رواية عشقت محتالة الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
رواية عشقت محتالة الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
البارت 11
أدهم كرر جملته وهو بيبص لياسمين نظرة غريبه :
"أنا هبقى وكيل آنسة ياسمين.. لو هي موافقة طبعاً."
الكل بصله باستغراب، وعلي سأله بدهشة حقيقية:
"حضرتك يا أدهم بيه؟"
أدهم ماردش على علي، فضل مثبت نظره على ياسمين اللي كانت بتبص له بذهول ودموعها نازلة على خدها زي الشلال. قرب منها خطوات هادية وموزونة لحد ما وقف قصادها مباشرة، وقال بنبرة واطية بس مسموعة:
"لو آنسة ياسمين موافقة.. أنا يشرفني أكون في مقام والدها النهاردة."
ياسمين بصت لعلي وهي مش عارفة تقول إيه، لسانها اتلجم من المفاجأة. علي قرب منها وميل لمستواها وهمس لها:
"ياسمين.. موافقة أدهم بيه يكون وكيلك؟ لو مش موافقة عادي، إنتي ممكن تبقي وكيلة نفسك."
رفعت عينيها لأدهم اللي كان واقف مستني ردها، عيونهم اتلاقت لثواني معدودة، لكنها كانت كفاية تخلي ياسمين تحس برعشة غريبة في قلبها.
شافت في عينيه نظرة مريبة، كأنه بيترجاها توافق، وكأن الموقف ده يهمه هو شخصياً أكتر منها. هزت رأسها بموافقة وهي مش عارفة ليه عيونه أثرت فيها بالشكل ده، وليه مشدودة ليهم بالدرجة دي رغم إنها أول مرة تقابله.
أدهم قعد جنب المأذون من ناحية، والناحية التانية قعد علي. المأذون طلب منهم يحطوا إيديهم في إيدين بعض، وحط المنديل الأبيض عليهم وبدأ مراسم العقد. وفي دقايق، كان المأذون بيقول جملته الشهيرة اللي هزت كيان ياسمين:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
زغروطة منى انطلقت في الشقة كلها
أدهم قام بهيبته المعتادة، ملامحه كانت هادية. مد إيده لعلي وسلم عليه بقوة وهو بيبتسم ابتسامة صافية نادراً ما بتظهر منه وقال:
"مبروك يا علي..."
علي رد بامتنان وهو بيضغط على إيد أدهم:
"الله يبارك فيك يا أدهم بيه، وقفتك دي دين في رقبتي ليوم الدين."
لف علي وبص لياسمين، وعينيه كانت بتلمع بهيام وفرحة مكنتش قادرة توصفها الكلمات. مسك إيدها بتملك كإنه بيثبت للعالم كله إنها ملكه. ياسمين وشها بقى جمرة نار من الكسوف ونزلت عينيها في الأرض، بس كانت حاسة لأول مرة في حياتها بأمان ملمستوش قبل كدة.
منى وشها نور بفرحة مش طبيعية، وقفت في نص الصالة وقالت بصوت عالي وهي بتمسح دموع الفرح:
"لا ده أنا مش هسيبكم كدة.. أنا هشغلكم الأغنية اللي كنت بغنيهالك يا علي يا حبيبي وأنت صغير ."
منى راحت شغلت الكاسيت، وطلعت أغنية "يامّا حمامي سرح" بصوتها الشعبي المبهج. منى مأكتفتش بكدة، راحت زقت علي ناحية ياسمين وهي بتضحك: "قوم يا عريس ارقص مع عروستك"
ياسمين كانت بتضحك بكسوف، علي مسك إيديها بحنان وبدأ يرقص معاها بهدوء، يرفع إيدها وهي في ايديه ويحركها في الهوا، وهو بيبصلها بنظرات كلها هيام:
"يامة حمامى سرح..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بمقشِّة.. ونزلت له بمقشِّة
ولقيت حمامة بتتمَّشى.. مع حمام الواد على"
علي قرب من ياسمين بمرح وهز كتافه ناحيتها وهو بيضحك، وياسمين ضحكتها طلعت من قلبها لأول مرة، وكأن الأغنية دي فكت كل التوتر اللي كان جواها:
"يامة حمامى اتخلط..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بالتوللي.. ونزلت له بالتوللي
واتلخبط وردي على فُلي.. ويا حمام الواد على"
ياسمين بتغني مع كلمات الأغنيه ،وهي بتشاور على علي بكسوف .وبتهز كتافها برقه ودلع:
: يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على
وطلعت له بتفاحة
ونزلت له بتفاحة
ولقيت حمامة فلاّحة
مع حمامة الواد على
وطلعت له بالكوسة
ونزلت له بالكوسة
ولقيت حمامة مدسوسة
مع حمام الواد على
- يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على.
الكل كان بيسقف وعلي مندمج في الرقص مع ياسمين، والأجواء كانت قمة في السعادة والدفا..
أدهم كان متابعهم بعنيه.. وجواه مشاعر مش عارف يفسرها..هو مبسوط وهو شافها مبسوطه ..لكن مش لاقي تفسير لمشاعره ناحيتها ؛ لأنها مش مشاعر راجل لواحدة ست عاجباه ..هو مش غيران مثلا انها بترقص مع علي.
وفي عز اللحظة دي، موبايل علي اللي كان محطوط على الترابيزة جنب أدهم بدأ يرن بحدة وورا بعضه. علي مكنش سامع ولا حاسس بأي حاجة غير ياسمين والأغنية، فأدهم مد إيده وأخد الموبايل. خرج للبلكونة بسرعة، ورجع وعينه بتدور على علي.
أدهم قرب من علي وهو لسه ماسك إيد ياسمين وبيرقص، وميل على ودنه وهمس بصوت واطي وواضح:
"علي.. المستشفى كلمتك .. منصور فاق."
ياسمين أول ما سمعت اسم منصور مسكت في دراع علي بخوف ووشها بقى لونه أصفر. علي ضمها ليه وقال لأدهم بتحدي وقوة:
"ياسمين بقت مراتي يا أدهم بيه، ومحدش له حق عندها.. أنا هروحله المستشفى دلوقتي."
علي طبطب على كتف ياسمين وباس راسها ، وهو بيطمنها بصوته الرخيم:
"ماتخافيش يا ياسمين..راجعلك، هروح بس أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للأبد عشان نعيش حياتنا صح."
أدهم وعلي ومعاهم جميلة خرجوا من الشقة. أدهم طلب من السواق يرجّع جميلة القصر فوراً، وركب هو مع علي في عربيته واتوجهوا بأقصى سرعة للمستشفى..
بمجرد ما قفلوا الباب والضيوف والمأذون مشيوا، الشقة هديت فجأة، وبان الخوف والارتجاف على ياسمين اللي كانت لسه بفستان فرحها الأبيض بس قلبها كان بيتعصر من الرعب. قعدت على الكنبة وضمت نفسها، منى قربت منها بحنان وقعدت جنبها وأخدت إيدها بين إيديها:
"مالك يا بنتي؟ في إيه؟ أنا حاسة إن وراكي حمل جبال."
ياسمين بكت بانهيار، وبدأت تحكي لمنى كل حاجة؛ حكت عن قسوة منصور، وعن الليلة اللي هربت فيها وقابلت علي، وعن خوفها إن منصور يرجع يسيطر عليها تاني.
منى حضنتها بقوة ومسحت دموعها وهي بتواسيها:
"استهدي بالله يا بنتي.. علي راجل وسيد الرجالة، وعمره ما هيسيبك. ولا هيسمح لأبوكي إنه يلمس شعره منك، واعتبري اللي فات ده مات..، والخير كله جاي."
__________________________________
أدهم وعلي دخلوا الغرفة بخطوات ثابتة، صوت وقع أحذيتهم على الأرضية السيراميك كان هو الصوت الوحيد اللي كسر هدوء الممر. قفلوا الباب وراهم بالمفتاح، وحاصروا السرير اللي نايم عليه منصور، وراسه ملفوفة بالشاش الأبيض وعينيه بتتحرك بصعوبة من أثر الخبطة.
منصور بصلهم باستغراب وخوف وهو مش قادر يحدد ملامحهم بوضوح، وسأل بصوت مبحوح:
"انتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟"
علي قرب منه وعينيه بتطلع شرار، الغضب كان مسيطر عليه لدرجة إنه كان بيتنفس بصعوبة، وقال بصوت حازم:
"أنا علي.. جوز ياسمين."
منصور اتنفض وحاول يقعد رغم الوجع اللي في راسه، وبص لعلي بذهول:
"ياسمين؟ ياسمين مين يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟"
هنا اتقدم أدهم السويسي بخطواته المرعبة ووقف في مواجهة منصور مباشرة، وقال بنبرة مليانة احتقار:
"ياسمين بنتك.. ولا بلاش أقول بنتك، لأنك لو هي بنتك فعلاً مكنتش حاولت تعمل وساختك دي معاها.
هيبة أدهم ونبرة صوته خلته يتهته في الكلام ويحس بضعفه وهو مرمي على السرير:
"أنا.. أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه! وفين ياسمين بنتي؟ رجعوها لي!"
علي ضغط على فكه بقوة، وقرب من وش منصور لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وش منصور، وقال بوعيد:
"أنت تنسى إن كان ليك في يوم بنت.. ياسمين خلاص اتمحت من حياتك، ومش هتشوف ظلها حتى. ولو فكرت مجرد تفكير إنك توصل لها، أنا هموتك بإيدي.. أنا حايش نفسي عنك بالعافية ومراعي إنك كنت في يوم أبوها، بس من اللحظة دي أنت ولا حاجة."
علي كمل وهو بيشاور على نفسه بتحدي:
"ياسمين دلوقتي بقت مراتي، ولو حاولت مجرد محاولة إنك تقرب من طرفها، هشرب من دمك يا منصور."
أدهم بص لمنصور بنظرة قرف وكأنه بيتعامل مع حشرة، وطلع محفظته ورمى مبلغ مالي على الطرابيزة اللي جنب السرير وقال ببرود قاتل:
"أنا هدفعلك فلوس المستشفى عشان ماتترميش في الشارع زي الكلب.. رغم إن ده مقامك، بس بنتك أنضف منك بكتير ومش عايزة تشيل ذنبك."
أدهم وعلي لفوا ضهرهم وخرجوا من الأوضة بكل كبرياء، وسابوا منصور وراهم مصدوم، باصص في الفراغ برعب وجسمه بيترعش.
_________________________________
علي دخل الشقة والهدوء كان سيد الموقف، بص في ساعته لقاها عدت 11 بالليل؛ اتنهد وهو بيظن إن خالتو منى وياسمين استسلموا للنوم بعد اليوم الطويل ده.
بدأ يقلع جاكيت البدلة بيطء، وفك زراير قميصه الأبيض بإرهاق وهو بيتحرك ناحية أوضته عشان ينام.
فتح الباب ودخل، لكنه اتصنّم مكانه والأنفاس انقطعت للحظة.. ياسمين كانت قاعدة على سريره، مستنياه.
ياسمين كانت غيرت فستان الفرح، ولابسة بيجامة ستان باللون الأزرق الملكي، ربع كم، ومزينة بالدانتيل الرقيق عند الصدر، مخلية بشرتها البيضاء تنور. أول ما شافته، قامت وقفت بارتباك، وعينيها غصب عنها جت على صدره وعضلاته البارزة بسبب زراير القميص المفتوحة، بلعت ريقها وسألته بصوت مهزوز:
"علي.. اتأخرت كدة ليه؟ "
علي فضل ساكت لثواني، عينه كانت بتتمشى على تفاصيلها بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة. ياسمين استغربت صمته وقربت خطوة وهي بتنادي عليه بصوت أعلى ظنا إنه مسمعش سؤالها : "علي؟"
هز راسه بسرعة وكأنه بيفوق من سحرها، وحاول يخشن صوته عشان يداري ارتباكه:
"احم.. ااا.. أنا روحت واتكلمت معاه، وخليته ينسى إن كان ليه بنت اسمها ياسمين تماماً."
قرب منها خطوات هادية، وعينيه مثبتة عليها بجرأة ومكر مبيظهروش غير معاها، وكمل بنبرة رجولية حاسمة:
"عشان إنتي دلوقتي بقيتي مراتي.. ملكي أنا بس."
سكت لحظة وهو بيبص حواليه في الأوضة وسألها بخبث: "بس إيه اللي مقعدك في أوضتي في وقت متأخر زي ده ؟"
ياسمين حاوطت نفسها بدراعاتها بتوتر، وقالت وهي بتبص في الأرض:
"أنا.. أنا كنت نايمة في أوضتي عادي، بس قولت أستناك هنا عشان اتأخرت أوي، وكنت عايزة أعرف عملت إيه ."
علي رسم ابتسامة نصر صغيرة على وشه، وقرب أكتر لحد ما بقى بيفصله عنها سنتيمترات، وهمس بمكر: "امممم.. ودلوقتي؟ عرفتي اللي حصل.. إيه اللي هيحصل بعد كدة؟"
ياسمين حست بقلبها هيخرج من مكانها، ومبقتش عارفة تودي عينيها فين من قربه، قالت بلجلجة:
"أنا.. أنا هخرج أروح أوضتي بقا.. تصبح على خير."
اتحركت بسرعة ناحية الباب اللي كان موارب، لكنها اتخضت لما لقت علي في ثانية بقى قدامها وحاصرها على الباب اللي قفله بإيده، وأنفاسه العالية كانت مسموعة في هدوء الأوضة.
"ياسمين.."
همهمت بصوت مكتوم وهي باصة للأرض: "نعم.."
علي رفع دقنها بإبهامه برقة، وأجبرها تبص في عينيه اللي كانت مليانة هيام وشوق، وقال بصوت رخيم:
"إنتي مش هتخرجي من أوضتي يا ياسمين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وارتباك قاتل وسألته بضعف: "ليه؟"
علي قرب أكتر لدرجة إن جبهته لمست جبهتها، ومشاعره غلبته في اللحظة دي، وكأن كل تعبه وخوفه عليها طلع في كلمة واحدة: "عشان ده اللي المفروض يحصل.. وعشان أنا مش قادر أبعد أكتر من كدة."
وقبل ما ياسمين ترد، مشاعره جرفته وقرب منها بجنون، لكن ياسمين بشهقة مكتومة وانفاس متسارعة همست: "علي.. أرجوك.."
علي فجأة اتصلب مكان، وغمض عينيه بقوة، وبعد عنها واداها ضهره وهو بيحاول يتمالك أعصابه وأنفاسه اللي بقت زي النار
ونسي في لحظة إنها ممكن تكون لسه خايفة من اللي عاشته مع أبوها. قال بصوت مكسور ومليان أسف:
"أنا أسف.. أنا عارف إنك لسه مش متعودة عليا، وغصب عني.. تقدري تروحي أوضتك.. تصبحي على خير."
ثواني عدت والصمت بقى تقيل وموجع في الأوضة. علي كان لسه مديها ضهره ومستني يسمع صوت الباب بيتفتح ويتقفل وراها، لكنه اتصنم مكانه لما حس بجسمها الرقيق بيحاوط ضهره، وإيديها الصغيرة لفت حوالين وسطه، ودفنت راسها في قميصه من ورا بخجل، وأنفاسها السريعة كانت بتخترق القماش. وقالت بصوت واطي بس واثق:
"بس أنا مش خايفة يا علي.."
علي فتح عينيه بصدمة، ولف ليها بسرعة وهو مش مصدق، لقاها باصة له بخجل فطري بيسحر، لكن ملامحها مكنش فيها أي أثر للخوف.. كان فيها حب واستسلام كامل ليه.
هنا علي مقدرش يصبر ثانية كمان، وقرب منها بجنون وهو بيشيلها بين إيديه، وكأن العالم كله اختفى ومبقاش فيه غيرهم .
__________________________________
بزغ فجر يوم جديد، والشمس بدأت تتسلل بهدوء من بين ستائر الغرفة، وكأنها بتعلن عن بداية جديدة لحياة كل أبطالنا. فتح عينه بكسل وهو بيتمطع، والابتسامة مالية وشه، إحساس غريب وجميل بالراحة كان مالي قلبه لأول مرة من سنين.
بص جنبه وشاف ياسمين نايمة بعمق، ملامحها كانت هادية جداً وشعرها مبعثر على المخدة، كأنها طفلة لقت أمانها أخيراً. قرب منها وباس راسها بحب، ومشى إيده على خدها برقة، لكن فجأة موبايله رن وكسر اللحظة دي.
أخده بسرعة من على الكومودينو قبل ما صوت رنة الموبايل تزعجها وتصحى، وبص في الشاشة ورد بعد ما عرف هوية المتصل
رد بصوت واطي وهامس:
"أيوة.. ها إيه الأخبار؟"
جاله الصوت من الناحية التانية بلهجة عملية:
"كله تمام يا علي بيه.. الورق خلص ، تقدر تيجي تستلمه النهاردة."
علي اتنفس بعمق وقال:
"تمام.. أنا جايلك حالاً."
قفل المكالمة ونفخ بضيق، مكنش عايز يسيب ياسمين في أول صباح ليهم مع بعض، لكن ما باليد حيله ده شغله.
قام بسرعة، أخد شاور سريع ولبس هدومه، وقبل ما يخرج، وقف ثواني يتأمل ياسمين وهي لسه غرقانة في النوم. ابتسم لنفسه وقرر إنه هيخلص مشواره في أسرع وقت ويرجع لها.
__________________________________
في مكان بعيد تماماً، وتحديداً في ولاية كاليفورنيا بـ أمريكا، كانت الأجواء مختلفة. نادية كانت بتتحرك في أوضة النوم زي الفراشة، بتقفل الشنط وحركات إيدها فيها حماس وسعادة مكنتش قادرة تخبيها. أخيراً، بعد سنين طويلة من الغربة والبعد، جوزها وافق إنهم يرجعوا مصر.
فجأة، دخل محمود الأوضة، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية وهو بيراقب فرحتها اللي ظاهرة في كل تفصيلة:
"شكلك متحمسة أوي لرجوعنا يا نادية.. مش قادرة تستني كام ساعة لحد الطيارة؟"
نادية لفت ليه وشها منور وفرحتها واصلة لعينيها:
"أيوة طبعاً يا محمود! أنا بقالي سنين مستنية اللحظة دي.. مشتاقة لكل حاجة في مصر، لهواها، وشوارعها، والناس اللي وحشونا."
محمود ملامحه اتغيرت فجأة، واتنهد بقلق واضح، وكأن فيه حمل تقيل شايله على قلبه طول السنين دي:
"بس أنا خايف يا نادية.. تفتكري هيكرهني لما يعرف الحقيقة؟ تفتكري هيسامحني إني سبته السنين دي كلها وهو فاكر إني ميت؟"
نادية قربت منه، مسكت إيديه بحنان وطمنته بصوتها الهادي:
"هيكرهك ليه؟ عشان كنت بتحميه؟ يا محمود أنت عملت كدة عشان تنقذ حياته .. أنا متأكدة إنه لما يشوفك ويسمع منك الحقيقة، هيفهم أنت ليه زيفت موتك واختفيت.. هو محتاجلك يا محمود، وأنا واثقة إنه هيسامحك وهترجعوا عيلة زي زمان وأحسن."
رد بنبرة حزينه : " تعرفي ..كان نفسي أوصل لمكان ياسمين بنتي بس .. كإنها اختفت من وقت ما خرجت من الملجأ ."
نادية:" انشاء الله تلاقيها وربنا هيام شملكم كلكم ."
أمن محمود على كلامها وهو بيبص من الشباك للسما، وكأنه بيبعت سلام لـ أدهم اللي سابه طفل صغير وبيرجعله وهو راجل، بس السؤال اللي كان شاغل باله: "أدهم السويسي هيقبل وجود أبوه اللي فاكره مات .. ولا الحقيقة هتكون صدمة تكسر كل حاجة؟"
__________________________________
أدهم كان قاعد في مكتبه، الجو هادي والستائر شبه مقفولة. ماسك موبايله وعينه منزلتش من على صورة لقطها خلسة امبارح في كتب الكتاب. الصورة كانت لياسمين وهي بتضحك من قلبها وهي بترقص مع علي، ملامحها كانت صافية ورقيقة لدرجة خطفت أنفاسه.
أدهم مكنش لاقي مبرر للي عمله، ولا ليه صوّرها أصلاً من غير ما حد يحس، بس لقى نفسه بيمسح بإبهامه على ملامحها في الصورة وكأنه بيلمس وشها بجد، والابتسامة اترسمت تلقائي على وشه وهو بيتأمل رقتها.
وفجأة، أول ما سمع خبط على الباب، قفل الموبايل بسرعة وحطه على المكتب بجمود كأنه مكنش بيعمل حاجة
.
دخل علي بابتسامة عريضة وروح معنوية عالية، وميعرفش طبعاً إن مديره وصاحبه من ثواني كان بيتأمل صورة مراته.
علي: "صباح الخير يا أدهم بيه."
أدهم حاول يرجع لبروده المعتاد ورسم ابتسامة هادية: "صباح النور يا عريس.. خير؟ جيت ليه؟ مش كنت قايلي إنك مش هتيجي النهاردة وعايز إجازة؟"
علي رد بحماس: "أنا فعلاً مكنتش جاي، بس الواد اللي مكلفينه يخلص ورق الورث كلمني النهاردة الصبح وقالي إن الورق كله جاهز."
أدهم انتبه لكلامه، وعينه لمعت بتركيز: "يعني الورق دلوقتي معاك؟"
علي مد إيده جوه جيب الجاكيت وطلع ظرف كبير وعطاه لأدهم: "أيوة، اتفضل."
أدهم مسك الورق وبدأ يقرأه بتمعن شديد، وملامحه بدأت تتغير لنظرة غامضة مش مفهومة. هز راسه ببطء وقال: "تمام يا علي، تقدر تمشي أنت دلوقتي."
علي لسه بيلف ضهره عشان يخرج، أدهم ناداه فجأة بصوت متردد:
"علي.. هي ياسمين عاملة إيه؟"
علي وقف مكانه، ووشه اتغير تماماً. ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته قلبت لغيرة واضحة مقدرش يتحكم فيها:
"وأنت بتسأل عنها ليه ؟"
أدهم حس إنه اتحط في موقف بايخ، وقلبه دق بسرعة من التوتر. كان نفسه يقوله إنه مش قادر يشيل صورتها من خياله، بس استجمع ثباته ورد بجدية عشان يداري ارتباكه:
"أنا قصدي.. أكيد هي متضايقة من اللي حصل لأبوها في المستشفى، مهما كان ده أبوها، وكنت عايز أتطمن إنها بخير مش أكتر."
علي بص له لثواني بنظرة فاحصة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا كلامه، وبعدين هز راسه وقال باختصار:
"الحمد لله هي كويسة ومبسوطة.. عن إذنك."
خرج علي وساب أدهم غرقان في أفكاره، بيبص للموبايل اللي على المكتب وعقله بيقوله إنه بدأ يدخل في منطقة خطر..".
__________________________________
جميلة كانت قاعدة في جنينة القصر لوحدها، باصة للسما الصافية وعقلها كأنه دايرة مفرغة من الأفكار اللي مابتخلصش. كانت بتفكر في حياتها اللي اتشقلبت في مده قصيرة، وإزاي البنت اللي كانت داخلة القصر ده وهي مابتقكرش غير في مصلحتها وبس، وإزاي تنجو وتعيش حتى لو بالسرقة، اتغيرت ١٨٠ درجة.
اعترفت لنفسها أخيراً وهي بتغمض عينيها بوجع: "أنا حبيته.. أنا بجد حبيت أدهم."
الحب ده هو اللي خلى نار الغيرة تاكل في قلبها امبارح وهي بتراقب نظراته لياسمين، مرات علي. حست إنها مهما عملت هتفضل في نظره المحتالة اللي جت تسرقه وقلبها بيوجعها كل ما تفتكر إنها هتبعد عنه وهو هيكرها.
هي عارفة إن حياتها كانت صعبة ومريرة، بس دلوقتي فهمت إن ده مش مبرر أبداً للي عملته، خصوصاً بعد ما أدهم حكى لها عن حياته الصعبة، وإزاي شال شيلة يزن لوحده وبنى إمبراطورية السويسي من تحت الصفر بعد ما كانت هتنهار.
مبقتش قادرة تكون أنانية، وقلبها بقى يميل للطيب، حتى يزن.. بقت بتحبه كأنه حتة منها، ساعات تحسه أخوها وساعات تانية تحس بكيان الأمومة ناحيته.
فاقت من سرحانها على صوت خطوات ثابتة ورزينة وراها. لفت بسرعة ولقت أدهم جاي ناحيتها بملامح غامضة مش مفهومة، وقبل ما ترسم على وشها ابتسامة، اتفاجئت بـ إبراهيم طالع من وراه والضحكة والانتصار ماليين وشه.
أدهم وقف قصادها مباشرة، ملامحه كانت مشدودة وجادة جداً، وقال بصوت بارد قطع كل حبال الأمل جواها:
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
بصت لأدهم بزهول ووجع ..
يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟ .....
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 12
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها. بصت لأدهم بذهول ووجع، كان نفسها تصرخ وتقوله "أنا مش عايزة ورث، أنا عايزة أفضل هنا"، بس لسانها اتلجم ... يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟
قعدوا في المكتب، وأدهم حط الورق والقلم قدامها. جميلة مسكت القلم وإيديها بتترعش رعشة هستيرية، بصت لأدهم اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل وملامحه جامدة، لكن عينيه كانت مراقباها بدقة، كان نفسه تعترف له بكل حاجة، كان مستني منها كلمة واحدة تقول فيها إنها مجبورة، كان ممكن يسامحها لو لقت فيها الشجاعة إنها تطلب حمايته.. لكن جميلة خيبت أمله، وبحركة يائسة مضت أخيراً ودموعها نزلت غرقت الورق.
إبراهيم وقف ونط من مكانه وهو بيضحك بصوت عالٍ ومتحمس:
"ألف مبروك يا ولاد!"
بص لجميلة نظرة لئيمة فهمتها كويس، نظرة بتقول إنها هتسلمه الورق بعدين.
إبراهيم مشي، وأوضةالمكتب فضيت على أدهم وجميلة. جميلة رفعت عينيها بصعوبة لأدهم اللي مازال قاعد باصص لها بنظرة غامضة، بس حست في وسط الغموض ده بخيبة أمل وكسرة مفهمتش سببها لكن وجعت قلبها.
أدهم قام فجأة وهو حاطط إيده في جيبه، ومن غير ما يبص لها قال بصوت خالي من أي مشاعر:
"أنا راجع الشركة.."
جميلة غمضت عينيها ودموعها نزلت زي الشلال، أدهم شاف دموعها وهو خارج، بلع ريقه بصعوبة وحس بوجع في صدره، كان نفسه يمد إيده ويمسح دموعها دي رغم كل اللي عملته، بس كرامته وجرحه كانوا أقوى، فخرج بسرعة وقفل الباب وراه بقوة
جميلة انكمشت على نفسها في الكرسي وأطلقت العنان لشهقاتها المكتومة اللي كانت بتزلزل كيانها. خلاص، الحكاية خلصت، ودي كانت النهاية اللي كانت بتهرب منها طول الوقت.
هي عارفة إبراهيم كويس؛ بمجرد ما ياخد الورق اللي هي مضت عليه ده، هيسلمها شوية فلوس وورق سفرها لبره مصر تمن تمثيليتها..
_________________________________
دخل علي الشقة وهو حاسس بحالة من النشاط والحماس، فتح الباب ودخل لقى خالتو منى واقفة في الصالة وبترص الأطباق على السفرة والريحة كانت تجوع.
علي بابتسامة: "صباح الفل يا خالتو، الله على الريحة اللي تفتح النفس دي."
منى ردت بضحكة: "يسعد صباحك يا حبيبي، حمد لله على سلامتك"
علي وهو بيقلع الجاكيت وبيحطه على طرف الكرسي: "اله يسلمك ياخالتو.. صحيح هي ياسمين فين؟"
منى لوت بوزها بخبث وقالت: "دخلت بصيت عليها في أوضتها ملقتهاش قلبت عليها البيت كله
رمقته بخبث وكملت .. وفي الأخر لقيتها نايمة في أوضتك غرقانة في النوم، قلت أسيبها ترتاح.. شكلها كان شايل كتير واليومين اللي فاتوا هدو حيلها."
علي مسح على شعره بإحراج، لكن ضيق ما بين حواجبه باستغراب وقلق: "لحد دلوقتي؟ طيب أنا هدخل أشوفها."
دخل أوضته بهدوء، لقاها نايمة زي ما سابها بالظبط، ملامحها هادية وخصلات شعرها نازلة على وشها. قعد على طرف السرير جنبها، وبدأ يلمس خدها برقة وبصوت واطي وهمس: "ياسمين.. ياسمين."
همهمت ياسمين بصوت نايم وهي بتتقلب: "ممم.."
علي بابتسامة وسعت على وشه: "ياسمين.. اصحي يالا، كفاية نوم."
فتحت عينيها ببطء، فضلت ثواني باصة للسقف وهي مش مستوعبة هي فين، ولما لمحت علي قاعد جنبها، استوعبت فجأة وضمت شفايفها بخجل ووشها أحمر.
علي ضحك بخفة: "صح النوم يا كسلانة، إيه كل ده؟"
ياسمين بصوت مبحوح من النوم سألته: "هي الساعة كام؟"
علي: "إحنا العصر يا ستي.. أنا خرجت وروحت الشركة وخلصت وجيت، وأنتي لسه نايمة."
ياسمين اتخضت وقعدت بسرعة: "يا خبر! العصر؟ أنا آسفة والله ما حسيت بنفسي."
علي مسك إيدها يطمنها: "آسفة على إيه يا هبلة؟ أنتي كنتي محتاجة الراحة دي.. يالا قومي فوقي كدة عشان خالتو مستنيانا على الأكل.
__________________________________
خرج محمود ونادية من بوابة المطار، نادية كانت بتلتفت حواليها في كل اتجاه، عينيها بتلمع وهي بتستنشق هوا القاهرة وكأنها بتملى صدرها بيه لأول مرة من سنين. محمود كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، نضارته السوداء مخبية عينيه، وهدوءه كان ملفت للانتباه.
نادية قربت منه وهمست بصوت واطي ومنفعل:
"مش مصدقة يا محمود.. أخيراً! رجلينا لمست الأرض بجد.. يالا، هنطلع على القصر علطول؟"
محمود وقف فجأة، عدل الجاكيت بتاعه ببطء :
"لا يا نادية.. القصر ملوش لازمة دلوقتي."
نادية استغربت ووقفت هي كمان:
"يعني إيه؟ إحنا بقالنا كام ساعة في الطيارة بنرتب هنقوله إيه وهنقابله إزاي!"
محمود كمل مشي وهو بيتكلم بنبرة رصينة:
"أدهم مش طفل يا نادية.. أدهم اللي سيبته وهو يادوب عشر سنين ، غير اللي موجود دلوقتي. لو دخلت عليه بصفتي أبوه اللي رجع من الموت، أول رد فعل ليه هيكون الصد.. ويمكن يطردنا ومايسمعش كلمة واحدة."
نادية مشيت جنبه بسرعة وهي بتحاول تستوعب:
"أمال هنعمل إيه؟ هنفضل نتفرج عليه من بعيد؟"
محمود بص لها من فوق النضارة بابتسامة غامضة:
"لا.. هندخل، بس من الباب اللي هو بيفتحه بمزاجه. باب الشغل. ، متنسيش إني من وقت ما سبت مصر من عشرين سنه وأنا مغير اسمي من محمود السويسي لمحمود الشافعي
فأنا هرجع بصفتي المستثمر اللي راجع بخبرة سنين من أمريكا.. وقرر ينقل شغله مصر وفعلا أنا هعمل كده وهنقل كل ثروتي اللي في امريكا هنا..
و هبقى قدامه في الاجتماعات، وفي الصفقات، وفي كل حركة بيعملها.هبقى قدام عينيه كل يوم، هقرب منه، هفهمه، هخليه يحبني ويثق فيا كشريك وصديق..
ولما أحس إن الوقت مناسب هعرفه الحقيقة.
(توضيح بسيط : طبعا زي ما كلكم عرفتوا ان محمود ده يبقى أبو أدهم وياسمين، والكل كان فاكر إنه مات من ٢٠ سنة في الحادثة اللي دبرها له إبراهيم. بس الحقيقة إن محمود لسه عايش، وزيف موته وقتها لسبب لسه هنعرفه قدام ..
نادية: دي تبقى مرات محمود التانية، يعني مش أم أدهم ولا ياسمين ؛لان أم أدهم وياسمين ماتت في الحادثة. وحكاية نادية ودورها مع محمود هنعرفه في توالي الأحداث بردو
بس كده أتمني كل حاجة تكون وضحت)
_______________________________
جميلة كانت قاعدة في أوضة يزن، محاوطة بكتبه وكراساته، وبتحاول بكل قوتها تداري وجع قلبها ورا ابتسامة هادية وهي بتساعده في واجباته. يزن كان بيبص لها ببراءة وهو بيمسح بالاستيكة غلطة عملها، وفجأة قال بصوت طفولي حنون:
"أنا بحبك أوي يا ياسمين.."
جميلة قلبها اتعصر، وباست راسه بحب:
"وأنا كمان بحبك يا حبيب قلبي.. يالا وريني الشطارة عشان نخلص ونلعب شوية."
وفي وسط اللحظة اللطيفة دي، قطع هادم اللذات صفو قعدتهم؛ الموبايل اللي في جيب بنطلونها رن باهتزاز متواصل. جميلة اتخضت وطلعت الموبايل، وبمجرد ما شافت هوية المتصل، وشها جاب ألوان.
قامت وقالت ليزن وهي بتحاول تبان طبيعية:
"حبيبي، هرد على المكالمة دي في الطرقة وجاية لك تاني."
خرجت ووقفت في الطرقة البعيدة عن عيون الحرس، وردت بصوت واطي ومخنووق:
"أيوة يا إبراهيم بيه. خير ايه تاني؟"
إبراهيم رد بصوت فيه فحيح وجشع:
"اسمعي يا بت إنتي، الحركات دي ما تمشيش عليا. أنا لازم آخد الورق اللي مضيتيه النهاردة.. ."
جميلة ردت بذهول:
"وأنا أجبهولك ازاي؟ زمان أدهم خده الشركة."
إبراهيم ضحك بسخرية:
"غلطانه يا حلوة.. أدهم مخدش الورق في المكتب. الورق لسه في القصر، وأكيد أدهم عاينه. اسمعي.. الورق ده لازم يجيلي في أسرع وقت، دوري عليه كويس، ممكن تلاقيه في جناحه الخاص أو في مكتبه اللي في القصر.. هو أكيد ما خدوش معاه الشركة."
ومعطاهاش فرصة ترد،وقفل السكة في وشها، وجميلة فضلت واقفة سانده ضهرها على الحيطة، أنفاسها سريعة وعينيها بتلف في الطرقة برعب. هي دلوقتي بين نارين: نار أدهم اللي بدأ يحبسها بمشاعره وقسوته، ونار إبراهيم اللي ماسك رقبتها بورق سفرها وحريته
بصت يمين وشمال، الطرقة كانت هادية، وأدهم لسه مرجعش من الشركة. استغلت الفرصة واتسحبت بهدوء ناحية جناح أدهم. كانت دي أول مرة تتجرأ وتدخل منطقته الخاصة وهي عارفة إنها ممنوعة.
فتحت الباب ببطء، ريحة عطره القوية كانت مالية المكان، ريحة بتفكرها بكل لحظة خوف وكل لحظة حب عاشتها معاه. بدأت تدور بإيد بتترعش في أدراج المكتب الصغير اللي في ركن الجناح، وهي بتهلف:
"يارب ألاقيه وأخلص.. يارب ما يرجعش دلوقتي."
وفجأة، وهي بتقلب في وسط الأوراق، سمعت صوت عربية أدهم بتفرمل في حوش القصر تحت الشباك!
أول ما سمعت صوت فرملة عربية أدهم تحت، جسمها اتنفض والورق اللي في إيدها كان هيقع.
بدأت ترجع كل حاجة مكانها بسرعة وهي بتنهج، وخرجت من الجناح وهي بتتسحب قبل ما هو يطلع السلم. استخبت ورا عمود في الطرقة، وشافته وهو طالع، كان وشه باين عليه الإرهاق والضيق، وماسك جاكيت البدلة في إيده.
أدهم ودخل غرفة يزن يطمن عليه .
وجميلة فضلت واقفة مكانها بتتنفس بصعوبة، وقالت في سرها:
"ما لقيتش حاجة.. الورق مش في الجناح! يبقى أكيد عاينه في مكتبه اللي تحت."
_________________________________
علي كان قاعد بيقلب في موبايله بملل، مستني ياسمين تخلص لبس عشان يخرجوا ؛لان خالته طلبت منهم يخرجوا يحتفلوا بجوازهم ..
وأثناء ما بيقلب في الموبايل ..سمع صوت دقات كعبها الهادية بتقرب، رفع عينه ببطء.. وفي اللحظة دي الوقت وقف بالنسبة له.
بلع ريقه بصعوبة وهو بيحاول يستوعب الجمال اللي قدامه، وفضل يرمش بكذا مرة كأنه بيتأكد إن دي ياسمين مش حلم. كانت لابسة فستان أسود بكتف واحد، القماش فيه لمعة خفيفة بتخطف العين مع كل حركة، والفستان كان مرسوم على جسمها برقة مذهلة.
ياسمين اكتفت بمكياج أبرز ملامحها بقوة؛ كحل أسود تقيل حدد عينيها الواسعة، وروج أحمر جرئ كان متناغم جداً مع بشرتها الصافية، وشعرها كان متسرح بطريقة زادتها أنوثة، ومع الكعب العالي كانت طالعة في غاية الرقه والأنوثة.
علي قام وقف بتلقائية، ونسي الموبايل تماماً، وفضل باصص لها بنظرة مليانة إعجاب وحب، وقال بصوت مهزوز:
"إيه ده؟ هو أنا اتجوزت ملكة جمال وأنا مش عارف؟"
ياسمين وشها احمر بخجل، وبصت في الأرض وهي بتلعب في شنطتها الصغيرة:
"شكلي وحش؟ لو مش عاجبك ممكن أدخل أغيره وألبس حاجة تانية."
علي قرب منها بسرعة، ومسك إيدها بحنان:
"تغيري إيه؟ ده أنا خايف أخرج بيكي الناس تحسدني عليكي. ياسمين، أنتي النهاردة بجد تسحري."
ياسمين ابتسمت برقة، وعلي كمل وهو بيعدل ياقة قميصه الزيتي بزهو: ها تحبي نخرج نتعشى فين ؟"
بترد بحماس:" ايه رايك نروح المطعم اللي أكلنا فيه أول مرة اتقابلتا؟"
علي ضحك من قلبه وهو باصص لها بذهول، ورفع حواجبه باستغراب:
"كشري يا ياسمين؟ ده أنتي لابسة فستان وسواريه وقالبة الدنيا، وعايزة أول خروجة لينا بعد الجواز ناكل كشري!؟"
ياسمين ضمت شفايفها بحزن طفولي ووطت عينيها الأرض:
"حسيت إنها هتكون حاجة مميزة.. إننا نروح نفس المكان بس المرة دي وإحنا متجوزين .. لو مش عايز أو المكان مش مناسب للبسنا، ممكن نروح أي مطعم تاني إنت تختاره."
علي أول ما شاف لمعة الزعل في عينيها، قلبه رقّ فوراً. قرب منها ورفع وشها بإيده ولمس دقنها برقة عشان يخليها تبص له، وابتسم ابتسامة حنونة:
"يا ستي اللي تأمري بيه يتنفذ، هو أنا عندي أغلى منك؟ بس بشرط.. بعد الكشري ده، هنروح مكان تاني على ذوقي أنا، نحلى فيه ونكمل سهرتنا، موافقة؟"
ياسمين هزت راسها بحماس وفرحة خلت عينيها تلمع، وعلي مد لها كتفه بشياكة وقال:
"طيب يالا بينا ؟"
ياسمين حطت إيدها في دراعه بخجل وفرحة، وخرجوا من الشقة .
_________________________________
في نص الليل
القصر كان ساكن ، مفيش غير صوت دقات الساعة . جميلة خرجت من أوضتها وهي بتتسحب، رجليها الحافية مابتطلعش صوت على الرخام البارد. كانت بتتلفت حواليها ، ونبضات قلبها واصلة لودانها، حاسة إن الحيطان ليها عيون بتراقبها.
نزلت درجات السلم ببطء وهي كاتمة نفسها، ومشت في الطرقة الطويلة اللي في آخرها مكتب أدهم. وقفت قصاد الباب، حطت إيدها المرتعشة على المقبض وفتحته وهي ضامة شفايفها بتوتر . المكتب كان ضلمة كحل، شغلت فلاش الموبايل ووقفت قصاد مكتبه، وقعدت على الكرسي الجلد الكبير بتاعه وهي حاسة إنها بتغرق فيه.
فتحت الأدراج براحة، وبدأت تدور بين الملفات المكدسة بلهفة، لحد ما لقت ضالتها؛ الملف اللي فيه أوراق الورث. خدته بسرعة وحطته تحت التيشرت بتاعها وهي حاسة ببرودة الورق على جلدها، ورجعت كل حاجة مكانها بدقة.
ولسه هتقوم عشان تخرج، سمعت صوت خطوات جايه ناحية المكتب. الدنيا دارت بيها، والارتباك شل حركتها .... وفجأاااااااة أدهم دخل وهو بيبص على باب المكتب المفتوح باستغراب، ولف بعينه في الأوضة لحد ما ضيق ما بين حواجبه لما شافها..
جميلة واقفة في الضلمة، ساكنة زي التمثال، مابتتحركش ولا بتنطق.
أدهم قرب منها بخطوات بطيئة، ووقف قصادها مباشرة، لقاها مغمضة عينيها وأنفاسها هادية جداً وكأنها تمثال .
نادى بصوت واطي: "جميلة؟"
مفيش رد.
مسك كتفها وهزها برقة: "جميلة؟"
برضه مفيش رد. ولما هز كتفها بقوة أكبر وهو مستغرب سكونها المريب، فجأة جميلة وقعت بتُقل جسمها كله على جنب.
وهو جري ومسكها بسرعة قبل ما تقع، ورفع دقنها بإبهامه وهو باصص لوشها اللي مفهوش أي تعبير.
قرب ودنه من فمها، سمع صوت نفسها الهادي، ومخدش باله من شفايفها اللي انضمت بارتباك لما حسّت بأنفاسه قريبة منها أوي كدة. أدهم همس باستغراب:
"إنتي نايمة؟ إنتي بتمشي وأنتي نايمة يا جميلة؟"
لما ملقتش منه رد، نزل لمستواها وشالها بحرص وحنان مبالغ فيه وخرج بيها من المكتب. جميلة كانت حاسة بضربات قلبها بتدق زي الطبول جوه صدرها، وبتحاول بكل قوتها تتحكم في ريتم نفسها وعينيها مقفولة.
أدهم ضمها لحضنه بقوة، وكأن خوفه عليها غلب شكه فيها، وطلع بيها السلم لحد ما وصل لباب جناحها، زقه برجله ودخل حطها على السرير بكل رقة. قعد جنبها وهو باصص لملامحها ، مسح بكف إيده على خدها بحنية، وقرب باسها من جبينها وفضل مثبت فمه ثواني... وبعدين سند بجبينه على جبينها
نادى بهمس: "جميلة.."
خبط بكف إيده على خدها براحة: "جميلة.."
همهمت بتمثيل متقن، وفتحت عينيها ببطء لقت ساند جبينه على جبينها وبيتنفس بهدوء. جميلة سألت بارتباك حقيقي المرة دي من قربه:
"أدهم.. فيه إيه؟"
أدهم بص في عيونها، كان بيدور على ذرة صدق أو خيط يوصله للي بيحصل، بس لقاها ثابتة، فاتنهد بتعب وقال:
"إنتي مش فاكرة حاجة؟"
هزت راسها بنفي وهي بتمثل عدم الفهم: "مش فاكرة إيه؟ وإنت إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
أدهم قام وهو بيقول: "ولا حاجة.. تصبحي على خير."
خرج أول ما قفل الباب، جميلة حطت إيدها على قلبها اللي كان هيقف: "الحمد لله.. الحمد لله إنها عدت." ووقعت بجسمها على السرير بتعب وهي لسه حاسة بلمسته على خدها.
_________________________________
المكان كان ساحر، كافيه مفتوح للسما ملوش سقف، كأنك قاعد فوق سحابة بتلمس النجوم بإيدك. الهوا كان محمل بريحة البحر اللي قصادهم، وصوت الموج كان بيعزف سيمفونية هادية مع جو المكان المتصمم بذكاء يخليك تحس إنك في حتة تانية بره العالم ودوشته.
وعلى أنغام الموسيقى، كان علي واقف وضامم ياسمين برقة بين إيديه، وهي سانده راسها على كتفه، بيتحركوا ببطء ونعومة كأنهم منفصلين عن الواقع. وصوت محمد محسن كان مالي الأركان بإحساس يوجع من كتر جماله:
"في قلبي مكان.. مكانش بيوصل له إنسان
لإنه أمان.. مكانش بيدي حد أمان
فتحته أنا ليك.. دخلته إنت وقفلت عليك
بقى ملكك.. ولا قبلك ولا بعديك
علي رفع وشها بطرف صوابعه، وبص في عيونها بهيام، وبدأ يهمس مع كلمات الأغنية وهو مركز في كل تفصيلة في ملامحها:
"خليني معاك.. ده أنا راحة قلبي معاك
هو اللي يحس هواك في إيه بعده يكفيه؟
من بين الناس أنا عشت معاك إحساس،
بعد ما جربته خلاص ما اقدرش أعيش غير بيه.
ياسمين في اللحظة دي حست إن الدنيا لفت بيها، وبدأت تهمس هي كمان مع الأغنية وهي شابة على أطراف رجلها، وبرغم الكعب العالي اللي لابساه، كانت لسه يا دوب واصلة لبداية كتفه، مالت على ودنه وقالت بصوت طالع من روحها مع الأغنية:
"بحس معاك حاجات مش حلوة إلا معاك..
بطعم هواك جميلة وطالعة من جواك.. ترد الروح.
شاورت بصباعها الصغير على قلبها وهمست بكسوف:
"تنسي قلبي أي جروح..
أنا ملكك، وآديني قلتها بوضوح."
علي مكنش قادر يتحمل اعترافها المبطن ده ولا نظرة عينيها اللي بتعلن الاستسلام لحبه، شدها لحضنه بقوة خلتها تدفن وشها في رقبته ..وقرب من ودنها وهمس بصوت دافي هز كيانها:
"معرفش إزاي ولا امتى ولا فين ... عارف إنه مش منطقي ده يحصل في الوقت القصير اللي عرفتك فيه .. وعارف بردو ان مفيش مواقف كتير جمعتنا سوا عشان يبقى ده اللي جوايا بس أنا .. أنا بحبك يا ياسمين....
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 13
_"أدهم بيه ،فيه شخص بره مُصّر إنه يقابلك ضروري ."
أدهم ضيق بين حواجبه بضيق وسألها: "مين ده ؟"
ردت بتوتر: "مش راضي يقول اسمه يا فندم".
أدهم هز راسه وقال: "دخليه".
دخل بخطوات رصينة وهيبة تملا المكان. أدهم وقف وبادره بالسلام، ومخدش باله من نظرة الحنين والشوق اللي كانت بتلمع في عينيه .
أدهم سأله بجدية: "أهلاً بحضرتك.. خير؟ ومين حضرتك؟".
محمود رد بصوت هادي ورزين: "أنا محمود الشافعي، رجل أعمال.. كنت شغال في أمريكا طول السنين اللي فاتت، ومؤخراً قررت أنقل كل استثماراتي هنا لمصر. ولما سألت عن أكفأ شركات الاستيراد والتصدير، اسم أدهم السويسي كان الأول، وعشان كده جيت أعرض عليك صفقة .. طبعاً بعد ما تطلع على كل أوراقي وتتأكد من مصداقيتي".
أدهم هز راسه بعملية، وفي ثواني كان اللابتوب قدامه شغال بيعمل سرش عن الاسم. ملامح أدهم اتغيرت لما ظهرت صورته ومعلومات عنه كواحد من أكبر رجال الأعمال في كاليفورنيا.
محمود ابتسم بوقار وقال: "أتأكدت بنفسك؟".
أدهم رفع حاجبه بإعجاب من ذكاء الراجل وقال: "تمام يا محمود بيه، هدرس مضمون الصفقة وأرد عليك".
محمود كان نفسه يفضل قاعد يشبع عينه منه. وهو بيسلم، شد على إيد أدهم وطبطب على ضهره بحنية غريبة، خلت أدهم يستغرب ويحس برعشة مجهولة في جسمه.
بعد ما محمود خرج، أدهم فضل باصص لمكانه وقال لنفسه: "إيه الراجل الغريب ده؟"
_________________________________
في مكان مقطوع
بعيد عن دوشة المدينة، في طريق مهجور، كانت جميلة واقفة بتتلفت حواليها برعب، لحد ما شافت عربية إبراهيم بتقرب. نزل إبراهيم بابتسامة صفرا وقال: "ها.. جبتي الورق؟".
جميلة ردت بجمود: "جبت الباسبور ؟"
. إبراهيم ضحك: " والفلوس كمان يا حلوة ،إنتي مستغنية عنهم يعني؟".
طلعت جميلة الملف من شنطتها، إبراهيم خطفه وفتحه، وبدأ يلمس الورق بابتسامة مجنونة وهو مش مصدق إنه أخيراً بقى معاه مفتاح الثروة.
جميلة مدت إيدها بحدة: "الباسبور!".
إبراهيم طلع الدفتر الأزرق من جيبه ومعاه شيك. وقال :" معاد طيارتك بعد بكرة ."
فتحت عينها بصدمة وهمست بحزن:"بعد بكرة .. ده قريب اووي"
فتحت الباسبور واتأكدت من كل حاجة ولما شافت رقم الشيك، ابتسمت بحزن وقهر.. تمن غدرها وحبها كان مجرد ورق.
إبراهيم بصلها بقرف وقال: "مش عايز أشوف وشك تاني".
جميلة لفت ضهرها وقالت بسخرية لاذعة: " ونبي !.. علي أساس أنا اللي هموت وأشوفك! مبروك عليك الورق يا إبراهيم، ومبروك عليا الخلاص".
سابته وهو بيمني نفسه بالفلوس، ومشت بخطوات تقيلة وهي مش عارفة .. هل فعلاً قدرت تبيع أدهم بالبساطة دي؟
__________________________________
بعد ساعات ..
في ردهة القصر. أدهم كان قاعد على الكنبة الجلد، بيخلص إميلات على اللابتوب ، ويزن كان قاعد جنبه بيلعب بالتابلت بتاعه.
جميلة دخلت عليهم، كانت ملامحها هادية بس عينيها فيها نظرة وداع . وقفت قدامهم، بصت لأدهم وبعدين ليزن، وقالت بصوت ناعم ومتردد:
"أدهم.. كنت لسه بقلب في الصور عندي، واكتشفت حاجة غريبة أوي."
أدهم رفع عينه من على شاشة اللابتوب، وبصلها باهتمام:
" حاجة ايه يا جميلة؟"
جميلة ابتسمت ابتسامة باهتة:
"إحنا ملناش ولا صورة واحدة مع بعض.. إحنا التلاتة. يزن ليه صور معاك، ولي صور معايا، بس مفيش صورة بتجمعنا إحنا التلاتة كعيلة."
أدهم اتجمد مكانه للحظة، وكأن الكلمة لمست وتر حساس جواه. ساب التليفون من إيده وهز راسه ببطء واستغراب، وكأنه لسه واخد باله دلوقتي:
"فعلاً! إزاي فاتتنا دي؟ إزاي متصورناش كلنا مع بعض قبل كده؟"
يزن رمى التابلت بحماس ونط من مكانه:
"أيوة يا بابا! أنا عايز صورة تجمعني بيكم إنتو الاتنين عشان أعلقها في أوضتي."
أدهم قام وقف، وعدل قميصه، وبص لجميلة بنظرة كانت مليانة عتاب مختلط بحب، وقال بصوت رزين:
"عندك حق.. لازم الصورة دي تتاخد دلوقتي."
جميلة طلعت موبايلها، وإيدها كانت بتترعش وهي بتظبط التايمر. وقفت في النص بين أدهم ويزن. أدهم حط إيده على كتف يزن، وبالإيد التانية حوط وسط جميلة بملكية وقوة وكأنه خايف تهرب منه، وجميلة مالت براسها ناحيته وسندت على كتفه، ويزن وقف قدامهم بضحكة من القلب.
العد التنازلي بدأ.. 3.. 2.. 1..
.. الفلاش نور المكان، وخلد اللحظة دي. صورة كانت بتبان فيها كأنها عيلة مثالية، محدش يعرف حقيقتها المُرة.
_________________________________
تاني يوم في الشركه
أدهم ومحمود كانوا قاعدين في جو ساد فيه الصمت فجأة، أدهم قفل الملفات اللي قدامه بابتسامة وقال: "إن شاء الله يكون تعاون ناجح يا شافعي بيه، والصفقة دي تعود بنفعها على الكل."
محمود رد عليه بنظرة كلها فخر وحنان غلب ثباته الانفعالي: "إن شاء الله يا ابني."
أدهم سكت لحظة، والكلمة رنت في ودانه بغرابة، ضيق عينه وبصله باستغراب من الكلفة اللي محمود شالها فجأة
محمود استدرك الموقف بسرعة وبابتسامة حزينة قال: "أنا آسف.. يمكن الحماس خدني وكسرت الحدود اللي بينا."
أدهم هز راسه بتفهم وهو بيحاول يطرد الشعور الغريب ده: "لا محصلش حاجة، حصل خير."
في اللحظة دي دخل علي المكتب بسرعة وهو بيعدل كرافتته: "أدهم بيه، الوفد التاني وصل والقاعة جاهزة، لازم نتحرك دلوقتي."
علي حط موبايله على طرف المكتب وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة الجديدة، واستأذن أدهم من محمود، إنه هيغيب دقايق ويرجع له تاني.
خرجوا سوا، وفضل محمود لوحده في المكتب. فجأة، موبايل علي رن بهزة قوية على الخشب. محمود بص للفون لقى الاسم متسجل بإسم "ياسمين"..
الاسم ده ليه معزة خاصة جداً في قلبه، ابتسم وقرر يرد عشان يعرفها إن صاحب الموبايل نسيه وميقلقهاش.
فتح الخط، وجاله الصوت الرقيق الهادي: "علي.. هترجع البيت إمتى عشان ألحق أجهز الغدا؟"
محمود حس برعشة غريبة في قلبه لما سمع صوتها، رد بهدوء: "أنا مش علي يا بنتي.. أنا مستثمر في الشركة اللي بيشتغل فيها، وهو نسي موبايله وخرج."
ياسمين اتحرجت جداً وقالت بتوتر: "أه.. تمام، شكراً جداً لحضرتك، أسفة على الإزعاج."
قفلت السكة، ومحمود فضل باصص للموبايل وهو حاسس بانقباضة في صدره مش فاهم سببها، حط الموبايل مكانه وهو بيقول في نفسه:" شكلها مراته ربنا يخليهم لبعض."
كان الاجتماع شغال والكل مركز، وفجأة وبدون قصد، كوباية العصير اللي قدام علي مالت وغرقت قميصه الأبيض تماماً. علي اتفاجئ وبص لقميصه بضيق، فأدهم طبطب على كتفه وقاله بصوت واطي:
"ولا يهمك يا علي.. قوم روح البيت، و غيّر قميصك وتعالى، إحنا لسه مطولين."
علي استأذن وخرج، وأول ما وصل للطرقة حط إيده في جيبه تلقائياً عشان يكلم ياسمين ويقولها إنه جاي
بس اتصدم إن جيبه فاضي! ضرب كف على كف وافتكر إنه ساب الموبايل على التربيزة في قاعة الاجتماعات وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة.
رجع علي وفتح الباب براحة، لقى محمود الشافعي لسه قاعد في مكانه بكل هيبة، والموبايل كان محطوط قدامه على التربيزة. أول ما محمود لمحه، ابتسم له ابتسامة صافية وقال:
"إنت نسيت موبايلك ."
علي ضحك بإحراج وقرب ياخده: "معلش يا محمود بيه."
محمود مسك الموبايل ومدهوله وقال بنبرة فيها اهتمام غريب:
"على فكرة.. فيه بنت اسمها ياسمين اتصلت، وأنا اضطريت أرد عشان ماتقلقش، وعرّفتها إنك نسيت الموبايل في قاعة الاجتماعات وهتكلمها أول ما تخلص."
علي أول ما بص للشاشة وشاف اسم ياسمين، مقدرش يخبي ابتسامته اللي نورت وشه، وعينيه لمعت بحب حقيقي مكنش قادر يداريه قدام محمود، وقال بفخر:
"آه.. دي ياسمين مراتي."
محمود سكت لثانية، وكأن الاسم لمس حتة جوه روحه، وبص لعلي وقال:
"ربنا يخليهالك يا علي.. ويبعد عنكم أي شر."
علي حس براحة غريبة لكلام الراجل ده، وهز راسه بامتنان:
"آمين يا رب.. تسلم يا محمود بيه، عن إذنك عشان ألحق أغير وأرجعلكم."
_______________________________
ريحة براءة يزن كانت بتواسي وجع جميلة اللي حاسة إن روحها بتتسحب منها مع كل ثانية بتقرب من ميعاد سفرها. يزن كان بيحكي عن يومه في المدرسة، وصوته الطفولي كان بيملى المكان، وهي كانت بتمسح على شعره بحنان، وعينيها بتشرب ملامحه عشان تحفظها.
وفجأة، خانتها دمعة ونزلت على خدها .
الولد سكت فجأة، ورفع راسه وبصلها بعيون واسعة مليانة قلق:
"جميلة.. إنتي بتعيطي؟"
جميلة حاولت ترسم ابتسامة باهتة وصوتها كان بيتحشر في حلقها:
"لا يا حبيبي.. دي حاجة دخلت في عيني بس."
خدته في حضنها تاني وضمت عليه بقوة، وكأنها بتستمد منه القوة عشان ماتنهارش، وهمست في ودنه بصوت مخنوق:
"إنت بتحبني صح يا يزن؟"
رد يزن ببراءة تامة: "أيوة طبعاً بحبك.. إنتي وبابا أغلى حاجة عندي في الدنيا."
جميلة غرزت صوابعها في ظهره وهي بتكتم شهقة بكا مريرة، وقالت وهي بتضغط على شفايفها:
"واللي بيحب حد.. مبيزعلش منه أبداً، مش كدة؟"
هز يزن راسه وهو لسه دافن وشه في كتفها: "بس إنتي مش بتزعليني خالص يا جميلة، إنتي دايماً طيبة معايا."
جميلة هنا مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، دموعها نزلت زي الشلال وقالت بنبرة اعتذار بتوجع:
"أنا فعلاً مقدرش أزعلك.. بس لو حصل في يوم وزعلت مني، اتأكد إنه غصب عني ...والله يا حبيبي غصب عني."
يزن رفع راسه وبدأ يدمع هو كمان لما شاف حالتها دي، مكنش فاهم فيه إيه بس وجعها وصل لقلبه الصغير:
"إنتي بتعيطي بجد يا جميلة.. أنا كمان هعيط."
جميلة استسلمت تماماً، وخدته في حضنها تاني وصوت بكاهم هما الاتنين علي في ردهة القصر، في مشهد وداع يقطع النفس.. هي بتودع ابنها اللي مخلفتهوش، وهو بيبكي على الأمان اللي حاسس إنه هيضيع منه.
_________________________________
بعد فتره
جميلة دخلت أوضتها، فتحت الدولاب ووقفت قدامه لثواني طويلة.. كانت بتبص على الفساتين والهدوم اللي أدهم اختارها لها قطعة قطعة بذوقه العالي، وكأن كل فستان فيهم بيحكي حكاية يوم حلو عاشته هنا.
بصت على التسريحة، وشافت براندات الميكب والعطور الغالية ، بس في اللحظة دي حست إن الحاجات دي تقيلة على روحها، وكأنها بتقول لها: "إنتي مش من هنا".
بصت لنفسها في المراية وقالت بكسرة: "خلاص يا جميلة.. كل ده مابقاش بتاعك ولا من حقك، لازم ترجعي لجميلة القديمة."
دخلت خدت شاور سريع، وطلعت وفتحت شنطة الهدوم القديمة.. طلعت منها طقم مكون من بلوزه وبنطلون؛ الطقم اللي دخلت بيه القصر لأول مرة، كان بهتان وقديم، بس كان هو ده اللي بيمثل حقيقتها دلوقتي. لبسته وبصت لنفسها.. الفرق كان يوجع القلب.
اتسحبت بهدوء ودخلت أوضة يزن، لقته غرقان في نومه زي الملاك. قعدت جنبه على طرف السرير، وبدأت تمشي إيدها على شعره ببطء وكأنها بتودع كل خصلة فيه. قربت وباسته من جبينه بوسة طويلة، وفجأة خرجت منها شهقة مكتومة غصب عنها، كتمت بقها بإيدها وهي بتبكي بصمت، خايفة يصحى ويشوف دموعها.. كان صعب عليها تسيب الطفل اللي عوضها عن حرمان السنين.
قامت وراحت ناحية جناح أدهم. فتحت الباب بهدوء، ودخلت تتأمل كل ركن فيه بابتسامة باهتة مليانة وجع. راحت قعدت على طرف السرير بتاعه، ومالت بجسمها ودفنت وشها في الملاية، غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي كانت لسه مالية المكان.. ريحته اللي كانت بتمثل لها الأمان والخوف في نفس الوقت.
عيطت بصمت وهي حاسة إن روحها بتتقطع، وبعدين قامت وهي بتفتكر إن الوقت بيجري. طلعت من جيبها جواب كانت كاتباه ، وحطت تحته الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.. الشيك اللي كان تمن غدرها، بس هي قررت تسيبه لأدهم كدليل إنها مبعتوش عشان الفلوس.
وقفت على باب الجناح، بصت وراها نظرة أخيرة، وبعدين خرجت وقفلت الباب وراها وهي بتقفل صفحة من عمرها، ومشيت في الطرقة وهي شايلة شنطتها القديمة وباسبورها، متجهة للمجهول
__________________________________
علي كان واقف قدام المراية بيزرر قميصه ، وكل شوية يلتفت يبص لياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير بتراقبه بابتسامة. ملامحه كانت متضايقة زي طفل مش عايز يروح المدرسة أول يوم.
علي بضيق: "والله يا ياسمين ما هاين عليا أسيب البيت وأنزل.. أنا بقول أزوغ باقي اليوم ،بما إني رجعت البيت عشان أغير هدومي ونقضي اليوم سوا."
ياسمين ضحكت بمرح وقامت وقفت قدامه تعدل له الياقة: "تزوغ فين يا أستاذ؟ إحنا لسه بنقول يا هادي.. وبعدين لو زوغت النهاردة وبكرة، أومال هنأكل منين؟ ولا عايزنا نعيش على عيش وملح؟"
علي مسك إيديها وباسهم بحب: "يا ستي آكل عيش وملح بس أفضل جنبك."
ياسمين طردته بضحكة خفيفة وهي بتزقه ناحية الباب: "يالا يا علي بلاش كسل.. الشغل مستني، وأنا وخالتو منى هنجهزلك غدوة تحلف بيها لما ترجع."
علي استسلم وودع خالتو منى اللي كانت بتدعيلهم من قلبها في الصالة.
وقف على الباب وبص لياسمين نظرة أخيرة، قرب منها وباس جبينها برقة، وفجأة خطف بوسة من خدها وهو بيغمزلها: "مش هتأخر عليكي يا ست البنات."
نزل علي ، وياسمين فضلت واقفة ورا الباب وهي حاطة إيدها على خدها ومبتسمة بكسوف.
دخلت المطبخ تساعد خالتو، بس بعد عشر دقايق بالظبط، سمعت خبط قوي ومتتالي على الباب.
ياسمين باستغراب: "هو علي نسي حاجة ولا إيه؟ ده مالحقش يوصل لأول الشارع!"
جريت على الباب وهي بتعدل شعرها بضحكة: "نسيت قلبك ولا إيه يا علـ..."
الكلمة وقفت في حلقها، والضحكة اتمحت من على وشها في ثانية. ملامحها اتحولت لرعب حقيقي، وجسمها كله بدأ يترعش وهي شايفة الشخص اللي واقف قدامها وبصاته كلها غل وانتقام.
ياسمين بهمس مرعوب وصوت طالع بالعافية: "بـ.. بابا؟!"
إبراهيم كان واقف، عينه حمرا وشكله مبهدل وكأنه كان بايت في الشارع، وبص لها بابتسامة مرعبة وقال:
"أهلاً يا ست ياسمين.. كنتي فاكرة إنك استخبيتي خلاص؟ فاكرة إن الواد ده هيحميكي مني؟"
__________________________________
كان المطار في حالة هدوء ،بيقطعه صوت نداء مواعيد اقلاع الطيارات
جميلة قاعدة في صالة الانتظار، حاطة شنطتها القديمة جنبها، وماسكة موبايلها بإيد بتترعش.
فتحت الصور وعينها ثبتت على صورتهم التلاتة.. أدهم بضحكته الواثقة، ويزن ببراءته، وهي بينهم كأنها كانت في حلم وصحيت منه على كابوس.
مسحت بإبهامها على وش أدهم في الصورة، ودموعها نزلت غرقت الشاشة:
"سامحني يا أدهم.. كان لازم أمشي ..."
فجأة، نادى موظف المطار على ميعاد الرحلة. قامت جميلة بخطوات تقيلة، سلمت الباسبور والورق، وبدأت تتحرك ناحية البوابة الأخيرة اللي بتفصلها عن الطيارة.. وعن حياتها القديمة في نفسالوقت.
وقفت عند البوابة وبصت وراها نظرة أخيرة لمصر، وللقصر، وليزن ، ...ولأدهم.. ولسه هتحط رجلها جوه، فجأة صوت زلزل كيان المطار كله.. صوت جهوري، مليان غضب، ووجع، :
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، قلبها وقع في رجليها، ولفت ببطء وهي مش مصدقة. كان أدهم واقف على بعد أمتار، صدره بيعلا ويهبط بعنف، وكأنه كان في معركة، وعيونه حادة والشر بيتطاير منها ...
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 14
قبل اللحظة دي بكام ساعة ..وبعد ما علي وأدهم خرجوا من إجتماعهم مع محمود
علي اتكلم بتردد:
"أدهم بيه.. أنا لازم أقولك حاجة، جميلة قابلت إبراهيم وسلمته الملف، وهو سلمها ورق السفر."
أدهم في اللحظة دي افتكر لما شافها في مكتبه، وضحك ضحكة سخرية مريرة.. واكتشف فوراً إن التمثيلية اللي عملتها في المكتب كانت مجرد غطاء لسرقة الملف، وإنها كالعادة كدبت عليه
بص لعلي بجمود وقال: "روح إنت يا علي، وأنا راجع القصر."
وصل أدهم القصر، دخل جناحه وهو بيدور عليها بعد ما دور عليها في القصر كله، بس ملقاش غير ريحتها اللي لسه في المكان. عينيه وقعت على السرير.. لقى الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.
وجنبه جواب، فتحه وإيده بتترعش، وبدأ يقرأ بوجع:
"أنا عارفة إنك في الوقت اللي هتقرأ فيه الجواب ده هكون سافرت.. وعشان كده هعترفلك بكل حاجة، بس قبل كل ده أنا عايزاك تعرف حاجة.. أنا بحبك يا أدهم ..
للأسف حبيتك ،أنا عارفة إن مفيش مبرر للي عملته، بس أنا بجد أسفة، سامحني يا حبيبي.. طول عمري أنانية مابفكرش غير في نفسي، وعشان كده لما عمك إبراهيم عرض عليا أنصب عليك وأمثل إني أختك، وافقت.. وافقت وأنا مش عارفة إني هحبك كدة، وإن الفراق هيكون صعب بالشكل ده.
صدقني، كل لحظة وكل إحساس حسيته معاك ومع يزن كان حقيقي ومكانش من ضمن الخطة.. أنا مش عايزة فلوس وسيبتلك الشيك، وهبعد ومش هتشوفني تاني في حياتك.. بس طلب واحد، بلاش تخلي يزن يكرهني، خليه فاكر صورتي كويسة.. سامحني يا أدهم.. جميلة."
أدهم طبق الجواب في إيده بقوة لدرجة إن عروقه برزت، وعيونه اتحولت لجمر نار. رمى الجواب وخرج زي المجنون، ركب عربيته وطار للمطار، كان سايق بأقصى سرعة، لدرجة إنه كان هيعمل حادثة أكتر من مرة، بس مكنش شايف قدامه غير صورتها وهي بتهرب بقلبه.
دخل المطار ينهج، بيدور في الصالة زي الأسد المجروح، لحد ما لمحها.. واقفة عند البوابة النهائية، بتسلم ورقها وخلاص هتمشي. صرخ بكل قوته:
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، الصوت اخترق روحها، مكنتش مصدقة.. كانت بتدعي ودنها تكون بتكدب عليها. خدت خطوة لقدام وهي بتغمض عينيها، بس صوته رجع هز المكان تاني:
"جميلةاااااااا!"
بلعت ريقها برعب حقيقي، ولفت ببطء وهي بتترعش زي ورقة شجر في ريح عاصفة. شافته واقف بعيد، هدومه مبهدلة من أثر الجري، وعيونه فيها نظرة خوف وغضب وحب.. كان خليط مرعب من المشاعر.
أدهم بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ورزينة، خطوات كانت بتدب الرعب في أوصالها أكتر من الجري، لحد ما وصل قدامها. بص في عينيها طويلاً وهو بينهج، وبدون أي كلمة، قبض على معصم إيدها بقوة خلتها تحس إن عضمها هيتكسر، وسحبها وراه بعنف وسط ذهول المطار كله... ركبها ولف ،ودور العربية وساق بأقصى سرعة .
بصت له بدموع وهمست: "أدهم.. أرجوك رد عليا، زعق.. اصرخ.. اعمل أي حاجة بس متبقاش ساكت كدة.. أنا آسفة والله."أدهم ماردش ولا حتى بصلها، كأنه مش شايفها.
__________________________________
ياسمين رجعت بضهرها لورا، وصوتها طلع مخنوق بالخوف: "بابا!"
منصور اتقدم منها بخطوات تقيلة، وعينه بيتطاير منها الشر والغل، وقال بفحيح مرعب:
"أيوة يا ياسمين... إيه، فاكرة الواد اللي متجوزاه ده هيفضل مخبيكي عني كتير؟ اديني وصلتلك وانتي في بيته وهو ولا على باله."
ياسمين هزت راسها برعب ورعشة رهيبة سكنت جسمها وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش ذرة رحمة. في اللحظة دي، خرجت منى من أوضتها على صوت الصريخ، واتصدمت لما لقيت راجل غريب بيمسك ياسمين بعنف من كتفها وهي بتبكي بانهيار.
منى جريت عليهم وهي بتزعق:
"إنت مين يا راجل إنت؟ وإزاي تدخل البيت كدة؟ سيب البنت!"
ياسمين كانت كاتمة صرختها من الرعب والصدمة، ومنى حاولت بكل قوتها تبعده عنها، بدأت تشده من هدومه وتضرب في صدره عشان يسيب ياسمين.
منصور غضب وبص لمنى بنظرة وحشية، وقام زاققها بعنف جبار وهو بيصرخ فيها..منى صرخت ووقعت على الأرض بتقل جسمها، وللأسف راسها اتخبطت بقوة في حرف التربيزة الرخام.
ياسمين في اللحظة دي فاقت من صدمتها، شافت منى واقعه على الأرض والدم بدأ ينزل من راسها بغزارة ويسيل على السجاد. صرخت بجنون وجريت على المطبخ، ومنصور وراها زي الظل الأسود. سحبت سكينة من على الرخامة ووجهتها ناحيته وهي بتترعش:
"لو قربت مني هقتلك! والله هقتلك ومش هتفرق معايا!"
منصور وقف وقرب منها بسخرية وهو بيضحك ضحكة شيطانية:
"إيه؟ عايزة تموتيني؟ ده جزاتي بعد ما ربيتك طول السنين اللي فاتت دي؟ وأنا بربي واحدة مش بنتي!"
الكلمة نزلت على ياسمين زي الصاعقة. السكينة وقعت من إيدها وصوتها اختفى، عينيها وسعت بذهول وهي بتردد بهمس: "مش.. مش بنتك؟"
منصور استغل لحظة توهانها وفقدانها للتوازن، سحبها من إيدها ووقعها على الأرض، ونزل لمستواها وهو بيقول بصوت فحيح:
"دلوقتي هشفي غليلي منك وهذلك.. وهاخد حقي من كل لحظة صرفت فيها عليكي وأنا كاره وشك."
ياسمين بدأت تبعده عنها بضعف وهي بتعيط وتشهق، فاقدة الأمل في أي نجاة..
في نفس الوقت علي كان طالع السلم بابتساب وشنطة حلويات في إيده، دخل وهو بينادي بمرح:
"خالتو! ياسمينا! أنا جيت.. جبتلكم حاجات حلوة."
علي ضيق بين حواجبه لما لقى هدوء رهيب وصمت يقطع القلب، دخل الصالة لقاها فاضية، ولسه هيتحرك، عينه وقعت على الأرض.. صرخ صرخة هزت الشقة لما لقى خالته منى واقعه غرقانة في دمها.
"خالتو! خالتو رد عليا! إيه اللي حصل؟"
قعد جنبها وحاول يفوقها وهو مصدوم، بس سمع صوت أنفاس مكتومة وصوت شهقات جاية من المطبخ. قام زي المجنون ودخل، وشاف المنظر اللي خلاه يفقد أعصابه.. ياسمين على الأرض ومنصور بيحاول يقرب منها وهي متصنمة تماماً.
علي محسِش بنفسه، مكنش شايف قدامه غير دم خالته وكسرة مراته. هجم على منصور وجابه من هدومه زي العروسة اللعبة، ونزل فيه ضرب بـ لكمات غاشمة وعنيفة، لدرجة إن سنان منصور اتكسرت وطارت على الأرض.
علي كان بيضرب بمنطق الموت، وياسمين زحفت وهي على الأرض وبتشهق بعنف، مش عارفة تبكي على منى، ولا على نفسها، ولا على الحقيقة اللي عرفتها.. إنها عاشت عمرها كله مع وحش مش أبوها.
__________________________________
محمود كان قاعد مع نادية، والجو كان هادي، بس فجأة ملامحه اتخطفت ولون وشه هرب، حط إيده على قلبه وهو بيتنفس بصعوبة. نادية اتفزعت وقامت وقفت جنبه بخوف: "مالك يا محمود؟ حاسس بإيه؟ أجيبلك دكتور؟"
محمود هز راسه بنفي وهو بيحاول يجمع أنفاسه: "مش عارف يا نادية.. حاسس بقبضة غريبة في قلبي، نغزة مش مطمناني.. حاسس إن أدهم فيه حاجة، أو كأن فيه مصيبة بتحصل دلوقت." مسك موبايله بإيد بتترعش، وطلع رقم أدهم اللي كان مسجله بصفته شريكه الجديد، وضغط اتصال وهو بيدعي جواه إن ابنه يكون بخير.
في العربية
جميلة كانت بتبصله بذهول، حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وصوت شهقتها كان مسموع في هدوء الطريق.
"إيه.. إنت كنت عارف؟" نطقتها بصوت مرعوب ومش مصدق.
أدهم ضحك ضحكة باردة خالية من أي مشاعر، وقال:
"عارف؟ أنا كنت سابقكم بخطوات يا جميلة. فاكرة إن حتة بنت زيك مع إبراهيم يقدروا يضحكوا على أدهم السويسي؟ أنا عارف اتفاقك معاه من أول لحظة، وعارف إنك داخلة القصر عشان تاخدي ورث ياسمين."
جميلة تراجعت لورا، لسانها عجز عن النطق، بس أدهم كمل ببرود وهو سايق:
"وأقولك الصدمة الأكبر.. أنا عارف شكلك من قبل ما رجلك تخطي باب القصر. كنت مراقبكم لحظة بلحظة، وعارف كل حركة بتعمليها وكل همسة بينك وبين إبراهيم. كنت بضحك وأنا شايفك بتمثلي دور الغلبانة اللي مش عارفة حاجة، وكنت بسايرك عشان أعرف إبراهيم ناوي يوصل لإيه."
جميلة صرخت بانهيار:
"ولما إنت عارف.. ليه سيبتني؟ ليه خلتني أحبك؟ ليه خلتني أتعلق بيزن وبالبيت ده وإنت عارف إني مش ياسمين؟"
أدهم قبض على دراعها بقوة وعيونه بتطلع شرار:
"لإني كنت عايز أكسركم بإيدي! كنت عايز أشوف اللحظة اللي هتقعي فيها في شري واكتشف حقيقتك.
في الوقت ده، كان أدهم سايق عربيته زي الإعصار، إيده ضاغطة على الدريكسيون لدرجة إن عروقه برزت وعضمه كان هيتكسر من الغضب المكبوت. وجميلة جنبه زي العصفورة المبلولة، مرعوبة من منظره .
وفجأة موبايله نور برقم محمود الشافعي، بص للشاشة باستغراب وضاقت عينيه، بس كنسل المكالمة بحدة؛ لأن ده آخر وقت ممكن يرد فيه على شغل أو صفقات.
فجأة، أدهم كسر الدريكسيون ودخل في شارع جانبي وفرمل العربية بعنف لدرجة إن جميلة اتنطرت لقدام. جميلة بصت حواليها وهي بتنهج، كانت فاكرة إنه رجع بيها القصر عشان يحبسها أو يخلص عليها، بس لما رفعت عينيها وبصت على المبنى اللي واقفين قدامه، اتصعقت.
فتحت عينيها بذهول وصدمة، وهي بتقرأ اليافطة الكبيرة المتعلقة، وهمست بصوت مبيطلعش: "مكتب جواز؟!"
لفت وشها لأدهم اللي كان بيفك حزام الأمان ببرود قاتل، وعينيه مثبتة عليها بنظرة خلت روحها تترعش. أدهم نطق أخيراً بصوت زي فحيح الأفاعي:
"انزلي.. مش إنتي كنتي عايزة تهربي وتختفي؟ أنا بقى هربطك بيا برباط لا فيه سفر ولا فيه هروب ولا فيه خروج من باب بيتي غير على قبرك."
جميلة هزت راسها برعب: "أدهم إنت بتقول إيه؟ إنت كدة بتنتقم مني؟ هتتجوزني وإنت عارف إني كدبت عليك؟"
أدهم قبض على دراعها وسحبها ناحيته بقوة:
"هتجوزك عشان أكسر عينك كل يوم بالحقيقة.. هتجوزك عشان أدفعك تمن كل لحظة شك عيشتيها لقلبي. النهاردة هتبقي مدام أدهم السويسي.. بس في جحيمي
أدهم كان بيسحب جميلة وراه كأنها طفلة،وهي كانت بتشبث في ترابزين السلم بكل قوتها، ضوافرها كانت بتخربش في الخشب وهي بتبكي:
"أدهم أرجوك.. بلاش الطريقة دي، متعملش فينا كدة!"
أدهم صبره نفد، وفي ثانية كان شالها بين إيديه وهي بتتحرك بعنف وبتحاول تفلت منه، بس قبضته كانت زي الحديد. طلع بيها لحد مكتب المأذون، نزلها قدام الباب وعدل قميصه ببرود، ودخل وهو بيقول:
"عايزين نكتب الكتاب يا شيخنا."
جميلة كانت بتبصله برعب، كانت فاكرة إن كل ده تمثيلية عشان يقرص ودنها أو يرهبها، بس لما لقت المأذون فتح الدفتر وبدأ يجهز القلم، حست إن الدنيا بتلف بيها. أدهم همس لها بصوت واطي ومرعب:
"معاكي بطاقتك الأصلية؟"
جميلة بصت له ببلاهة ومنطقتش، فسحب شنطتها القديمة من على كتفها وفتحها، طلع محفظتها وخرج منه البطاقة. فحصها بعينيه بتركيز، اتأكد إن الاسم هو اسمها الحقيقي، وعطاها للمأذون اللي بدأ ينقل البيانات في هدوء قاتل.
المأذون رفع راسه وقال: "كدة ناقص الشهود يا أستاذ أدهم."
أدهم هز راسه، وقرب من ودن جميلة وهمس لها بتحذير أخير:
"خمس دقايق وأكون هنا بالشهود.. لو حاولتِ تهربي، صدقيني هطلع عينك وهجيبك من تحت الأرض."
خرج أدهم، وجميلة حست إن دي فرصتها الأخيرة. استنت دقيقة، وقامت وقفت وهي بتمسح دموعها، وقالت للمأذون بصوت مهزوز: "أنا.. أنا رايحة الحمام ثواني وجاية."
أدهم رجع المكتب ومعاه الراجلين اللي اتفق معاهم يشهدوا، وعينه بتدور في المكان زي الصقر، لكن الصدمة كانت لما لقى الكرسي اللي كانت قاعدة عليه فاضي. المأذون رفع عينه من الورق وقال بهدوء: "العروسة استأذنت تروح الحمام يا أستاذ أدهم."
_______________________________________________
في المستشفى
كان السكون اللي في الطرقة يقطّع القلب. علي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه. ياسمين قربت منه بضعف، مدت إيدها المرتعشة ولمست كتفه وهمست بصوت مكسور:
"أنا أسفة يا علي.. كل ده بسببي أنا، لو مكنتش دخلت حياتكم مكنش ده حصل."
علي غمض عينه بقوة، لدرجة إن عروق إيده برزت، لكنه ماردش ولا حتى بصلها. ياسمين حست بوجع في قلبها يفوق وجع الخوف اللي عاشته، سحبت إيدها ببطء وصمتت، وكأن سكوته ده كان أقوى حكم بالإعدام على علاقتهم.
بعد دقايق، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة. علي قام بلهفة:
"خالتي عاملة إيه يا دكتور؟ طمني أرجوك."
الدكتور رد بهدوء: "الحمد لله، هي جالها ارتجاج خفيف بسبب الوقعة، بس قدرنا نسيطر على النزيف. هتقعد معانا يوم بالكتير لحد ما حالتها تستقر تماماً وتقدر تروح البيت على بكره."
علي اتنفس الصعداء وسأل: "طيب هي صاحية؟ ممكن أشوفها؟"
الدكتور: "لأ هي نامت دلوقتي، عطيناها منوم وهتصحي بكرة الصبح. وجودكم دلوقتي ملوش لزمة، الأفضل تروحوا ترتاحوا وتيجوا الصبح."
الدكتور مشي، وعلي لف ضهره لياسمين وقال بنبرة هادية بس غريبة، خالية من أي حنية زي ما اتعودت منه:
"يلا عشان نروح."
اتحرك علي قدامها بخطوات سريعة، وياسمين مشيت وراه بقلب مقبوض، التجاهل اللي في صوته كان بيقتلها. وصلوا البيت، علي فتح باب الشقة ودخل مباشرة على غرفته وقفل الباب وراه من غير ولا كلمة.
ياسمين وقفت في الصالة، بصت لمكان الدم اللي لسه على الأرض، ودموعها نزلت بشلالات. فهمت إن علي بيلومها، وإن حياتهم الهادية ادمرت بسبب ماضيها اللي طاردها لحد هنا.
قالت لنفسها بمرارة: "عندك حق يا علي تعاملني كده .. أنا نحس، أنا اللي جبتلكم الوجع."
دخلت أوضتها وهي مقررة قرار أخيرًا. سحبت شنطتها الكبيرة من فوق الدولاب، وبدأت تلم هدومها وهي بتشهق بالبكاء. كانت بتطبق الهدوم بإيد بتترعش، وكل قطعة بتفكرها بذكرى حلوة مع علي.. بس خلاص، هي شايفة إن وجودها بقى خطر وعبء، ولازم تمشي قبل ما تخسر اللي فاضل من كرامتها.
(انتو اتحسدتوا وربنا😭 )
___________________________________
أدهم ملامحه اتغيرت تماماً، وعرف فوراً إنها بتهرب. ساب الشهود واقفين ونزل السلالم بجري، درجات السلم مكنتش مكفية خطواته الواسعة. خرج للشارع وصدره بيعلا ويهبط بعنف، وبدأ يلف راسه يمين وشمال بجنون وهو بيمسح الشارع بعينه.
وفجأة.. لمحها!
كانت واقفة على بعد أمتار، ضهرها ليه، وواقفة مع ست كبيرة بتسألها عن الطريق.
مشي ناحيتها بخطوات سريعة ومنتظمة، ومسكها من كتفها بهدوء .
جميلة اتنفضت من مكانها وصرخت صرخة مكتومة وهي بتلف وشها، وشافت أدهم واقف قدامها وعروق رقبته بارزة من كتر الغضب. الست الكبيرة بصت لهم باستغراب، فأدهم رسم ابتسامة باردة ومصطنعة وهز راسه للست:
"معلش يا حاجة، أصلنا عرسان جداد واتخانقنا خناقة صغيرة، وهي حبت تدلع عليا وتهرب عشان أصالحها."
الست ضحكت بطيبة وقالت: "ربنا يهدي سركم يا ابني، بالراحة عليها دي باين عليها رقيقة خالص."
أدهم قبض على دراع جميلة بقوة خلتها تتأوه من الوجع، وسحبها وراه ناحية مدخل العمارة تاني وهو بيهمس في ودنها بفحيح الأفاعي:
"لو فكرتي تكرريها تاني، وقسماً بالله يا جميلة لهدفعك تمن الحركة دي غالي أوي.. اطلعي قدامي!"
سحبها وراه وهي بتتعثر في خطواتها وبتبكي بصمت، لحد ما دخلوا المكتب تاني. الشهود كانوا مستنيين، والمأذون بدأ يكتب الكتاب وهو بيبص لحالة جميلة المنهارة، بس نظرة أدهم الحادة كانت كفيلة تخليه يكمل من غير ولا كلمة.
أدهم كان قاعد وعينه مثبتة على جميلة بنظرة باردة وقاسية، والمنديل الأبيض مغطي إيديهم هما الاتنين. المأذون عدل نضارته وبص لجميلة وقال بوقار:
"قولي ورايا يا بنتي.. زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله.."
جميلة سكتت، لسانها كان مربوط. أدهم ضغط على كف إيدها من تحت المنديل ضغطة خلتها تشهق بوجع، وبص لها نظرة تحذيرية .
بدأت تردد وراه بصوت مبحوح ومكسور، لحد ما المأذون قال جملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
جميلة حست إن الكلمة دي هي القفل اللي اتقفل على حياتها للأبد. أدهم قام وقف، سحب بطاقته وبطاقتها، وبص لها بانتصار وهمس بنبرة باردة:
"مبروك يا مدام أدهم السويسي.. نورتي جحيمي."
_______________________________________
في شقة علي وياسمين
في نفس اللحظة ، ياسمين كانت بتقفل سوستة الشنطة بدموع منهارة. بصت للأوضة نظرة وداع، وشالت الشنطة وخرجت للصالة، بس وهي بتعدي من قدام أوضة علي، الباب اتفتح فجأة!
علي كان واقف، ملامحه كانت متغيرة تماماً، بص للشنطة اللي في إيدها وسألها بجمود:
"رايحة فين ؟"
ياسمين غطت وشها بإيدها، وصوت بكاها كان بيقطع في قلب علي، قالت وسط شهقاتها: " أنا ماشية عشان أريّحك."
علي بصلها بجمود ثواني، وبعدين نطق بصوت خشن: "ماشية فين؟ لبيت أبوكي اللي كان هيقتلك النهاردة؟؟"
ياسمين سابت الشنطة من إيدها كأنها فقدت كل طاقتها، وقعدت على الأرض بانهيار، حطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بعنف. علي مقدرش يشوفها كدة أكتر من ثانية واحدة، وقعد جنبها على الأرض وحاوطها بين إيديه بقوة، كأنه بيحبسها جوه أمانه.
ياسمين فضلت تعيط في حضنه لحد ما أنفاسها بدأت تهدى وبقت مجرد شهقات بسيطة من وقت للتاني. علي رفع دقنها بإيده، وبص في عينيها الحمرا من كتر البكاء وقال بهمس وعتاب:
"عايزة تبعدي عني يا ياسمين؟ عايزة تسيبيني بجد؟"
ردت بوجع وصوت مبحوح: "غصب عني والله غصب عني.. من وقت ما بقيت في حياتك والمشاكل مش سايباك، والنهاردة خالتو كانت هتموت بسببي .. هبعد عشان بحبك."
علي اتجمد مكانه، الكلمة رنت في ودنه زي اللحن ، بلع ريقه بصعوبة وقال بذهول: "ياسمين.. إنتي.. قولي كدة تاني؟"
ياسمين عضت على شفايفها بخجل، ووشها احمرّ تماماً، وحاولت تدير وشها بعيد، وقالت برقة: "ماقولتش حاجة."
علي مسك وشها بإيديه الاتنين وقال بلهفة: "ياسمين أرجوكي.. عيدي اللي قولتيه، ريّحي قلبي."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وهمست وهي بتبص في الأرض: "بحبك."
علي شدها لحضنه بقوة لدرجة إنها حست بضلوعه بتضغط عليها، كان بيتنفس بسرعة وقال: "أخيراً يا حبيبتي قولتيها! من يوم ما اعترفتلك وإنتي بتقوليلي إنك هتقوليها لما تبقى متأكدة منها، وأنا كنت هموت وأسمعها."
ياسمين كملت وهي دافنة وشها في صدره: "أنا عارفة إنك زعلت لما ماردتش عليك يوم ما قولتها، بس كنت عايزة لما أقولها أبقى حساها بجد، مش لمجرد إنك طلبتها مني.. وأنا دلوقتي متأكدة إني مقدرش أعيش من غيرك يا علي."
علي بص لها بعتاب عاشق:"وعشان كده عايزة تمشي وتسيبيني يا ياسمين ،لوبتحبيني فعلا عمر الفكره دي مكانت هتختر على بالك ؟"
ياسمين نزلت راسها بحزن: "كنت فاكرة إن ده الأحسن ليك."
علي مسك وشها بين إيديه وسند جبينه على جبينها، وأنفاسهم اختلطت ببعض، وقال بصوت مليان عشق: "الأحسن ليا إنك دايماً تبقي قدامي وتملي عيني بيكي.. أنا بحبك يا ياسمين، بحبك أوي."
ياسمين حركت راسها ببطء وهي لسه بين إيديه، وهمست من قلبها: "وأنا والله بحبك أوي."
____________________________________
أدهم مكنش بس محاوط وسطها، ده كان كأنه بيعلن للعالم إن الست دي بقت ملكه، . جميلة كانت ماشية جنبه زي الآلة، الصدمات اللي أخدتها في يوم واحد كانت كفيلة تخلي عقلها يتوقف عن أي مقاومة.
فتح لها باب العربية، قعدت وسندت راسها على الشباك وهي بتبص للطريق اللي بدأ يضلم، وأنفاس أدهم الهادية والمخيفة في نفس الوقت كانت هي الصوت الوحيد اللي مالي المكان. لما العربية وقفت قدام الفندق، جميلة حست إن ضربات قلبها زادت.. ليه فندق؟
نزل أدهم وفتح لها الباب، وبنفس القبضة القوية سحبها وراه ودخلوا الفندق. كان الفندق فخم جداً، والأضواء فيه بتخطف العين، بس جميلة كانت حاسة إنها داخلة سجن من دهب. وقف أدهم قدام موظفة الاستقبال، وبنبرة واثقة قال: "عايز جناح ملكي ليلة لشخصين."
الموظفة بصت لجميلة، وبعدين بصت لأدهم وقالت بأسف: "بعتذر يا فندم، القوانين تمنع حجز جناح لشخصين بدون إثبات زواج.. حضرتك معاك القسيمة؟"
أدهم رسم ابتسامة باردة على وشه، وطلع من جيبه الموبايل - وقال: "إحنا لسه كاتبين الكتاب حالاً، والقسيمة لسه مخلصتش، بس دي بتثبت الجواز وعليها ختم المأذون."
الموظفة شافت الصورة وابتسمت باعتذار: "ألف مبروك يا فندم، بعتذر على الإزعاج." وأخدت البيانات وعطت لأدهم الكارت الممغنط بتاع الجناح.
أدهم أخد الكارت، ولف لجميلة اللي كانت لسه متصنمة، وهمس في ودنها بصوت خلى جسمها كله يقشعر:
"مش قولتلك مفيش هروب؟ الليلة دي إحنا لوحدنا.. عشان أعرفك مين هو أدهم السويسي اللي فكرتي تلعبي بيه."
سحبها ناحية الأسانسير، وأول ما الباب اتقفل عليهم، جميلة نطقت أخيراً بصوت مهزوز:
"أدهم.. إنت ليه بتعمل كدة؟ ليه مجيبتنيش القصر؟"
أدهم بص لانعكاس صورتها في مراية الأسانسير وقال بجمود:
"عشان يزن مش لازم يشوفك بالمنظر ده.. ولا لازم يحس إن فيه حاجة اتغيرت. الفندق ده عشان نصفي حساباتنا القديمة يا جميلة.. عشان لما نرجع القصر، ترجعي وانتي عارفة مقامك كويس."
وصلوا الجناح،أدهم فتح الباب بتلكارت وهو لسه محاوط خصر جميلة بقوة، سحبها لجوة وقفل الباب بالمفتاح بحدة، والجو كان مشحون بتوتر رهيب. جميلة كانت بتبص له برعب وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش أي ذرة رحمة، وكأنها في انتظار حكم الإعدام.
أدهم مابصلهاش في الأول، طلع موبايله من جيب البنطلون ببرود واتصل بالخادمة في القصر، وأول ما ردت قال بصوت آمر وقاطع:
"عشي يزن ونيميه، وقوليله إن جميلة هانم معايا وهنبات برة القصر النهاردة.. مش هنرجع غير بكرة."
قفل الموبايل ورمى الكارت على التربيزة، وبدأ يقلع جاكيت البدلة ويرميه بإهمال، وبعدها بدأ يفك زراير قميصه وهو بيقرب من جميلة بخطوات بطيئة وموزونة، وعينيه زي الصقر الجارح بتمسح ملامحها المرتعشة..
جميلة كانت بترجع لورا بخوف وندم، لحد ما السرير خبط في رجليها ومبقاش قدامها أي مفر، قعدت بضعف وهي بتبص له بدموع، وأدهم وقف قدامها مباشرة وحنى نفسه لمستواها وهو بيقول بصوت واطي ومخيف:الليلة دي ليللتنا أنا ونتي وبس يا حرمي المصون ، عشان أعلمك إزاي تفكري تهربي من جحيمي."
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 15
انحنى أدهم لمستواها، وريحة برفانه تسللت لأنفها بقوة، وهمس بصوت عميق دبّ الرعب في أوصالها: "مستعدة يا جميلتي؟"
جميلة بلعت ريقها بخوف، وهمست برعب: "مـ.. مستعدة لـ إيه؟"
ابتسم من زاوية فمه بمكر، وفي ثوانٍ كان شايلها بخفة كإنها فراشة، واتجه نحو السرير وهو بيقول بمكر: "هتعرفي حالاً."
جميلة لقت نفسها فجأة على السرير، وأدهم قريب منها لدرجة أنفاسه الساخنة بتخبط في بشرتها.. رفعت عيونها لقته باصص لها بنظرات مش مفهومة.. مزيج بين الحب، الوجع، العتاب والخذلان. إيديه ساندة على السرير جنب دماغها، والإيد التانية مازالت محاوطاها بخشونة، وبملكية شديدة وسيطرة.
همست جميلة بتخدر من قربه: "فيه إيه يا أدهم؟"
مردش.. ومازال مركز بعيونه السوداء زي الفحم، لدرجة إنها حست بنفسها بتغرق في عمقهم.. كان بيعاتبها بنظراته قبل كلامه، مستني يلاقي إشارة منها إنها ندمت. رغم الكلام اللي قرأه في الجواب بخط إيديها، إلا إنها دلوقتي بين إيديه ونظراتها فضحاها، ورغم حبها لكنه في اللحظة دي ملقاش في عينيها غير الخوف والارتباك.
فجأة لقته قام بسرعة كإن لسعته عقربة، ضيقت بين حواجبها بحيرة من تغيره المفاجئ. عدل قميصه، وعطاها ظهره، واتجه لحمام الجناح وقفل الباب بقوة لدرجة إنها انتفضت من صوت الخبطة. معداش ثواني وسمعت صوت المية، وفهمت إنه بيستحمى.
غمضت عيونها بإرهاق من أحداث اليوم الكتيرة، كانت متخيلة إنها في الوقت ده هتكون في الطيارة، ولكن يشاء القدر إنها تكون في جناح فندق مع أدهم اللي أصبح زوجها.
بعد عشر دقائق، أدهم خرج وهو لابس برنس أبيض وبينشف شعره. أول ما شافته اتعدلت في مكانها وقالت بتوتر: "أدهم.."
وقف يسرح شعره بدون ما يبصلها وقال ببرود: "نعم؟"
قالت بارتباك: "أنا عايزة أغير هدومي، وإنت مخلتنيش أجيب شنطتي من المطار."
بصلها ومردش، مسك موبايله وعمل مكالمة سريعة، وبعدين قال: "شوية وشنطتك هتيجي."
فتح المبرد (الميني بار) وخرج تفاحة حمراء وبدأ يأكلها.
سألته بخوف: "طيب إحنا هننام إزاي وإنت معكش لبس؟"
رد بلامبالاة: "ملكيش دعوة، هنام بالبرنس."
قالت بعفوية: "بس كدة هتبرد، الجو سقعة."
بصلها لثواني ومردش، فقامت بتوتر وفتحت المبرد وخدت علبة عصير أناناس وبدأت تشربها بعطش.
أدهم كان مراقب كل حركة منها، ولما غمضت عيونها وهي بتشرب والابتسامة اللي ارتسمت على شفايفها، بلع ريقه وحمحم بيحاول يداري مشاعره.
قام وخد ملاية ومخدة وفرشهم على الأرض. جميلة استغربت وقالت: "مش معقول هتنام بالبرنس وعلى الأرض كمان انت كده جسمك هيوجع...!"
لكنها اتفاجئت لما لقته فرد جسمه على السرير وقال ببرود وهو مغمض عينه: "ده ليكي إنتي."
ضمت شفايفها بغيظ ودبدبت في الأرض وهي بتبرطم بضيق، وهو لسه مغمض عينه قال: "متبرطميش."
قعدت على الأرض وفردت جسمها، وبعد دقائق لما حست إنه نام، فكت أزرار الشميز بتاعها وبقت بالتوب الأبيض الكت، وفكت شعرها عشان تعرف تنام.
عدى الوقت، وأول ما راحت في النوم، أدهم فتح عينيه وبص عليها بحزن وحب دفين، واتنهد بتعب ونام هو كمان.
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت لسه بتفرش خيوطها على جدران القصر، عربية أدهم وقفت قدام الباب. أول ما دخلوا، يزن كان مستني ورا الباب بلهفة طفل، وبمجرد ما شاف جميلة، صرخ بفرحة هزت المكان: "جميلة!" وجري عليها بأقصى سرعة عنده.
جميلة في اللحظة دي نسيت كل الوجع، نسيت تهديدات أدهم، ونسيت إنها في جحيمه زي ما قال.. كان كل اللي شاغل عقلها وقلبها هو الطفل ده. نزلت لمستواه بسرعة وفتحت دراعاتها وضمته لقلبها بقوة، وكأنها كانت غايبة عنه سنين مش مجرد ليلة.
غمضت عيونها وهي دافنة وشها في كتفه الصغير، واستنشقت ريحته اللي بتطمنها، وهمست بشوق:
"يزن حبيبي.. وحشتني أوي يا روحي، وحشتني فوق ما تتخيل."
أدهم كان واقف بعيد شوية، ساند ضهره على الباب وحاطط إيده في جيبه، وعينيه مثبتة عليهم بجمود. رغم القسوة اللي بيحاول يظهرها، إلا إنه من جواه كان متأكد إن مشاعر جميلة تجاه يزن صادقة 100%.. يزن هو نقطة ضعفها، وهي كمان بقت نقطة أمان يزن.
يزن بعد عنها شوية وبص لوشها بزعل طفولي، وربع إيديه وقال:
"ليه نمتوا برة وسيبتوني؟ أنا فضلت مستنيكم كتير ونمت لوحدي."
قلب جميلة وجعها من نبرة صوته، مسكت وشه بين إيديها وبسته في جبهته بحنان :
"أنا آسفة يا حبيبي، حقك عليا.. كانت ظروف غصب عننا، بس أوعدك يا يزن، أوعدك قدام ربنا إني مش هكررها تاني، ولا هبعد عنك مرة تانية أبداً مهما حصل."
نظراتها وهي بتقول الجملة دي كانت قوية، وكأنها بتبعت رسالة مبطنة لأدهم إن يزن هو الحبل اللي رابطها بالمكان ده، وإنها مستعدة تستحمل أي حاجة عشان خاطره هو وبس.
أدهم قطع اللحظة دي بصوته الرخيم والجامد:
"أنا هطلع أغير هدومي وأروح الشركة."
قال جملته وتحرك ناحية السلم ببرود، من غير ما يبص لجميلة، لكن جميلة مكنش هاممها تجاهله ولا نظرته القاسية.. كانت مشغولة بضحكة يزن اللي رجعت تنور وشه تاني وهو بيحكيلها عمل إيه في غيابها.
_______________________________
في الشركة..
دخل أدهم بهيبته المعتادة، وابتسم لرزان (السكرتيرة) وقال: "صباح الخير."
رزان اتصدمت مكانها وقالت في سرها: "هو قالي صباح الخير بجد؟ أكيد عايز يرفدني وبيريح ضميره!"
أما أدهم فدخل مكتبه ووقف قدام الشباك الزجاجي الكبير، والابتسامة مش مفارقة وجهه كل ما يفتكر إنها بقت مكتوبه على اسمه، رغم إنه لسه ناوي يعاقبها على كدبها وخداعها.
قطع تفكيره دخول علي اللي بصله باستغراب: "أدهم! إنت بتضحك؟ رزان كان عندها حق، إنت أكيد ناوي تطردنا!"
أدهم ضحك: "خلاص اعتبرني من النهاردة هبتسم على طول."
علي سأله بشك: "هو فيه إيه بالظبط؟"
أدهم مسح على شعره وقال بهدوء: "أنا اتجوزت جميلة."
علي صرخ بصدمة: "مييين؟ أختك؟"
أدهم: "أختي إيه يا عبيط، ما أنت عارف اللي فيها."
على باستغراب :طيب احكيلي حصل إزاي ."
وحكاله كل اللي حصل من وقت ما لحقها في المطار لحد ما كتبوا الكتاب."
علي هز رأسه بابتسامة مكر وهو فاهم أدهم: "وطبعاً اتجوزتها عشان تربيها على إيدك."
أدهم كابر وقال وهو بيبص في اللابتوب: "أكيد طبعاً."
علي اتكلم بجدية: "طيب اسمع، أنا كمان عايز حاجة مهمة."
أدهم بانتباه : "فيه إيه؟"
على بدأ يحكيله كل اللي حصل إمبارح ،من أول ما منصور اتهجم على ياسمين، وإنه إعتراف إنه مش أبوها .
أدهم بغضب: "كنت متأكد! ده مستحيل يكون أب.. وعملت معاه إيه؟"
علي: "وديتوا القسم وعملت محضر عدم تعرض، بس بعد ما عدمته العافية في البيت."
أدهم هز رأسه بتفهم،
وسأله علي: "هتعمل إيه مع إبراهيم؟ أكيد هيتجنن لما يكتشف اللعبة."
أدهم ابتسم بمكر: "اتقل.. وهتشوف هيحصل فيه إيه."
أثناء ما كان علي وأدهم بيتكلموا، فجأة الباب اتفتح بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة، وظهر إبراهيم وعينيه حمرا من الغضب، ووراه رزان بتحاول تمنعه وهي متوترة:
"أدهم بيه.. هو مٌصر يدخل وأنا مش عارفة أمنعه!"
أدهم بص لها بهدوء وثبات استفز إبراهيم أكتر، وهز رأسه ببرود وقال:
"خلاص يا رزان.. اخرجي إنتي واقفي الباب."
إبراهيم وقف قدام المكتب وهو بينهج من الغضب، وأدهم لف بالكرسي ببرود قاتل، وسند ضهره وقال:
"نورت يا عمي.. إيه، بقالك فترة مبتجيش الشركة ليه؟ ولا فاكر إنك عملت خميرة كويسة ومش هتشتغل تاني؟ لا خد بالك، مفيش حاجة مضمونة في الزمن ده."
إبراهيم كان الشر بينطلق من عينيه، وقرب من المكتب وهو بيزعق:
"أنا عايز فلوسي يا أدهم!"
أدهم ضحك باستهزاء، ضحكة رنت في أركان المكتب، وبعدين اتعدل في وقفته وبصله بحدة:
"طالما جيت البجاجة دي، يبقى خلاص نلعب على المكشوف.. بص يا إبراهيم انت ملكش فلوس عندي. إنت أكتر واحد عارف أنا تعبت إزاي عشان أجمع الثروة دي، وإنت مالكش أي حق فيها."
إبراهيم صرخ بصوت عالي:
"لا! الثروة دي كلها بتاعتي، ده حقي بعد ما أبوك مات! ولولا إنك قدرت ترجع للعيلة، كان كل ده هيبقى بتاعي!"
أدهم في لحظة فقد بروده وقام وقف، وبقت نظراته زي السكاكين:
"إيه بقى اللي كان هيبقى بتاعك؟ إنت ناسي إني لما رجعت كنت مبوظ كل حاجة في الشركة؟ أنا اللي قومت الشركة دي على رجليها بمجهودي، ونحت في الصخر عشان تقف تاني وتكبر بالشكل ده!"
أدهم كمل وهو بيقرب من إبراهيم بخطوات واثقة:
"مالكش حاجة عندي يا إبراهيم، وأنا هفضل كويس معاك للأخر عشان صلة الدم، ومش هحبسك، إنك بعتلي واحدة تمثل إنها أختي عشان تاخد فلوسي.. وهكتفي بـ إني مش عايز أشوف وشك تاني في حياتي."
أدهم ملامحه اتصلبت وبقت زي الصخر، وبص لعمه بنظرة خلت إبراهيم يرتعش مكانه رغم غله، وقال بصوت فحيح هادي بس يقطع القلب من قوته:
"اسمع يا إبراهيم.. الكلمتين اللي هقولهم لك دول يتحطوا حلقة في ودنك. أنا هفضل حاططك تحت عيني، وكل نَفَس بتتنفسه هبقى عارفه. ولو عقلك وزّك بس وفكرت تأذيني أو تقرب من أهلي، أو من حد يخصني، وقتها هنسى خالص إن فيه بيني وبينك صلة قرابة، وهسجنك وأرميك ورا القضبان بقية عمرك في قضايا اختلاس وفساد أنا شايل ملفاتها للوقت المناسب.. فـ لم الدور واخرج بكرامتك أحسن لك."
إبراهيم وشه بقى أزرق من الغل، وبص لأدهم بنظرة أخيرة مليانة حقد وقال:
"ماشي يا أدهم.. افتكر إنك إنت اللي بدأت، وعمرك ما هتتهنى باللي إنت فيه ده، وهنتقم منك في أغلى ما عندك."
إبراهيم ملقاش رد يقوله قدام قوة أدهم، فلف وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم ووشه غرقان في السواد.
علي اتنفس الصعداء وقال لأدهم:
"أيوة كده يا أدهم، كان لازم يعرف إن الله حق، والراجل ده مبيجيش غير بالعين الحمرا ."
أدهم قعد على مكتبه بتعب وقال:
"أنا مش عايز وجع دماغ يا علي، بس هو اللي بيحدف نفسه في النار.. المهم دلوقتي، عايزك تكثف الحراسة على القصر ،إبراهيم لما بيتزنق بيلعب بطريقة قذرة."
علي هز راسه بجدية:
"اعتبره حصل.. هقوم أنا دلوقتي أعدي على المستشفى أطمن على خالتي، وهرجعلك تاني."
__________________________________
بعد ما علي وياسمين عاشوا ليلة من أصعب ليالي حياتهم، الباب اتفتح ودخل علي وهو ساند منى اللي كانت ماشية بخطوات بطيئة، ودماغها ملفوفة بشاش أبيض .
ياسمين أول ما شافتهم، جريت بلهفة كان نفسها تترمي في حضن منى، بس فجأة فرملت مكانها.. افتكرت إنها كانت السبب في الوجع ده كله، وافتكرت إنها "
غريبة عنهم زي ما منصور قال. حطت إيدها ورا ظهرها ونزلت راسها في الأرض بخجل وكسرة، ودموعها بدأت تنزل في صمت.
منى بقلبها الكبير اللي ميعرفش غير الحب، قربت منها ببطء، ومدت إيدها المرتعشة رفعت راس ياسمين لفوق وقالت بحنان:
"إيه يا ياسمين.. مش هتقوليلي حمد الله على السلامة يا خالتو؟ "
ياسمين أول ما سمعت نبرة الحنية دي، مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، شهقت شهقة مكتومة وانفجرت في العياط، وارتمت في حضن منى بكل قوتها وكأنها بتستخبى من الدنيا كلها فيها، وبقت تردد بصوت مبحوح:
"أنا أسفة.. أنا السبب في كل ده، أنا اللي جبتلك الوجع يا خالتو.. سامحيني، أنا أسفة."
منى طبطبت على ظهرها بحنان وقالت بصوت هادي: "بس يا عبيطة.. إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة، ده قدر ومكتوب، وإنتي بنتي اللي مخلفتهاش، فاهمة؟"
علي كان واقف بيراقب المشهد ده، وقلبه اللي كان مشحون غضب وتعب بدأ يهدى. ابتسم وقرب منهم، وفتح دراعاته وحاوطهم هما الاتنين في حضن واحد دافي وقال بمرحه المعتاد عشان يفك التوتر:
"إيه يا جماعة؟ هو أنا ماليش في الحب جانب ولا إيه؟ وبعدين إيه الحنفية اللي اتفتحت دي؟ لو مسكتوش دلوقتي أنا كمان هعيط وأغرقكم، وأنا دمعتي قريبة أوي زي ما أنتوا عارفين!"
منى ضحكت وسط دموعها وضربته بخفة على كتفه: "بس يا واد.. بطل غلبة، خلي البت تفضي اللي في قلبها."
علي شدد من ضمتهم وقال: "خلاص بقى يا ست الكل، المهم إنك نورتي بيتك، وياسمين أهي زي القردة قدامك، ومن النهاردة مفيش لا منصور ولا زفت يقدر يقرب من شبر من البيت ده."
ياسمين رفعت راسها وبصت لعلي بامتنان، وحست لأول مرة إنها فعلاً وسط أهلها، حتى لو مفيش دم يربطهم، فيه حب أقوى من أي ورق.
_________________________________
جميلة خرجت من حمام جناحها وهي حاسة إن روحها ردت فيها بعد الشاور العميق ده، وكأن المية غسلت تعب الأيام اللي فاتت وتوترها من أدهم.
كانت بتنشف شعرها بالفوطة وبتدندن بصوت واطي، وهزت كتفها بدلع عفوي وهي ماشية ناحية التسريحة.
مسكت السشوار وبدأت تجفف شعرها وهي باصة في المراية ومنسجمة مع نفسها، لكن فجأة السشوار وقع من إيدها وشهقت بخضة لما لمحت في المراية خيال حد قاعد وراها على السرير.
لفت بسرعة وهي حاطة إيدها على قلبها، ولقت أدهم فارد جسمه ببرود وأريحية تامة على سريرها، وحاطط إيد ورا راسه وبيراقب حركاتها بعيون زي الصقر.
جميلة بتوتر ونهجان من الخضة: "أ.. أدهم! إنت إيه اللي جايبك هنا؟ ونايم على سريري كدة ليه؟"
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، وفضل على نفس حالة البرود ورد بهدوء: "أبداً.. لقيت السرير بتاعي مش مريح، وتقريباً المرتبة محتاجة تتنجد، فقولت أشوف سرير تاني.. وبما إنك مبقالكيش كتير في القصر، فالسرير ده يعتبر لسه جديد وأكيد هيكون مريح."
جميلة برقت عينيها بذهول وهزت راسها وهي مستنياه يكمل، وقالت بحيرة: "وبعدين؟"
أدهم عدل جسمه في وضعية أكتر راحة وربع إيديه ورا راسه وقال باستفزاز: "ولا قبلين.. هنام هنا."
جميلة ضمت شفايفها بغضب وغيظ، وقالت بصوت عالي شوية: "نعم؟! وتنام هنا بتاع إيه إن شاء الله؟ ما إنت عندك بدل الأوضة عشرة، وكلهم فيهم سراير.. إشمعنى أوضتي أنا يعني؟"
أدهم بصلها لثواني، وبعدين رفع عينه للسقف وبدأ يصفر ببرود وكأنه مش سامعها أصلاً، ولا كأن فيه واحدة واقفة بتتحرق قدامه.
أدهم كان متابعها بنظرات هادية ومستفزة في نفس الوقت، وصوت السشوار كان مالي الأوضة، بس عينه كانت مركزة على حركاتها المتوترة وشعرها اللي بدأ يتطاير حوالين وشها وهي بتجففه.
جميلة كانت بتحاول تتجاهل وجوده، بس مكنتش قادرة، فجأة فصلت السشوار ولفّت له وهي حاطة إيدها في وسطها وقالت بغيظ:
"وبعدين يا أدهم؟ إنت بجد ناوي تنام هنا؟ ده جناحي.. اتفضل لو سمحت على جناحك."
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، بس رفع حاجبه وقال ببرود يفرس:
"والله يا مدام أدهم، القصر كله ملكي، والجناح ده جزء من القصر، وإنتي شخصياً.. بقيتي رسمياً جزء من ممتلكاتي، فـ أنام في أي مكان يعجبني."
جميلة وشها احمرّ من الكسوف والغضب ، نفخت بضيق وبصت للكنبة اللي في ركن الأوضة وبعدين بصت له:
" على فكرة يا أدهم، انت متكبر ومغرور، وحقيقي بقيت شخص لا يطاق!"
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة نصر، وقال:
"عارف.. قولي حاجة جديدة. ويلا خلصي شعرك ده عشان عايز أنام في هدوء."
جميلة رجعت شغلت السشوار تاني وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأدهم غمض عينه وهو بيسمع صوت السشوار، بس الحقيقة إنه مكنش عايز ينام، هو كان عايز يفضل قريب منها، يحس بوجودها جنبه عشان يتأكد إنها مش هتهرب تاني، وفي نفس الوقت كان بيعاقبها بوجوده اللي بيوترها....
بعد شوية، جميلة خلصت، ولمت شعرها كحكة عشوائية، وراحت ناحية الكنبة وهي بتسحب غطا تقيل ووسادة، واترمت عليها بضيق وهي بتنفخ. أدهم فتح عين واحدة وبص عليها وهي بتحاول تظبط نفسها على الكنبة الضيقة، وحس بغصة في قلبه، بس كابر وفضل مكانه.
عدى وقت والصمت ساد المكان، وفجأة سمع صوت شهقة خفيفة.. بص ناحية الكنبة لقى جميلة بتعيط في صمت وهي مغطية وشها.
أدهم نفخ بضيق، مكنش قادر يكمل تمثيلية البرود وهو سامع صوت شهقاتها المكتومة اللي بتقطع في قلبه. قام من على السرير وقرب من الكنبة، وندى عليها بصوت واطي: "جميلة.. جميلة."
مردتش عليه، وفضلت منكمشة على نفسها، والبطانية بتتحرك بعنف بسبب انتفاض جسمها من العياط. أدهم مد إيده وشد الغطا، وهي حاولت تقاوم وتتمسك بيه، لكنه شده بقوة ورمى البطانية بعيد، واتصدم لما شاف حالتها؛ وشها كان أحمر زي الدم، ودموعها نازلة زي الشلال ومغرقة وشها.
من غير ولا كلمة، وطى وشالها بين إيديه بخفة. جميلة بدأت تقاومه وتخبط على صدره بإيدها وبترفص برجلها في الهوا وهي بتقول من بين شهقاتها:
"نزلني يا أدهم.. لو سمحت نزلني، مش عايزة منك حاجة."
أدهم ماردش عليها غير لما نزلها على السرير براحة، وحاوطها بإيديه وهو لسه قريب منها، وبص في عينيها وسألها بهدوء:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
جميلة بصتله بوجع وقهر وقالت: "عشان إنت بتعاملني وحش.. بتقصد تذلني وتوجع قلبي كل شوية وتفكرني بغلطتي. أنا عارفة إني غلطت، وغلطت غلطة كبيرة أوي كمان، بس على الأقل كنت سيبني أمشي وأبعد، لكن بلاش تعاملني كأن ماليش كرامة وتدوس عليا بالشكل ده."
أدهم غمض عينه واتنهد تنهيدة طويلة ومحملة بالتعب، وكأنه كان بيصارع نفسه عشان ينطق الكلمة دي، وبعدين فتح عينه وبصلها بنظرة لانت لأول مرة وقال:
"جميلة.. أنا هديكي فرصة تانية، فرصة نبدأ فيها من جديد بجد."
جميلة برقت عينيها بصدمة، ودموعها وقفت فجأة، وسألته بعدم تصديق: "بجد يا أدهم؟ إنت بتقول كدة بجد؟"
أدهم هز راسه وكمل بجدية: "أيوة.. وأنا هوفي بوعدي القديم ليكي. هتكملي تعليمك وتدخلي الجامعة، وبعد ما تخلصي هتيجي تشتغلي معايا في الشركة تحت عيني.. ولحد ما الوقت ده ييجي، هحاول بجد إني أسامحك وننسى اللي فات."
جميلة مكنتش مصدقة ودنها، الابتسامة بدأت تترسم على شفايفها وسط الدموع اللي لسه منشفتش، وحست إن فيه جبل انزاح من على صدرها. بصتله بامتنان وقالت بصوت رقيق: "شكراً يا أدهم.. شكراً إنك اديتني الفرصة دي، وأوعدك إني هثبتلك إني أستاهلها."
أدهم ماردش عليها بالكلمة، لكنه سحبها لـ حضنه بقوة وتملك، ودفن راسه في تجويف رقبتها وهو بيغمض عينه بتعب. جميلة جسمها اتنفض وبقت بتترعش من قربه المفاجئ، وهمست بتوتر وصوت مهزوز:
"أدهم.. هو إنت مش قولت إنك خلاص هتسامحني وهتديني فرصة؟"
أدهم فتح عينه نص فتحة، وبص لها بنظرة غامضة وهمس بصوت رجولي واطي:
" أولا أنا مقولتش إني سامحتك يا جميلة.. أنا قولت هحاول، ولحد ما ده يحصل إنتي لسه تحت العقاب، وعقابك إنك هتفضلي قدام عيني وفي حضني كدة."
جميلة حاولت تفك إيديه من حوالين وسطها وهي بتقول بارتباك:
"طيب خلاص.. سيبني أنام على الكنبة أحسن، السرير ضيق وإنت.."
أدهم قاطعها بنبرة حازمة ومفيهاش نقاش، وشدد من ضمته ليها أكتر:
"جميلة.. نامي."
الكلمة كانت كفيلة تخليها تسكت تماماً وتستسلم لقدرها. جميلة غمضت عينيها وهي سامعة دقات قلبه القوية والمنتظمة، ورغم خوفها منه، إلا إنها حست بأمان غريب مكنتش بتلاقيه غير وهو قريب منها كدة. أدهم اتنفس ريحة شعرها بعمق، ولأول مرة من فترة طويلة، نام وهو مرتاح، وكأنه كان محتاج يطمن إن "جميلته" بقت ملكه وبقت في أمان جوه حصنه المنيع .
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق