي.. كنت هتوديني في داهية! أدهم ده مش سهل، ده عينه بتخرم الوش.. يا رب تسترها وميكونش حس بحاجة
جميلة كانت واقفة في المطبخ مع الخدم اللي فعلًا بدأت تكسر معاهم حاجز الغربة وتصاحبهم، وبمجرد ما الغدا جهز، قررت تقوم بدور الأخت وتطلع تنادي أدهم بنفسها. طلعت السلم الرخامي وهي بتبص للطرقة الطويلة اللي فيها غرف كتير بحيرة.. "يا ربي، هي أوضته كانت أنهي واحدة فيهم؟".
افتكرت مرة لمحته وهو خارج من باب في آخر الطرقة، فخمنت إنها دي. راحت خبطت مرة، واتنين، وتلاتة.. مفيش رد. السكون اللي ورا الباب خلاها تشك إنها أوضة فاضية أو إنها غلطت في العنوان، ففضولها حركها وقررت تفتح الباب وتتأكد.
بمجرد ما فتحت الباب ودخلت، رجلها اتسمرت مكانها.. "إيه ده؟ ده مش مجرد جناح، ده عالم تاني!". مشيت بدون وعي وهي بتتأمل تفاصيل جناح أدهم السويسي اللي كان بيعكس شخصيته بالملي.
الديكور كان بيطغى عليه اللون الرمادي الفحمي مع الأسود الملكي، والحيطة الرئيسية كانت من الحجر الطبيعي الخشن اللي بيدي إحساس بالقوة والجمود. الأثاث كان مودرن بحدود حادة وواضحة، مفيش فيه أي تفاصيل زايدة، والسرير الضخم كان متغطي بمفروشات حرير سوداء بتلمع تحت إضاءة خافتة .
في ركن بعيد، كان فيه مكتب فخم من الخشب الأبنوس عليه أوراق منظمة بالمسطرة، وجنبه مكتبة ضخمة واخدة الحيطة كلها، مليانة كتب في الاقتصاد والسياسة، وفي النص شاشة عرض عملاقة. ريحة الجناح كانت خليط بين بخور العود وريحة برفانه اللي بيخطف الأنفاس.. المكان كان بينطق بالفخامة والجديّة
جميلة كانت ماشية بتلمس طرف المكتب بإيدها وهي منبهرة بالذوق الرفيع ده، وفجأة استوعبت إنها كدة بتقتحم خصوصيته ولازم تخرج بسرعة قبل ما حد يشوفها.
لسه بتلف عشان تخرج وتلحق نفسها، سمعت صوت تكة باب الحمام الداخلي وهو بيتفتح.. لفت بسرعة وهي مخضوضة، وهنا فتحت عينيها بصدمة وخجل ووشها جاب ألوان.
أدهم كان خارج، شعره مبلول وبينقط مية على جبهته، ولابس بنطلون قطني مريح بس، وعضلات صدره وجسمه الرياضي كانت باينة بوضوح مرعب.. وقف مكانه وبص لها بحواجب مرفوعة ونظرة حادة اخترقت خجلها، وقال بصوت رخيم فيه نبرة استغراب:
"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
_____________________________
سايق عربيته في شوارع القاهرة الزحمة، عينه على الطريق بس عقله كان في مكان تاني خالص. داخل على التلاتين، وحياته عبارة عن دايرة روتينية مبيخرجش منها؛ شغل، جيم، ونوم. أهله ماتوا من سنين، ولقى نفسه وحيد في الدنيا ملوش أخوات، ملوش في الدنيا غير خالته الوحيدة ،وصداقته لأدهم السويسي وشغله معاه هما كل حياته.
وهو سرحان، فجأة ظهرت قدامه بنت زي الطيف.. داس فرامل بكل قوته، والكاوتش صرخ على الأسفلت، بس للأسف العربية خبطتها خبطة بسيطة وقعتها الأرض.
علي نزل من العربية بسرعة، لقى البنت واقعة على الأرض وماسكة رجلها وبتتألم بوجع يقطع القلب:
"آآآه.. رجلي.. مش قادرة!"
علي نزل لمستواها بقلق حقيقي:
"أنا أسف.. إنتي كويسة يا آنسة؟ حصلك حاجة؟"
البنت كانت بتبكي ووشها أحمر من الألم:
"رجلي.. رجلي بتوجعني أوي.. مش عارفة أحركها."
علي بص يمين وشمال لقى الناس بدأت تتجمع، فقال بلهفة:
"طيب تعالي، مفيش وقت، هوديكي المستشفى فوراً نطمن عليكي."
جت تحاول تقوم، صرخت ورجعت قعدت تاني:
"مش قادرة.. مش قادرة أقف على رجلي خالص."
علي ملقاش قدامه حل غير إنه يتصرف بسرعة.. وبدون تردد، مد إيده وشالها من على الأرض. وبسبب بنيته الضخمة وعضلاته، جسم البنت الضعيف كان بين إيديه كأنه ريشة.
البنت اتخضت ووشها بقى زي الدم من الخجل، وبدأت تتحرك وتحاول تفلت منه:
"إنت بتعمل إيه يا جدع إنت؟! نزلني.. عيب كدة!"
علي بصلها بجدية وصرامة :
"يا آنسة حضرتك رجلك متصابة، ومينفعش تتحركي.. لو دوستي عليها ممكن تتأذي أكتر، اهدي لو سمحتي."
البنت مكنتش بتسمع وبدأت تعترض بصوت عالي:
"بقولك نزلني! إنت مفكر نفسك مين؟"
علي وقف فجأة، وعيونه اسودت وبقت نبرة صوته أغلط، واتكلم بغضب مكتوم:
"قولتلك متتحركيش!"
البنت سكنت فجأة من هيبة صوته، وفي اللحظة دي.. عين علي جت في عينيها لأول مرة. خد باله من ملامحها اللي تخطف؛ بشرتها بيضا زي الحليب، وشعرها بني ناعم واصل لحد كتفها، وخصلات منه نازلة بتمرد على عينيها العسلي الفاتح.
وبسبب وقوفها تحت الشمس، لون عينيها كان بيلمع بطريقة تأسر القلب. ملامحها كانت بريئة جداً، وخوفها منه ومن ضخامة جسمه خلاها تبان زي الطفلة بين إيديه.
البنت ضمت نفسها بخوف وسكتت خالص، كأنها استسلمت لقدرها بين إيدين العملاق ده.
علي ركبها في الكرسي الأمامي بهدوء، ولف ركب مكانه وشغل العربية. الصمت كان سيد الموقف لدقايق، لحد ما علي قطعه بصوت هادي وهو باصص للطريق:
"أنا أسف يا آنسة.. أنا فعلاً مكنش قصدي أخبطك، كنت سرحان شوية."
البنت هزت راسها بصمت وهي لسه بتبص من الشباك بخوف وتوتر، كأنها بتدعي الموقف ده يخلص بسرعة.
علي بصلها بطرف عينه وسألها بنبرة بيحاول يلطفها:
"إنتي اسمك إيه؟"
ردت بصوت واطي ومبحوح من أثر العياط:
"ياسمين.. اسمي ياسمين."
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق