القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية عشقت محتالة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه

 


رواية عشقت محتالة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه 




رواية عشقت محتالة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه 




البارت 6

كان واقف مكانه، ملامحه تبان هادية بس عينيه فيها نظرة خلت جميلة تنكمش على نفسها بخجل. سألها وهو بيرفع حاجبه:

"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"


جميلة كانت بتحاول تتلاشى النظر لهيئته اللي تخطف الأنفاس، ووشها بقى زي الطماطم وهي بتهته في الكلام:

"أنا.. أنا كنت.. كنت بناديك بس عشان الغدا جهز، وخبطت كتير ومردتش ."


هز راسه بهدوء وقالها بنبرة رخيمة:

"تمام.. هلبس وأنزل وراكي."


جميلة هزت راسها بسرعة وقررت تخرج عشان تهرب من الموقف ده، لسه هتمشي لقت أدهم بيقرب خطوات ناحيتها.. جميلة بدأت ترجع لورا بتوتر وارتباك، وكل ما هي ترجع خطوة، هو يقدم خطوة، لحد ما حست إن الهوا بيخلص من حواليها.

"في.. فيه إيه يا أدهم؟"


أدهم مردش، وفضل يقرب بجمود وبوجه جامد، لحد ما جميلة لقت ضهرها خبط في حاجة صلبة، وبقت محاصرة بينه وبين الدولاب. وفجأة، رفع إيده الاتنين وحاصرها بيهم، ونزل بمستواه لحد ما بقوا في نفس الطول. جميلة غمضت عينيها برعب وارتباك، ودموعها بدأت تلمع في عينيها من كتر الخجل والتوتر، وقلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمع دقاته.


حست بأنفاسه قريبة من وشها، فاستسلمت تماماً، لكنها فاقت على صوته الهادي وهو بيقول ببرود مستفز :

"جميلة.. عايز ألبس، أنا كدة هاخد برد من التكييف."


فتحت عينيها وبصتله ببلاهة وعدم استيعاب:

"ما.. ما تلبس!"


رد عليها ببساطة وهو بيشاور براسه على الحتة اللي هي واقفة فيها:

"ألبس إزاي وإنتي واقفة سادة قدام الدولاب؟"


جميلة لفت وشها وراها واتفاجئت إنها فعلاً واقفة سادة باب الدولاب تماماً. استوعبت في لحظة إنه كان بيقرب عشان يفتح الدولاب وياخد هدومه مش عشانها هي، فاتحركت بسرعة وهي بتستعيد أنفاسها المقطوعة وبتقول بإحراج لا يحسد عليه:

"آآه.. الدولاب! أنا.. أنا آسفة جداً، مخدتش بالي.. أنا هسبقك وأنزل استناك تحت."


لسه هتجري من جنبه، لقت إيده الدافية اتمدت ولمست خدها برقة غريبة، خلت جسمها كله يتنفض. ثبتت مكانها وهي حاسة بصباعه بيمشي على بشرة خدها بنعومة، وسمعته بيقول بصوت واطي فيه بحة حنينة:

"خدودك حمرا كدة ليه؟"


جميلة رفعت عينيها وبصت له.. وفي اللحظة دي، تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. أدهم كان باصص لعيونها وكأنه بيدور على الحقيقة فيهم ، وجميلة كانت تايهة في سواد عينيه اللي كان فيه مزيج من الحنان والقسوة والغموض.. حست إنها بتغرق، وإن التمثيلية دي بدأت تسحبها لمكان ملوش رجوع.


مكانتش جميلة عارفة ترد بأي كلمة، لسانها كان عاجز تماماً قدام لمسة إيده ونظرته اللي كانت بتخترقها، لكن فجأة انقذها من الموقف ده دقات خفيفة على الباب اللي كان مفتوح أصلاً، ودخول يزن وهو بيجري بهدوم المدرسة وشنطته اللي لسه على ضهره.


يزن دخل وهو بينهج وفرحان:

"انتي هنا يا جميلة؟ ده أنا قلبت عليكي القصر كله وبدور عليكي في كل حتة!"


جميلة استغلت وجود يزن كأنه طوق نجاة اترمي لها من السما، بعدت عن أدهم بسرعة وهي بتحاول تلم شتات نفسها وتاخد نفسها اللي كان مكتوم، وراحت ناحية يزن وخدته في حضنها وقالت بلخبطة:

"يا روحي.. حمد لله على السلامة! كنت لسه بنادي أدهم عشان ننزل نتغدى كلنا سوا.. يلا بينا ننزل حالاً، وبالمرة تحكيلي عملت إيه في أول يوم مدرسة."


أدهم فضل واقف مكانه، ساند إيده على طرف الدولاب، وعينه مراقبة حركاتها المرتبكة وهروبها الواضح. ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غامضة مش باين هي حب ولا انتصار من تأثيره عليها، وهو بيبص لضهرها وهي واخدة يزن ونازلة بسرعة كأنها بتهرب من حريق.


__________________________________


وعلى الجانب الآخر، في المستشفى..

كان علي واقف قدام أوضة الكشف، مربع إيده وضخمته كانت لافتة أنظار كل اللي في الطرقات. كان باين عليه القلق رغم هدوءه المعتاد، وعينه مابتفارقش باب الأوضة لحد ما الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي.


علي قرب منه بلهفة:

"ها يا دكتور.. طمني، الإصابة كبيرة؟"


الدكتور ابتسم بهدوء عشان يطمنه:

"لا مفيش داعي للقلق خالص. هي مجرد حاجة بسيطة، التواء بسيط في الكاحل نتيجة الوقعة. مفيش كسور ولا حتى شرخ، الحمد لله."


علي أخد نفس طويل وطلعه براحة:

"الحمد لله.. طيب محتاجة أي حاجة؟ جبيرة أو كدة؟"


الدكتور رد وهو بيكتب الروشتة:

"لا، هي محتاجة بس راحة تامة لمدة يومين، وكمادات مية ساقعة، والدهان ده مرتين في اليوم. وتقدر تمشي عليها عادي بس بحساب في الأول."


خبط على الباب بهدوء لحد ما سمع صوتها الرقيق بيأذن بالدخول. دخل الأوضة  لقاها قاعدة على السرير، وشها كان لسه مخطوف والدموع منشفة على خدودها. أول ما شافته داخل اتوترت وخفضت نظرها على الأرض.


علي بص لها بنبرة هادية:

"الحمد لله طلعت بسيطة.. التواء بسيط وهتخفي في يومين."


ياسمين هزت راسها بكسوف وبصت في الأرض:

"شكراً يا أستاذ.. أنا بجد أسفة إني تعبتك معايا."


علي استغرب رقتها وخجلها اللي مكنش متعود عليه في شغله، ورد بجدية:

"تعب إيه بس؟ أنا اللي خبطتك، وده واجبي. المهم دلوقتي، هقدر أوصلك فين؟ أهلك زمانهم قلقانين عليكي."


ياسمين ملامحها اتغيرت وظهرت عليها مسحة حزن، وقالت بصوت واطي:

"أنا ساكنة مع والدي في..."


علي حس بحاجة غريبة تجاهها، ميكس بين الشفقة والإعجاب ببراءتها، فقال بحزم:

"طيب يلا بينا.. العربية بره، وأنا هوصلك لحد باب البيت."


ياسمين حاولت تقوم، بس أول ما رجلت لمست الأرض اتأوهت. علي من غير تفكير قرب منها وسندها، والمرة دي هي ممانعتش، بالعكس، حست بأمان غريب وهي مسنودة على دراعه القوي.


في العربية، الصمت قطعته نبرة صوت علي الهادية وهو بيبص لياسمين بطرف عينه:

"بقولك إيه يا آنسة ياسمين.. أنا بصراحة واقع من الجوع، ولو تسمحي لي، نعدي ناكل في أي مطعم في طريقنا.. اعتبريها محاولة مني أكفر بيها عن غلطتي، وكمان الدكتور قال إنك محتاجة تغذية كويسة عشان الالتواء ده يخف بسرعة."


طبعاً علي كان بيتحجج وبيكدب، هو بس حس إنه مش عايز يوصلها بسرعة، وعايز يعرف أكتر عن البنت الرقيقة اللي دخلت حياته فجأة دي. ياسمين بصت له بتردد، فركت إيدها في بعض، وبعدين هزت راسها بموافقة مكسوفة.


علي فرح جداً إنها وافقت، وقال بابتسامة وسعة:

"تمام جداً.. تحبي تتغدي إيه؟ اختاري أي حاجة تحبيها."


ياسمين سكتت شوية بتفكر، وبعدين قالت بصوت واطي:

"كشري.. نفسي في كشري."


علي استغرب جداً؛ كان متوقع تطلب بيتزا أو برجر أو حاجة شيك، لكن طلبها البسيط ده لمس قلبه. هز راسه بموافقة:

"تمام.. أحلى طبق كشري لأحلى آنسة ياسمين."


انطلق علي بالعربية لحد ما وصل لمطعم كشري مشهور، ورغم إنه مطعم كشري بس كان مكانه راقي جداً. علي نزل وساعد ياسمين تنزل، وسندها لحد ما دخلوا وقعدوا على ترابيزة هادية في ركن بعيد.


طلبوا الأكل، الجرسون جه وسألهم بابتسامة:

"تحبوا تطلبوا ديزيرت أو تشربوا حاجة بعد الأكل؟"


علي بص لياسمين ولقاها ساكتة ومنزلة راسها بخجل، فسألها بلطف:

"تحبي تحلي بإيه يا ياسمين؟"


ردت بخجل: "عادي.. أي حاجة."


علي فكر ثانية وقال: "إيه رأيك في سلطة فواكه؟ بتبقى خفيفة ومنعشة."


وافقت ياسمين بهزة راس، فعلي بص للجرسون وقال: "تمام.. هاتلنا اتنين سلطة فواكه."

أول ما الجرسون مشي، علي سحب كرسيه شوية وقرب بفضول:

"قوليلي بقى يا ياسمين.. إنتي عندك كام سنة؟"


ردت بصوت ناعم: "عشرين سنة."


علي رفع حواجبه بإعجاب: "اممم.. إنتي لسه صغيرة خالص، يا دوب في بداية حياتك."


ياسمين بصت له بفضول طفولي وسألته: "وإنت عندك كام سنة؟"


علي ضحك وقال لها بلهجة تحدي: "خمني كدة تفتكري عندي كام؟"


ياسمين بصت لملامحه شوية وقالت بتردد: "اممم.. أربعة وعشرين مثلا ؟"


هنا علي ضحك من قلبه، ضحكة صافية مخرجتش منه من زمان:

"ياااه! أنا شكلي صغير للدرجة دي؟"


ياسمين وشها احمر وقالت بكسوف: "أصل ملامحك.. يعني.. إنت أيوة شكلك ضخم، بس وشك مش باين عليه إنه كبير."


علي بصلها بابتسامة حنونة وقال: "أنا هتم التلاتين كمان شهرين بالظبط."

وكمل عشان يوضح لها سبب ضخامته: "والضخامة دي بحكم شغلي مش أكتر.. أنا بشتغل بادي جارد لواحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، ومحتاج دايماً أكون في الفورمة دي."


ياسمين سكتت وهي بتبص له بذهول.. "بادي جارد؟" خافت شوية في الأول، بس رجعت بصت لعينيه اللي كانت مليانة طيبة مابتتفقش مع ضخامة جسمه. 


_______________________________


وعلى سفرة الغدا، كان الجو هادي بس مشحون بتفاصيل كتير. أدهم قاعد في كرسيه المعتاد في مقدمة السفرة بهيبته اللي بتفرض الصمت، وعلى يمينه جميلة اللي كانت بتاكل بحذر وتوتر، وعلى شماله يزن اللي كان بيلعب بالشوكه أكتر ما بياكل.


يزن فجأة ساب الشوكة وقال: "الحمد لله.. أنا شبعت."


ولسه هيقوم بس صوت أدهم الحاد وقفه مكانه: "يزن.. اقعد كمل طبقك."


يزن رد بسرعة وتذمر طفولي: "بس يا بابا أنا فعلاً شبعت مش قادر."


جميلة كانت متابعة الحوار ومبتسمة من جواها؛ الطريقة اللي أدهم بيتعامل بيها مع يزن مكنتش طريقة أخ، دي كانت طريقة أب بيحاول يربي ابنه بجدية وحب في نفس الوقت.


أدهم بصله بنظرة تهديد هادية: "قدامك خمس دقايق، لو مقعدتش وخلصت طبقك.. مفيش سفر يوم الجمعة، وهنلغي كل حاجة."


يزن سمع كلمة السفر من هنا، وقعد مكانه بسرعة البرق وبدأ ياكل بنشاط وهو بيقول: "خلاص خلاص.. هاكله كله أهو."


جميلة بصت لأدهم باستغراب وسألت: "سفرية إيه؟"


أدهم رد عليها بدون ما يرفع راسه: "إحنا متعودين آخر جمعة في كل شهر إننا نسافر يومين في أي حته نغير جو، كمكافأة ليزن على مجهوده في الدراسة، بس بيكونوا يومين بس عشان شغلي وعشان دراسته."


يزن اتدخل بحماس وعيونه بتلمع: "بس سفرية المرة دي هتكون أجمل سفرية في الدنيا، عشان جميلة هتكون معانا.. صح يا بابا؟"


أدهم سكت لثانية، رفع عينه بص لجميلة نظرة طويلة نش مفهومة خلت قلبها يدق، وبعدين هز راسه ورجع بص لطبقه وقال بكلمة واحدة: "صح."


يزن خلص أكله وقام وهو بيضحك: "أنا خلصت طبقي كله أهو.. هقوم أغسل إيدي وأحضر شنطتي من دلوقتي."


بمجرد ما يزن خرج من الغرفة، خيّم السكون على المكان. أدهم ساب الشوكة من إيده وبص لجميلة بجدية مرعبة، وبدأ يراقب رد فعلها بدقة وهو بيقول:

"إن شاء الله أول ما نرجع من السفرية دي، هنبدأ فوراً في إجراءات الورث بتاعك. بابا الله يرحمه كان كاتب وديعة كبيرة باسمي وباسمك، وحقك محفوظ من سنين.. ولازم تستلمي نصيبك بنفسك.


جميلة حست كأن حد دلق عليها مية ساقعة. الكلمة وقعت عليها زي الصدمة؛ ده معناه إن وقت اللعبة قرب يخلص، وإنها بمجرد ما تستلم الفلوس لازم تختفي زي ما إبراهيم خطط.. يعني هتسيب القصر، وهتسيب يزن، والأصعب إنهاةنش هتشوف أدهم تاني.

الحزن ظهر على ملامحها بوضوح، وردت بصوت واطي ومبحوح وهي بتبص في طبقها:


"أنا.. أنا مش عايزة حاجة يا أدهم.. مش عايزة فلوس ولا عايزة ورث."


أدهم هنا مقدرش يتحكم في نبرة صوته اللي عليت فجأة وهو بيقوم من مكانه بعصبية مكتومة:

"مش بمزاجك! ده حقك .. ومحدش بيتنازل عن حقه بالسهولة دي، جهزي نفسك عشان الموضوع ده يخلص."


سابها وقام من على السفرة بخطوات واسعة وسابها غرقانة في دوامة من الذنب والحزن.. هي خايفة من اليوم اللي هيعرف فيه إن أخته اللي بيحارب عشان يديها حقها، طلعت مجرد محتالة بتسرق مشاعره قبل فلوسه.


_____________________________


دخل إبراهيم بيته وهو شايل في قلبه سواد سنين، بيت كبير وفخم بس بارد، مفيهوش روح زيه بالظبط. أول ما دخل، الخادمة قربت منه بأدب:

"أجهزلك الغدا يا إبراهيم بيه؟"


رد عليها بكلمة واحدة قاطعة وهو بيمشي من غير ما يبصلها:

"لا."


طلع غرفته وقفل الباب وراه، الغرفة كانت ضلمة ومقبضة. راح ناحية الطاولة اللي في الركن، ومسك برواز قديم. صورة بتجمعه بأخوه محمود وأبوهم وهم شباب.


مسك البرواز بإيد بتترعش من الغل، وبدأ يمسح بإيده على صورة أخوه، وعينيه بتطلع شرار ونبرة صوته اتحولت لفحيح مرعب وهو بيكلم الصورة:

"طول عمرك أبوك بيفضلك عني.. محمود الكبير، محمود الذكي، محمود اللي يورث الإمبراطورية.. وأنا؟ أنا كنت دايماً الهامش، اللي بياخد الفتفات اللي بتفيض منك."

ضغط على البرواز بقوة لحد ما ضوافره علمت في الخشب، وكمل بضحكة مكتومة وسادية:

"لحد ما خلصت منك.. قتلتك وريحت نفسي من نظرة الفخر اللي كانت في عين أبوك ليك. ومكتفتش بكده، رميت عيالك في دار أيتام عشان يدوقوا الذل اللي شفته طول عمري وأنا عايش في ضلك.. كان نفسي يتوهوا ويموتوا من الجوع."


رمى البرواز على السرير بغل وقعد ينهج:

"بس ابنك طلع سويسي بجد، وقدر يبني نفسه ويرجع ياخد اللي كان بتاعك.. لكن المرة دي مش هسيبه. الوديعة دي بتاعتي أنا، وتمن السنين اللي ضاعت من عمري وأنا تحت رجلك. وجميلة هي السكينة اللي هدبحكم بيها كلكم، وبعدها هقفل صفحة عيلة محمود السويسي للأبد."


بص للمراية وابتسم ابتسامة صفرا، وهو بيفكر إن خلاص، الحلم اللي خطط له من عشرين سنة بقاله خطوة واحدة ويتحقق، ومش فارق معاه مين هيدوس عليه في طريقه، حتى لو كانت بنت أخوه الحقيقية أو اللي بتمثل .


_______________________________


ياسمين شاورت بإيدها وقالت بتوتر: "أيوة.. بس هنا."


علي وقف العربية وبص لها باستغراب: "هتنزلي هنا؟ أعتقد بيتك لسه بعيد."


ياسمين ردت بسرعة: "أيوة، أنا هتمشى شوية لآخر الحارة.. بس معلش، مينفعش توصلني لجوه، الناس هنا مش بتسكت وكلامهم كتير، مش عايزة مشاكل."


علي عقد حواجبه بضيق: "وايه المشكلة؟ أنا خبطتك وبوصلك لبيتك، ده حقك وده واجبي."


ياسمين بصت له بنظرة رجاء: "أرجوك.. أنا عارفة طريقة تفكيرهم، لو سمحت سيبني على راحتي."


علي استسلم لرغبتها لما شاف الخوف في عينيها، وقال بنبرة حنينة: "طيب، بس على الأقل هفضل ماشي وراكي بالعربية براحه لحد ما أتطمن إنك دخلتي البيت.. ولو سمحتي، امشي براحة عشان رجلك متتعبكيش أكتر."


هزت راسها بابتسامة رقيقة خلت قلبه يدق: "حاضر.. شكراً يا أستاذ علي."


علي تاه في عينيها اللي شداه بطريقة غريبة وقال بصوت واطي: "أنا معملتش حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل نفس اللي عملته."


ياسمين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: "لا طبعاً، مش أي حد كان هيروح يغديني كشري في مطعم شيك زي ده."


علي مسح على شعره بارتباك من المشاعر الجديدة اللي مسيطرة عليه، وقال: "أنا اللي عايز أشكرك إنك وافقتي تتغدي معايا، وقضيت معاكي أجمل وقت عدي عليا من سنين."


ياسمين وشها قلب أحمر وابتسمت بخجل وقالت: "أنا لازم أنزل بقى.. سلام."

علي رد بحزن مداري لإنها خلاص هتسيبه: "سلام.. خدي بالك من نفسك."


ردت برقة: "حاضر."


ياسمين فتحت باب العربية ونزلت وهي بتعرج بسيط، وعلي وفى بوعده ومشي وراها بالعربية خطوة بخطوة لحد ما وصلت لعتبة بيتها. قبل ما تدخل، لفت وشها وبصت له وابتسمت بخجل وهزت راسها بوداع، وبعدين اختفت ورا الباب.


علي فضل واقف بالعربية مكانه لثواني، اتنهد تنهيدة طويلة كلها حيرة، ودور العربية ومشي وهو بيكلم نفسه بسخرية: "جرى إيه يا عم علي؟ إنت وقعت ولا إيه؟"


وفجأة ضرب بإيده على الدركسيون بغضب وندم وقال بصوت عالي: "غبي! يا غبي.. ليه مطلبتش رقمها؟ كنت اطلبه حتى بحجة إنك عايز تطمن على رجلها.. ضاعت منك يا فلحوس!"


_________________________________


طلعت ياسمين السلالم بصعوبة، كل درجة كانت بتحس فيها بنغزة في رجلها، لحد ما وصلت لشقتها اللي من حسن حظها كانت في الدور الأول. فتحت الباب بالراحة، لقت الشقة هادية وضلمة، اتنفست براحة وهي بتقول في سرها: "الحمد لله.. باين عليه مش هنا".


دخلت أوضتها، غيرت هدومها ورمت نفسها على السرير بتعب، بس عقلها مكنش تعبان خالص.. كان بيعرض أحداث اليوم بالعرض البطيء. كل ما صورة علي وهيبته وضخامته وتفاصيل نظراته تيجي في بالها، تلاقي ضحكة مرسومة على وشها بشكل لا إرادي.


طلعت موبايلها، ووصلت السماعات، وشغلت أغنية نانسي عجرم "شيخ الشباب" وقعدت تدندن معاها وهي مغمضة عينيها وبتتخيل ملامح علي:


"شو واثق بحاله شو قلبه قوي 

وقلبي من جماله دايب مستوي


"كانت قصة اعجاب صارت حب وعذاب

تارى شيخ الشباب حبه بيكوى كوى


اتنهدت وهي بتسترجع نبرة صوته اللي على رغم خشونتها ،إلا إنها حنينه 


"كأنه بيعرفنى وحس بقلبى شو عندى حنين

وأنا اسأل حالى شو خصه؟

 عم يسألنى بصفته مين؟

مفكرته مجنون ماتوقعته يكون

حبيبى ونصى التانى اللى راح حبه بجنون


كانت غرقانة في كلمات الأغنية ومشاعرها الجديدة اللي بدأت تتولد، وفجأة.. حست بإيد تقيلة بتمسح على ظهرها بحركة غريبة. اتفزعت ياسمين ونفضت السماعات من ودانها ولفّت بسرعة.. قلبها كان هيقف من الرعب لما لقت منصور أبوها واقف وراها.


منصور كان في حالة يرثى لها، هدومه مبهدلة وعينيه حمرا وريحة الخمرة فايحة منه وبتملا الأوضة، كان باصص لها بنظرة غريبة مش نظرة أب لبنته أبداً، نظرة كلها غدر وشر.


ياسمين رجعت لورا وهي بتترعش من الخوف:

"فيه.. فيه حاجة يا بابا؟ إيه اللي دخلك كدة؟"


منصور بضحكة سكرانة وهو بيقرب منها أكتر، ومد إيده حطها على كتفها وضغط عليه بقوة:

"تعالي هنا.. إنتي كبرتي وبقيتي زي القشطة يا بت يا ياسمين.. إنتي كنز وأنا كنت غافل عنه."


ياسمين صرخت بفزع وهي بتحاول تبعد إيده عنها:

"بابا! إنت بتعمل إيييييه؟ إبعد عني ...


#رواية_عشقت_محتالة



البارت 7

ياسمين حاولت تبعده بكل قوتها رغم بنيتها الضعيفة، بس منصور كان زي الوحش ومسيطر على حركتها. عينيها كانت بتدور في الأوضة يمين وشمال وهي بتنهج من الرعب، لحد ما لفت إنتبها أباجورة تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو جنب سريرها.


مدت إيدها بوجع وحاولت توصل لها بصعوبة، وأول ما صوابعها لمستها، مسكتها بكل قوتها ومحستش بنفسها غير وهي بتلف وبترزعها على دماغه بكل غل وخوف سنين.


ياسمين اتصنمت مكانها و أنفاسها محبوسة في صدرها.. شافت منصور وهو بيقع على الأرض زي الشوال، والدم بدأ يسيل من دماغه بغزارة ويغرق السجادة. ياسمين حطت إيديها على بوقها وعينيها بتدمع برعب وهي شايفة منصور ساكن تماماً كأنه جثة هامدة.

"أأ.. أعمل إيه؟ يلهوي أنا قتلته! يلهوي يلهوي.. أنا ضعت!"


كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح، بصت حواليها بجنون، وفتحت دولابها وبسرعة البرق جابت شنطة هدوم، لمّت فيها اللي طالته إيدها، ولبست طقم بسرعة وهي مش قادرة ترفع عينها في اللي مرمي على الأرض. شالت الشنطة والموبايل وجريت بأقصى سرعة عندها، خرجت من الشقة وقفلت الباب وراها ومبصتش وراها ولا لثانية واحدة.


نزلت الشارع، كانت الدنيا بدأت تضلم والجو يبرد. وقفت توكتوك وقالتله بصوت بيرتعش وخافت يادوب مسموع:

"طلعني على الطريق الرئيسي لو سمحت.. بسرعة"


وهي في التوكتوك، فتحت البوك بتاعها عشان تشوف معاها كام، واتصدمت لما لقته فاضي.. يادوب بعض الفكة اللي تحاسب بيهم السواق. نزلت على الطريق الرئيسي، والناس رايحة جاية، وهي حاسة إنها عريانة وسطهم، الكل بيبص لشنطتها ووشها المخطوف.


قعدت على الرصيف في ركن ضلمة، وحاوطت جسمها بإيديها وهي بتترعش من الرعب والبرد، والليل بدأ يليل بجد وسواد الدنيا كله بقا في عينيها.


"هروح فين؟ ومعيش مليم.. والشرطة زمانها هتدور عليا.. يا رب مليش غيرك."


في اللحظة دي، موبايلها اللي في إيدها نور.. شاشة الموبايل كانت بتعلن عن مكالمة من رقم مش مسجل. ياسمين بصت للموبايل بتردد، كانت خايفة يكون حد عرف باللي حصل.. وقلبها دق بسرعة من الرعب.


عند علي ...

كان علي سايق وعقله لسه مع اللي سحرت قلبه، وفجأة وهو بيبص جنبه، لمح حاجة سودة واقعة عند الدواسة.. داس فرامل وبص لقاها شنطة إيد ياسمين.

وقف العربية، مسك الشنطة وبص لها بابتسامة:

"طيب والله جت من عند ربنا عشان أشوفك تاني"


قرر يرجع لها فوراً. بعد دقايق كان واصل الحارة، ركن ونزل قصاد البيت اللي نزلت عنده وسأل ست قاعدة قدام بيتها، دلته وقالتله إنها ساكنة في الدور الأول. طلع علي السلم، ووقف قدام الباب وخبط مرة واتنين وتلاتة.. بس مفيش أي رد، والسكوت اللي جوه كان غريب ومقلق.


وهو لسه واقف مستغرب، ست تانية من سكان البيت كانت نازلة على السلم، بصت له بفضول وحشرية وهي بتفحص بدلته وجسمه الضخم:

"عايز حاجة يا بيه؟ بتخبط على مين؟"


علي رد بجدية وهيبة:

"لو سمحتي، مش الآنسة ياسمين ساكنة هنا؟"


الست لوت بوزها وقالت: "آه يا بيه ساكنة مع أبوها منصور، خبط تلاقيهم جوه، أصل منصور ده نومه تقيل وشربه كتير."


علي رد بضيق: "أنا بقالي خمس دقايق بخبط ومحدش بيرد."


الست استغربت وقالت: "يمكن خرجوا يا بيه، مع إن ياسمين لسه داخلة مفيش ساعة."


علي سكت شوية بيفكر، كان ممكن يسيب الشنطة مع الست دي، بس عقله قاله إن دي فرصته الذهبية عشان ياخد رقمها ويكلمها ويقابلها مره تانية.


بص للست وقال بهدوء: "طيب حضرتك معاكي رقمها؟ أنا زميلها في الشغل ومحتاجها في حاجة ضروري وتليفونها مقفول."


الست مكدبتش خبر، طلعت موبايلها الزراير من جيب جلابيتها، وقلبت فيه شوية وهي بتبرق، وبعدين ملته الرقم. علي سجله فوراً وشكرها ونزل بخطوات سريعة.

أول ما ركب العربية، اتنهد براحة وبص للموبايل: "جبتك يا ياسمين.. المرة دي مش هتهربي مني."


دور العربية اتصل علي بالرقم وهو قلبه بيدق بسرعة، وفي الناحية التانية كانت ياسمين قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وسط ضلمة الليل، والموبايل في إيدها بيرن برقم غريب. مسحت دموعها بإيد بتترعش وقررت ترد بصوت مبحوح:

"ألو.. مين؟"


علي أول ما سمع صوتها ابتسم بفرحة وراحة مكنش عارف سببها:

"ألو.. أيوة يا ياسمين، أنا علي.. اللي خبطك، فاكراني؟"


ياسمين رددت الاسم بصدمة وعدم تصديق، كأن صوته ده كان طوق نجاة اترمي لها وهي بتغرق:

"أستاذ علي؟"


علي كمل بابتسامة لسه سايق:

"أيوة يا ستي.. معلش بكلمك في وقت متأخر بس لقيت شنطتك واقعة في العربية، فرجعت الحارة عشان أديهالك وخبطت على الباب كتير بس مفيش حد رد، فجبت رقمك من جارة ليكم وقُلت أكلمك أطمن عليكي وعلى رجلك."


ياسمين أول ما سمعت سيرة البيت، جسمها كله اتنفض وافتكرت منظر أبوها والدم اللي مغرق الدنيا، والشهقات بدأت تطلع منها غصب عنها:

"أنا.. أنا مش في البيت يا أستاذ علي.. أنا مش هناك."


علي نبرة صوته اتغيرت تماماً للقلق، ووقف العربية على جنب:

"مش في البيت؟ أمال إنتي فين؟ وصوتك ماله يا ياسمين؟ إنتي بتعيطي؟"


ياسمين بصت حواليها في الشارع، الدنيا كانت بتضلم أكتر والناس بدأت تقل، ومسحت دموعها وهي بتاخد قرار مصيري.. هي معندهاش حد، ومنصور لو مات هتبقى قاتلة، ولو صحي هيقتلها هو.. ملقيتش قدامها غير اللي لسه مقابلاه من كام ساعة بس حست معاه بأمان غريب:

"أنا في الشارع.. أنا قاعدة على الرصيف في الطريق الرئيسي.. ممكن.. ممكن يا أستاذ علي تجيلي؟ أنا محتاجة مساعدة أرجوك."


علي مكنش محتاج يسمع كلمة تانية، دور العربية بأقصى سرعة وقال بصوت حازم يطمن:

"خمس دقايق بكتيره وهكون عندك.. متتحركيش من مكانك، أنا معاكي."


قفل علي السكة وهو بيدوس بنزين بجنون، وياسمين فضلت ماسكة الموبايل وضامّاه لصدرها وهي بتدعي إنه يجي بسرعة. 


_________________________________


أدهم كان واقف ورا العربية، بيقفل الشنطة الكبيرة بعد ما رص فيها شنط السفر كلها. يزن كان بيتنطط جنبه بحماس: "يلا يا بابا.. يلا يا جميلة"


أدهم لف وبصله بابتسامة هادية: "اركب يا بطل، الطريق طويل."


ركب يزن وراه، وجميلة كانت لسه هتركب جنبه، بس أدهم بصلها بنظرة فيها غيرة مش مفهومة وقال بحزم: "جميلة.. تعالي اقعدي قدام."

جميلة استغربت وبصت ليزن: "ليه؟ أنا عايزة أقعد مع يزن ورا عشان نلعب سوا."


أدهم رفع حاجبه وهو بيفتح الباب: "بس أنا مش السواق بتاعكم عشان تسيبوني لوحدي قدام.. اركبي يا جميلة لو سمحتي."


جميلة اتنهدت باستسلام، وركبت قدام جنب أدهم. دور العربية وخرج من بوابة القصر، والهدوء بدأ يسيطر على الطريق السريع.


بعد حوالي ساعة، يزن غلبه النوم ورا وهو حاضن مخدته الصغيرة. جميلة بصت ورا اطمنت عليه، وبعدين رجعت بصت للطريق وقالت بصوت واطي وناعم:

"هو الطريق هياخد قد إيه يا أدهم؟"


أدهم رد وهو عينه على الأسفلت: "يعني ساعتين وكسر.. يزن نام والجو بقى هادي أوي."


جميلة سندت راسها على الشباك: "فعلاً.. السكون ده مريح للأعصاب."


أدهم بصلها بطرف عينه، ولأول مرة ملامحه تلين وتفك من الجمود اللي هو فيه:

"طيب تحبي أشغلك أغنية؟"


جميلة ابتسمت بصفاء وقالت: "ماشي.. يا ريت."


أدهم فتح موبايله ووصله بوصلة الكاست، وقلب في الأغاني شوية وهو بيدور على حاجة تليق بالمود، لحد ما اختار أغنية هادية بدأت تملأ العربية بصوت شجي. جميلة بصت من الشباك الطريق اللي بدأ يبقى هادي، وأنوار العربيات التانية بتعدي زي الخيالات، ونسمات الهوا الباردة بتدخل من فتحة الشباك الصغيرة وتطير خصلات شعرها بنعومة على وشها.


غمضت عينيها باستمتاع وهي بتسمع الكلمات، وحست إنها لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر حاسة بسلام داخلي، وكأن صوت الأغنية والليل بيغسلوها من توتر اللعبة اللي هي فيها.


"ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين

تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي

عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين

ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي


عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟

زي اللي أول مرة بيحس بأمان

خليك معايا

خليك معايا يا حبيبي مهما كان

خليك معايا

يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان


أدهم فضل باصص لجميلة وهي نايمة، وملامحها الهادية بتتحرك مع نور أعمدة الإنارة اللي بيخطف وشها، وقلبه بيدق بعنف. "يا ترى هتكملي في تمثيلك لحد امتى يا جميلة؟" سأل نفسه السؤال ده وهو بيفتكر اللحظة اللي اكتشف فيها حقيقتها.


"فلاش باك"

أدهم كان قاعد في مكتبه، لابس نضارته ومنهمك في الورق، ملامحه كانت حادة وصارمة كالعادة. علي دخل عليه بخطوات سريعة وقال بهدوء:

"فيه أخبار جديدة يا أدهم بيه تخص عم حضرتك."


أدهم قلع نضارته ببطء، وحط راسه بين إيديه  بإرهاق .. هو عارف بكرهه وحقده عليه من وقت ما رجع،وعشان كده دايما بيراقبه عشان يفهم دماغه فيها ايه ناحيته قال وهو بيغمض عينه:

"قول يا علي.. سامعك."


علي اتكلم بجدية وعملية:

"إبراهيم بيه مؤخراً بيقابل بنت بشكل متكرر، بقاله أسبوعين. البنت دي اتعرف عليها في خناقة في الشارع، كانت سرقت محفظة من راجل وكان مصمم يحبسها، وإبراهيم بيه اتدخل ودفع لها الفلوس، ومن يومها وهو بيقابلها."


أدهم عقد حواجبه باستغراب:

"طيب.. متعرفش بيقولوا إيه؟ وايه اللي يخلي عمي يهتم بوحدة من الشارع؟"


علي هز راسه بنفي:

"للأسف مقدرناش نعرف الحوار بالظبط، لكن قدرنا ناخد صور ليهم خلال مقابلاتهم، ولما راقبنا البنت عرفنا إن اسمها جميلة أهلها ماتوا وهي في ثانوي، واتطردت من شقتها، ومن ساعتها وهي في الشارع بتسرق. واللي عرفناه كمان إن إبراهيم من أسبوع أجرلها شقة في حارة شعبية وهي نقلت تعيش فيها.. هبعتلك الصور اللي خدناها ليهم."


أدهم مسك موبايله، فتح أول صورة، كانت لعمه إبراهيم وهو بيتكلم مع بنت بظهرها، ملامحها مش باينة. قلب للصورة التانية، وفجأة سكت.. ملامحها ظهرت بوضوح. قلبه دق دقة غريبة مكنش فاهمها لما شاف عيونها اللي شبه عيون الغزلان وبراءتها اللي متتوصفش. بلع ريقه وهو بيعمل زوم على ملامحها، واستغرب نفسه؛ هو مش من النوع اللي بيعجب بحد من أول نظرة، ولا بيؤمن بالكلام ده أصلاً.


عدى أسبوع، وأدهم كل يوم يفتح صورتها ويتأملها بابتسامة غصب عنه، لحد ما جه اليوم اللي علي بلغه فيه إنهم وصلوا لأخته. في البداية أدهم كان فرحان، لكن لما علي قاله العنوان، الصدمة كانت كبيرة؛ دي نفس الحارة ونفس الشقة اللي إبراهيم أجرها للبنت اللي كان بيقابلها!


ساعتها أدهم فهم اللعبة كلها، وفهم إن عمه باعت له جميلة عشان تنصب عليه وتاخد ورث ياسمين. واتفق مع علي وقرر يروح الحارة ويكمل اللعبة لكن بطريقته.


أول لما عينه جت في عنيها أول مرة وشاف ملامحها اللي بسببها سهران بقالو أسبوع. مكنش عايز يقتلها ولا يواجهها بكذبها.. كان نفسه ياخدها في حضنه ويخبيها عن الدنيا كلها.لكنه سيطر على المشاعر الغريبة اللي سيطرت عليه بصعوبة بالغه.


لما راحت معاه على القصر، كان بيمثل الجمود بس من جواه كان فرحان إنها قدام عينه، ولما جه يودعها عند أوضتها أول ليلة، مشاعره خانته ومقدرش ميغلفش وداعه بقرب يطفي ناره.


أول ما دخل جناحه ليلتها، فضل يلوم نفسه بعنف: "إنت بتعمل إيه يا أدهم؟ دي نصابة.. دي جاية تسرقك وتسرق حق أختك الحقيقية بمساعدة عمك! فوق لنفسك!" ومن اللحظة دي قرر يلبس قناع القسوة ويوريها الويل عشان يدفعها تمن كدبها، بس كل ما بيشوف عيونها، القناع ده بيبدأ يتشقق.


(أيوة طبعا كلنا شاهدين إنك كنت قاسي خالص🙈)


"رجوع من الفلاش باك"

أدهم فاق من ذكرياته على صوت نفس جميلة الهادي وهي غرقانة في النوم. مد إيده ببطء شديد ولمس خصلة من شعرها كانت نازلة على وشها ورجعها ورا ودنها.


اتنهد تنهيدة قوية وشدد قبضته على الدركسيون، وبص للطريق وهمس بصوت واطي وموجوع:


"ليا عندك حق يا جميلة..ذنبك إنك دخلتي عرين الأسد وانتي متعرفيش إني كاشف كدبك من أول يوم."


_______________________________


هدّي سرعة العربية وهو عينيه بتدور في كل ركن على الطريق، لحد ما لمحها.. كانت قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وضامة شنطتها لصدرها، وجسمها كله بيترعش من البرد والرعب.


نزل علي من العربية بسرعة وجري عليها، وبصوت مليان قلق همس باسمها:

"ياسمين"


رفعت عينيها اللي كانت غرقانة دموع، وأول ما شافته، شهقت شهقة مكتومة وكأن روحها ردت فيها. علي لاحظ ارتعاشة جسمها، ومن غير تردد قلع الجاكيت بتاعه وحاوطه على كتافها، وهز راسه ليها باطمئنان وهو بيمسك إيدها يطمنها، وقومها براحه، وشال شنطتها وركبوا لعربية.


مشي بالعربية لدقايق، وبعدين وقف في مكان هادي بعيد عن زحمة العربيات والدوشة. ساد السكوت جوه العربية، وعلي محبش يضغط عليها، فضل مستنيها لحد ما هي اللي تتكلم. وأخيراً، ياسمين نطقت بصوت مخنوق ومتقطع:

"أنا.. أنا قتلت أبويا."


علي فتح عينيه بصدمة وجمّدت الكلمات في حلقه، مكنش متوقع إن الموضوع يوصل لكدة.


ياسمين حاوطت جسمها بدراعاتها بخوف وهي بتهمس بكلمات مش مترابطة، بس المعنى وصل لعلي بكل قسوته:

"هو.. هو حاول يلمسني.. هو علطول بيبص لي بطريقة وحشة.. أنا بخاف منه أوي."


ياسمين مقدرتش تتحكم في نفسها أكتر، وانفجرت في بكاء مرير وصوت شهقاتها كان بيقطع القلب. علي سحب مناديل من العربية وداها لها، وتردد للحظة وهو شايفها بالحالة دي، بس مد إيده وطبطب على كتافها من فوق الجاكيت وهو بيقول بحنان:

"ممكن تهدي؟ اهدي عشان نقدر نتصرف.. أنا معاكي."


بدأت ياسمين تهدا شوية، وعلي بصلها بجدية:

"احكي لي إيه اللي حصل بالظبط؟"


ياسمين هزت راسها وبدأت تحكي له كل حاجة، من أول نظراته المقرفة ليها طول عمرها لحد اللي حصل النهاردة واللحظة اللي خبطته فيها بالفازة وهربت. 


علي اتكى على فكه بغضب وعروق إيده ظهرت وقال بصوت غليظ:

"إزاي فيه أب كدة؟ ده مستحيل يكون بني آدم، ولا مستحيل يبقى أبوكي!"


ياسمين ردت ببكاء وشهقات تقطع القلب:

"أنا مليش حد.. وبعد اللي حصل ده خسرت الشخص الوحيد اللي كان ليا في الدنيا.. أنا ضعت خلاص."


علي رد عليها بغضب حقيقي بس مش منها، غضب على اللي حصل لها:

"ده ميتزعلش عليه، واللي عملتيه كان دفاع عن النفس.. إنتي معملتيش حاجة غلط."


ياسمين بصت له بلهفة وخوف:

"يعني.. يعني أنا ممكن متسجنش؟

"

علي اتنهد وقال : محتاج أعرف الأول هو مات ولا لسه عايش، ود بطريقته الخاصة، بس المهم دلوقتي إنها ما ينفعش ترجع البيت خالص. 


ياسمين سألت بحيرة ودموعها لسه نازلة:

"أمال أروح فين؟ أنا مليش حد أروح له."


علي سكت لثواني بيفكر في العواقب، وبعدين أخد قرار حاسم وقال:

"إنتي هتيجي تعيشي معايا في البيت."


ياسمين برقت من الصدمة والذهول، وبلعت ريقها وهي بتبصله من فوق لتحت بغضب لطيف .


على كمل كلامه بسرعة لما لاحظ ردفعلها:

"أنا مش عايش لوحدي.. خالتي مقيمة معايا في بيتي..  ، وأنا أغلب وقتي بكون في الشغل وساعات ببات بره.. يعني هتكوني في أمان، ومحدش هيعرف طريقك هنا."


ياسمين فضلت ساكتة وبتبص له بذهول، وبعد محاولات منه لإقناعها، وافقت بضعف لأنها فعلاً معندهاش بديل. دور العربية واتحرك بيها لبيته. 


بعد ساعه 

علي ركن العربية قدام عمارة في حي راقي وهادي، وبص لياسمين اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر وقلق واضح على وشها، وقال بابتسامة هادية:

"وصلنا يا ياسمين..."


ياسمين بصت له وهي بتهته بضعف:

"هو.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"


علي رد بسرعة: "أكيد، اطلبي اللي إنتي عايزاه."


ياسمين عضت طرف شفتها اللي تحت بتوتر وقالت: "هو إنت ممكن تسّمعني صوت خالتك قبل ما نطلع فوق؟"


علي سكت لثواني بذهول، وبعدين انفجر في الضحك، وياسمين انكمشت في نفسها ومالت برقبتها بكسوف. علي هز راسه بابتسامة وهو مستعجب طيبتها وفطرتها، رغم كل اللي مرت بيه لسه عايزة تتأكد إنه مش بيضحك عليها وإنه فعلاً عايش مع خالته.


"حاضر يا ستي، هتصل بيها قدامك عشان تتأكدي إنها موجودة ومش بضحك عليكي."


علي طلع موبايله واتصل بخالته، ولحظات وجاله الرد بصوت ست واضحة ملامح طيبتها وحنيتها من نبرة صوتها:

"أيوة يا علي يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه يا ضنايا؟ أنا مش عارفة أنام غير لما تيجي وأحطلك لقمة تأكلها."


علي كان بيراقب رد فعل ياسمين اللي ملامحها ارتخت تماماً وحست بارتياح كبير، ورد على خالته:

"حاضر يا خالتو، أنا جاي في الطريق بس متصل أعرفك إني معايا ضيوف."


خالته ردت بترحيب: "ماشي يا حبيبي، ضيوفك ينوروا ويشرفوا."


قفل علي الموبايل وبص لياسمين: "تمام كدة؟"


ياسمين هزت راسها بخجل وقالت بصوت رقيق: "تمام."


نزلوا من العربية، وياسمين كانت بتتلفت حواليها بتوجس، أول ما دخلوا البوابة البواب شافهم وقال بابتسامة:

"حمد الله على السلامة يا علي بيه..

ولما لاحظ وجود ياسمين قال بنبرة فضولية : "مين دي يا بيه، دي خطيبتك ولا ايه."؟"


علي بص لياسمين اللي اتصدمت ووشها بقى زي الطماطم، ورد بحدة مدارية:

"وحد الله يا عم محمد.. ودخلني العمارة انت مش هتبطل الفضول اللي فيك ده."


دخلوا الأسانسير، وياسمين سألت بتردد: " فكرت هتقول لخالتك أنا مين؟"


علي سكت شوية بيفكر، وبعدين قال: "أنا هقولها الحقيقة بس مش كلها.. هقولها إني خبطتك بالعربية ووديتك المستشفى وعرفت إنك عايشة لوحدك وملكيش حد، والدكتور قال إنك محتاجة راحة تامة وحد يهتم برجلك وعلاجك، فجبتك هنا عشان تكوني تحت عيني وهي تاخد بالها منك لحد ما نشوف هنعمل إيه."


ياسمين وافقت بهدوء، وخرجوا من الأسانسير وعلي فتح باب الشقة ودخل وهو شايل شنطة الهدوم اللي جابها لها.


وفجأة ظهرت ست في بداية الخمسينات، ملامحها بتفيض طيبة، جريت على علي وحضنته:

"حمد الله على سلامتك يا قلب خالتك، كل ده تأخير يا علي؟"


علي باس إيدها وقال: "معلش يا خالتي، حصلت ظروف."

خالته "منى" بصت للشنطة اللي في إيده باستغراب: "ظروف إيه؟ وإيه الشنطة دي؟ وإنت مش قولت جاي ضيوف، هما فين؟"


وفجأة عينيها جت على ياسمين اللي كانت واقفة عند الباب في منتهى الخجل والارتباك. منى سكتت وبصت لعلي باستغراب وسألت:

"مين دي يا علي؟"


بص علي لياسمين اللي كانت واقفة عند الباب وشها أحمر من الخجل، ورجع بص لخالته واللي اسمها منى وقال بنبرة هادية عشان يمهد للموضوع:

"دي الآنسة ياسمين يا خالتي، هي دي الضيفة اللي قولتلك عليها..."


منى سابت علي وقربت من ياسمين، وبصت لملامحها الرقيقة بإعجاب وطيبة وقالت:

"يا عيني يا بنتي، إنتي شكلك تعبانة أوي ليه كدة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي."


ياسمين دخلت بخطوات بطيئة وهي بتعرج، ومنى لاحظت فوراً وقالت بلهفة:

"يا خبر! رجلك مالها يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟"


علي اتدخل بسرعة وقال بالسيناريو اللي اتفقوا عليه:

"ما هو ده اللي أخرني يا خالتي.. وأنا سايق خبطتها بالعربية غصب عني، وديتها المستشفى والدكتور طمني إنها كدمات شديدة بس لازم راحة تامة ومتمشيش عليها كتير. ولما عرفت إنها عايشة لوحدها وملهاش حد يراعيها في ظروفها دي، مقدرتش أسيبها، وجبتها هنا عشان تكون تحت رعاية إيدك الحنينة يا ست الكل لحد ما تخف."


منى لوت بوزها بحزن وقالت:

"يا حبيبتي يا بنتي! ملهاش حد؟ ولا يهمك يا علي، اعتبرني أمها من النهاردة. تعالي يا ياسمين يا حبيبتي ارتاحي على الكنبة دي عقبال ما أحضرلك لقمة ترم عضمك."


ياسمين بصت لعلي بنظرة شكر، وعلي غمز لها بعينه كأنه بيطمنها إن الخطة ماشية تمام.

 علي حط الشنطة في الأوضة وخرج وقال:

"أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض، وهدخل أغير هدومي وأعمل كذا تليفون بخصوص الشغل.. خدي بالك منها يا خالتي."


ياسمين قعدت وهي حاسة لأول مرة من سنين بدفء البيت والعيله ،إحساس اتحرمت منه طول عمرها، بس قلبها لسه مقبوض من فكرة منصور اللي سابته غرقان في دمه، يا تري عايش ولا مات ...؟


#رواية_عشقت_محتالة

البارت 8

فتحت جميلة عينيها ببطء على صوت مواء لقطة. قامت فجأة بخوف وهي بتدور بعنيها عن مصدر الصوت، قلبها كان بيدق بسرعة لأنها مش متعودة على أجواء الشاليه لسه.


قامت من السرير ولبست الروب فوق فستان النوم اللي كانت لابساه، وخرجت من أوضتها وهي ماسكة عصاية خشبية كانت مركونة في الركن، بتدور بحذر وخوف وتهمس:

"بسبس.. فيه قطة هنا؟ يلهوي، هو أدهم مقفلش باب الشاليه امبارح ولا إيه؟"


فضلت تدور لحد ما ملقتش حاجة، رمت العصاية بتنهيدة ارتياح وسندت بضهرها على باب خشبي لغرفة كانت مقفولة. بصت قدامها بذهول وانبهار؛ لأول مرة تشوف منظر البحر مباشرة .. امبارح وصلوا الشاليه بالليل والدنيا كانت ضلمة، لكن دلوقتي الشمس كانت بتعكس نورها على المية الزرقاء في مشهد يسحر.

شمت ريحة الهوا المحمل باليود بابتسامة وهي مغمضة عينيها، وفجأة، محستش بنفسها غير وهي بتقع لورا لما الباب اللي كانت ساندة عليه اتفتح فجأة!


قبل ما تلمس الأرض، كانت فيه إيد صلبة وقوية محاوطاها من خصرها ومنعاها من الوقوع. رفعت عينيها بخوف ولقت نفسها شبه محبوسة في حضنه.. كان أدهم.

هيئته كانت مختلفة تماماً عن اللي بتشوفه كل يوم بالبدلة الرسمية. كان لسه صاحي من النوم، شعره الفحمي الناعم متمرد ونازل على جبهته بطريقة جذابة جداً، ولابس فنلة سودا كت كانت بارزة جسمه الرياضي وقوته.


جميلة تاهت في ملامحه القريبة منها أوي دي، وقالت بتوتر وتلعثم وهي مش عارفة تبعد عينيها عنه:

"القطة.. مشوفتش القطة؟"


أدهم ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته كانت محشرجة ومنخفضة من أثر النوم:

"قطة إيه؟"


جميلة بلعت ريقها بصعوبة، وحست بحرارة في وشها، فجأة استوعبت الوضع وبعدت عنه خطوة وهي بتعدل الروب:

"أصل.. أصل صحيت على صوت نونوة قطة جوه، فكنت بدور عليها.. افتكرت الباب كان مفتوح."


أدهم بص للباب المفتوح وبعدين رجع بص لها:

"تقريباً باب الشاليه اتفتح بليل من الهوا.. هبقى أجيب له ترباس النهاردة عشان مفيش حاجة تدخل."


وفجأة، نظرات أدهم اتغيرت.. عينيه نزلت على لبسها، واستوعب إن الروب كان شبه مفتوح وفستان النوم اللي تحته باين. بلع ريقه وحس بتوتر مفاجئ، وجميلة أول ما لاحظت نظراته اللي اتثبتت عليها، شهقت بخجل وقفلت رباط الروب بإيد بتترعش ووشها بقى أحمر زي الدم.


أدهم حمحم بجدية وهو بيحاول يستعيد قناعه الصارم ويهرب من الموقف:

"طيب.. يلا عشان نفطر، أنا جعان جداً ومأكلتش حاجة من امبارح. هلبس بسرعة وأروح أجيب أكل للفطار من برا."


جميلة ردت وهي بتبص للأرض من كسوفها:

"تمام.. وأنا هروح أصحي يزن."


أدهم هز راسه بالموافقة وهو لسه بيحاول يشتت نظراته عنها، ودخل أوضته يقفل الباب وراه بسرعة وهو حاسس إن نبضات قلبه بقت مسموعه.


غيرت هدومها بسرعة ولبست حاجة مريحة، وراحت لأوضة يزن. بدأت تصحيه بهدوء وهي بتمسح على شعره: "يزن.. حبيبي.. يلا قوم عشان نفطر على البحر."


يزن فتح عينه بكسل وابتسم أول ما شافها: "جميلة.. إحنا بجد وصلنا؟ أنا عايز أنزل المية دلوقتي!"


جميلة ضحكت: "نفطر الأول وبعدين ننزل، بابا راح يجيب الفطار."


خرجت جميلة مع يزن للصالة، لقت أدهم خرج وكان لابس تيشيرت أبيض وبنطلون جينز بسيط، وشعره لسه متمرد على جبينه بس شكله كان يجنن. بص ليزن وقال: "صباح الفل يا بطل، نص ساعة وهكون هنا بالفطار، مش عايز شقاوة."


أدهم خرج، وجميلة فضلت واقفة بتبص لأثره، حاسة إن السفرية دي هتكون أصعب مما تخيلت، مش بس بسبب كدبتها، لكن بسبب مشاعرها اللي بدأت تخرج عن السيطرة.

__________________________________


ياسمين كانت واقفة في المطبخ مع منى، الجو كان هادي ومليان بريحة الفطار اللي بيتحضر. منى بصت لياسمين بحنان وقالت:

"يا حبيبتي روحي اقعدي ارتاحي بقا عشان رجلك متتعبش أكتر."


ياسمين ردت برقة وهي بتبتسم:

"يا طنط والله أنا كويسة، وحابة أساعدك بجد."


منى لوت بوزها بإعجاب:

"يلهوي على جمالك ورقتك يا بنتي! علي عنده حق يخاف تقعدي لوحدك عشان يجيبك هنا."


ياسمين وشها احمر وخفضت عينيها بخجل وقالت:

"طيب أنا بعمل فول بطماطم تحفة، إيه رأيك أجهزه أنا للفطار؟"


منى استسلمت وضحكت:

"هقول إيه؟ اعملي اللي إنتي عايزاه، الكلام مش نافع معاكي.. هسيبك تعملي الفول عقبال ما أجيب باقي الحاجات من برا."


خرجت منى، وياسمين بدأت تجهز الفول بحماس. كانت مندمجة جداً، خصلة من شعرها نزلت على عينيها فرفعت راسها بضيق وهي بتبعدها بإيدها اللي فيها آثار تقطيع الطماطم. كانت بتقطع الطماطم والفلفل الأخضر وبتحضر التوابل وهي بتدندن بصوت واطي.


في اللحظة دي، علي كان لسه صاحي، خرج من أوضته وهو بيفرك عينيه بنوم وشعره نازل على عينيه بتمرد. دخل المطبخ وهو مش واخد باله إن فيه حد جوه، كان عايز يشرب مية.


فتح الثلاجة وبدأ يشرب بعطش وهو لسه بنص عين، مكنش لابس تيشرت، وجسمه الضخم المليان عضلات من أثر التمارين العنيفه كان باين بوضوح، ولابس شورت بيتي فوق الركبة.


ياسمين خلصت تقطيع ولفت عشان تدور على التوابل، وفجأة اتصنمت مكانها! شهقت بصدمة لما شافت العملاق اللي واقف قدامها بالمنظر ده. علي أول ما سمع الشهقة، نزل الإزازة فوراً وبص ناحية الصوت.


اتقابلت عينيهم؛ ياسمين حطت إيديها على بوقها بصدمة، وعينيها كانت مبرقة بخجل وارتباك مش طبيعي، وعلي اتسمر مكانه لما استوعب إنه نسي تماماً إنها في البيت.


علي بارتباك وهو بيبص حواليه بتوتر، ومش عارف يداري جسمه بإيه:

"أنا.. أنا آسف والله! أنا نسيت خالص إنك هنا.. بجد حقك عليا."


ياسمين لفت وشها بسرعة وحطت إيديها على عينيها، وعلي جرى بأقصى سرعة على أوضته وهو وشه قايد نار من الكسوف. في اللحظة دي دخلت منى المطبخ وهي شايلة حاجات، وشافت علي وهو بيجري ناحية أوضته:

"مالك يا ابني بتجري كدة ليه؟ هو فيه عفريت وراك؟"


بصت لياسمين اللي كانت لسه واقفة مخبية وشها، وفهمت اللي حصل فوراً. منى ضحكت وهزت راسها:

"معلش يا حبيبتي، تلاقيه نسي إنك معانا في البيت وخرج من أوضته بلبس النوم..


 وكملت كلامها :"كذا مرة أقوله مينامش عريان كدة عشان ميبردش، بس هو راسه ناشفة."

(حضرتك بتقولي إيه يا طنط انتي جيتي تكحليها عمتيها)


ياسمين غمضت عينيها بخجل أكتر وعملت نفسها مشغولة في الأكل وهي مش عارفة تودي وشها فين من الإحراج.


بعد شوية، كانوا قاعدين على السفرة. علي خرج بعد ما لبس تيشرت كحلي نص كم وبنطلون أسود، قعد على الكرسي وهو منزل عينه في الأرض. رفع نظره لياسمين بإحراج، وعينيهم جت في عين بعض لجزء من الثانية، ياسمين نزلت عينيها بسرعة في طبقها.


منى كانت متابعة النظرات بابتسامة خبيثة وسعيدة، ودعت في سرها .


علي بدأ ياكل وهو بيحاول يلطف الجو:

"امممم.. الفول ده تحفة! تسلم إيدك يا خالتو."


منى غمزت له بخبث:

"بالهنا يا حبيبي.. بس ده مش عمايل إيدي، دي ياسمين اللي عملته، اشكرها هي."


علي بص لياسمين بتوتر وإعجاب مداري:

"تسلم إيدك يا ياسمين.. بجد طعمه يجنن."


ياسمين هزت راسها بخجل وردت بصوت رقيق ومنخفض: "بالهنا والشفا."


قامت منى وقالت: "أنا هقوم بقا أعملنا شاي بلبن ."وسابتهم لوحدهم والجو كان مشحون بالتوتر. 


__________________________________


على الشاطئ


أدهم كان قاعد على الرمل، بيعمل هو ويزن قلعة من الرمل بتركيز . الجو كان هادي، وصوت تلاطم الموج بيعمل موسيقى مريحة للأعصاب.


أدهم حس بضل شخص وقف وراهم، لف بجذعه ببطء عشان يشوف مين، وفي اللحظة دي عينيه اتفتحت على آخرهم وبلع ريقه بصعوبة. جميلة كانت واقفة وراه، لابسة مايوه لونه تركواز ساحر، قطعة واحدة بكتف واحد عليه خطين متضادين مكملين لغاية آخر ظهرها اللي كان باين منه جزء بسيط ومغري، المايوه كان مرسوم على جسمها وكأنه قطعة منها. كانت رابطة كاش مايوه عبارة عن طرحة باللون الأزرق الفاتح الشفاف حول وسطها لغاية ركبتها، الهوا كان بيطير أطرافها فبتبين جمال رجليها.


أدهم فضل متنح لثواني، مبهور بالهيئة دي اللي كانت خاطفة للأنفاس ومزيج بين الرقة والجاذبية، قبل ما يستوعب نفسه ويعدل قعدته.

جميلة قعدت جنبهم على الرمل بهدوء وقالت بابتسامة:

"واو.. إيه المبنى الجميل ده؟"


يزن صرخ بفرحة وهو بيشاور على الكومة الرملية:

"شوفتي يا جميلة؟ أنا اللي عملت القلعة دي!"


أدهم رفع حاجبه بغضب مصطنع :

"والله؟ وأنا مكنتش بعمل حاجة يعني؟"


يزن رد وهو مشغول بيحط آخر لمسات الرمل:

"ماشي يا بابا.. إنت ساعدتني شوية، بس أنا المهندس!"


أدهم اتنهد وبص قدامه للبحر.. المنظر كان يجنن؛ المية الزرقاء الصافية مع الرغاوي البيضاء الهادية، والشمس كانت دافية لدرجة إنها خلت المية تلمع كأنها مرصعة بالألماظ.


فجأة يزن سقف بإيديه الصغيرتين بمرح:

"هيييه.. أنا خلصت القلعة، وكتبت أسامينا كمان!"


أدهم وجميلة لفوا براسهم للرمل عشان يشوفوا يزن عمل إيه.. يزن كان حافر تحت القلعة تلات أشكال لأشخاص، الأطول فيهم مكتوب فوقه "أدهم"، وفي النص شخص قصير مكتوب فوقه "يزن"، وجنبهم من الناحية التانية مكتوب "جميلة".


جميلة بصت للرمل وعينيها لمعت بدموع خفيفة من لمسة يزن البريئة، وبصت لأدهم لقت نظراته مثبتة عليها.. نظرة كانت تايهة بين كونه عارف إنها نصابة وبين قلبه اللي كان عايز يصدق إن اللوحة اللي يزن رسمها دي هي الحقيقة الوحيدة في حياته.

أدهم مد إيده وبدأ يمسح الرمل عن إيد يزن وقال بصوت هادي ومختلف:

"عاشت إيدك يا بطل.. دي أهم قلعة بنيناها في حياتنا."


ضحك بفرحة وبص لجميلة: "شفتي يا جميلة؟ بابا عجبته!"


جميلة مالت على يزن وباست خده: "طبعاً هتعجبه، دي أجمل قلعة شفتها في حياتي، وإنت مهندس جامد يا يزونة."


أدهم كان بيراقب المشهد ده بصمت، الهوا طير خصلة من شعر جميلة ولمست وشه غصب عنه، شمة ريحتها اللي كانت شبه الورد البلدي.


_______________________________


في مكان تاني


كان واقف قدام شباك قزاز كبير في فيلا هادية في أمريكا، الضلمة برا كانت بتعكس صورته على القزاز.. ملامحه اللي غزاها الشيب، وعينيه اللي باين فيها حزن سنين طويلة. كان ماسك الموبايل في إيده، وباصص لصورة أدهم وهو لابس بدلة رسمية في واحدة من المجلات الاقتصادية، وصورة تانية قديمة أوي لـ طفلة رضيعه .


كان بيتأمل ملامحه بفخر ممزوج بوجع، وفجأة حس بإيد حنينة بتتحط على كتفه. كانت نادية، مراته التانية اللي عاشت معاه سنين الغربة. نادية اتنهدت لما شافت الصورة وقالت بنبرة هادية:

"طالما واحشك أوي كدة يا محمود.. ليه مش راضي ننزل مصر؟ بقالك سنين بنهرب من السؤال ده."


محمود نزل الموبايل وحطه على المكتب، ولف لها وهو بيهز راسه بأسى:

"قولتلك مية مرة يا نادية، مينفعش. رجوعي دلوقتي هيبوظ كل اللي أدهم بيعمله. أنا عارف ابني، هو دلوقتي بيبني إمبراطورية وبيحاول يكبر اسم السويسي بطريقته.. لو رجعت، الخطر عليه هيكون أكبر بكثير، وإبراهيم مش هيسكت."


نادية قربت منه وبصت في عينيه:

"بس أنت أبوه.. وأنت الوحيد اللي هتعرف تحميه من غدر عمه. أدهم شايل شيلة تقيلة لوحده.. مش كفاية وجع لحد كدة؟"


محمود غمض عينيه بقوة وكأنه بيطرد ذكريات مؤلمة، ورد بصوت مخنوق:

"لازم أستنى شوية.. إبراهيم لو شم خبر إني لسه عايش، هيحرق الأخضر واليابس وهيحاول يقتلني تاني. أنا مأمن أدهم من بعيد، ومعين ناس بتوصلي الأخبار أول بأول.. بس اللحظة اللي هظهر فيها، لازم تكون هي اللحظة اللي هكسر فيها إبراهيم للأبد."

_____________________________


ياسمين كانت شايلة فنجان القهوة بحذر، وخرجت للبلكونة بخطوات هادية وهي بتحاول متضغطش على رجلها المصابة. علي كان ساند ضهره على السور وباصص للسما بسرحان، ملامحه كانت هادية بس فيها تقل وتفكير كتير.

قربت منه ومدت إيدها بالفنجان:

"اتفضل.. القهوة."


علي لف وشه لها ومد إيده عشان ياخد الفنجان، وفي اللحظة دي إيديهم لمست بعض. وبسبب سخونة الفنجان، إيد علي ضغطت على إيد ياسمين بتلقائية عشان ميتدلقش

(ماتحطي ياختي الفنجان في طبق ولا هو أي محن وخلاص)


 فضلوا متثبتين لثواني. ياسمين جسمها اتنفض وشرارة غريبة سرت في كيانها كله، رفعت عينها ولقيت علي باصص في عيونها بنظرة كانت بتحكي مشاعر هي مش فاهمة معناها بس هزتها من جوه.


ياسمين اتكسفت جداً وسحبت إيدها بسرعة ورجعت خطوة لورا وهي وشها أحمر:

"أنا.. أنا أسفة، الفنجان سخن بس."


علي حمحم بجدية وهو بيحاول يداري ارتباكه، وخد رشفة من القهوة:

"احم.. شكراً، تسلم إيدك."


ياسمين ردت بابتسامة رقيقة وخجل: "بالهنا والشفا."


علي سكت شوية وهو بيحاول يرجع لهدوءه، وقرر يفتح الموضوع المهم اللي كان شاغل باله:

"ياسمين.."


رفعت عينيها بتوتر: "نعم؟"


"أنا وصلت للي حصل لأبوكي."


ياسمين بلعت ريقها بخوف، وكأن الذكريات المرعبة هجمت عليها تاني: "عرفت إيه؟ هو.. هو مات؟"


علي كمل بنبرة هادية عشان يطمنها:

"حد من جيرانكم خبط ومحدش فتح، ولما كسروا الباب لقوه واقع على الأرض والدم حواليه، نقلوه المستشفى بس لسه مفاقش ودخل في غيبوبة."


ياسمين رمشت بعينيها بحزن غريب؛ كانت خايفة بس مكسورة وموجوعة، قالت بصوت مخنوق:

"أنا لسه مش حاسة إني زعلانة.. رغم إني هروح في داهية لو مات، بس كنت عايزاه يموت عشان أرتاح من كابوسه."


علي بصلها بقوة وثبات:

"أنا قولتلك الأب اللي زي ده ميتزعلش عليه.. وبعدين متقلقيش، طالما مماتش يبقى كويس، وهو مستحيل يقول كلمة عنك لأن ساعتها هو اللي هيروح في داهية باللي حاول يعمله. متخافيش يا ياسمين.. أنا معاكي ومش هسيبك."


ياسمين بصتله بابتسامة امتنان، وحست لأول مرة إن فيه ضهر وسند بجد في حياتها:

"أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ علي.. إنت مش مضطر ولا مجبور تعمل معايا كل ده."


علي ابتسم، وبانت غمازته بوضوح رغم دقنه الخفيفة المغطية عليها، ملامحه كانت جذابة أوي في اللحظة دي:

"أنا فعلاً مش مجبور.. أنا عايز أساعدك، مش عارف ليه بس.. خليها للوقت يمكن أعرف."


ياسمين اتنهدت وقالت بمحاولة لتغيير الموضوع:

"هو إنت مش المفروض وراك شغل صح؟"


علي رد ببرود وهو باصص للفراغ:

"أيوة، بس مديري في الشغل مسافر يتفسح يومين، يعني يعتبر أنا في إجازة."


في اللحظة دي علي افتكر أدهم.. افتكر إنه كل ما أدهم كان بيسافر، علي بيبقى هو اللي مأمنه وماشي وراه في كل خطوة. بس المرة دي، علي اختار إنه يكذب على أدهم، ويدعي إن وراه مأمورية تانية مهمة عشان ميسيبش ياسمين لوحدها.


__________________________________


أدهم كان واقف على رمال الشط، عينه متثبتة على سواد البحر اللي ملوش آخر، وصوت الموج العالي كان هو الوحيد اللي قادر يغطي على صراع الأفكار اللي جوه دماغه. كان لابس قميص أبيض فاتح أول زرارين منه، والهواء الشديد كان بيلعب بشعره وبيطير أطراف القميص.


كان حاسس بتقل غريب في صدره، صراع بينه وبين نفسه.. صراع بين عقله اللي عارف إن البنت دي نصابة وجاية بتمثيلية من عمه عشان تسرق ورث أخته، وبين قلبه اللي لمس في عينيها براءة ووجع حقيقي خلاه مش قادر يكرهها زي ما كان ناوي.


غمض عينه وهو بيستنشق هواء البحر، وفجأة.. شم ريحة ورد رقيقة جداً، ريحة هادية وساحرة خطفت أنفاسه وسط ريحة اليود. فتح عينه ببطء ولف بجسمه يشوف مصدر الريحه، واتسمر مكانه.


جميلة كانت جاية ناحيته. كانت لابسة فستان أبيض رقيق جداً، قماشته خفيفة بتتطاير مع كل نسمة هواء وواصل لحد ركبتها. الفستان كان له حزام تريكو رقيق حدد خصرها المنحوت، وسايبة شعرها الفحمي مفرود على كتافها بيتحرك بحرية.

ملامحها الملائكية كانت ظاهرة بوضوح تحت ضوء القمر؛ كحل خفيف برز وسع وعمق عينيها العسلي، وروج أحمر جرئ كسر براءة الأبيض اللي لابساه واداها أنوثة طاغية.


قربت منه وهي بترجع خصلة متمردة ورا ودنها، وقالت بصوت رقيق يدوب الحجر:

"واقف لوحدك ليه؟"


أدهم بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضه بدأ يتسارع بشكل مش طبيعي. حاول يخشن صوته اللي راح تماماً من أثر الصدمة والجمال اللي قدامه، ورد بجمود مصطنع:

"بحب أقف قدام البحر بالليل.. بيفكرني بحاجات كتير."


جميلة وقفت جنبه، وسرحت في الموج وهي بتقول بتنهيدة طويلة:

"تعرف.. دي أول مرة في حياتي أشوف فيها البحر بجد؟"


أدهم عقد حواجبه وبصلها باستغراب:

"أول مرة؟ يعني منزلتيش البحر قبل كدة خالص؟"


هزت راسها بنفي وهي لسه باصة للموج:

"لأ.. كان حلم بعيد أوي، والنهاردة بس حسيت إني قادرة ألمسه."


أدهم في لحظة جنون مفاجئة، وبدون أي مقدمات، قرب منها ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت عميقة وداكنة:

"خلاص.. يبقى دي تكون أول مرة."


جميلة ملحقتش تستوعب الكلمة، وفجأة صرخت صرخة مكتومة لما لقت نفسها طايرة بين إيدين أدهم. شالها بخفة وكأنها ريشه، واتوجه بيها ناحية البحر.


جميلة بدأت تهز رجليها بخوف وهي متبتة في قميصه:

"أدهم!  لأ وحياتي.. أدهم نزلني أنا بخاف!"


أدهم بصلها وعينه كانت مأسورة في عيونها، ونطق بكلمة واحدة هزت كيانها:

"أنا معاكي.. متخافيش."


جميلة استسلمت تماماً، وحاوطت رقبته بإيديها وهي بتدفن راسها في كتفه من الخوف. أدهم غمض عينه لثانية وهو حاسس بقربها، وكمل مشي في المية لحد ما الموج غطى رجله كلها، ونزلها براحة وسط المية الهادية.


أول ما رجليها لمست المية، ضحكت بطفولة وفرحة، وبدأت تحرك رجليها وهي بتقول:

"الله! الإحساس ده حلو أوووي!"


وطت ولمست المية بإيدها، وفجأة.. رشت المية في وش أدهم بضحكة شقية. أدهم اتفاجئ وضحك هو كمان، وبدأ يمرر كف إيده على المية ويرشها عليها.


الضحك زاد، وهدوم أدهم اتبلت والقميص لزق على عضلات جسمه، وجميلة كانت بتجري منه في المية وهي بتطلع لسانها بتحدي:

"مش هتمسكني يا أدهم! مش هتمسكني!"


في ثانية، أدهم كان لف إيده وحاوط وسطها، والايد التانية كتف إيديها ورا ظهرها وهو بيقربها منه أوي عشان يثبت حركتها. جميلة لقت نفسها محبوسة في حضنه، ووشه قريب منها لدرجة إن أنفاسه الحارة كانت بتخبط في وشها.


سكتت الضحكات، ومفضلش غير صوت الموج وأنفاسهم العالية. بصت في عينه الحادة الفحمية بتوهان، وأدهم في اللحظة دي فقد سيطرته على كل حصونه.. مشاعره اللي كان كابتها انفجرت، وبدون وعي، قرب منها ونسي العالم ونسي كدبها، ونسي كل حاجة إلا إنها بين إيديه.


بعد شويه، أدهم بعد عنها ببطء وهو بيتنفس بصعوبة. جميلة ووشها كان أحمر فتحت عينيها بصدمة لما فاقت من مشاعرها،  مكنتش مستوعبة اللي حصل ولا هي عملت كدة إزاي. والأهم أدهم عمل كده ازاي وهي المفروض أخته ...

من غير ولا كلمة، لفت وجريت بأقصى سرعة ناحية الشاليه، وسابت أدهم واقف في نص المية ....


#رواية_عشقت_محتالة

البارت 9

أدهم قفل شنطة العربية بقوة لدرجة إن يزن اتنفض مكانه. يزن كان واقف،عينيه مليانة دموع مش فاهم ليه الفسحة خلصت فجأة، وليه الجو الجميل اللي كان بينهم على البحر اتحول لكتلة تلج في ثواني.


أدهم ركب العربية ومسك الدريكسيون بإيده البي مفاصلها باينه من كتر الضغط، وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه.. كانت عاملة زي التمثال، عينيها مثبتة على الطريق قدامها، وإيديها الاتنين متبتين في حزام الأمان. الهدوء اللي كان بينهم مكنش هدوء راحة أبدًا .


أدهم دور العربية واتحرك بأقصى سرعة، وكأنه بيهرب من المكان اللي شافه فيه أضعف لحظاته. الطريق كان طويل، ومحدش فيهم نطق بكلمة واحدة. يزن نام ورا من كتر التعب والحزن، ومفضلش غير صوت الموتور وصوت أنفاسهم المكتومة.


أدهم كان بيخطف نظرات لجميلة بطرف عينه؛ كان شايف وشها الشاحب، وشفايفها اللي بتترعش كل ما تفتكر اللي حصل بينهم على البحر. كان بيلعن نفسه إنه سمح لمشاعره تقوده.


بعد ساعات من الصمت القاتل، دخلت العربية حدود القاهرة. الزحمة والضوضاء بدأت ترجعهم للواقع المر. أدهم كسر الصمت فجأة وبصوت رخيم وبارد: "أنا هروح الشركه انزلوا انتو ."


جميلة معلقتش، والتزمت الصمت ونزلت من العربيه ومعاها يزن ،ودخلوا من باب القصر ..وأدهم تابع دخولهم للقصر بعنين ثابته زي الصقر، وبعدها دور العربية وانطلق بأقصى سرعه على الشركة. 


________________________________


بخطوات تقيلة ورزينة، وقف علي قدام المراية بيظبط لياقة قميصه الأبيض وبيلبس چاكت البدلة الرسمية. راجع يستكمل شغله بسبب رجوع أدهم.


علي وهو بيلم حاجته وبيستعد يخرج من باب الشقة، وقف فجأة وجسمه اتصنم في مكانه.. لما صوت رقيق نادى عليه بخفوت:

"أستاذ علي.."


بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضات قلبه بدأت تدق في ودنه من مجرد سماع اسمه بلهجتها دي. لف ببطء، لقاها واقفة عند طرف الممر، ساندة بضعفها الرقيق على الحيطة وعينيها بتلمع بخجل وارتباك. كانت بتبص له بنظرة فيها خوف من اللي جاي، وفي نفس الوقت فيها أمان غريب مش لاقية غيره معاه.


قالت له بصوت ناعم ومتردد:

"في رعاية الله.."


علي عض على شفايفه وغمض عينه لثانية واحدة بياخد نفس عميق.. الكلمة هزته من جوه. دي جايه تودعه قبل ما يخرج. في اللحظة دي، علي كان هيروح يضمها لحد ما تختفي بين ضلوعه القوية، عايز يخبيها من الدنيا كلها.


تمالك نفسه بصعوبة، ورسم على وشه ابتامة هادية ومطمئنة، ورد بصوت رجولي دافي:

"لا إله إلا الله.. خلي بالك من نفسك يا ياسمين.خدي علاجك في المواعيد بتاعته، وخالتو معاكي لو عوزتي أي حاجة.. تليفوني في إيدك، رنة واحدة وهتلاقيني قدامك."


ياسمين هزت راسها بابتسامة خجولة، وعلي خرج وقفل الباب وراه وهو حاسس إن قلبه اتنسى جوه الشقة.


________________________________


أدهم كان قاعد ورا مكتبه الفخم، عينه مركزة في نقطة وهمية قدامه، وملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس جواه كان فيه صراع شغال زي النار. دخل علي بهدوء، وقال بصوت واثق:

"حمد الله على السلامة يا فندم.."


أدهم مرفعش عينه، بس رد بصوت هادي ومكتوم:

"تعالى يا علي.. ادخل."


علي قرب ووقف قدام المكتب، وأدهم كمل كلامه من غير مقدمات:

"عايزك تجهز أوراق الورث المزورة يا علي.. في أسرع وقت."


علي استغرب جداً، وملامح الدهشة ظهرت على وشه، لإن الخطة كانت مختلفة تماماً. سأل باستغراب:

"دلوقتي يا فندم؟ بس إحنا كنا متفقين إننا هنماطل ونأجل موضوع الورث ده لحد ما نجيب آخر إبراهيم ، وفي الآخر مش هنديهم مليم.. ليه الاستعجال ده؟"


أدهم غمض عينه بقوة للحظة، وكأن مشهد البحر بيتكرر قدامه، ورد بصوت أبحّ:

"لأنها بدأت تشك فيا يا علي.. اللعبة بدأت تنكشف."


علي عقد حواجبه وسأل بفضول:

"وتشك ليه؟ إنت مقصرتش في دور الأخ معاها أبداً."


أدهم لف بالكرسي بنظرة كلها لوم لنفسه :

"لأني عملت معاها حاجة مينفعش تحصل بين الإخوات..، واللحظة دي خلتها تبص لي بنظرة خوف وعدم فهم.. هي دلوقتي عارفة إن فيه حاجة غلط."


علي حمحم بإحراج شديد ونزل عينه الأرض. فهم فوراً إن أدهم مشاعره غلبته في الساحل، وإن جميلة سحرته لدرجة إنه نسي الخطة ونسي إنها قدام الناس أخته.


سكت علي ثواني عشان يمتص الصدمة، وبعدين رجع لبروده المهني ورد:

"تمام يا فندم.. هجهز الورق في أسرع وقت وهيكون تحت إيدك، بس لازم نكون حذرين، إبراهيم عينه زي الصقر ومش هيسيب الورق يعدي من تحت إيده بسهولة."


أدهم هز راسه بجمود: "مش مهم إبراهيم.. المهم نخلص من الكدبة دي قبل ما تحرقنا كلنا."


علي كان لسه واقف، وفجأة سأل أدهم سؤال كان شاغل باله:

"طيب وجميلة يا فندم؟ ناوي تعمل فيها إيه بعد ما اللعبة تنتهي؟"


أدهم ملامحه اتحولت لقناع من القسوة، وعينيه بقت زي الجمر المشتعل. بص لعلي ونبرة صوته بقت مرعبة، أبرد من التلج وأحدّ من السكينة

"؟ هربيها على ايدي.. هعرفها إزاي تفكر تدوس برجلها في قصر السويسي وهي شايلة كدبة بالحجم ده. هخليها تتمنى الموت كل لحظة وماتطولهوش، عشان تبقى عبرة لأي حد يفكر يلعب بديله مع أدهم السويسي."


_______________________________


جميلة كانت لسه خارجة من الحمام، ريحة الصابون والورد طالعة منها، وشعرها الطويل مبلول ومنقط على الروب الأبيض اللي لافّاه حوالين جسمها. قعدت على الكرسي قدام التسريحة، وبدأت تسرح شعرها بهدوء، بس حركتها كانت آلية.. عقلها كان في مكان تاني خالص.


فجأة، وبدون وعي، المشط وقف في إيدها.. رفعت صوابعها المرتعشة ولمست شفايفها برقة، وغمضت عينيها وهي بتسترجع كل لحظة من إمبارح. شمت ريحة البحر، وحست ببرودة المية، ودفء أنفاس أدهم اللي كانت بتحرق وشها.

سألت نفسها بهمس.

"إزاي يلمسني ويقرب مني كدة وهو فاكرني أخته؟ أدهم مش بالأخلاق دي.. أدهم السويسي اللي الكل بيعمله ألف حساب، مستحيل يغلط غلطة زي دي في حق عرضه.."


فتحت عينيها فجأة، وبرقت بصدمة وهي بتبص لنفسها في المراية. فكرة مرعبة خطرت على بالها خلت جسمها يتنفض بالكامل. سابت المشط من إيدها، ووقع على الأرض وعمل صوت رن في هدوء الأوضة.

"معقولة؟ معقولة يكون كشفني؟"


بدأت تربط الخيوط ببعضها.. نظراته الحادة اللي كانت بتخترقها، وقربه المجنون اللي كان مليان رغبة ممزوجة بتحدي، وكأنه بيقولها "أنا عارف إنتي مين".


قلبها بدأ يدق بعنف، وحست إن الأوكسجين قل في الأوضة.

"لو كان كشفني فعلاً.. يبقى وجودي في القصر ده بمثابة حكم إعدام ممكن يتنفذ في أي لحظة."


سندت راسها بين إيديها بحيرة وهي بتغوص في دوامة من الأسئلة: "طيب لو كشفني فعلاً.. ليه رجعني القصر؟ كان ممكن يبلغ عني ويحبسني، أو يرميني في الشارع .. ليه لسه بيتعامل معايا على إني ياسمين؟"


رجعت بصت لصورته اللي في خيالها، وعقلها عجز يلاقي تفسير: "هل هو بيلعب بيا زي ما أنا بلعب بيه؟ ولا قربه ده كان غلطة هو نفسه مش فاهمها؟"


اتنهدت باستسلام وهي مش فاهمة إيه اللي بيدور في دماغ أدهم السويسي، وهل السكوت اللي هو فيه ده سكوت ندمه ، ولا سكوت لصياد اللي مستني اللحظة الصح عشان يطبق على فريسته؟

_____________________________


خرج من المستشفى وهو حاسس إن جبال الدنيا كلها فوق كتافه. ركب عربيته وفضل خابط إيده في الدريكسيون بغيظ؛ صورة منصور وهو مرمي على السرير بضعف كانت بتحرق دمه، كان نفسه يخلص عليه ويريح ياسمين من كابوسه للأبد، بس القانون والواقع كانوا مكتفين إيده.


بدأ يكلم نفسه بصوت واطي ومخنوق:

"لو فاق يا ياسمين.. لو فاق وطالب بيكي، هعمل إيه؟ القانون في صفه، ومنصور مش هيسكت، ده هيفضح الدنيا عشان يذلك ويرجعك تحت رجله


علي دخل الشقة، رمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد في الصالة بتقل، ساند راسه بين إيديه وشارد في الفراغ. ملامحه كانت شايلة هموم بلد، وصورة منصور في المستشفى مش راضية تغيب عن عينه.


خالته خرجت من المطبخ، بصت لوشه المخطوف وقربت منه بحنان:

"مالك يا ضنايا؟ وشك مضايق ليه كدة؟ فيه حاجة حصلت؟"


علي اتنهد تنهيدة طويلة وطلع سيجارة ولعها:

"مشاكل في الشغل يا خالتو.. الدنيا متلخبطة فوق راسي.


خالته طبطبت على كتفه ودعت له بقلب صافي:

"ربنا يصلح حالك يا بني، ويهديلك العاصي، ويكفيك شر خلقه.. قوم اغسل وغير هدومك وشك وارتاح شوية، هروح أحضرلك لقمة ترم عضمك."


أول ما خالته دخلت المطبخ، ياسمين خرجت من أوضتها بخطوات هادية، كانت مراقبة الموقف من بعيد. قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي قدامه، عينيها كانت بتلمع بقلق واضح:

"أستاذ علي.. حضرتك كويس."


علي رفع عينه فيها، وفضل ساكت ثواني، بس مقدرش يخبي عليها أكتر من كدة:

"أنا كنت في المستشفى يا ياسمين.. عند منصور."


ياسمين جسمها اتنفض وأنفاسها تسارعت:

"حصله حاجة؟ فاق؟"

علي هز راسه بأسى:

"فاق.. بس دخل في غيبوبة تانية. الدكتور بيقول إنها مسألة وقت، بس المشكلة مش هنا.. المشكلة إني خايف، خايف اللحظة اللي هيفوق فيها ويفتح عينه، القانون ساعتها هيكون في صفه هو.. أبوكي من حقه ياخدك، وأنا ماليش أي صفة تخليني أمنعه، وده اللي هيموتني."


ياسمين دموعها نزلت غصب عنها، وصوتها طلع مخنوق بالرعب:

"ياخدني؟ يعني هيرجع يذلني تاني.. أرجوك يا علي.. أنا أموت نفسي ولا إني أرجع تحت إيده ثانية واحدة."


علي قام وقف وقرب منها، مسك إيديها اللي كانت بترتعش بين إيديه، وقال بنبرة قوية ومليانة وعد صادق:

"اششش.. اهدي خالص. أنا مش بحكيلك عشان أخوفك، أنا بعرفك عشان نكون مستعدين. ياسمين، أنا هصرف.. هخبيكي في مكان ميخطرش على بال جن ولا إنس، هبعدك عن القاهرة كلها لو لزم الأمر. منصور ده مش هيلمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس، فاهمة؟"


ياسمين بصت في عينه، ولأول مرة حست إن الخوف بدأ يهدى شوية قدام الثبات اللي في صوته:

"إنت هتقدر تعمل كدة فعلاً؟"


علي ابتسم ابتسامة صادقة:

"أنا ممكن أهد الدنيا وابنيها تاني عشان خاطرك.. ثقي فيا."

_______________________________


تاني يوم في مكت أدهم 

أدهم كان قاعد ورا مكتبه، الإضاءة خافتة وما فيش صوت في الأوضة غير طقطقة الساعة اللي على الحيطة وصوت أنفاسه المكتومة. كان بيحاول يركز في الملفات اللي قدامه، بس كل ما عينه تيجي على سطر، يشوف صورتها


أدهم نفخ بضيق ورمى القلم من إيده بعنف على المكتب، سند ضهره لورا وغمض عينه بقوة وهو بيحاول يطرد صورتها من خياله. افتكر لما رجع القصر إمبارح متأخر جداً، والنهاردة خرج بدري قبل ما تصحى عشان بس يتجنب إنه يشوفها أو عينه تيجي في عينها.


كان حاسس إنه بيهرب من نفسه قبل ما يهرب منها؛ مش قادر يواجهها بعد لحظة الضعف اللي هزت كيانه . طول الوقت كان بيمثل قدام نفسه إنه بيكرهها، وإنه مستحمل وجودها عشان يجاري إبراهيم في لعبته، لكن اللحظة اللي قرب فيها منها كشفت المستور، وأثبتت له إن جواه بركان مشاعر تانية خالص.. مشاعر بتنسيه هو مين، وبتهد كل الأسوار اللي بناها سنين


قطع شروده خبط هادي على الباب. أدهم عدل قعدته ورجع لبروده المعتاد:

"ادخل يا علي."


علي دخل وبان عليه الإرهاق من قلة النوم بسبب التفكير، . أدهم لاحظ ده، لكن سأله بلهجة عملية:

"عملت إيه في موضوع الورق؟"


علي حط الحقيبة بتاعته على المكتب ورد:

"كله تمام يا فندم. واحد من حبايبنا اللي ليهم يد في السجل بيظبط الدنيا، بس قالي إنه محتاج وقت شوية عشان يقدر يطلع الورق كأنه حقيقي مية في المية، ومحدش يقدر يشك فيه ولا حتى إبراهيم بيه."


أدهم هز راسه بجمود وهو باصص لورقة قدامه:

"تمام.. خليه ياخد وقته، المهم النتيجة تكون مضمونة."


سكت أدهم لحظة، وبعدين رفع عينه ولقى علي لسه واقف مكانه وسرحان في نقطة في الفراغ، حاجة مش من عوايد علي اللي دايماً حاضر الذهن. أدهم ضيق عينيه وسأله بنبرة فيها اهتمام حقيقي:

"مالك يا علي؟ مش عوايدك السرحان ده وأنا بكلمك."


علي انتبه وحاول يبتسم بتكلف: "لا مفيش حاجة يا فندم، شوية تعب بس."


أدهم قام من ورا مكتبه وقرب منه، حط إيده على كتفه وقال بصوت واطي وواثق:

"علي.. إنت عارف إنك مش مجرد البادي جارد بتاعي، ولا حتى المساعد.. إنت صاحبي ودراعي اليمين. ولو فيه حاجة شاغلة بالك أو تعباك، أنا موجود."


علي اتنهد تنهيدة طويلة، وحس إن الحمل زاد عليه، قعد على الكرسي قصاد أدهم وقال بصوت مهزوز:

"فيه موضوع محيرني يا أدهم بيه.. ولأول مرة في حياتي مش عارف أتصرف إزاي، ولا عارف الصح فين."


أدهم سحب كرسي وقعد قصاده بتركيز: "احكيلي يا علي.. يمكن أقدر أساعدك."


بدأ علي يحكي، وصوته فيه نبرة هيام ،وهو بيفتكر أول ليلة شافها فيها. عينه كانت بتلمع وهو بيرسم لأدهم تفاصيل اللحظة اللي خبطها فيها بالعربية، وإزاي جسمها الضعيف كان مرمي قدامه زي العصفور المكسور.


حكى له عن الظروف اللي عاشتها، وعن القسوة اللي شافتها من أقرب الناس ليها. كمل حكايتها لحد ما وصل للقرار اللي خده بإنه يجيبها بيته عشان يحميها من جبروت أبوها، واعترف لأدهم بخوفه الحقيقي؛ إنه مش بس خايف عليها، ده مرعوب من اللحظة اللي منصور ممكن يظهر فيها ويطالب بحقه فيها وياخدها منه غصب، ويرجعها للجحيم اللي هربت منه.


أدهم كان بيسمع وصوته ساكت تماماً، لكن عينيه كانت بتقرأ علي اللي لأول مرة يشوفه مكسور ومحمل بهمّ مش همه، وعرف إن الحكاية مقتصرتش على مجرد جدعنه، دي بقت قصة روح اتعلق بها علي ومبقاش قادر يتخيل حياته من غيرها.


أدهم ضيق اللي بين حواجبه وسأله بشك: "عايشين مع بعض لوحدكوا؟"


علي رد بسرعة ونفى بإيده: "لأ طبعاً، إنت عارفني كويس. خالتي عايشة معايا وهي اللي واخدة بالها منها وبتهتم بعلاجها."


أدهم اتنهد بتفكير وسكت شوية، وبعدين بص لعلي وقال بلهجة قاطعة:

"بص يا علي.. مفيش حل يحمي البنت دي من أبوها، ويمنع إنه يطالب بيها قانوناً أو يرجعها لذله، غير إنها تكون على عصمة راجل يحميها.. وتبقى على اسمه."


علي اتصدم من الكلمة، وبص قدامه بتفكير عميق وسكت تماماً. الفكرة كانت بتدور في دماغه بس سماعها من أدهم خلّت الموضوع حقيقة لازم يواجهها.


أدهم كمل وهو بيراقب رد فعل صاحبه:

"فكر يا علي.. الجواز ده هو اللي هيخليك تكسر عين أبوها، وهو اللي هيديك الحق تمنعه يلمس شعره واحده منها.

_________________________________


فتح باب الشقة بمفاتيحُه ودخل وهو سرحان، خطواته كانت تقيلة وعقله كان شغال مبيفصلش في كلام أدهم. قعدوا يتعشوا، وعلي كان بيقلب في الأكل من غير ما ياكل، عينه كانت بتسرح في الفراغ وتثبت على ياسمين لثواني وبعدين يهرب بنظره.


ياسمين كانت ملاحظة كل ده، قلبها كان واجعها عليه؛ هي شايفة الراجل اللي أنقذها وحماها بقاله فترة مهموم، وشايلة ذنب إنها السبب في كسر هدوء حياته.


بعد العشا، علي انسحب كعادته ووقف في البلكونة، المكان اللي بيهرب فيه عشان يوزن أموره. الهوا كان بارد شوية، بس هو مكنش حاسس غير بنار التفكير. فجأة، حس بحركة وراه، لف ولقى ياسمين داخلة بوفاء وهي ماسكة فنجان القهوة بإيد بتترعش بسيط.


علي ابتسم بضعف وخده منها:

"تسلم إيدك يا ياسمين.. تعبتي نفسك ليه."


ياسمين فضلت واقفة، مخرجتش زي كل مرة. فركت إيدها في بعضها وقالت بصوت واطي ومخلوق:

"أستاذ علي.. أنا قررت إني لازم أمشي."


الفنجان كاد يقع من إيد علي من الصدمة، بص لها بعيون مبرقة وسألها بلهفة:

"تمشي؟ تمشي تروحي فين؟ حد ضايقك هنا؟ خالتي قالت لك حاجة؟"


ياسمين نفت بسرعة وعينيها بدأت تلمع بالدموع:

"لأ والله.. طنط دي شالتني فوق راسها، وإنت عاملتني أحسن معاملة.. أنا حاسة إني وسط أهلي فعلاً، بس..."


سكتت لحظة ونزلت راسها في الأرض وكملت بحزن:

"بس أنا سحلتك في مشاكلي يا علي.. إنت مش مضطر تستحمل كل ده، ولا مضطر تشيل همي وهم والمشاكل اللي بتلاحقني. إنت من ساعة ما دخلت حياتك وإنت دايماً مهموم ومش بتضحك.. بسببي."


علي اتنهد تنهيدة طويلة، حط فنجان القهوة على سور البلكونة وقرب منها خطوة. بص في عينيها بصدق وقال بصوت هادي ودافي:

"مين قالك إن همي بسببك؟ بالعكس.. وجودك هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على اللي بشوفه برا. 


وكمل :بس فعلاً فيه حل واحد، ولو حصل.. وقتها مش هكون مهموم خالص"


ياسمين بصت له بحيرة وعدم فهم، وسألت ببراءة:

"حل إيه؟"


علي سكت ثانية، أخد نفس عميق وكأنه بيستجمع كل شجاعته، وقال بنبرة هادية بس قاطعة:

"نتجوز ....."


الكلمة نزلت على ياسمين كأنها صاعقة، سكتت تماماً وجسمها اتصلب، عينيها وسعت وهي بتبص له ومش مصدقة اللي سمعته. علي مسبش ليها فرصة للصدمة وكمل بجدية:


"ده الحل الوحيد عشان أكسر عين منصور، وعشان أبقى الراجل اللي من حقه يقفل عليكي باب ويقول مفيش مخلوق يقدر يمسك.. هتبقي حرمي وعلى اسمي،  وهحميكي من الدنيا كلها ... تتجوزيني يا ياسمين  ؟......


#رواية_عشقت_محتالةالبارت 10

ياسمين فضلت واقفة مكانها زي التمثال، الكلمة لسه بترن في ودنها " نتجوز؟ ".


 علي كمل :

"ده الحل الوحيد يا ياسمين عشان أقدر يبقى ليا حق أحميكي من أبوكي، وأقفل عليكي الباب بصفتي جوزك.. لازم تبقي حرمي ومكتوبة على اسمي."


ياسمين ضمت شفايفها بخجل فطري، وفركت إيديها بارتباك وهي مش قادرة ترفع عينها فيه.


 علي قرب منها خطوات بسيطة، وبنبرة هادية ومطمئنة قال:

"أنا عارف إنك محتارة، وإنا بقالنا يدوب يومين نعرف بعض وماتعرفيش عني كل حاجة.. بس أوعدك إني هحميكي بروحي. ولو فيه حاجة معينة عايزة تعرفيها عني عشان تبقي متطمنة، قوليلي وأنا هعرفك كل حاجة."


ياسمين هزت راسها بخجل، وقالت بصوت واطي وموتر:

"بس.. مش المفروض إنت اللي تقول الكلام ده، ولا المفروض تحسسني إنك بتتحايل عليا عشان تتجوزني


كملت وهي بصاله .. أنا اللي المفروض أكون بترجاك تنقذني وتتجوزني بعد كل اللي عملته عشاني."


علي بلع ريقه بصعوبة، وحس بدقات قلبه بقت في السما من فرط السعادة والدهشة، سألها بعدم فهم وهو بيحاول يستوعب:

"يعني.. يعني إيه؟ إنتي موافقة؟"


ياسمين دورت وشها الناحية التانية، ومالت برقبتها على كتفها بخجل يخطف القلب، وهي لسه ضامة شفايفها بكسوف فطري رقيق. علي أخيراً خرج النفس اللي كان حابسه في صدره، وقال بصدق:

"صدقيني، لو هضحي بروحي في سبيل تكوني مرتاحة ومبسوطة مش هتردد ثانية واحدة."


وبعدين حمحم بجدية وحاول يسيطر على فرحته عشان يطمنها، وبدأ يحكي لها عن نفسه:

"أعتقد من حقك تعرفي شوية معلومات عني.. أولاً أنا يتيم زي ما إنتي عارفة، وماليش في الدنيا غير خالتي منى. أنا خريج تجارة إنجلش، واشتغلت شوية في المجال بس مرتحتش، كنت بلاقي نفسي أكتر في الجيم والتمارين.. ووقتها اتعرفت على أدهم السويسي، وده أشهر رجل أعمال في القاهرة، واشتغلت البادي جارد بتاعه والمساعد الشخصي.. مرتبي كويس جداً الحمد لله، والشقة دي ملكي اشتريتها من سنتين وجبت خالتي تعيش معايا فيها."


وفجأة، علي فتح عينه بذهول وكأنه افتكر مصيبة، وضرب كف على كف:

"يا لهوي! ده أنا نسيت خالتي تماماً، المفروض أعرفها إني هتجوزك!"


وجري دخل على جوه وهو بينادي عليها "يا خالتو.. يا منمن!"،

وياسمين كانت ماشية وراه وهي بتضحك بكسوف من جنانه.


في الصالة

 منى خرجت من المطبخ مفزوعة: "في إيه يا علي؟ البيت بيولع ولا إيه ؟"


علي مسك إيد خالته وهو بيضحك زي العيل الصغير:

"البيت هيولع من الفرحة يا خالة.. ياسمين وافقت! أنا هتجوز ياسمين!"


منى بصت لياسمين اللي كانت واقفة وشها زي الطماطم، وبعدين زغرطت زغروطة ملأت الشقة:

"يا ألف نهار أبيض! أخيراً يا علي هشوفك عريس؟!"


منى فتحت دراعاتها وحضنت ياسمين بقوة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان. ياسمين ارتمت في حضنها وهي حاسة لأول مرة بالدفا والأمان اللي انحرمت منهم، ودموع الفرحة نزلت من عينيها.


منى بعدت عنها شوية ومسكت وشها بين إيديها وقالت بحنان:

"والله يا بنتي، أنا من أول ما دخلتي البيت ده وأنا حاسة إنك بنتي اللي ما خلفتهاش.. قلبي انفتح لك وكأني عارفاكي من سنين. علي ابني، وأنا عارفة نقاوة قلبه، ومش هيلاقي عروسة أحسن ولا أجمل منك تصون بيته وتملى حياته."


ياسمين بكسوف: "ربنا يخليكي ليا يا طنط، أنا اللي مكنتش أحلم بربع اللي عملتوه معايا."


علي كان واقف بيتفرج عليهم والابتسامة مش مفارقة وشه، حاسس إن جبل انزاح من فوق صدره.


_________________________________


أدهم رجع القصر كعادته من وقت اللي حصل، متأخر عشان يضمن إنه ميشوفهاش، دخل بخطوات رتيبة، صدى جزمته على الرخام كان بيدي إنذار لجميلة اللي كانت واقفة ورا باب جناحها، مستنياه بلهفة وخوف. حاولت تشوفه من خرم الباب، وضربات قلبها زادت لما لمحته ماشي في الطرقة تجاه جناحه.


و فجأة.. بلعت ريقها بخوف لما شافته بيلف ونظره موجه لباب جناحها، وشهقت برعب لما لقته متوجه ناحية جناحها، جريت بسرعة ناحية سريرها وفي ثواني كانت متغطية ومغمضة عينيها.


خبط خبطتين ولما موصلوش الرد فتح الباب.. اتنهد وهو بيتأملها، هو جه بس عشان يتطمن عليها وقرر يخرج، لكنه لاحظ حركة البطانية على صدرها بتترفع وتنزل بسبب أنفاسها السريعة. ابتسم ابتسامة من زاوية فمه وقرب من سريرها بخطوات بطيئة.


غمضت عينيها بقوة وهي حاسة بقلبها هيخرج من قفصها الصدري لما حست بظله قريب منها.. وأدهم قرب لدرجة إن أنفاسه الساخنة كانت بتخبط في وشها. ضمت شفايفها بارتباك لما حست بملمس صوابعه الخشنة على خدها الناعم وهو بيحرك إبهامه بشكل دائري على خدها.


 زاد توترها لما قرب أكتر لدرجة إن مبقاش يفصل بينهم غير بعض السنتيمترات، وفجأة نفخ في وشها بخفة!


فتحت عينيها بخضة من أثر الحركة، واتفاجأت بيه بيبصلها بنظرات فيها مزيج من الخبث والشوق.


أدهم بنبرة هادية:

"بتمثلي ليه إنك نايمة؟"


قالت بتوتر وهي بتحاول تقوم تقعد:

"أنا.. أنا فعلاً كنت نايمة بس قلقت لما دخلت."


منعها تقوم وفضل مثبت جسمه قريب منها وما زال وشه قريب من وشها:

"اممم.. بأمارة إنك كنتي بتراقبيني من ورا الباب؟"


فتحت عينيها بخجل لما كشفها، وهو كمل:

"صوت خطوات رجلك وأنتِ بتجري فضحتك."


معرفتش ترد، مش بس لأنها مش لاقية إجابة، لكن بسبب قربه اللي وترها وأنفاسه اللي بتخبط في بشرتها كأنها سهام نار بتحرق كيانها. أدهم فضل مثبت عينيه في عينيها، وما زال بيرسم دوائر وهمية بإبهامه على خدها وزاوية فمها، جميلة همهمت بهمس مسموع،


 لكن أدهم قطع اللحظة دي وهو بيقول بصوت أجش:

"جميلة ..انسي اللي حصل في الساحل ."


جميلة اتصدمت من الجملة، وحست كأن مية ساقعة اتدلقت عليها. أدهم كمل وهو بيقوم من مكانه ببرود مصطنع عشان يداري ضعفه:

"اللي حصل هناك كان لحظة جنون مش هتتكرر.. إنتي أختي.. وأنا أخوكي. وأي حاجة تانية غير كدة هي طريق لجهنم ليّا وليكي."


قام واداها ضهره، وهي فضلت قاعدة على السرير بتبص لـ طيفه بوجع وحيرة، مش عارفة هل هو فعلاً مصدق إنها أخته ولا بيعاقب نفسه وعايز يقتلع المشاعر دي من جذورها؟


_______________________________


في صباح يوم جديد، صحي علي بنشاط غريب وحماس مكنش حاسس بيه من سنين. أخد شاور في حمام غرفته، ووقف قدام المراية يختار هدومه؛ ولأول مرة يقرر يبعد عن البدلة والقميص واللوك الكلاسيك اللي فرضه عليه شغله.


اختار هودي رصاصي، وعليه جاكيت جينز غامق، وبنطلون أسود.. خلاه يبان أصغر وفي قمة جاذبيته. سرح شعره البني الغزير وساب خصلات شعره الي فيها تجعيده خفيفه( ويڤي) تنزل على جبينه، ورش من البرفيوم الفخم بتاعه اللي ريحته كانت مالية الأوضة. 


اتأمل نفسه في المراية بحيرة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وشه وهو بيقول لنفسه:

"يا ترى شكلي هيعجبها؟


خرج من أوضته اللي بتفتح مباشرة على الصالة، وبص حواليه باستغراب لما ملقاش حد، لكنه سمع صوت حركة في المطبخ. اتوجه لهناك بخطوات هادية، وابتسم لما لقاها واقفة مدياله ظهرها ومركزة في تقطيع الخضار. قرب منها ووقف وراها مباشرة، لدرجة إنها حست بظله غطاها.


ياسمين اتصنمت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بسرعة قبل ما تسمع صوته الرخيم وهو بيقول بهمس جنب ودنها:

"صباح الخير يا خطيبتي."


لفت ياسمين بسرعة وبصتله بذهول واستغراب:

"خطيبتك؟"


علي رد بعفوية ممزوجة بسعادة مقدرش يداريها:

"آه.. مش كتب كتابنا النهاردة بالليل؟ يبقى إحنا دلوقتي في حكم المخطوبين."


ياسمين ضمت شفايفها بخجل ونزلت عينيها في الأرض وهي بتقول بصوت واطي:

"ماشي.."


علي حاول يغير الموضوع لما شاف خجلها اللي بيأثر فيه جداً، وبص حواليه وسألها:

"أمال خالتي فين؟"


ردت باستغراب وهي بتبص لمكان ما كانت منى واقفة:

"مش عارفة.. دي كانت واقفة معايا دلوقتي، مش عارفة راحت فين."


علي فجأة فتح عينه وابتسم بمكر، وهو بيحرك لسانه في خده من جوه بمكر

(أيوه هي نظرة حمدي الوزير )


، وقال بنبرة غزل:

"إيه ده؟ ممكن تكون نزلت تشتري حاجة.. يعني إحنا دلوقتي لوحدنا؟"


ياسمين بلعت ريقها بارتباك وهي شايفة نظراته اللي اتغيرت، ومكتفاش بالنظرات، ده بدأ يقرب منها خطوات وهي بدأت ترجع لورا بخوفد لحد ما ظهرها خبط في رخامة المطبخ. سألته بصوت مهزوز:

"علي.. إنت بتقرب كدة ليه؟"


علي همس بصوت رخيم وهو محاصرها بين إيديه والرخامة:

"تفتكري بقرب ليه؟ يعني أنا وإنتي.. والبيت فاضي."


ياسمين انكمشت في نفسها بتوتر وقالت بهمس:

"علي.."


علي حط كفه برقة على فمها وقال بحنان:

"ياسمين.. أنا بهزر، إنتي بجد خوفتي؟"


هزت راسها بارتباك واضح، وعلي لسه حاطط كفه على فمها وكمل وهو باصص في عينيها باطمئنان:

"أنا مستحيل أذيكي.. 


وبعدين كمل بمكر .. وبعدين أنا لو عايز أعمل حاجة، الأحسن أستنى لبليل.. بعد كتب الكتاب."


ياسمين اتصدمت من جراءته وتفكيره المنحرف، وبدأت تستكشف نسخة جديدة منه ماكنتش عارفاها. ولسه هترد، جه صوت منى فجأة وهي واقفة على باب المطبخ وبتبصلهم بطرف عينها:

"إنت كاتم نفس البت كدة ليه يلا؟ هتفطس في إيدك! دي بسكوتاية مش قدك."


علي بعد بسرعة البرق وحرك إيده على شعره بإحراج شديد وقال بلجلجة:

"احم.. خالتي! إنتي جيتي؟ إنتي كنتي فين؟"


منى ردت وهي شايلة سبت الغسيل:

"أنا مخرجتش أصلاً يا فالح.. أنا كنت بلم الغسيل من البلكونة ."


علي هز راسه وهو بيمشي بسرعة عشان يهرب:

" مخرجتيش ليه طيب.."


مشي وسابهم، فضلت منى واقفة تبص لياسمين اللي كانت لسه ساندة على الرخامة وبتحاول تنظم أنفاسها المخطوفة.ومنى هزت راسها وضحكت :

"الواد ده حاله اتشقلب خالص .. صحيح الحب ولّع في الدره!"


طلع موبايله وهو لسه بيضحك على المنظر اللي حصل في المطبخ، وطلب رقم أدهم. أول ما أدهم رد، علي قال بنبرة فيها حماس مش متعود عليه:

"صباح الخير يا أدهم بيه.. بقولك إيه، أنا النهاردة مش جاي المكتب، وماليش دعوة بأي شغل يخص السويسي جروب النهاردة خالص."


أدهم رد باستغراب ممزوج بسخرية:

"وده من إيه إن شاء الله؟ واخد إجازة وضع ولا إيه يا علي؟"


علي ضحك من قلبه وقال:

"يا عم إجازة إيه، أنا النهاردة كتب كتابي .. بليل المأذون هيكون عندي. وطبعاً مش محتاج أعزمك، إنت صاحب بيت بس بقولك عشان تعمل حسابك وما تلبسنيش في اجتماع مفاجئ."


أدهم سكت لحظة، ونبرة صوته اتغيرت وبقت أهدى وألطف، وكأنه فرح لصاحبه بجد:

"ألف مبروك يا علي.. ربنا يتملك على خير ،أكيد هاجي طبعا. "


________________________________


أدهم دخل القصر بخطوات واثقة . أول ما دخل الصالة الكبيرة، لقى جميلة قاعدة مع يزن على السجاد، فارشين كراسات الرسم والألوان، وصوت ضحكهم مالي المكان.


أدهم وقف بعيد شوية، اتسحبت على وشه ابتسامة وهو شايف يزن ميت من الضحك وجميلة بتشخبط له على ورقة وبتهزر معاه.


يزن لمح أدهم فجأة، صرخ بفرحة: "بابا!" وجري عليه بكل قوته، حضن رجله لأنه مش طايله، أدهم ضحك وشاله رفعه لفوق وحضنه بحب أبوي صافي، كأنه ابنه مش أخوه الصغير.


جميلة فضلت قاعدة مكانها، بتراقب المشهد ده بتنهيدة حزن مكتومة. كانت حاسة إن أيامها في القصر ده معدودة، ونفسها تسيب ذكرى حلوة عند يزن، كانت بتقعد معاه كتير عشان لما تمشي يفتكرها بالخير، حتى لو أدهم حاول يشوه صورتها قدامه بعدين.


فاقت من أفكارها على صوت أدهم الرخيم وهو بيسألها:

"جميلة.. سرحانة في إيه؟"


هزت راسها بسرعة ونفت: "ها؟ لا مفيش حاجة.. كنت بكمل الرسمة مع يزن."


يزن نزل من حضن أدهم وجري جاب الكراسة بفخر: "بص يا بابا أنا وجميلة رسمنا كل الرسومات دي." أدهم بص للرسومات وقال: "حلوين أوي يا حبيبي." وفجأة، نبرة صوته اتغيرت وبقت جادة، وبص لجميلة وقال بلهجة آمرة:

"جميلة.. عايزك فوق."


جميلة جسمها اتنفض، وحست بقلبها وقع في رجليها من التغير المفاجئ ده. سألت بتوتر: "في إيه يا أدهم؟"


أدهم رد بزهق وهو بيفك زرار قميصه: "مسمعتيش؟ بقولك عايزك فوق في الجناح.. حالاً."


جميلة بلعت ريقها بخوف، وبدأت الأفكار السودا تهاجمها "يا ترى عرف حاجة؟ يا ترى هيواجهني؟". سألت تاني بضعف: "أيوه عايزني في إيه طيب؟"


أدهم قرب منها ومسك إيديها بقبضة قوية ومسيطرة، وشدها وراه وهو طالع السلالم، وقال ليزن وهو ماشي: "كمل رسمك يا بطل."


جميلة كانت ماشية وراه بخطوات مهزوزة، وعينيها في ضهره وهي بتتخيل سيناريوهات مختلفة وكل سيناريو أسوء من اللي قبله. اتفاجئت إنه دخل بيها جناحها هي وقفل الباب، رجعت بخطوات مرتعشة لورا وأدهم بيقرب بخطوات بطيئة. 


جميلة لقت نفسها خبطت في الحيطة وأدهم حاصرها، بصت له بصمت وعينيها بتلمع من الدموع، ظناً منها إنه كشفها، لكنه نطق جملة صدمتها، كانت كأنها دلو ماء ساقع اتدلق عليها:

"أنا رايح كتب كتاب واحد صاحبي، وعايزك تيجي معايا."


جميلة بصت له ببلاهة وما زالت مش مصدقة إن بعد كل ده، ده اللي عايز يقوله.


 بعدت عنه بغيظ وقالت: "مش عايزة أروح."


أدهم رد بجمود: "مش بمزاجك، أنا قولت هتيجي معايا والكلام خلص. نص ساعة والاقيكي جهزتي."


مشى خطوتين ولكن رجع تاني وقال بابتسامة خفيفة ونبرة حنينة اللي يسمعها ميقولش ده اللي كان بالجدية دي:

"في فستان أسود كنتي جايباه يوم لما عملنا شوبينج.. ياريت ده اللي تلبسيه."


وسابها واقفة مبهوتة وباصة له ببلاهة من شخصيته اللي بتتغير كل دقيقة وخرج.


 جميلة هزت راسها بذهول وهي بتقول:

"شيزوفرينيا.. عليا النعمة عنده شيزوفرينيا وف مراحله الأخيرة كمان!"

__________________________________


في المساء داخل غرفة علي


 كانت منى واقفة قدامه بتعدل له جاكيت البدلة بلمسات مرتعشة، والدموع بتلمع في عينيها ببريق الفرحة. قالت بصوت مخنوق من التأثر:

"أنا مش مصدقة إن ربنا طوّل في عمري لحد ما أحضر يوم جوازك يا علي.. أنا خلاص، أموت وأنا مرتاحة."


علي مسك إيدها اللي كانت بتعدل له الكرافتة وباسها بحنان كبير وقال:

"بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ربنا يطولي في عمرك.. إنتي أمي مش خالتي."


منى ردت وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها:

"أنا أول ست تبقى فرحانة إن ربنا حرمها من الجواز والخلفة، عشان يعوضني في الآخر بابن زيك يا علي."


علي حضنها بقوة وتأثر، هو فعلاً مبيحسش إنها خالته، هي كل أهله. خرجت من حضنه وهي بتبدل الحزن بزغروطة قوية هزت الأوضة:

"خلاص مفيش دموع تاني! يلا يا حبيبي عشان المأذون زمانه جاي، وكمان شوف عروستك جهزت ولا لسه."


وقف علي بتردد قصاد غرفتها، قلبه كان بيدق كأنه طبلة. خبط خبطتين، وجاه صوتها الرقيق يسمح له بالدخول. فتح الباب واتصنم مكانه، مبهور باللي شافه.


ياسمين كانت واقفة في نص الأوضة، لابسة فستان أبيض حريري طويل لحد الكاحل وتلت كم، بحزام لؤلؤي رقيق من عند الوسط، ومطرز من عند الصدر بفراشة من غرز بيضاء ناعمة. وسابت شعرها مفرود لحد كتفها، ولامة بعض الخصل ببنسة رقيقة على شكل فراشة، كأنها بتكمل لوحة الفراشات اللي على الفستان.


 والميكب الخفيف اللي حطته أبرز ملامحها الرقيقة جداً.

بلع ريقه وهو بيقرب منها بخطوات بطيئة، كأنه مسحور. سألته هي بتردد:

"حلوة؟"


هز راسه بنفي وهو لسه تحت تأثير سحرها، ياسمين ضمت شفايفها بحزن وقالت:

"أنا قولتلك مش هعرف في كام ساعة أشتري فستان حلو، بس أنت اللي أصريت أطلبه أونلاين.. أكيد مبهدل عليا، وكمان أنا مش قد كدة في الميكب وووو...."


قطع كلامها لما رفع كفه وحطه على فمها برقة، فـ سكتت وبصتله بذهول، وكمل هو بنظرات هيام:

"أنا قصدي إنك مش بس حلوة.. كلمة حلوة دي بتظلم جمالك.. إنتي فاتنة يا ياسمين."


ابتسمت بخجل ومالت برقبتها على كتفها بكسوف فطري، رفع كف إيده عن فمها وهو بيرجع لورا خطوة بيستعرض بدلته اللي أصر يشتريها بعد الفطار:

"طيب.. وأنا؟ شكلي عريس؟"


ضحكت برقة وهي بتهز راسها بتأكيد؛ البدلة كانت مرسومة عليه بسبب جسمه الرياضي، واعترفت لنفسها إن اللبس الكلاسيك بيبرز هيبته أكتر بكتير من الكاجوال.


قطع اللحظة دي زغاريط منى وهي بتناديهم من برا: "المأذون وصل يا ولاد!"


بلع ريقه بتوتر وسألها: "جاهزة؟"


هزت راسها بتوتر غلبه الأمان: "جاهزة."


خرجوا للصالة، كان قاعد المأذون واتنين من قرايب علي من بعيد، وفجأة الباب اتفتح ودخل أدهم ووراه جميلة. أدهم بصوت واثق:

"أنا جيت."


علي قام وسلم عليه وحضنه أدهم بحب: "مبروك يا علي."


جميلة كانت واقفة متفاجئة، مكنتش تعرف إن ده كتب كتاب علي اللي قابلته أول مرة في الحارة وكانت فاكراه هو أدهم ، 


علي هز لها علي راسه بترحيب: "أهلاً يا آنسة جميلة، نورتوا."


علي بابتسامة: "طبعاً يا خالتو إنتي عارفة أدهم بيه مديري وصاحبي، ودي جميلة أخته."


منى رحبت بيهم بحرارة: "أهلاً نورتي."


علي استكمل التقديم: "ياسمين.. ده أدهم بيه اللي حكيتلك عنه."


ياسمين ابتسمت بخجل وهزت راسها، رغم إن هيبة أدهم خضتها شوية،

 وأدهم لقى نفسه بيسرح في ملامحها لثواني، وحس بإحساس غريب أول ما عينه جت في عينها، بس ابتسم لها بهدوء. وجميلة قربت باركت لها بكسوف: "ألف مبروك يا ياسمين."


ياسمين برقه :" الله يبارك فيكي ."


المأذون بدأ المقدمة بتاعته، وأخد البطايق الشخصية، وبص لياسمين وقال:

"هتوكلي حد يا بنتي؟"


ياسمين بصت لعلي بحزن والدموع لمعت في عينيها لأنها وحيدة وملهاش حد يوقف جنبها في لحظة زي دي. علي اتنهد بضيق لأنه حس بوجعها، ولسه هيتكلم، اتفاجئوا بصوت أدهم القاطع:

"أنا هبقى وكيلها."


الكل بصله باستغرب، وياسمين رفعت عينها ليه بذهول والدموع لسه فيها، مش مصدقة إن الراجل اللي لسه شايفاه من دقايق قرر يشيل مسؤوليتها قدام المأذون ......


تكملة الرواية من هناااااااا 


تعليقات

close