رواية عشقت محتالة الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
رواية عشقت محتالة الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه
البارت 16
فتحت عينيها ببطء، حاسة بتقل غريب في راسها وجسمها مكسر كأنها كانت في معركة، والمخدة اللي نايمة عليها كانت صلبة بشكل مش مريح أبداً. أول ما رفعت راسها عشان تشوف إيه اللي مضايقها، الشهقة محبوسة في زورها لما استوعبت إنها نايمة على دراعه، وهو غرقان في نوم عميق جنبها.
ملامحه وهو نايم كانت جذابة؛ شعره الفحمي متمرد على جبينه، ونفسه الهادي المنتظم . لقت إيديها، من غير ما تفكر، بتترفع لوحدها وتمشي ببطء على حواجبه الكثيفة المرسومة بدقة، ونزلت لغاية مناخيره المستقيمة ودقنه المنبتة اللي بتدي لوشه هيبة حتى وهو مغمض.
لسه صوابعها بتلمس تفاحة آدم البارزة في رقبته بفضول، فجأة فتح عينيه!
النظرة كانت مباشرة وصارمة، وصوته طلع محشرج وناعم من أثر النوم وهو بيقول بخبث:
"مستغلية نومي وبتتحمرشي بيا؟ إنتي معندكيش أخوات ولاد يا بنتي؟"
اتنفضت من مكانها وحاولت تقوم بسرعة من الخضة، بس إيده القوية كانت أسرع، لفت وسطها ومنعتها تتحرك. ضمت شفايفها بكسوف ووشها بقى زي الطماطم، وبدأت تتلجلج:" أنا .. أنا بس كنت .."
ضحك ضحكة رجولية واطية وهو بيقرص خدها بخفة:
"متبرريش.. أنا عارف إني لا أقاوم."
بص في ساعته واستغرب إن الوقت دخل في 8 الصبح، وهو في العادة بيصحى قبل كدة بساعتين، بس الظاهر إن النوم جنبها خلاه ينسى الدنيا. قام بكسل وهو بيمدد جسمه، وبصلها نظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال :"أنا هروح جناحي أخد شاور وأجهز عشان أروح الشركة. "
أول ما قفل الباب وراه، حدفت نفسها على السرير وغطت وشها بإيديها وهي بتشتم قلبها اللي بيدق زي الطبول:
"يا غبية.. فضحتي نفسك بنفسك."
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتجهز الفطار بتركيز، وفجأة حست بإيدين بتحاوطها من وسطها، شهقت بخضة ولفّت بسرعة:
"علي! خضتني يا علي."
علي ضحك وهو بيقرب منها أكتر: "سلامتك من الخضة يا قلبي.. بتعملي إيه؟"
ردت وهي بترجع تقطع الخيار بمهارة: "هعملكم طبق جبنة بالطماطم والخيار، إنما إيه.. هتاكل صوابعك وراه."
علي قال بتمثيل الانهيار: "آه ياني.. عضلاتي اللي تعبت فيها في الجيم السنين دي كلها هتختفي بسبب أكلك ده، وهيبقى مكانها كرش الرجالة المتجوزة!"
ضحكت بمرح وهي بتبص له: "مش مشكلة، أهو حبة عضلات يروحوا عشان متبقاش ضخم وشكل هالك كده."
علي كشر بضيق طفولي وسألها بجدية مفاجئة: "ياسمين.. إنتي فعلاً بتضايقي من جسمي الضخم ده؟ قولي الحقيقة."
ياسمين ضيقت حواجبها باستغراب من لهجته اللي قلبت حادة، ولمحت في عينيه نظرة حزن مكتومة وكأنه مستني إجابة تحدد مصيره. لفت بجسمها كله ولمست وشه بخفة:
"علي.. إنت بتتكلم بجد؟"
علي بجمود: "أيوة، ولو سمحتي عايز إجابة."
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق: "إنت بتسأل يا علي؟!.. وبعدين إنت مكسوف إنك مهتم بجسمك ومخليه رياضي؟ ده غيرك شباب في سنك ولا على بالهم، يا إما رفيعين زي عقب السيجارة وعندهم نحافة، يا إما تخان وكرشهم قدامهم مترين.. وإنت ما شاء الله جسمك رياضي وقوي."
علي بحيرة وعيونه بتلمع: "يعني عاجبك بجد؟"
ابتسمت بحب وهي بتقرب منه: "امممم عاجبني جداً جداً يا هالك قلبي."
استغرب وقال: "هالك قلبك؟"
ردت بدلال: "أيوة.. إنت زي هالك الشخصية اللي بتتحول وتبقى ضخمة جداً، بس إنت مش أخضر زيه، إنت هالك قلبي."
علي رفع حاجبه بغيرة: "يعني إنتي بتشبهيني براجل تاني؟"
ياسمين ضحكت بصفاء: "علي! إنت بتغير من شخصية كرتونية يا حبيبي؟"
حاوطها بغيرة وهو بيشدها ليه: "أنا أغير عليكي من أي ذكر، حتى لو كان كرتون"
فجأة دخلت منى المطبخ وحمحمت بحرج، علي بعد بسرعة وهو بيعدل قميصه بتوتر: "طيب يا ياسمين.. هشوف أنا الموضوع ده وأرد عليكي.. إيه ضاااااا ! خالتي إنتي هنا؟ طيب بما إننا كلنا متجمعين، هستأذن أنا بقى عشان اتأخرت جداً."
ياسمين بلهفة: "مش هتفطر؟"
علي وهو خارج: "اعمليلي ساندوتش أكله في العربية."
ياسمين: "ماشي، هجهزه حالاً عبال ما تخلص لبس."
بعد شوية
علي كان خارج من باب الشقة، ووقف لما سمع صوتها الرقيق بتناديه: "علي!"
لف لقاها جاية بتجري وماسكة لانش بوكس صغير: "أنا عملت شوية ساندوتشات، متنساش تفطر والنبي."
اتنهد بعشق وهو بيبص لها: "يا لهوووي.. هي دي أخرتها؟ أمشي بلانش بوكس؟ هاتي يا ستي."
خد منها العلبة ومشي والابتسامة مش مفارقة وشه،
وبعد ربع ساعة وهي في الأوضة بتنضف، برقت عينيها بصدمة: "ايه ده ؟ علي نسي موبايله!"
________________________________
في الشركة
أدهم كان قاعد مع محمود الشافعي وبيخلصوا كلام عن صفقة جديدة. بعد ما خلصوا، محمود قال بابتسامة:
"بمناسبة الصفقة دي، أنا عازمك إنت وعيلتك عندي في القصر بكرةبإذن الله."
أدهم حاول يعتذر: "يا محمود بيه ملوش لزوم التعب ده.."
محمود صمم: "مفيش أعذار، هستناكم."
محمود خرج من المكتب ووقف يستنى الأسانسير، وأول ما الباب فتح، اتفاجئ ببنت رقيقة وجميلة جداً واقفة جواه. ياسمين أول ما شافته، توترت من هيبته وخرجت بسرعة،
ومحمود دخل الأسانسير وفضل باصص لها بتركيز وهي بتتلفت حواليها بتوتر وخوف.. كان حاسس بإن البنت دي فيها حاجة بتشده، حاجة ميعرفش يفسرها.
أدهم كان خارج من مكتبه، وباله مشغول بتفاصيل الصفقة اللي كان بيناقشها مع محمود الشافعي، لكن بمجرد ما وقعت عينه على البنت اللي واقفة قدام السكرتارية، حركته وقفت تماماً.
أدهم حس بضربات قلبه بتتسارع بشكل مفاجئ وغير مفهوم، وكأن فيه تيار كهربائي لمس روحه. هو شافها قبل كدة يوم كتب الكتاب، بس النهاردة، وفي وسط زحمة الشغل وهيبته كمدير، شاف فيها سحر خلاه يتنفس بصعوبة.
حمحم أدهم عشان يداري ارتباكه ، وقرب منها وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
"مدام ياسمين؟!"
ياسمين اتخضت ولفّت له، وأول ما شافت عيونه السوداء الحادة، توترت جداً وافتكرت ملامحه فوراً؛ ده الشخص اللي كان وكيلها وشاهد على أهم لحظة في حياتها. ردت بتوتر وهي بتفرك إيدها:
"أهلاً يا أدهم بيه.. أنا أسفة إني جيت الشركة فجأة، بس علي نسي موبايله في البيت، وأنا خوفت يكون محتاجه ضروري لأن شغله كله عليه، فـ عرفت العنوان من خالتو وجيت فوراً."
أدهم كان بيسمعها وهو مركز في كل تفصيلة في وشها، ونبرة صوتها الرقيقة . ابتسم بجهد عشان يطمنها وقال:
"ولا يهمك يا مدام ياسمين.. ده كتر خيرك، علي فعلاً كان قالب الدنيا عليه جوه. اتفضلي، هو في المكتب معايا، ادخليله."
ياسمين هزت راسها بشكر وهي لسه حاسة بقلبها بيدق بسرعة،دخلت المكتب، وعلي أول ما شافها قام من على الكرسي كأنه شاف ملاك:
"ياسمين !! انتى كويسه؟؟ إيه اللي جابك ؟؟"
ياسمين مدت إيدها بالموبايل وهي بتنهج:
"نسيته يا علي.. خوفت تعطل في الشغل، وأنا عارفة إن الموبايل ده هو روحك في المكتب."
علي أخد الموبايل وباس إيدها قدام أدهم اللي كان داخل وراها: "تسلميلي.. إنتي اللي روحي والله، مش الموبايل."
أدهم ضحك وقال بمرح:
"خلاص يا علي، كفاية نحنحة في المكتب."
ياسمين أول ما شافت أدهم، بعدت عن علي بكسوف وحطت وشها في الأرض، ومدت إيدها بالموبايل لعلي وهي بتفرك في إيدها التانية بتوتر.
علي أخد منها الموبايل وبص لأدهم بإحراج وقال:
"معلش يا أدهم بيه .. أنا هروح ياسمين البيت بسرعة وأرجع فوراً عشان نكمل شغلنا ."
أدهم، اللي كان لسه بيحاول يسيطر على سرعة ضربات قلبه اللي اتلخبطت من وقت ما شاف ياسمين، هز راسه بجمود مصطنع عشان يداري تأثره، وقال بصوت عميق ورجولي:
"ولا يهمك يا علي .. وصل مدام ياسمين."
علي مسك إيد ياسمين وخرجوا من الشركة وأدهم اتنهد بهدوء ودخل مكتبه .
__________________________________
أدهم قفل باب القصر وراه، ولأول مرة من سنين يحس إن البيت مابقاش مجرد حيطان وسلالم رخام باردة. القصر كان هادي، بس هدوء يطمن، هدوء فيه حياة.
خلع جاكيت بدلته ورماه على الكنبة في الصالون، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنهد بتعب، ورجليه خدته لوحدها ناحية أوضة يزن.
طلع السلم بهدوء، وكأنه خايف يكسر حالة السكون دي. فتح الباب ببطء شديد، وبالفعل المشهد اللي شافه خلى ضربات قلبه تدق بنغمة مختلفة تماماً. يزن كان نايم في نص السرير، وجنبه جميلة نايمة بوضعية غريبة، حاطة إيدها تحت دماغ يزن بحماية ، وشعرها كان مفرود بغزارة ومغطي جزء من وشها ووش يزن.
أدهم وقف مكانه، ملامحه اللي كانت صارمة طول اليوم في الشركة لانت تماماً. مكنش قادر يمنع نفسه إنه يبتسم، إحساس غريب اجتاحه، إحساس الراجل اللي بيرجع من وسط المعارك والصفقات والدياب اللي برا، عشان يلاقي مأواه الحقيقي في المنظر ده. طلع موبايله من جيبه بحذر، وكتم الصوت، ولقط صورة للمشهد ده..
صورة كان عايز يحتفظ بيها عشان يفكر نفسه دايماً إن عنده عيلة.
اتقدم خطوات ناحية السرير، الأرضية الخشبية كانت بتطلع صوت خفيف خلاه يتجمد مكانه لثواني، ولما اتأكد إنها لسه غرقانة في النوم، وطى عليها. ريحة شعرها المخلوطة بريحة الورد كانت بتسكر روحه.
مد إيده بحذر شديد وسحب إيدها من تحت راس يزن، وبعدين لف دراعه حوالين ضهرها والتاني تحت ركبها، وشالها بخفة.
جميلة مالت براسها على صدره بتلقائية وهي نايمة، وأنفاسها الدافية كانت بتخبط في رقبته، وده خلى أدهم يغمض عينه لثواني ويضغط عليها بتمسك أكتر. خرج من الأوضة ورجليه خدته لجناحها، دخل وحطها على السرير بهدوء وكأنها قطعة من الكريستال..
نزل لمستواها، وفضل باصص لملامحها الهادية تحت ضوء الأباجورة الخافت. قرب وباس جبينها بوسة طويلة ودافية، وكأنه بيعتذر لها عن كل لحظة قسوة عاشتها بسببه. لاحظ إن الجاكت اللي كانت لابساه تقيل، ومش هيخليها تنام مرتاحة.
بلمسة حذرة، فك توكة شعرها اللي كانت لامة خصلاتها ديل حصان، وشعرها انطلق على المخدة زي الشلال الأسود. حط التوكة في معصم إيده، وبعدين فتح سحاب الجاكت بتاعها براحة جداً، ورفعه من عليها وهو بيسند جسمها بإيده التانية، لحد ما اتخلص منه تماماً وبقت بالتيشرت الرصاصي المريح.
أدهم مكنش قادر يخرج من الجناح، سحب الهدوم بتاعته ودخل الحمام، غاب دقايق تحت المية السخنة وهو بيفكر في كل اللي حصل، وخرج وهو بينشف شعره الفحمي، ورجعه لورا بإيده. اتمدد جنبها على السرير، وسحبها لـ حضنه براحة، رفع راسها وحطها على كتفه، ودفن وشه في خصلات شعرها المعطرة.
جميلة حست بدفاه وهي نايمة، فـ قربت منه أكتر وحطت إيدها على صدره بعفوية، وهو ضمها بقوة أكبر وسند براسه على راسها، وأخيراً.. غمض عينه واستسلم لنوم عميق وهو حاسس إن الدنيا كلها بين إيديه.
__________________________________
في صباح اليوم التالي بمقر الشركة، كانت الحركة دؤوبة والموظفين في حالة نشاط غير عادي بسبب نجاح الصفقة الأخيرة.
خرج محمود من غرفة الاجتماعات الكبرى وعلى وجهه علامات الارتياح والوقار، وبالصدفة قابل علي اللي كان شايل ملفات وماشي في الطرقة.
محمود أول ما شافه ابتسم بصدق وقرب منه وسلم عليه بحرارة وبحب أبوي ظاهر:
"أهلاً يا علي.. منور يا بطل، مجهودك في الاجتماع النهاردة كان عظيم."
علي بادله السلام بابتسامة واسعة واحترام شديد، هو فعلاً بيحب الراجل ده وبيحترمه جداً وبيشوف فيه القدوة والهيبة:
"ده من ذوقك يا محمود بيه، المهم إننا قدرنا نوصل للي إحنا عايزينه والشركة كسبت في النهاية."
محمود حط إيده على كتف علي بمودة وسأله:
"أحوالك إيه يا علي؟ "
علي رد بامتنان:
"الحمد لله يا فندم، كله بخير تسلم."
محمود هز راسه، وكمل كلامه بتأكيد:
"طيب يا علي، أنا كنت لسه قايل لأدهم وبأكد عليك تاني.. أنا هستناكم النهاردة في بيتي، إحنا لازم نحتفل بالصفقة دي وسط العيلة، وعايزك تيجي إنت ومدام ياسمين وتنورونا، مش هقبل أي أعذار."
علي بابتسامة خجولة رد فوراً:
"ده شرف لينا يا محمود بيه، وبإذن الله هنكون موجودين في الميعاد، ياسمين كمان هتفرح جداً بالدعوة دي."
محمود ضغط على كتفه بابتسامة وقال:
"هستناكم.. مع السلامة يا علي."
ساب محمود علي ومشي، وعلي فضل واقف مكانه وهو حاسس براحة غريبة تجاه الراجل ده
مر الوقت وبعد ما خلصوا كلام عن الشغل .. أدهم قعد على مكتبه وشبك صوابعه ببعض وبص لعلي بجدية وسأله:
"طيب قولي يا علي، وصلت لحاجة في موضوع عيلة مدام ياسمين؟ قدرت تمسك أي طرف خيط يوصلك لمين أهلها؟"
علي هز راسه بإحباط وسند ضهره لورا وهو بيتنهد بضيق:
"للأسف يا أدهم، الموضوع صعب جداً.. إحنا بنتكلم عن واقعة بقالها أكتر من عشرين سنة، والملفات ضايعة أو مدفونة.
كل اللي قدرت أوصله هو اسم الملجأ اللي منصور الكلب ده اتبناها منه، بس لما روحت هناك، لقيت إن الملجأ ده اتهد من سنين طويلة واتبنى مكانه مستشفى استثماري، وكل السجلات القديمة اختفت مع الهدم."
أدهم ميل بجسمه لقدام وسأله بفضول واهتمام:
"والملجأ ده كان اسمه إيه ؟"
علي لسه هيفتح بقه ويقول الاسم، الباب خبط ودخلت رزان ومعاها مجموعة ملفات مستعجلة:
"أدهم بيه، الورق ده محتاج إمضاء حضرتك حالاً عشان مندوب البنك مستني بره."
أدهم اتنفخ بضيق بسبب المقاطعة، بس سحب الملفات وبدأ يراجعها ويمضي بسرعة وهو منشغل، وعلي استغل اللحظة وقام وقف وهو بيعدل قميصه:
"خلاص يا أدهم بيه، مش هعطلك عن الشغل.. أنا هروح دلوقتي أخلص شوية حاجات ورايا، ونتقابل بليل إن شاء الله عند محمود بيه."
أدهم هز راسه وهو لسه عينه في الورق:
"تمام يا علي.. نتقابل هناك."
_________________________________
جميلة كانت قاعدة في جناحها، والملل واكلها. مسكت الموبايل بتقلب فيه يمين وشمال، تفتح إنستجرام وتقفله، وبعدين تدخل على الفيس بوك.. حست إن الوقت مبيعديش. اكتشفت إن حياتها في القصر بقت متمحورة حول شخصين بس؛ يزن اللي لما بينام أو يروح المدرسة بيبقى القصر كأنه مهجور، وأدهم اللي دايماً مشغول في صراعاته وصفقاته.
فجأة، صوت فرملة عربية أدهم المميزة قطع الصمت ده. جميلة قلبها دق، وجريت بسرعة ناحية الشباك ووقفت ورا الستارة تراقب. شافت العربية السوداء الفخمة وهي بتقف،
وثواني ونزل منها أدهم بهيبته اللي بتخطف الأنفاس. كان خالع الجاكيت وماسكه بإيد واحدة ورميه على كتفه، وماشي بخطوات واثقة وكأنه ملك بيمشي في مملكته.
جميلة اتنهدت بهيام وهي بتبص عليه من بعيد ووشها ملامس إزاز الشباك، وهمست لنفسها:
"يا خراااشي.. هو في حد في الدنيا بالكاريزما دي؟ إزاي بيقدر يجمع بين القوة والهدوء ده كله؟"
سرحت في ملامحه الحادة وشعره الفحمي اللي كان مترتب بعناية رغم تعب اليوم، وفضلت واقفة مكانها وكأنها في غيبوبة حب، ومفاقتش غير على صوت خبط قوي ومرتب على باب جناحها.
اتنفضت من مكانها بخضة، وجريت بسرعة البرق رميت نفسها على السرير، وحاولت تظبط هدومها وشعرها عشان ميبانش إنها كانت بتراقبه، وأخدت نفس عميق عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت مسموعة، وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
"ادخل.."
الباب اتفتح ببطء، ودخل أدهم وهو لسه ماسك الجاكيت على كتفه، وعيونه الحادة جت في عيونها فوراً. ساد صمت لثواني، أدهم كان بيراقب وشها المحمرّ ونهجانها الخفيف، وابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وكأنه حاسس إنها كانت بتعمل حاجة، وقال بصوته الرخيم:
"إيه.. كنتِ نايمة؟"
جميلة اتوترت ولعبت في صوابعها:
"لأ.. لا أبداً، كنت بس.. بقلب في الموبايل . إنت رجعت بدري النهاردة يعني؟"
أدهم قرب خطوتين، ورمى الجاكيت على طرف السرير وقعد قدامها، وبص لها بتركيز وقال:
"رجعت عشان نلحق نجهز.. النهاردة عندنا عزومة مهمة جداً عند محمود بيه الشافعي، وعايزك تظهري بأجمل صورة لمدام أدهم السويسي."
جميلة بصتله بحيرة، وعقدت حواجبها وهي بتحاول تداري ارتباكها من نظراته وقالت بصوت مهزوز شوية:
"بس يا أدهم.. ليه لازم أروح معاك؟ وبصفتي إيه أصلاً؟"
أدهم مقبلش إنها تكمل الجملة، وقرب منها بخطوات هادية وواثقة لحد ما بقى قدامها مباشرة، والمسافة بينهم مابقتش تتعدى السنتيمترات. مد إيديه وحاوط وسطها بتملك، وعينه كانت مثبتة في عينها بقوة خلتها تحبس أنفاسها، وهمس بصوت رجولي واطي ورخيم:
"بصفتك مراتي.. مدام أدهم السويسي، وده لوحده كفاية جداً عشان تكوني معايا في أي مكان أروحه، مفهوم؟"
جميلة اتسمرت مكانها، وحست بكهربا في جسمها من لمسته ونبرة صوته اللي مكنتش تقبل النقاش، ومقدرتش تنطق بحرف غير إنها هزت راسها بموافقة صامتة.
أدهم سابها ببطء، وكأنه بيستمتع بتأثيره عليها، وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"تمام.. جهزي نفسك، وقدامك ساعة واحدة بالظبط. أنا هروح جناحي آخد شاور وأجهز، ومش عايز تأخير."
خرج أدهم وساب جميلة واقفة في نص الأوضة، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف من قربه.
__________________________________
الساعة دقت تسعة، والبيت اللي كان عبارة عن فيلا كبيرة كان في أبهى صوره، الأنوار والنجفات الكريستال بتعكس فخامة المكان اللي يليق بمقام محمود. نادية كانت بتتحرك في غرفة السفرة بنشاط وحماس غريب، بتظبط الشوك والسكاكين وتتأكد إن كل صنف محطوط في مكانه بدقة.
محمود دخل عليها ووقف وراها، وبص للسفرة بذهول وهو شايف كمية أصناف مبهجة، من المشويات للمقبلات والحلويات اللي تفتح النفس، سألها باستغراب:
"إيه كل ده يا نادية؟ إحنا عازمين كتيبة ولا إيه؟ ده إحنا يدوب أدهم وعلي وعائلاتهم!"
نادية لفت له وهي بتمسح إيدها في المريلة وبتقول بحماس:
"إيه يا محمود؟ قليل صح؟ أبعت أطلب تلات أصناف كمان من المطعم يلحقوا السفرة؟"
محمود ضحك من قلبه وهز راسه بيأس من كرمها الزايد:
"قليل إيه يا حبيبتي! ده السفرة هتتكسر من كتر الأكل، ده كتير أوي بجد."
نادية ردت عليه وهي بتعدل طبق السلطة:
"يا محمود أنا مش عارفة أدهم بيحب ياكل إيه، ولا علي، ولا حتى البنات اللي جايين معاهم.. قولت أعمل من كل صنف لون ، ده أول مرة يدخلوا بيتنا يا محمود."
محمود بصلها بنظرة مليانة تقدير وحب، قرب منها ومسك إيدها وباسها برقة وهو بيقول بصوت دافي:
"ربنا يخليكي ليا يا نادية.. ويشكر فضلك إنك في حياتي. إنتي بجد أحلى حاجة حصلتلي، وقلبك ده هو اللي مجمعنا ومخلي للبيت ده طعم."
نادية اتكسفت، رغم كبر سنها، إلا إنها مازالت بتتأثر من كلامه، وابتسمت:
"ويخليك ليا يا حبيبي.. يلا روح غير هدومك، زمانهم على وصول."
بعد دقايق، دخلت عربية أدهم محيط الفيلا، واللي كان عبارة عن جنينة واسعة وطويلة متزينة بإضاءة خافتة بتعكس فخامة المكان. أدهم وقف العربية وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، وسرح لثواني في جمالها؛ كانت لابسة فستان أحمر رقيق وطويل، رقبته عالية ونازل بفتحة بسيطة وأنيقة عند الساق، ورفعت شعرها كحكة فوضوية منسقة بعناية لايقة جداً على ستايل الفستان، مع لمسات ميكب هادي برزت ملامحها.
أدهم نزل من العربية ولف فتح لها الباب، وتأملها بإعجاب واضح كان باين في عينيه، ومد لها إيده وهي حطت إيدها في إيده بخجل ونزلت. عطى لها كتفه وهي مسكته بتوتر لذيذ، ولسه هيتحركوا سمعوا صوت عربية علي وهي بتقف وراهم.
نزل علي بابتسامته الحيوية، ولف فتح الباب لياسمين اللي كانت طالعة زي الملاك بفستان بيبي بلو واصل لحد بعد الركبة، كتافه طويلة ومنسدلة، وسابت شعرها وراها نازل بنعومة مع خصلات بسيطة عملتها على هيئة ضفيرة رقيقة، وميكب بسيط جداً أبرز ملامحها الملائكية.
علي قرب منهم وهو ماسك إيد ياسمين، وسلم على أدهم بحرارة، وبعدها سلم على جميلة. أدهم بص لجميلة وقال بنبرة هادية:
"جميلة، ده علي المساعد بتاعي وذراعي اليمين، ودي مدام ياسمين مراته، انتي شوفتيهم قبل كده في كتب كتابهم ."
جميلة هزت راسها بترحيب رقيق، وسلمت على ياسمين بحب وود واضح من أول لحظة، وكأن فيه كيمياء غريبة ربطت بينهم. ياسمين بطلتها الهادية خلت جميلة تبتسم بتلقائية، ودخلوا كلهم مع بعض لباب الفيلا.
أول ما دخلوا، استقبلهم محمود ونادية بترحيب حار. محمود قدم نادية ليهم، وسلمت عليهم بحفاوة، لكن أول ما عين محمود وقعت على ياسمين، ملامحه اتغيرت وتفاجأ جداً وقال بذهول:
"إنتي؟!"
علي استغرب وبص لمحمود وبعدين لياسمين وسأل: "هو حضرتك تعرف ياسمين يا محمود بيه؟"
محمود هز راسه وهو لسه مركز في ملامحها: "شفتها في الشركة، شكلها ،واضح إنها كانت جيالك.. بس مكنتش أعرف إنها مدام ياسمين مراتك."
أدهم مسك إيد جميلة وقدمها بثقة: "ودي جميلة.. مراتي."
محمود رفع حاجبه باستغراب واضح، وبص لأدهم بدهشة: "مراتك؟! إنت اتجوزت يا أدهم؟"
أدهم رد بهدوء: "أيوة."
ياسمين في اللحظة دي استغربت جداً، لأن اللي فاكراه من يوم كتب كتابها إن جميلة هي أخت أدهم مش مراته، بس فضلت ساكتة ومفضلتش تعلق، واكتفت بابتسامة رقيقة لجميلة.
قعدوا كلهم على السفرة، وأصناف نادية الشهية. محمود مكنش قادر يشيل عينه من على ياسمين، وكان بيراقب كل حركة بتعملها، في حين إن علي كان بيتعامل مع ياسمين بمنتهى الحب والاهتمام، بيقطع لها الأكل وبيهتم بكل تفصيلة، وده خلى محمود يبتسم بود.
فجأة، محمود سأل سؤال كسر هدوء السفرة:
"إنتي منين يا ياسمين ؟ يعني أهلك من القاهرة؟"
الصمت ساد للحظات، وياسمين اتوترت جداً وبصت في طبقها، علي لاحظ ارتباكها فـ رد بسرعة عشان ينقذ الموقف:
"أيوة يا محمود بيه، هي من القاهرة."
محمود هز راسه بتفهم وسكت، بس نظراته كانت بتقول إن وراه أسئلة تانية كتير.
بعد العشا، اتنقلوا كلهم للصالون اللي كان تصميمه مفتوح بشكل عبقري على الجنينة، والورد كان مالي المكان، ونسمات هوا الليل كانت مخلية الجو شاعري وجميل. نادية فجأة قامت وبحماس شغلت موسيقى هادية وراقية، وبصت لهم وقالت بابتسامة:
"يا ولاد الأجواء دي ناقصها رقصة.. قوموا يلا استمتعوا بالهوا ده."
جميلة وياسمين اتكسفوا جداً ورفضوا في الأول، لكن محمود صمم.
اول واحد قام كان أدهم ،اللي قام ومسك إيد جميلة اللي كانت مكسوفة وشدها ليه برفق وبدأوا يرقصوا، وعلي قام وحاوط خصر ياسمين بحب وبدأوا يتمايلوا مع الموسيقى. محمود مسبش نادية، ومسك إيدها وانضموا ليهم في مشهد كان مليان دفء وحب،
عند أدهم وجميلة ...
أدهم مكنش بيرقص مجرد رقصة عادية، كان بيحاوط خصر جميلة بإيد واحدة قوية، وكأنه بيعلن للعالم كله إنها ملكه. جميلة كانت حاطة إيدها على كتفه برعشة خفيفة، وعينيها تايهة في أزرار قميصه، مكسوفة ترفع عينها وتواجه نظراته اللي كانت حرفياً بتاكلها.
أدهم وطى راسه شوية وهمس لجميلة بصوت رخيم مسموع ليها هي بس، وده خلاها تغمض عينيها بتوتر وتدفن وشها في صدره للحظة. الفستان الأحمر مع سواد بذلته كان عامل لوحة فنية، وحركة رجليهم كانت موزونة بشكل غريب رغم إن دي مش أول مرة يرقصوا فيها سوا. أدهم كان بيشدها ليه أكتر كل ما الموسيقى تعلى، وكأنه بيستغل الفرصة عشان يكسر أي حاجز لسه موجود بينهم، وجميلة كانت مستسلمة تماماً لقوته وهيبته اللي مسيطرة على المكان.
عند علي وياسمين ...
أما علي وياسمين، فكانوا حرفياً طايرين. علي كان ماسك إيد ياسمين بحنية مفرطة، وإيده التانية سانده ضهرها برقة وكأنه خايف عليها تنجرح. ياسمين كانت بتبص لعلي بابتسامة صافية، وعيونها كانت بتلمع بحب صادق خلى كل اللي موجودين يحسوا بدفء علاقتهم.
ياسمين كانت بتتمايل بخفة زي الفراشة بفستانها ، وعلي كان بيلفها بحركات رشيقة، وكل شوية يقرب يهمس لها بكلمة تضحكها، فـ تخبي ضحكتها في كتفه. الرقصة بينهم مكنتش استعراض، كانت لغة حوار صامتة بتقول إنهم لبعض ومهما حصل هيفضلوا سند لبعض. علي كان بيبص لها وكأنها أغلى ما يملك في الدنيا، وياسمين كانت حاسة إنها في أمان تام وهي في حضنه وسط الأجواء الملكية دي.
عند محمود ونادية ...
وفي زاوية تانية، كان محمود ونادية بيرقصوا رقصة هادية جداً، رقصة فيها ريحة السنين. محمود كان ضامم نادية بحب ووقار، ونادية كانت ساندة راسها على كتفه وغمضة عينيها براحة
لكن وسط الرقص، كانت العيون بتقول كلام كتير؛ أدهم كان بيبص لجميلة بتملك، ومحمود كان عينه بتروح لياسمين اللي كانت بترقص في حضن علي بجمال يخطف القلب.
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 17
بعد العزومة ... أدهم أخد جميلة ومشيوا ،ومعاهم علي ياسمين، وكل واحد روح بيته مع مراته .. في بيت محمود الهادي، كانت نادية قاعدة والفضول بياكلها بعد ما اليوم خلص، والهدوء رجع يسيطر على المكان، قطعت الصمت وهي بتبص لمحمود وقالت:
"بس ما شاء الله، أنا مكنتش أعرف إن أدهم متجوز، فاجئني بصراحة لما قدم لنا جميلة."
محمود رد عليها بهدوء وهو بيسند ضهره:
"أنا كنت عارف يا نادية، الخبر كان عندي من الأول."
نادية عقدت حواجبها باستغراب:
"عارف؟ أومال ليه استغربت وبان عليك الذهول لما قال إنها مراته؟"
محمود ابتسم بذكاء، ورد:
"عشان أدهم أصلا مأعلنش إنه اتجوزها ، أنا مازالت براقب حياة أدهم حتى بعد ما رجعت من أمريكا ،وعرفت إنه فجأة كتب كتابه على جميلة بعد ما كانت بتحاول تسافر بره وتتخلص من الورطة اللي هي فيها."
نادية مالت بوشها بحيرة وقالت:
"وليه أدهم يعمل كدة؟ ليه يتجوزها بالسرعة دي وبدون مقدمات؟"
هنا ملامح محمود اتغيرت، وعينه لمعت بغضب دفين :
"لأنها كانت داخلة القصر بتمثل إنها ياسمين.. بنتي أنا!"
نادية اتنفضت من مكانها بصدمة:
"إيه؟! إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.. بنتك إنت؟ وإيه اللي جابها لأدهم؟"
محمود اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يحكي لها:
"وأنا في أمريكا، عرفت إن جميلة دخلت قصر أدهم بهدف واحد، إنها تمثل دور ياسمين، وده كان باتفاق مع إبراهيم.. كان تخطيط شيطاني عشان يسيطروا على كل حاجة. أنا كنت هتدخل بطريقتي وأندمها، بس حسيت إن أدهم بدأ يتعلق بيها، وقلت أسيبه يتعامل هو بطريقته، والظاهر كدة إنه حبها وسامحها على اللي عملته، وقلب اللعبة لجواز حقيقي."
سكت لحظة وكمل بصوت أهدى:
"بصراحة، أنا كنت كاره البنت دي جداً من بعيد وبقول إزاي تعمل كدة، بس لما شوفتها النهاردة وقعدت معاها، حسيت إنها بنت طيبة، والظاهر إن ظروفها هي اللي رمتها في طريق إبراهيم وخليتها تسمع كلامه."
نادية هزت راسها بأسى وقالت:
"إبراهيم ده شيطان في صورة بني آدم، مكفهوش اللي عمله زمان وحرمكم من بعض وسرق سنينكم؟ ده كمان عايز يسرق ثروة أدهم ويستغله؟"
رد محمود وعينه فيها توعد قوي:
"إبراهيم طول عمره الحقد مالي قلبه، والغل بياكل فيه.. بس نهايته هتبقى شنيعة، وعلى قد أعماله وتخطيطه، هتقع الإمبراطورية اللي بناها بالكره والحقد فوق راسه."
_________________________________
دخلت العربية السودة الفخمة من بوابة القصر بهدوء، وكأنها بتعلن استراحة محارب بعد يوم طويل مليان مشاعر متلخبطة. أنوار الكشافات بدأت تطفي تدريجيًا مع وقوف العربية، وساد الصمت في المكان إلا من صوت الموتور وهو بيفصل.
أدهم لف وشه وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، رقيقة وهادية، والجاكيت بتاعه لسه محاوط كتافها.. افتكر لما حس ببرودة الجو وهي طالعة من بيت محمود، ومن غير تفكير قلع جاكيته وحطه عليها، وهي وقتها أخدته منه بابتسامة خجولة لسه مطبوعة على خيال أدهم.
جميلة قطعت الصمت بابتسامةهادية :
"أنا اتبسطت أوي النهاردة يا أدهم.. محمود بيه وطنط نادية ناس لطاف أوي."
أدهم هز راسه بهدوء وهو بيبص للطريق قدامه:
"فعلاً.. هما ناس طيبين."
جميلة نزلت عينيها في الأرض، وبصوت واطي يكاد يكون همس قالت:
"شكراً يا أدهم.. شكراً إنك أخدتني معاك، وإنك اعتبرتني جزء من حياتك وعيلتك قدامهم."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة، بصلها بصه فيها تأمل، فيها كلام كتير ملوش مخارج.. فتح باب العربية ونزل، ولف لحد عندها وفتح لها الباب ببرستيجه المعتاد. مد إيده ليها عشان تسند عليه وهي نازلة من العربية الـ BMW العالية، حركة بقت معتادة عليها، بس كل مرة بتخلي قلبها يدق كأنه أول مرة.
دخلوا القصر، وكان السكون هو سيد المكان. الأنوار خافتة، ويزن نام من بدري، وحتى الخدم ملهومش أثر بسبب تأخر الوقت.
بدأ أدهم يطلع السلم بخطوات رزينة وواثقة، هيبته كانت طاغية حتى وهو مديها ضهره. جميلة كانت ماشية وراه، عينيها مش قادرة تنزل من عليه، بتتأمل كتافه العريضة اللي مفسرها القميص الأبيض بعد ما قلع الجاكيت، وطريقة طلوعه للسلم اللي بتعكس شخصيته القوية والمسيطرة.
وصلوا لنهاية السلم عند الممر اللي فيه الأوض، وقفت جميلة قدام باب أوضتها وهي مترددة، قلبها بيسأل وعينيها بتدور في عين أدهم عن إجابة.. هل هيدخل ينام في جناحه زى زمان؟ ولا هيكمل عادته اللي بدأت في الأيام الأخيرة، إنه ينام جنبها ويحسسها بالأمان اللي محرومة منه؟
وفي وسط حيرتها والتساؤلات اللي جوا دماغها .. فجأة جالها الجواب ،لما أدهم فتح باب غرفتها، ودخل ووقف منتظرها تدخل .ابتسمت بصفاء وخجل ودخلت
أدهم مكنش قادر يشيل عينه عنها من أول ما شافها بالفستان الأحمر ده قبل ما يخرجوا، اللون كان بياكل من ملامحها حتة، مبرز بياض بشرتها وسحر عيونها اللي شبه عيون الغزلان، والكحل اللي مرسوم بدقة زود من فتنتهم وخلاه مأسور جوه نظرتها.
جميلة وقفت قدامه ببراءة، وبدأت تفك خصلات شعرها المرفوعة بأناقة، فنزلت الخصلات المتمردة اللي متعودة تداعب وشها وتخضن خدودها بنعومة. مدت إيدها بالجاكيت وهي بتقول برقة وخجل:
"شكراً يا أدهم على الجاكت.."
في اللحظة دي، أدهم محسش بنفسه، الحواجز اللي كان بانيها حوالين قلبه انهارت تماماً. شد إيدها الممدودة ناحيته بقوة مفاجئة، خلتها تشهق بخضة وترتمي في حضنه. الخضة دي مكملتش ثواني وتحولت لمشاعر تانية خالص لما لقت عيون أدهم بتحاصرها بنظرة مليانة شغف وتملك، وكأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
قرب منها أكتر، وغرقوا سوا في عالمهم الخاص، عالم مفيش فيه مؤامرات ولا كذب ولا ماضي، فيه بس أدهم وجميلة. المرة دي كانت مختلفة ... كانت ساحرة بكل تفاصيلها، وكأن كل واحد فيهم بيطلع الوجع والوحدة اللي عاشها في حضن التاني..
بعد دقايق، أدهم بعد عنها ببطء شديد، بس فضل قريب جداً، ساند جبينه على جبينها وهو بينهج بقوة، وأنفاسه العالية مسموعة. جميلة كانت في حالة مش أحسن منه، دقات قلبها كانت بتتسابق، وعينيها متثبتة في عينه بذهول ممزوج بحب واضح.
همس أدهم بصوت مبحوح وهو لسه ساند راسه عليها:
"جميلة.. أنتي عملتي فيا إيه؟"
جميلة غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي بتدوبها، ومقدرتش تنطق بحرف، كفاية عليها حضنه اللي بقى هو بيتها وملاذها الوحيد من كل الدنيا.
أدهم كان باصص في عيونها اللي بتلمع تحت ضوء الأباجورة الخافت، وصوته طالع مهزوز لأول مرة في حياته، همس بوجع مكتوم:
"ليه مش قادر أكرهك يا جميلة؟ ليه رغم كل اللي حصل، ورغم اللعبة اللي دخلتي بيها حياتي، مش قادر أقسى عليكي ولا حتى أفكر أأذيكي؟"
قرب أكتر وهو بيتنفس ريحتها اللي بتسكن خلاياه، وكمل بهمس عاشق ضايع:
"ليه مستسلملك للدرجة دي؟ مش قادر أعمل أي حاجة غير إني أحـ..."
الكلمة وقفت في حلقه، وكأنها جمرة نار مش قادرة تخرج. جميلة كانت معلقة عيونها بشفايفه، مستنية الكلمة اللي هتداوي جروح قلبها وتطفي نار خوفها، كانت محتاجة تسمعها ،عشان تحس إنها أخيراً وصلت لبر الأمان.
لكن أدهم فجأة حس ببرودة قاسية غزت جسمه، افتكر كذبتها، افتكر إبراهيم، وافتكر إنه لسه مش قادر يثق تماماً. حاجز الخوف والكرامة رجع اتبنى في ثانية واحدة. اتنهد بضيق وبعد عنها بسرعة البرق، وكأنه كان بيحاول يهرب من سحرها قبل ما يضعف أكتر.
ثواني وكان فاتح باب غرفتها، وقف على الباب وضهره ليها، وقال بجمود مصطنع:
"تصبحي على خير."
خرج وقفل الباب وراه، وسابها واقفة في نص الجناح زي التمثال. بصت في الأرض لقت جاكتته اللي وقعت منها في وسط زحمة مشاعرهم، نزلت لمست الجاكت بإيد بتترعش ودموعها بدأت تنزل بصمت وتحرق خدودها.
كانت فاكرة إن الليلة دي هي النهاية لكل المسافات، إن النهاردة أدهم هيفتح قلبه ويرمي الماضي ورا ضهره.. بس الحقيقة المُرة إن أدهم لسه مش قادر يسامح، ولسه الجرح اللي جواه بينزف، وكل خطوة قرب بياخدوها، بيرجعوا قصادها عشرة لورا.
_________________________________
بمرور شهر كامل..
كانت جدران القصر شاهدة على حالة فريدة من نوعها بين أدهم وجميلة؛ حالة السهل الممتنع. شد وجذب، نظرات طويلة بتنتهي بابتسامة خجولة، وقسوة أدهم اللي بدأت تنهار قدام محاولات جميلة المستمرة إنها تثبت له إنها اتغيرت وبقت إنسانة تانية تستحق ثقته. أدهم وفى بوعده، وقدم لها ورقة استكمال دراستها،
وبقت جميلة في سباق مع الزمن عشان تلم منهج الثانوية العامة في شهور قليلة.
جميلة كانت قاعدة في ركنها المفضل في الأوضة، متربعة على الأرض والكتب والملازم محاوطاها من كل جهة كأنها في معركة. كانت رافعة شعرها ديل حصان، وماسكة كوباية القهوة في إيد والآلة الحاسبة في الإيد التانية، وعينها مركزة في مسألة فيزياء كهربية ..
فجأة، برقت عينيها بفرحة لما الرقم اللي طلع على شاشة الآلة طابق لواحد من الاختيارات، صرخت وهي بتقوم تقف وترقص بحركات هبلة وعفوية:
"أوعى.. أوعى! الله عليكي يا بت يا جيمي.. إيه العبقرية دي؟ ده إينشتاين لو عايش كان اعتزل النهاردة"
في اللحظة دي، سمعت خبطات هادية ورزينة على الباب، وبعدها دخل أدهم وهو شايل في إيده طبق فيه ساندوتشات. رفع حاجبه بذهول وهو شايفها بترقص لوحدها وقال بابتسامة جانبية:
"إيه الهبل اللي بيحصل ده؟"
جميلة وقفت بسرعة وهي بتنهج من الفرحة:
"الحمد لله يا أدهم! لسه حالة مسألة مستويات عليا في الكهربية وطلعت صح.. أنا بجد مش مصدقة نفسي!"
أدهم قرب منها ببطء، وعينيه فيها نظرة فخر وقال:
"برافو عليكي.. كنت عارف إنك قدها."
حط الطبق قدامها على المكتب وقال بنبرة دافية:
"طلبت من الخدم يعملولك ساندوتشات جبنة رومي سايحة زي ما بتحبي، قولت أكيد القهوة لوحدها مش كفاية للتركيز ده كله."
جميلة عينيها لمعت وأخدت ساندوتش وبدأت تاكله بتلذذ وكأنها مشافتش أكل قبل كدة:
"شكراً يا أدهم.. بجد كنت محتاجة له جداً، الجوع كان هيبدأ يلحس دماغي."
أدهم قرب أكتر، ومد إيده وحرك صوابعه برقة على خصلات شعرها المرفوعة، في حركة خلت جميلة تتجمد مكانها وتنسى الساندوتش اللي في إيدها. همس بهدوء:
"ذاكري كويس يا جميلة.. امتحاناتك خلاص قربت، ومش عايزك تضيعي الفرصة دي."
جميلة هزت راسها ببطء وهي تايهة في عيونه:
"حاضر.. بوعدك إني هرفع راسك."
أدهم سحب إيده ببطء وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"لو وقفت قدامك أي حاجة في الفيزياء أو الكيمياء، قوليلي.. أنا ممكن أذاكرلك، أظن إني لسه فاكر شوية حاجات ."
جميلة ابتسمت بفرحة وقالت فوراً:
"موافقة جداً! ده أنا عندي فصل كامل في الكيمياء العضوية محتاج حد يفك شفراته معايا."
أدهم ضحك بخفة وقال: "تمام.. خلصي أكلك وحصليلي على المكتب تحت، هنبدأ أول حصة النهاردة."
خرج أدهم، وجميلة فضلت واقفة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، حست إن المذاكرة بقالها طعم تاني خالص لما يكون المدرس هو أدهم السويسي.
_________________________________
في المكتب
أدهم اللي معروف ببروده وجفافه مع الكل، لقى نفسه مع محمود بينفك ببطء. بقى يستنى ميعاد اجتماعهم، مش عشان الشغل، عشان يحس بالراحة اللي بتشع من وجود الراجل ده جنبه. تعاونوا في أكتر من صفقة، وكانوا بيشتغلوا بروح واحدة، كأنهم بيكملوا بعض، لدرجة إن موظفين الشركة بدؤوا يلاحظوا الكيميا الغريبة اللي بينهم، وكأن فيه رابط خفي بيربطه بالرجل اللي خبرته وسنينه باينة في كل تجعيدة في وشه.
جدران المكتب الفخمة والهدوء اللي كان بيسيطر على المكان فجأة اتبدل بحالة من القلق، محمود قاعد بيراجع بنود الصفقة الأخيرة، وفجأة سكنت حركته، ملامحه انكمشت بألم ورفع إيده ببطء ساند بيها راسه وكأن الدنيا دارت بيه في لحظة.
أدهم، اللي كان عينه دايمًا بتراقب أدق التفاصيل، قام من مكانه بلهفة غريبة عليه، لهفة مكنتش مجرد خوف شريك على مصلحته، دي كانت خضة ابن بجد. قرب منه بخطوات سريعة وقال بصوت فيه بحة قلق واضحة:
"حضرتك كويس يا محمود بيه؟ مالك.. حاسس بإيه؟"
محمود غمض عينه بتعب، وصوته طلع واهن وهو بيحاول يطمنه:
"أيوه يا ابني.. متقلقش، دي مجرد دوخة خفيفة، يمكن من ضغط الشغل زاد شوية."
أدهم مد إيده وحطها على كتف محمود بحنان وسند حقيقي، وقال بلهجة آمرة بس ناعمة:
"لا، كفاية شغل لحد كدة النهاردة. حضرتك لازم تروح ترتاح فوراً، والبيت أولى بيك دلوقتي."
هز محمود راسه بموافقة، وكأنه استسلم لاهتمام أدهم اللي لمس قلبه. قام أدهم وسنده، كان ماشي جنبه خطوة بخطوة لحد باب المكتب. عند الباب، أدهم وقف وقفة حزم وقال:
"أنا هأمر سواق من الشركة يجهز العربية حالاً ويوصلك لحد باب البيت، مش هينفع تسوق وأنت في الحالة دي."
محمود بصله بنظرة طويلة، نظرة فيها امتنان غريب، ورفع إيده ببطء ومسح على شعر أدهم بحنان أبوي، حركة عفوية بس هزت كيان أدهم من جوه. محمود ابتسم بتعب وقال:
"تسلم يا ابني.. كتر خيرك."
خرج محمود، وفضل أدهم واقف مكانه زي الصنم. إيده طلعت لوحدها تتحسس خصلات شعره اللي محمود لمسها. في اللحظة دي، الدنيا حواليه اختفت، والمكتب الفخم مابقاش موجود.
بدأت صور مشوشة تظهر قدام عينه، ذكرى قديمة لطفل صغير بيركض لآبوه بشهادة تقدير، وأب بيضحك بوش بشوش وبيمسح على شعره بنفس الطريقة بالظبط، وبنفس الملمس الدافي. أدهم غمض عينه بقوة، أنفاسه بقت متسارعة، وصوت دقات قلبه بقى مسموع.
هز راسه بعنف وهو بيحاول يطرد الخيالات دي، ووشوش لنفسه بذهول:
"مستحيل.. إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ هما حتى مش نفس الملامح، ولا فيه أي شبه يجمعهم.. ليه الوجع ده رجع يصحى تاني دلوقتي؟"
__________________________________
بليل ..
كان قاعد في مكتبه اللي في القصر، المكتب اللي بيشهد على أهم قراراته وصفقاته، . مكنش فيه صوت غير خبطات الكيبورد وصوت أنفاسه الهادية وهو مركز في شاشة اللاب توب.
سمع دقات خفيفة ورقيقة على الباب، عرفها على طول، صوته طلع برزانة وهو بيقول:
"ادخل."
فتحت جميلة الباب، كانت حضنة كتبها وملازمها بقوة، وعلى وشها ابتسامة فيها حماس طفولي، وقالت بنبرة فرحانة:
"أنا جيت عشان تذاكرلي زي ما وعدتني.. ولا نسيت الوعد؟"
أدهم رفع عينه من على الشاشة، وبمجرد ما شاف لمعة عينيها، ملامحه الجامدة لانت وابتسم بحب حقيقي وقال:
"حاضر يا جميلة، أنا عند وعدي.. اقعدي على الكنبة ولما أخلص الإيميل ده هجيلك فوراً، ابدأي افتحي الكتب لحد ما أخلص."
راحت جميلة قعدت على الكنبة الجلد الكبيرة اللي في وسط المكتب، بدأت تفتح الملازم وتحدد بالقلم الأجزاء اللي مش فاهماها في الكيمياء.
عدت دقايق، وأدهم خلص شغله، قام بتعب ومدد جسمه، وجميلة كانت بتراقبه من تحت لتحت.
المنظر كان مأثر عليها جداً؛ أدهم كان لابس تيشرت بيتي رصاصي مفسر تفاصيل جسمه الرياضي، وبنطلون أسود مريح، والنظارة الطبية اللي كان لابسها كانت بتزيده وسامة وهيبة فوق هيبته. خصلات شعره كانت نازلة على جبينه بتمرد، ومع قعدته الطويلة في المكتب، بدأت تاخد شكل مموج بسيط خلاه يبان جذاب بشكل مش طبيعي.
جميلة أول ما لقت خطواته الهادية بتقرب منها، نزلت راسها بسرعة في الكتاب، وغمضت عينيها وهي بتدعي إن الوقت يعدي بسلام من غير ما دقات قلبها تفضحها، خصوصاً وهي حاسة بوجوده الطاغي اللي بدأ يملى المكان حواليها.
أدهم قعد جنبها، المسافة كانت قريبة لدرجة إن ريحة عطره بدأت تسيطر على حواسها، قلع نظارته ببطء وحطها على التربيزة، وقال بصوته الدافي:
"ها يا ستي.. نبدأ بإيه؟ فين الأجزاء اللي واقفة معاكي ؟"
أدهم شرح لها بذكاء وصبر، وجميلة كانت في قمة تركيزها، ومع كل معلومة كانت بتحس إنها بتفهم أكتر بكتير من مذاكرتها لوحدها. أول ما خلصوا، قامت وقفت بفرحة طفولية وهي بتقفل كتبها وقالت بحماس: "أنا كدة فهمت كل حاجة بجد! شكراً يا أدهم، أنت شرحك أحسن من كل المدرسين الي بسمعهم."
في اللحظة دي، تليفون أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن رنة واحدة وفصل. جميلة كانت هي الأقرب للمكتب، فقالت بعفوية: " استنى هجيبلك الموبايل ."
لسه بتمسك الموبايل، عينها جت بالصدفة على الشاشة، ووقفت مكانها فجأة وكأن الزمن وقف بيها. شافت صورتها هي ويزن وهما نايمين، أدهم كان واخد لقطة ليهم وهما في قمة براءتهم، الصورة كانت دافية جداً لدرجة إنها حست بقلبها بيدق بعنف.
استغربت جداً هي اتصورت إمتى وإزاي؟ لفت الموبايل ناحيته وقالت بذهول ممزوج بضحكة خجل: "أنت بتصورنا وإحنا نايمين يا أدهم؟ ومش بس كدة، ده أنت حاططها خلفية لموبايلك!"
أدهم اتوتر جداً، ملامحه اللي كانت رزينة اتهزت، وحاول ياخد منها الموبايل بسرعة وهو بيقول: "هاتي يا جميلة الموبايل، دي مجرد صورة عجبتني وخلاص."
جميلة جريت في المكتب وهي بتضحك بدلال وتطلع له لسانها، وأدهم وراها بيحاول يمسكها لحد ما حاصرها عند ركن المكتب. شهقت بضحك وقالت: "مش هتاخده غير لما توريني باقي الصور اللي عندك!"
أدهم اتنهد باستسلام قدام شقاوتها وفتح لها المعرض، وبدأت تقلب وهي بتضحك بفرحة وهي شايفة صور كتير ليها وليزن من كذا زاوية، صور واضحة إنها متصورة بحب واهتمام كبير.
لكن فجأة، الضحكة اختفت، والدموع بدأت تلمع في عينيها ووشها اصفرّ تماماً. صباعها وقف عند تلات صور ورا بعض لياسمين ،لما كانوا في كتب الكتاب. الغريب والمؤلم إن الصور كانت موجهة على ياسمين لوحدها، وكأن الكاميرا بتراقبها هي بس في وسط الزحمة.
رفعت نظرها لأدهم بصدمة وجسمها بدأ يترعش، بصت للموبايل وبعدين بصت له وقالت بصوت مهزوز ومخنوق: "إيه ده يا أدهم؟ صور ياسمين بتعمل إيه عندك؟ وليه عامل زوم عليها هي بس؟"
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 18
أدهم ملامحه اتصلبت تماماً، واللين اللي كان في عينيه اتحول لبرود قاسي وكأنه بيحاول يرمي قناع عشان يداري ارتباكه، رد بنبرة خالية من أي مشاعر:
"دي مجرد صور يا جميلة، مفيش داعي للدراما دي كلها."
جميلة دموعها خانتها ونزلت على خدها، وصوتها طلع مخنوق بالوجع وهي بتبص في عينيه:
"ليه يا أدهم؟ ليه بتقول عادي؟ الصور دي متصورة بتركيز غريب.. أنت كنت باصص لها هي بس وسط الكل! يعني كل اللي فات ده كان تمثيل؟"
أدهم غمض عينه لثواني وكأنه بيستجمع جبروته، وفتحهم وهو بيبص لها بحدة تقطع القلب:
" دي حاجه تخصني أنا يا جميلة.. ومظنش إنها تخصك في شيء، ولا من حقك تسألي فيها."
الكلمة كانت زي خنجر اتغرس في قلبها. "ما تخصكيش؟" بعد كل اللي عاشوه ؟ بعد ما بدأت تصدق إن ليها مكان في حياته؟
جميلة مسكت كف إيده بقوة وهي بتترعش، وحطت الموبايل في كفه بعنف، وسحبت واحد من كتبها اللي كان على المكتب من غير ما تنطق ولا كلمة تانية.
جريت من المكتب وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع، سابت وراها فراغ كبير ووجع ملوش آخر. أما أدهم، ففضل واقف مكانه زي التمثال، عينه مثبتة على الباب اللي اتقفل وراها بقوة، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بتترعش بخفة.
بص لصور ياسمين اللي في الموبايل، ونفخ بضيق وهو بيمسح على شعره بعنف.. هو مكنش عارف يفسر لنفسه أصلاً سر اهتمامه بياسمين، ولا عارف يقول لجميلة إن اللي بيحسه تجاه البنت دي حنين غريب .. مش حب، بس كبريائه منعه يبرر، وساب سوء التفاهم يحرق كل اللي بنوه في شهر.
__________________________________
كان علي واقف في البلكونة، ساند بإيديه على السور وباصص للسما اللي كانت مليانة سحب بيضاء بتجري ورا بعضها، والقمر كان بدر ومنور الدنيا بنور هادي مريح للأعصاب. مكنش فيه صوت غير نسمات الهوا الخفيفة وصوت نبضات قلبه اللي كانت هادية وراضية لأول مرة من سنين..
فجأة، حس بحركة رقيقة وراه، ريحة النعناع الهادية سبقت صاحبتها. لفت ياسمين ودخلت البلكونة وهي شايلة كوبايتين شاي بالنعناع، البخار طالع منهم.
علي لف وابتسم لها ابتسامة دافية، أخد منها المج وهو بيلمس صوابعها برقة وقال بصوت واطي:
"شكراً يا حبيبتي.. تسلم إيدك."
ياسمين وقفت جنبه، رفعت المج وشربت منه رشفة هادية، وعلي ساب المج من إيده ووقف وراها، حط إيديه الاتنين على السور وهي بقت محاصرة بين دراعاته، وضعية حسستها بأمان غريب. ياسمين رفعت راسها للسما وقالت وهي مسحورة بالمنظر:
"بتحب تبص للسما يا علي؟"
علي هز راسه بحب، ودفن وشه في خصلات شعرها لثواني قبل ما يرد:
"أيوة.. بحب أقف هنا وأبص للنجوم، وبالذات لما يكون القمر بدر زي دلوقتي.. بحس إن السما واسعة كفاية إنها تشيل أي فكرة جوايا."
ياسمين لفت له وبقت في مواجهته، المسافة كانت قريبة جداً، وعينيها لمعت بفضول وهي بتسأل:
"ودلوقتي.. بتفكر في إيه؟"
علي عينه لمعت وهو باصص في عينيها مباشرة، وسكت لثواني وكأنه بيستوعب النعمة اللي هو فيها، وبعدين قال:
"بفكر في حياتي اللي اتغيرت يا ياسمين.. لو كان حد جيه من كام شهر بس وقال لي إني هحب، وأتجوز، وأستقر، واهتماماتي كلها هتتغير بدل ما كانت حياتي مقتصرة على الشغل والجيم وخالتي منى.. مكنتش هصدقه أبداً."
ياسمين ابتسمت برقة وسألته بمداعبة:
"طيب.. مشتاقتش للروتين القديم ده؟"
علي ضحك بخفة وهز راسه بالرفض:
"على الرغم من إن دي كانت حياتي، إلا إنها كانت روتينية ومملة جداً.. أوقات كنت بتخنق وأقول لنفسي ..معقول هفضل كدة طول حياتي؟"
سكت شوية وبصلها بعمق خلى قلبها يدق:
"تعرفي إن أول يوم اتقابلنا فيه، كنت بفكر في كدة.. بفكر في حياتي المملة.. لحد ما شوفتك. ومن أول لحظة عيني جت في عينيكي وأنا شايلك بين إيديا، كنت عارف إنك آسرتيني. ورغم إني محبتش قبل كدة ولا كان ليا تجارب، بس كنت متيقن إن هو ده الحب اللي كنت مستنيه."
ياسمين حست بمشاعرها بتفيض، سندت بجبينها على صدره وحركت راسها بلطف وهي مسحورة بكلامه اللي بيلمس روحها، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
"بحبك يا علي.. بحبك أوي."
علي ضمها ليه بقوة، وحس إن الدنيا كلها ملكه في اللحظة دي.
غمض عينيه واستسلم للحظة دي بكل كيانه، ضمها ليه أكتر وكأنه بيحاول يداريها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وباس راسها بحنان وهو بيقول بصوت هامس طالع من أعماق قلبه:
"وأنا بعشقك يا ياسمين.. بعشقك لدرجة إني بقيت بخاف من الهوا اللي بيعدي جنبك. وجودك في حياتي مكنش مجرد صدفة، ده كان نجاة لروحي اللي كانت تايهة."
ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه اللامعة تحت ضوء القمر، وقالت بصدق:
"تعرف يا علي، أنا طول عمري كنت بحس إني لوحدي، حتى وسط الناس. كنت دايماً خايفة من بكرة، بس من يوم ما بقيت معاك، الخوف ده اختفى. بقيت حاسة إن ليا سند، وبيت، وأهل.. بقيت حاسة إني فعلاً ملكة في مملكتك."
علي ابتسم بوقار وسحب خصلة شعر متمردة من على وشها ورا ودنها وقال:
"إنتي فعلاً ملكة، ومش بس في مملكتي، إنتي المملكة نفسها. وعشان كدة بوعدك يا ياسمين، إني مش ههدا غير لما أعرف كل حاجة عن ماضيكي، وأرجعلِك كل حق ضاع منك.. حتى لو كان الخصم مين، مش هسيب حقك أبداً."
ياسمين اتنهدت براحة، بس فجأة افتكرت حاجة وقالت بتردد:
"علي.. بخصوص الورقة اللي لقيتها في الملفات القديمة، اللي كان مكتوب فيها اسم إبراهيم السويسي.. تفتكر أدهم بيه يعرف حاجة عن الموضوع ده؟ وليه اسمه مكتوب في سجلات الملجأ؟"
ملامح علي اتغيرت للجدية، وبص للسما بتفكير وقال:
"ده اللي محيرني يا ياسمين. إبراهيم السويسي هو عم أدهم، .. كونه كان بيزور اوراق الملجأ ده و ليه علاقة بمنصور اللي اتبناكي، وكان بينهم مقابلات من عشرين سنه ، ده بيأكد إن فيه سر كبير مخبيه، ويمكن يكون السر ده هو الخيط اللي هيوصلنا لأهلك الحقيقيين."
ياسمين مسكت إيده بقلق: "أنا خايفة يا علي.. خايفة الحقيقة دي توجعنا أو تفرقنا."
علي ضغط على إيدها بقوة وطمنها بنظرة واثقة:
"مفيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا يا ياسمين. الحقيقة مهما كانت صعبة، هي اللي هتحررنا من الحيرة دي. بكرة هحاول أتكلم مع أدهم بيه بطريقة غير مباشرة، يمكن أقدر أفهم منه إيه علاقة عمه بالملجأ ده من غير ما أسبب حساسية بينه وبين عمه.. رغم إني عارف إن أدهم أصلاً مش طايقه."
__________________________________
إبراهيم كان قاعد في مكتبه الفخم، الضوء خافت ومفيش غير نور شاشة الموبايل اللي عاكس على ملامحه الحادة والمليانة غل. كان بيقلب في صور "أدهم" مع شريكه الجديد "محمود الشافعي" في آخر حفلة وتصريحات الجرايد عن نجاح صفقاتهم.
زم شفايفه بشر وهو بيكبّر صورة محمود الشافعي، وبدأ يتكلم مع نفسه بصوت فحيح زي التعابين:
"ليه الراجل ده بالذات يا أدهم؟ ليه الشراكة دي اللي خلتك تفتح له قلبك ومكتبك بالمنظر ده؟ ده أنا عمك، والدم اللي بيجري في عروقك من دمي، ومكنتش بتسمحلي أتدخل في صفقة واحدة ولا أدخل مكتبك من غير ميعاد!"
بدأ يدقق في ملامح محمود اللي في الصورة، وحس ببرودة غريبة بتسري في جسمه. النظرة دي.. الشموخ ده.. الكيمياء اللي ظاهرة بين أدهم ومحمود في الصور مش مجرد كيمياء شغل، دي كأنها رابطة دم. إبراهيم حرك صباعه على ملامح محمود في الصورة، وعينه برقت بصدمة ممزوجة بخوف:
"نفس النظرة.. نفس الوقفة.. مش ممكن! إنت مت من عشرين سنة يا محمود.. أنا حرقت العربية بنفسي وشوفت النار وهي بتاكل كل حاجة! مستحيل تكون رجعت من الموت."
قام وقف وبدأ يروح وييجي في المكتب بتوتر، والشر بدأ يلمع في عينه من تاني:
"لو كنت إنت، أو حتى حد شبهك.. فأنا مش هسمحلك اتخد مكاني تاني. أدهم طردني من الشركة وكسر هيبتي، ولازم يندم على اللحظة اللي فكر فيها يتحداني.. هخلص منكم إنتوا الاتنين في خبطة واحدة، والمرة دي مش هسيب للنار فرصة تغلط وتطلّع حد عايش."
مسك موبايله وطلب رقم شخص مجهول، ورد بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
" عايز مراقبة ٢٤ ساعة لمحمود الشافعي، وعايز أعرف كل ثغرة في تحركاته هو وأدهم.. المرة دي مفيش مجال للغلط ."
__________________________________
أدهم وعلي كانوا قاعدين في المكتب، الملفات مفتوحة قدامهم والجو هادي، بس علي مكنش مركز تماماً. كان بيمسك القلم ويخبط بيه على المكتب بانتظام وهو باصص للاشيء، وسرحان في دوامة من الأسئلة.
أدهم لاحظ شروده، ساب الورق اللي في إيده وسند ضهره لورا وهو بيسأله بتركيز:
"مالك يا علي؟ بقالك ساعة بتبص في الورقة دي ومش معايا خالص..
علي اتنهد ورفع عينه لأدهم، وبدأ يتكلم بصوت فيه حيرة وقلق:
" أنا عايز اقولك على حاجة غريبة اكتشفتها لما دورت عن الملجأ دوأهل ياسمين الحقيقين."
ادهم باستغراب:" اكتشفت ايه؟"
كمل علي ... وأنا بدور ورا سجلات الملجأ القديمة، وصلت لحاجة غريبة أوي ومش فاهماها. عرفت إن عمك إبراهيم السويسي كان بيتردد على الملجأ ده كتير جداً من عشرين سنة."
أدهم عقد حواجبه باستغراب: "عمي إبراهيم؟ وإيه اللي يخلي واحد زيه يروح ملجأ أيتام؟"
علي كمل وهو بيبلع ريقه:
"المشكلة مش بس في الزيارات.. المشكلة إنه كان بيقابل منصور بانتظام، منصور اللي هو أبو ياسمين بالتبني، والكلام ده كان في نفس الفترة اللي ياسمين خرجت فيها من الملجأ وراحت لبيت منصور."
أدهم قام وقف من ورا مكتبه بعصبية، وعقله بدأ يربط الخيوط ببعضها:
"إيه علاقة عمي بمنصور؟ وليه يتدخل في حياة بنت يتيمة؟ كأن إبراهيم هو اللي كان بيحرك منصور عشان ياخد ياسمين من الملجأ.. بس ليه؟"
(هتشل من الغباء بجد. يعني نفس ظروف أختك اللي بتدور عليها ونفس الاسم
ده ملقتش نظرك لحاجة؟؟🙂🙂)
لسه علي هيرد، فجأة موبايل أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن. أدهم بص للشاشة واستغرب جداً لما لقى المتصل "جميلة". قلبه انقبض، لأنها من وقت اللي حصل في المكتب ،وهي حابسة نفسها في أوضتها ومش بتكلمه خالص.
أدهم فتح الخط بسرعة، وقبل ما ينطق بكلمة، جاله صوت جميلة وهو مهزوز ومخنوق بالعياط:
"الحقني يا أدهم.. أرجوك تعالى بسرعة، يزن سخن أوي وجسمه بيتنفض، أنا مش عارفة أعمل إيه!"
أدهم ملامحه اتخطفت تماماً، ورجعت له صورة يزن وهو تعبان، الخوف على ابنه سيطر عليه ونفض أي فكرة تانية من دماغه. زعق في الموبايل وهو بيتحرك ناحية الباب:
"جميلة اهدي.. أنا جاي حالاً، حطي له كمادات مية فاترة وما تسيبيهوش لوحده، مسافة الطريق وهكون عندك."
علي قام وقف بخضة: "فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم وهو بيجري: "يزن تعبان يا علي، لازم أمشي حالاً.. كمل انت الشغل هنا، وأي حاجة تحصل بلغني بيها فوراً."
__________________________________
أدهم دخل القصر كأن إعصار اقتحمه، مكنش شايف قدامه ، يزن مش مجرد أخوه الصغير، ده ابنه اللي شال مسؤوليته وهو لسه بيخطو خطواته الأولى في الدنيا.
طلع السلالم بضيق نَفَس وفتح باب الجناح بلهفة، وشاف المنظر اللي خلى قلبه يتنفض؛ يزن كان نايم على السرير، وشه شاحب وملامحه دبلانة من التعب، وجميلة قاعدة جنبه، ماسكة فوطة مبلولة وبتعمله كمادات، وعينيها كانت حمرا من القلق والعياط.
جميلة رفعت عينيها وبصت لأدهم أول ما دخل، نظرة كان فيها عتاب ممزوج بلهفة أدهم قرب بتوتر وقعد على طرف السرير، وحط إيده على جبين يزن اللي كان قايد نار، وسأل بصوت مرعوب:
"إيه اللي حصل يا جميلة؟ الصبح كان كويس!"
جميلة ردت وهي بتمسح دموعها بطرف إيدها:
"كنت داخله أشوفه عادي، لقيته مش قادر يفتح عينه وجسمه مولع نار.. قلقت جداً ومكنتش عارفة أتصرف غير إني أكلمك."
أدهم طلع موبايله فوراً واتصل بدكتور ، ومفيش وقت طويل وكان الدكتور وصل. بعد فحص دقيق ليزن، الدكتور طمنهم وهو بيقفل شنطته:
"متقلقوش يا أدهم بيه، ده مجرد دور سخونية شديد بسبب تغيير الجو والتقلبات
.. يلتزم بس بالأدوية دي والكمادات متقفش، وإن شاء الله الصبح هيكون أحسن."
أدهم شكر الدكتور ومشي معاه لحد الباب، ورجع بسرعة قعد جنب يزن تاني. مسك كف إيد يزن الصغير اللي كان بيترعش خفيف، وباسه بحنية مفرطة وهمس:
"سلامتك يا حبيبي.. ألف سلامة عليك، أنا جنبك مفيش حاجة هتوجعك تاني."
يزن فتح عينيه بتعب وصوته طلع ضعيف:
"بابي. جميلة.. خليكم جنبي، عايزكم تناموا جنبي النهاردة."
جميلة بصت لأدهم بتوتر وارتباك، خصوصاً والجو مشحون بينهم بسبب اللي حصل في المكتب، بس أدهم بصلها بنظرة فيها رجاء إنها توافق عشان خاطر يزن، وقال برقة:
"حاضر يا حبيبي، مش هنقوم من جنبك خالص."
جميلة نامت من ناحية، وأدهم نام من الناحية التانية، ويزن كان في النص بينهم. يزن بطفولته وعفويته، مسك إيد أدهم وإيد جميلة، وحطهم فوق بعض بين إيديه الصغيرين وربطهم ببعض وضغط عليهم، وكأنه بيحاول يجمعهم في حضنه ويصلح اللي انكسر بينهم من غير ما يقصد.
أدهم حس بلمسة إيد جميلة تحت إيده، والكهربا سرت في جسمه من تاني. بص لجميلة ولقاها مغمضة عينيها بتوتر، بس مسحبتش إيدها. الصمت كان سيد الموقف، بس كان صمت مليان كلام ومشاعر..
______________________________
في الشركة، كان محمود داخل بخطوات سريعة ووشه فيه ملامح قلق واضحة. دخل المكتب ولقى علي قاعد غرقان وسط ورق وملفات، فاستغرب جداً وبص في الساعة وقال بتعجب:
"علي؟ أومال فين أدهم؟ غريبة إنه مش موجود في مكتبه في وقت زي ده، إحنا ورانا شغل كتير النهاردة."
علي قام وقف بوقار واحترام لمحمود وقال بنبرة هادية عشان يطمنه:
"أهلاً يا محمود بيه.. أدهم اضطر يمشي فجأة من حوالي ساعة، يزن أخوه الصغير تعب فجأة وسخونيته رفعت، وجميلة هانم كلمته فـ لحق يروح القصر يكون جنبهم."
محمود بحزن على الطفل الصغير، رغم علمه إنه مش ابنه :
"ربنا يشفيه ،ويعافيه يارب"
_______________________________
أدهم كان غارق في نوم عميق، كان يزن في النص، نايم ببراءة طفولية، وماسك إيد أدهم وإيد جميلة بإيديه الصغيرة، كأنه خايف لو سابهم حد فيهم يختفي.
أدهم بدأ يفتح عينه ببطء مع تسلل خيوط الغروب البرتقالية من الشباك. أول حاجة وقعت عينه عليها كانت جميلة؛ كانت نايمة جنبه، ملامحها هادية جداً وبعيدة عن التوتر اللي كان بينهم. خصلات شعرها كانت نازلة على وشها ومخبية جزء من ملامحها الرقيقة.
أدهم فضل يتأملها لثواني، وقلبه بيدق بدقة غريبة.. مد إيده ببطء وحذر شديد، ورفع خصلات شعرها من على وشها بلمسة ناعمة زي النسمة، وهو بيتنهد بحيرة.. "إزاي قادرة تكوني قريبة مني كدة، وفي نفس الوقت بعيدة أوي؟".
فجأة، قطع اللحظة دي صوت خبط هادي على الباب. أدهم سحب إيده بسرعة واتعدل في قعدته بالراحة عشان ميصحيش يزن.
"ادخل.." قالها بصوت واطي ورخيم.
دخلت واحدة من الخادمات، ووقفت بأدب وقالت:
"أدهم بيه، في ضيوف تحت في الصالون وطالبين يقابلوا حضرتك."
أدهم استغرب، هو مش منتظر حد في وقت زي ده:
"ضيوف مين يا سعاد؟"
"محمود بيه الشافعي، ومعاه مدام نادية زوجته."
أدهم رفع حاجبه بدهشة، بس هز راسه وقال لها تبلغهم إنه نازل حالاً. في الوقت ده، جميلة بدأت تفوق من نومها على صوت الكلام، فركت عينيها بكسل وبصت لأدهم:
"في إيه ؟ مين اللي جيه؟"
أدهم بصلها وحاول يداري ملامحه الجامدة تجاهها:
"محمود بيه ونادية هانم تحت.. أكيد علي بلغه إن يزن تعبان فجيه يطمن عليه. أنا نازل استقبلهم، البسي وانزلي ورايا."
جميلة هزت راسها ببرود:
"تمام.. هغير هدومي وأنزل."
أدهم نزل الصالون، وأول ما شافه محمود، قام وسلم عليه بلهفة وقلق حقيقي:
"ألف سلامة على يزن يا أدهم.. ، علي قالي في الشركة إنه تعبان ومقدرتش استنى للصبح."
أدهم ابتسم : "الله يسلمك يا محمود بيه، تعبت نفسك والله.. هو دلوقت أحسن والحرارة نزلت."
نادية كملت بحنان: "تعب إيه يا أدهم؟ إنتوا دلوقت عيلتنا، ومحمود من ساعة ما عرف وهو مش على بعضه."
بعد دقايق، نزلت جميلة وهي لابسة لبس بيت أنيق ومحتشم، وسلمت عليهم بذوق وقعدت جنب نادية. محمود وأدهم استأذنوا ودخلوا المكتب عشان يتكلموا في شغل، وسابوا نادية وجميلة لوحدهم.
جميلة بدأت تبص لنادية بإعجاب، وقالت بابتسامة:
"واضح إن حضرتك ومحمود بيه بتحبوا بعض أوي .. نظراته ليكي فيها احترام وحب غريب."
نادية ضحكت برقة وردت بحب:
"أيوه يا جميلة.. محمود هو حياتي كلها. إحنا مرينا بكتير أوي عشان نكون مع بعض."
جميلة سألتها بفضول: "ممكن أعرف عرفتوا بعض إزاي؟"
نادية سكتت لحظة، وبصت للفراغ بحنين وبدأت تحكي:
"أنا عشت عمري كله في أمريكا.. أهلي مصريين بس بحكم شغلهم كنا بنقضي معظم السنة هناك. دخلت كلية الطب واتخرجت، وفجأة لقيت نفسي وحيدة بعد وفاة والدي ووالدتي.. ركزت في شغلي ونسيت موضوع الجواز ده خالص، لحد ما بقيت في أواخر التلاتينات."
اتنهدت وكملت: "في يوم، جت للمستشفى حالة بين الحياة والموت.. راجل في منتصف الأربعين، محروق تماماً، نص جسمه ووشه مشوهين من نار حادثة. كان هو المريض ده كان محمود.. قعد سنة كاملة في المستشفى بين عمليات تجميل وزراعة جلد عشان نغير ملامحه اللي النار أكلتها. في السنة دي، حبينا بعض من غير كلام.. هو كان هربان من ماضي أليم في مصر، وأنا كنت الدكتورة اللي داوت جروحه. اتجوزنا هناك وبدأنا من الصفر، وغيرنا كل حاجة.. حتى ملامحه وشكله بقوا مختلفين تماماً عن اللي كان عليه قبل الحادثة."
جميلة شهقت بتأثر ودموعها لمعت:
"واو.. بجد حكايتكم جميلة ولا في الروايات! محمود بيه ده بطل حقيقي."
نادية بابتسامة غامضة: "محمود بطل.. بس لسه قلبه محبوس في الماضي اللي هرب منه يا جميلة."
__________________________________
داخل المكتب
بدأ الكلام بينهم في الشغل، وأدهم شكره بامتنان حقيقي:
"نورتني يا محمود بيه.. بجد تعبت نفسك إنك تيجي في وقت زي ده عشان يزن"
محمود ابتسم وهز راسه بود:
"مفيش تعب يا أدهم، قولتلك يزن ده غالي عندي أوي رغم إني مشوفتوش.. وبعدين الشغل مبيخلصش، قولت بالمرة نراجع ملف الصفقة الأخيرة."
وهما بيتكلموا، أدهم لاحظ إن ملامح محمود بدأت تتغير، وبدأ ينهج نهجان خفيف ووشه شحب شوية، فسأله بقلق:
"محمود بيه.. إنت كويس؟ حاسس بتعب؟"
محمود سنده بإيده على المكتب وقال بصوت هادي:
"متقلقش يا ابني.. أنا عندي السكر بس، والظاهر إني دوخت شوية لأني خرجت النهاردة من غير ما أفطر كويس."
أدهم جسمه قشعر.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. "السكر؟". هو فاكر ذكريات والده كان عنده السكر وكان دايماً يدوخ لو مأكلش كويس. أدهم سكت تماماً، وسرح لثواني في ذكرى قديمة.. "مش معقول الصدف دي كلها!".
فجأة، افتكر العلامة اللي مكنتش بتفارق خياله. شامة كبيرة ومميزة كانت في رقبة أبوه من ورا، كان وهو طفل بيقعد وراه ويلمسها بصوابعه الصغيرة. أدهم قرر يقطع الشك باليقين.
مسك ملف من على المكتب، وبدأ يتحرك بخطوات هادية حوالين محمود وكأنه بيشرح حاجة في الورق، لحد ما بقى واقف وراه تماماً. وبحركة مقصودة، ساب الملف يقع من إيده على الأرض ورا كرسي محمود.
"أوه.. أنا أسف جداً، الملف وقع مني."
محمود بتلقائية وبسرعة نزل يميل بجسمه عشان يجيب الملف من على الأرض، وفي اللحظة دي، أدهم انتهز الفرصة وقرب عينه جداً من رقبة محمود وهو بيحبس أنفاسه.. كان مستني يشوف الشامة .
لكن الصدمة كانت أقوى.. أدهم ملقاش أي أثر للشامة. شاف بس جلد مشدود جداً،
أدهم رجع خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة، وحس بخيبة أمل ووجع في قلبه كأن حد طعنه. تنهد بحزن عميق ووشه انطفأ تماماً، وقال بصوت مخنوق وهو بياخد الملف من ايده:
"شكرا يا محمود بيه.. تسلم إيدك."
أدهم مكنش يعرف في اللحظة دي إن النار اللي حرقت جسم أبوه، أخدت معاها كل العلامات اللي كان بيعرفه بيها، وإن نادية وفريق الأطباء في أمريكا اضطروا يشيلوا طبقات كاملة من الجلد المحروق ويستبدلوها بجلد جديد، والعملية دي محت الشامة تماماً .
_________________________________
في مكان مهجور، بعيداً عن أضواء المدينة، كانت الرياح بتصفر بين المباني القديمة. وقف إبراهيم السويسي وجنبه راجل ملامحه غبرة، وعينيه فيها نظرة غدر مابتتغيرش..
ودار بينهم الحوار التالي :
المجهول:" أنا مش فاهم احنا مستتين ايه ؟هنتحرك امتى ؟"
ابراهيم وهو بينفخ سجارته :"اتقل عشان لما نتحرك نضمن القاضية لهم يا .. يا منصور"
منصور سكت بشر وهو بيفكر، وعينيه لمعت بذكاء شيطاني وهو بيبص لإبراهيم السويسي اللي ملامحه كانت مليانة الغل:
"عارف يا إبراهيم بيه.. أنا المرة دي مش هكتفي بالفلوس. أنا عايز أشوف أدهم السويسي وهو مكسور قدامي، زي ما كسرني وهددني في المستشفى. بكل جبروت عشان يدافع عن ياسمين، وميعرفش إن اللي بيحميها ويدافع عنها دي تبقى ... أخته ."
إبراهيم رمى السيجارة وداس عليها بعنف:
"أدهم طول عمره عامل فيها بطل، بس المرة دي السجادة هتتسحب من تحت رجليه."
إبراهيم بصل لمنصور بنظرة تقيم، ورجع بذاكرته لليوم اللي اللعبة فيه اتغيرت تماماً..
(فلاش باك)
بعد ما منصور خرج من الحبس، نار الانتقام كانت واكلة قلبه من علي وياسمين اللي كانوا السبب في دخوله السجن. بدأ يراقب علي زي ضله، وفي يوم كان واقف مستني قدام الشركة اللي على بيشتغل فيها، شاف إبراهيم السويسي خارج وملامحه مرعبة من الغضب بعد ما أدهم طرده.
منصور اتسمر مكانه، الوش ده مش غريب عليه، ده نفس الراجل اللي جاله من عشرين سنة بشنطة فلوس واتفق معاه ياخد البنت اليتيمة (ياسمين) من الملجأ ويختفي بيها، ويزور ورقها عشان يضمن إن أدهم وياسمين كل واحد يتربى في عيلة وبيئة مختلفة تماماً.. والهدف كان واحد: الثروة كلها تبقى لإبراهيم لوحده وما يظهرش وريث يشاركه.
منصور مشي ورا إبراهيم لحد ما قدر يوصل لمكانه ويواجهه، وهناك كانت الصدمة متبادلة!
إبراهيم اتصدم لما عرف إن علي الحارس الشخصي لأدهم يبقى جوز ياسمين بنت أخوه، ومنصور اتصدم لما عرف إن الشاب اللي كان مع علي في المستشفى وهدده بكل جبروت .. ده كان أدهم السويسي، أخوها الحقيقي اللي الدم حنّ ليه من غير ما يعرفوا!
من وقتها، الشيطانين اتحالفوا.. إبراهيم عايز يخلص من أدهم ومن أخته اللي ظهرت، ومنصور عايز يكسر أدهم اللي هدد كرامته، ويحرق قلب علي في مراته.
#رواية_عشقت_محتالة
البارت 19 و 20
جميلة انسحبت بهدوء ودخلت جناحها، كانت محتاجة تفصل من كل الأحداث والمشاعر المتلخبطة دي. فتحت المية السخنة واستسلمت لدوامة أفكارها تحت الشاور.
في الوقت ده، أدهم كان واقف قدام باب جناحها، متردد.. إيده اترفعت عشان تخبط بس نزلها تاني، وبعدين خد نفس عميق وخبط بهدوء. مكنش فيه رد، والظاهر إن صوت المية كان أعلى من خبطاته. فتح الباب ببطء ودخل، لقى الجناح فاضي، بس ريحة الورد والياسمين مالية المكان مع بخار المية اللي طالع من الحمام.
أدهم قعد على طرف السرير، ساند كوعه على ركبته وشابك إيديه، كان مستنيها وعنده إصرار إنه ميمشيش غير لما ينهي الخلاف ده. بعد شوية، باب الحمام اتفتح وخرجت جميلة وهي بتجفف شعرها بفوطة صغيرة، كانت لابسة برنص زيتي قصير لحد الركبة، وشعرها المبلول مديها شكل رقيق جداً ووشها كان مورد من سخونية المية.
جميلة كانت ماشية بتلقائية ومشغولة بتنشيف شعرها، وفجأة اتسمرت مكانها والشهقة انحبست في حلقها.. الفوطة وقعت من إيدها لما شافت أدهم قاعد على السرير وبيتأملها بعمق.
همست بتوتر وصوت مرعوش: "أدهم! إنت.. إنت هنا من امتى؟"
أدهم قام من مكانه ببطء، ملامحه كانت هادية بس عينيه كان فيها بريق غريب. بدأ يقرب منها وهي بتتحرك لورا بتوتر، وكل ما تاخد خطوة لورا يقرب هو خطوتين، لحد ما لقت ضهرها في الدولاب وهو محاصرها بدراعاته.
جميلة بدأت تنهج بصعوبة وقالت بصوت مهزوز: "ف..فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم باصلها لثواني في صمت، وبعدين وبدون أي مقدمات، سحبها لحضنه بقوة ودفن وشه في كتفها. جميلة اتجمدت من الصدمة، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حست إنه هيخرج من ضلوعه، بس بعد لحظات حست بجسمها بيسترخي في حضنه.
أدهم همس بنبرة هادية ودافية: "أنا آسف يا جميلة.."
جميلة رفعت راسها وهي لسه بين دراعاته، عينيها كانت بتلمع بالحيرة. أدهم لمس خدها اللي كان أحمر بلمسة حنونة وقال:
"أنا أول مرة أعتذر لحد في حياتي.. بس أنا عارف إني غلطت. وعارف إن ملوش مبرر إني أكون محتفظ بالصور دي، بس صدقيني يا جميلة، أنا مش بحبها حب راجل لست.. أنا نفسي مش فاهم مشاعري ناحيتها، بس بحس إنها مسؤوليتي، إني لازم أحميها.. إحساس مختلف تماماً عن اللي بحسه وأنا معاكي."
اتنهد وكمل وهو بيقرب من وشها أكتر: "أوعدك مش هخبي عليكي حاجة تاني، ومش هسمح للي حصل ده يتكرر.. مسمحاني؟"
جميلة بصت له بتوهان، كلامه لمس قلبها وقربه منها كان بيفقدها القدرة على التركيز. أدهم ضغط على خصرها بخفة وقال بإلحاح:
"قولي.. قولي أنا سمحتك يا أدهم."
جميلة بصوت يكاد يُسمع: "أنا.. أنا.."
أدهم همس بصوت أجش: "أنتي إيه؟"
جميلة استسلمت لمشاعرها وهمست: "سمحتك يا أدهم."
أدهم ابتسم بانتصار، وبدأ يقرب أكتر وكأنه عايز يعوض كل لحظة جفاء مرت بينهم، وفجأة.. الباب اتفتح ...
أدهم وجميلة اتنفضوا بعيد عن بعض، ولقوا يزن واقف بيفرك في عينيه بنوم وشعره منكوش، وبص لهم ببراءة وقال:
"أنتو روحتوا فين؟ صحيت ملقتش حد جنبي وخفت"
أدهم حاول يلم الموقف بسرعة ووشه بقى أحمر من الإحراج، وجميلة لفت وشها الناحية التانية وهي بتعدل البرنص بكسوف مش طبيعي.
أدهم حاول يتماسك بسرعة ورسم ابتسامة هادية وهو بيقرب من يزن اللي واقف ببراءة وسط الأوضة.
أدهم نزل لمستوى يزن وشاله بحنان:
"إحنا هنا يا بطل، أنا بس كنت بطمن على جميلة.. إنت صحيت ليه؟ لسه السخونية تعباك؟"
يزن حط راسه على كتف أدهم واتمسح فيه بطفولة، وهمس بنعاس:
"صحيت ملقتكوش جنبي، خوفت تكونوا سبتوني لوحدي."
أدهم باس راسه وطمنه:
"أنا أقدر أسيبك برضه؟ يلا يا حبيبي نرجع ننام عشان ترتاح وتخف بسرعة."
جميلة كانت واقفة متابعة الموقف بقلب بيدق بعنف، مش عارفة تفرح بـ "آسف" اللي قالها أدهم ولا تتوتر من القرب اللي حصل بينهم، بس نظرة أدهم ليها وهو خارج من الأوضة بيجر يزن وراه كانت كفيلة تخليها تنسى الدنيا..
(عن الثبات عالمبدأ أتحدث 😀)
_________________________________
كانت ياسمين واقفة في المطبخ، ضوء خافت مسلط على الرخامة وهي بتصب المشروب الدافي في المج الخاص بيها. إيدها كانت بتترعش خفيف وهي بتقلب بالمعلقة الصغيرة، وصوت رنين المعلقة في المج كان هو الصوت الوحيد اللي كاسر سكون الليل.
كانت حاسة بتعب غريب نهش جسمها فجأة، ودوخة خلتها تسند بإيدها التانية على الحوض عشان متقعش، خصوصاً بعد ما رجعت كل اللي في بطنها وحست إن طاقتها انتهت.
أخدت المج وخرجت من المطبخ بخطوات بطيئة وهي بتقول لنفسها:
"أشربه في الصالة أحسن.. لو دخلت الأوضة دلوقت علي ممكن يحس بيا ويقلق، وأنا مش عايزة أشغل باله."
ما لحقتش تقعد على الكنبة .. إلا واتفاجئت بـ "علي" خارج من الطرقة وملامحه باين عليها القلق، كان لابس فنلة قطن سوداء مبيّنة عضلات جسمه المشدودة من التوتر. أول ما شافها، جرى عليها وقعد جنبها ومسك إيدها بخوف حقيقي:
"حبيبتي.. قمتي من جنبي ليه؟ وبتشربي إيه في وقت زي ده؟"
ياسمين بصت له وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة عشان تداري تعبها، كانت لسه هتقوله على اللي حصل وإنها تعبانة، بس لما شافت نظرة الرعب في عينيه قررت تخبي وقالت بصوت هادي:
"مفيش يا حبيبي.. حاسة بس بشوية وجع بسيط في معدتي، قولت أعمل حاجة سخنة تريحني شوية."
علي اتنهد بضيق وقلق، وأخد المج من إيدها وحطه على التربيزة اللي قدامهم، وبعدين سحبها لحضنه وحاوطها بدراعاته القوية، وحط راسها على صدره بحنان مفرط. بدأ يبوس راسها وهو بيطمنها:
"سلامتك يا روح قلبي.. ألف سلامة عليكي."
مد إيده مسك المج وبدأ يبرد لها المشروب بنفخات هادية ومنتظمة عشان تعرف تشربه وهي مرتاحة. ياسمين رفعت عينها وبصت له بحب وشغف، وحست إن حضنه هو الدوا الحقيقي لأي وجع، وهمست بصوت رقيق:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
علي طبع بوسة طويلة على شعرها وهو بيشم ريحتها اللي بيعشقها، وقال بنبرة مليانة صدق:
"ويخليكي ليا يا أغلى ما ليا في الدنيا دي كلها."
ياسمين استسلمت لحضن علي الدافئ، وبدأت تحس إن التقلصات اللي في معدتها بدأت تهدأ تدريجياً مع دقات قلبه المنتظمة. كانت بتفكر في التعب اللي جالها فجأة ده، وياترى سببه إيه؟ بس خوف علي عليها كان كفيل يخليها تنسى أي وجع.
__________________________________
نزلت جميلة درجات السلم بخطوات هادية، وشعرها منسدل على ضهرها برقة ولابسة فستان بيتي بسيط، لكن ملامحها اتجمدت من الدهشة لما وصلت لآخر درجة. شافت منظر مكنتش تتخيله أبداً؛ أدهم السويسي، اللي دايماً لابس البدلة والرسمية هي عنوانه، كان قاعد على الأرض بكل بساطة، لابس هدوم بيتي مريحة وأنيقة في نفس الوقت، وماسك دراع البلايستيشن وبيلعب بحماس مع يزن.
رفعت حواجبها بذهول وقالت بصوت ناعم ممزوج بالاستغراب:
"أدهم! إنت مروحتش الشركة النهاردة؟ ده أنا افتكرت إني صحيت متأخر والبيت فاضي!"
أدهم رفع عينه ليها وابتسم ابتسامة صافية، ورجع ركز في الشاشة وهو بيحرك صوابعه بسرعة:
"لأ يا جميلة.. النهاردة قررت إن اليوم ده مش بتاع الشغل خالص، ده بتاع يزن وبتاعك. والظاهر كدة إن برستيجي في خطر لأن يزن غلبني في أول دور"
يزن ضحك بفرحة وهو بيتنطط جنب أدهم:
"بابا أدهم مش عارف يلعب يا جميلة، تعالي إنتي ساعديني وخليه يخسر تاني"
أدهم بصلها بتحدي ومرح وهو بيمد إيده بالدراع التاني:
"وريني شطارتك يا جميلة.. تعالي العبي معانا، ولا خايفة تخسري من أول دقيقة؟"
جميلة ضحكت وقربت قعدت جنبهم على الأرض بحماس:
"أنا أخسر؟ ده أنا اللي هعلمك اللعب على أصوله يا أدهم!"
بدأ الجو يتملي حماس ومرح، وجميلة بدأت تلعب بتركيز كبير، وأدهم كان بيراقب ملامحها وهي مندمجة وبتبتسم بكل عفوية. أدهم رغم خبرته في اللعبة، كان بيحاول يماطل عشان يطول اللحظة دي، ولأول مرة خسر نفسه بقصد عشان يفرحها.
جميلة أول ما شافت كلمة Winner على الشاشة باسمها، مسكت دراع البلايستيشن بصدمة وعدم تصديق، وفجأة صرخت بفرحة طفولية وقامت تتنطط مكانها:
"كسبت! كسبت أدهم السويسي ، اوعى اوعى أنا اللي غلبته "
أدهم وقف ببطء وهو بيتأمل شكلها ومنظرها وهي طايرة من الفرحة، الضحكة اللي نورت وشها نستُه كل همومه. ومن غير تفكير ومن كتر فرحتها، جميلة رمت نفسها في حضنه وهي بتضحك، وأدهم استقبلها بلهفة وشالها ولف بيها في وسط الصالة، ويزن واقف جنبهم بيسقف ويضحك بفرحة..
أدهم نزلها ببطء وهو لسه محاوط خصرها، وعينيه في عينيها وهمس بصوت دافي:
"مبروك يا جميلة.. بس خلي بالك، دي المرة الوحيدة اللي هسمحلك تغلبي أدهم السويسي فيها."
جميلة وشها احمر جداً لما استوعبت إنها في حضنه، وحاولت تبعد بكسوف وهي بتصلح شعرها، بس لمعة السعادة في عينيها كانت بتقول إن اليوم ده هو أجمل بداية لصفحة جديدة بينهم.
وبدأت تصلح شعرها بكسوف، وفجأة حطت إيدها على معدتها وضحكت بخفة وهي بتغير الموضوع :
"شكل كده الفرحة والمجهود اللي عملته عشان أكسبك ده خلوني أحس إني جعانة جداً.. أنا مكلتش حاجة من الصبح"
أدهم ابتسم وسحبها من إيدها برفق وقال بنبرة مليانة حماس:
"إحنا النهاردة مش هنفطر فطار عادي.. إحنا هنعمل حفلة باربيكيو ونشوي في الجنينة ونقضي اليوم كله في الشمس والهوا ... ايه رأيكم؟؟"
جميلة عينيها لمعت بحماس وقالت:
"بجد يا أدهم؟ الفكرة تجنن أنا بحب الشوي أوي في الجو ده."
أدهم ضحك وبص ليزن اللي كان بيتنطط حواليهم وقال:
"يلا بينا بقى يا بطل إنت وجميلة، مش عايزين نضيع وقت. قوموا معايا نجهز الحاجة، نطلع الحاجة اللي هنشويها، ونتبل كل حاجة ونجهز الأسياخ قبل ما الشمس تحمى."
جميلة وافقت بحماس كبير وقالت وهي بتشمر كمامها:
"أنا جاهزة جداً ،هسبقكم على المطبخ أطلع البهارات والخضار اللي هنحتاجه، وإنت يا أدهم هات اللحمة وحصلني عشان نبدأ فوراً."
وبالفعل، اتحركوا كلهم ناحية المطبخ في حالة من البهجة والنشاط، وبدأت جميلة تجهز التتبيلة وتفرك اللحمة بالبهارات بمهارة، وأدهم واقف جنبها بيساعدها ويوزع المهام على يزن الصغير، والضحكة مش مفارقة وشوشهم وكأن القصر أخيراً بدأ يتنفس سعادة حقيقية.
__________________________________
أثناء ما كانوا قاعدين على السفرة بيفطروا في جو هادي، كانت ياسمين بتقلب في طبقها بشرود، ونفسها مسدودة تماماً عن الأكل. علي لاحظ هدوئها وتعبها، فقطع شريحة خيار وحطها قدام بقها وهو بيتبسم بحنان:
"عشان خاطري يا ياسمين، كلي دي بس عشان تسندك طول اليوم، وشك دبلان خالص يا حبيبتي."
ياسمين هزت راسها بابتسامة باهتة، وأخدتها منه وكلتها بالعافية وهي بتحاول تمنع إحساس الغثيان اللي بيطاردها من الصبح. أول ما خلصوا، علي قام عشان يطلع أوضته يجهز نفسه للخروج، وساب ياسمين مع منى على السفرة.
جميلة مالت عليها بفضول وقلق وسألتها:
"مالك يا ياسمين؟ شكلك مش عاجبني خالص النهاردة. "
ياسمين اتنهدت وسندت راسها على إيدها:
"مش عارفة يا خالتو، ماليش نفس لأي أكل، وبالليل تعبت أوي ورجعت كل اللي في بطني، وحاسة جسمي همدان بطريقة غريبة."
جميلة سكتت شوية، وقربت من ودن ياسمين وهمست لها بكلمات خلت ياسمين تتنفض في مكانها. ياسمين عضت على شفايفها بخجل وتوتر وقالت بصوت واطي:
"مش عارفة.. أنا بقالي فترة مش مركزة خالص في الموضوع ده، ومش متابعة مواعيدي من كتر الدوشة اللي إحنا فيها."
جميلة ضحكت بخفة وطبطبت على كتفها:
"يا حبيبتي لازم تحسبي وتاخدي بالك، أنتي دلوقتي متجوزة وده احتمال كبير جداً. بصي، أول ما علي ينزل، أنا هطلب من الصيدلية اللي تحتنا كذا اختبار حمل عشان نتأكد ونقطع الشك باليقين."
ياسمين هزت راسها وهي في حالة ذهول، وعينيها لمعت بدموع الفرحة والخوف في نفس الوقت، وهمست لنفسها:
"معقولة؟ معقولة أكون حامل ؟!
ياسمين فضلت قاعدة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، بس قلبها كان بيدق بسرعة من مجرد الفكرة. "حامل؟" الكلمة كانت بترن في ودنها زي الموسيقى.فكرة إن يكون فيه طفل منها هي وعلي هيتوج الحب ده خلت دموع الفرحة تلمع في عينيها.
__________________________________
في ذلك الوكر المهجور، حيث تتراقص الظلال على الجدران المتشققة بفعل ضوء خافت، كان إبراهيم السويسي يقف كتمثال من غل، ينفث دخان سيجارته التي لم تنطفئ منذ ساعات. وبجانبه منصور، الذي بدا وجهه أكثر غبرة وقسوة تحت هذا الضوء، وعيناه تلمعان بذكاء شيطاني لا يهدأ.
ساد صمت طويل لم يقطعه سوى صفير الرياح، قبل أن يقطعه منصور بصوته المتحشرج:
"إحنا طولنا أوي يا إبراهيم بيه.. أدهم السويسي دلوقت عايش حياته في القصر ولا كأنه عمل حاجة، والبت ياسمين اللي كانت تحت إيدي زمان، دلوقت بقت محمية في حتة حارس اللي كان السبب في حبسي.. الصبر له حدود بردو."
إبراهيم التفت له ببطء، وعيناه تشتعلان بنار باردة:
"الصبر هو اللي هيخلينا ناكلهم وهم صاحيين يا منصور. أدهم فاكر إنه ملك الدنيا، .. والنهاردة، الضربة مش هتكون في ماله ولا في شركته، الضربة هتكون في النخاع."
منصور قرب منه بفضول: "قصدك إيه؟"
إبراهيم كمل وهو بيطفي السيجارة ببرود في جدار متهالك:
"أدهم عنده نقطة ضعف واحدة، طفل ملوش ذنب بس هو اللي هيحرق قلبه.. "يزن". الولد ده هو روح أدهم، ولو يزن اختفى، أدهم السويسي هيتحول لجثة ماشية على الأرض، هيفقد عقله، وده اللي أنا عايزه.. عايزه يدور حول نفسه زي المجنون."
منصور ضحك ضحكة مكتومة مرعبة:
"ياااه.. دي هتبقى ضربة معلم. . بس أنا مش عايز بس الولد، أنا ليا حق عند ياسمين وعلي متنسااش."
إبراهيم حط إيده على كتف منصور وضغط بقوة، وعينيه فيها وعد شيطاني:
"اسمع يا منصور.. الولد مجرد البداية. أنا بوعدك، والمرة دي وعد السويسي اللي ميرجعش فيه، بعد ما نخطف يزن ونربك حساباتهم، ياسمين هتكون ليك. هخطفهالك من وسط بيتها في نفس الوقت ... ياسمين هترجع تحت طوعك تاني، والمرة دي محدش هيقدر ينجدها، لا علي ولا غيره."
منصور عينه لمعت بجنون: "يعني ياسمين هتبقى في إيدي بجد؟"
إبراهيم بابتسامة غدر:
"أيوة.. هتاخدها وتختفي بيها في المكان اللي يعجبك، وتكسر بيها عين علي اللي اتحدى أسياده. إحنا هنخطف يزن عشان نكسرهم، وبعدين هنخطف ياسمين عشان ننهيهم. عايز أدهم يفضل عايش بس ميت من جوه، يشوف عيلته بتتدمر قدام عينيه وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور بدأ يجهز سلاحه وهو بيلهث من الحماس:
"كدة الكلام دخل في الجد. أنا مجهز العربية والرجالة على أول طريق القصر. هندخل من السور الخلفي ."
إبراهيم بصرامة مرعبة:
"مش عايز غلطة يا منصور.. عايز يزن مجرد وسيلة ضغط، وياسمين هي الجايزة بتاعتك.
منصور بتحية عسكرية ساخرة:
"اعتبر القصر بقى تحت رجلك يا باشا.. والليل مش هيطلع غير والصرخة مالية المكان."
__________________________________
منى طلعت بسرعة لياسمين وهي مخبية الاختبارات في إيدها، دخلت الغرفة وقفلت الباب وراها بحذر، وقربت من ياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير وإيدها بتترعش.
منى مدت إيدها بالاختبارات وقالت بصوت واطي ومشجع:
"يلا يا ياسمين.. خدي دول وادخلي الحمام، اعمليهم وأنا هستناكي هنا بره مش هتحرك. اهدي خالص وسمي الله."
ياسمين هزت راسها بتوتر شديد، وأخدت الاختبارات ودخلت الحمام. قعدت دقايق كانت بتمر عليها كأنها سنين، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه. وبعد لحظات، خرجت ياسمين والدموع مغرقة وشها ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بس مدت إيدها لمنى بالاختبار.
منى أخدت منها الاختبار بسرعة وقالت بلهفة:
"اهدي يا حبيبتي، هو لسه مبانش.. ثواني وهتظهر النتيجة، ادعي يا ياسمين."
عدت ثواني معدودة وياسمين واقفة على أعصابها، بتفرك في إيدها وعينيها مش مفارقة الاختبار اللي في إيد منى. وفجأة، منى شهقت بصوت عالي وعينيها برقت وهي بتبص للجهاز:
"ياسمين! بصي.. ظهر شرطتين! شرطتين واضحين زي الشمس!"
ياسمين سألت بجهل وعدم استيعاب وهي لسه بتعيط:
"يعني إيه يا خالتو؟ الشرطتين دول معناهم إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.."
منى مكنتش قادرة تمسك نفسها من الفرحة، صرخت صرخة مكتومة وضحكت بدموع:
"يعني حامل يا ياسمين! حامل يا روح قلبي، الشرطتين يعني فيه بيبي جاي في الطريق!"
وفي لحظة، منى زغردت زغرودة قصيرة من فرحتها وحضنت ياسمين بكل قوتها، وياسمين انفجرت في العياط بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة، ودفنت راسها في كتف منى وهي بتقول بشهقات:
"الحمد لله يا رب.. الحمد لله. أنا مش مصدقة يا خالتو .. معقولة هجيب بيبي لعلي؟ معقولة هبقى أم؟"
منى بعدت عنها شوية وهي بتمسح دموعها وقالت بابتسامة واسعة:
"ألف مبروك يا أغلى ياسمين في الدنيا.. علي هيطير من الفرحة، والبيت كله هيتغير بالخبر ده. لازم تصلي ركعتين شكر لله يا حبيبتي على الهدية العظيمة دي."
ياسمين هزت راسها وهي بتمسح وشها وبتحاول تستوعب الخبر، وقالت بصوت مرعوش من السعادة:
"حاضر.. هقوم أصلي حالاً."
__________________________________
فجأة، قطع صوت رنين تليفون أدهم هدوء اللحظة الجميلة اللي كان عايشها. أدهم بص للشاشة ولقى المتصل "علي"، ملامحه اتغيرت فوراً وبعد بعيد عن جميلة ويزن عشان ميتوتروش، ورد بجدية:
"أيوة يا علي.. فيه إيه؟"
صوت علي كان طالع منهج ومرتبك:
"أدهم، لازم تيجي الشركة حالاً! فيه كارثة.. ورق الصفقة الجديدة والمستندات المهمة اللي كنا شغالين عليها اتسرقت من الخزنة!"
أدهم غمض عينه بضيق واتنهد بعمق وهو بيحاول يتمالك أعصابه، ورد عليه بنبرة حادة:
"إنت بتقول إيه يا علي؟ إزاي ده حصل؟ وإزاي الورق يتسحب من غير ما حد يحس؟ إنت ناسي أنا قاعد في البيت النهاردة ليه؟"
علي رد بصوت واطي: "عارف يا أدهم، بس الموضوع ضروري. لازم تيجي بنفسك نشوف الكاميرات ونتصرف."
أدهم بصرامة: "أنا جاي.. بس اسمعني كويس، ابعت فرقة حرس إضافية حالاً للقصر، مش عايز نملة تدخل ولا تخرج، فاهم؟"
فلاش باك (ليلة أمس)
بعد ما محمود الشافعي ونادية مشيوا من القصر، أدهم جاله اتصال من "علي" بلغه فيه إن أمن الشركة رصد اتنين مراقبين القصر والشركة بشكل مريب. لما جابوهم وهددوهم بالحبس اعترفوا إنهم رجالة إبراهيم وهو اللي باعتهم .
أدهم وقتها اتأكد إن إبراهيم بدأ يلعب في المكشوف، وعشان كدة قرر إنه ميخرجش للشركة تاني يوم ويفضل جنب جميلة وياسمين ويزن ويشدد الحرس، وكان بيحاول يداري قلقه ده بجو اللعب عشان ميخوفهمش.
العودة للواقع ..
أدهم قفل التليفون ولف لجميلة ويزن، ملامحه كانت اتحولت تماماً للجمود والقوة، وبص لجميلة وقال بنبرة مفيش فيها نقاش:
"جميلة، خدي يزن وادخلوا القصر فوراً.. ومحدش فيكم يخرج للجنينة أو يقرب من الشبابيك مهما حصل، فاهمة؟"
جميلة استغربت جداً من التحول المفاجئ ده وسألت بقلق:
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت لسه قايل إنك إجازة وهنقعد سوا! ليه وشك اتغير كدة؟"
أدهم مسك إيدها وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
"جميلة، اسمعي الكلام ونفذيه من غير أسئلة دلوقت.. ادخلي جوه واقعدي مع يزن، أنا لازم أروح الشركة ضروري جداً وهرجع مش هغيب. ادخلوا وماتخرجوش أبداً لحد ما أرجع."
جميلة حست إن فيه خطر كبير بيقرب، هزت راسها بخوف وهي بتنادي على يزن وتدخل بسرعة، وأدهم فضل واقف مكانه لحد ما اطمن إنهم دخلوا، وبدأ يدي أوامر للحرس بلهجة حاسمة وهو بيجهز نفسه للمواجهة اللي عارف إنها بدأت فعلاً.
__________________________________
ياسمين كانت لسه قاعدة على سجادة الصلاة، قلبها مليان سكينة ورضا وهي بتهمس بكلمات الشكر لربنا على الهدية اللي وهبها لها. كانت حاسة إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً، وإيدها بتتحرك بتلقائية وتمسح على بطنها بحنان وهي لسه مش مصدقة إن فيه روح بتكبر جواها..
فجأة، صوت خبط قوي وعنيف على الباب قطع لحظة الخشوع دي. منى قامت بسرعة وهي بتبتسم وقالت:
"ده أكيد علي يا ياسمين! تلاقيه قلبه حاسس ورجع بدري عشان يطمن عليكي.. استني هفتح له أنا."
ياسمين فركت إيدها بتوتر وخجل، وقلبها بدأ يدق بسرعة وهي بتفكر هتقوله الخبر إزاي. لكن الابتسامة دي اتحولت لصرخة رعب في ثانية واحدة.. بمجرد ما منى فتحت الباب، اقتحم المكان أربع رجالة ضخام بملامح إجرامية مرعبة.
واحد منهم زق منى بقوة لدرجة إنها خبطت في الحيطة، ولما حاولت تصرخ وتستنجد، عاجلها التاني بضربة عنيفة بعصاية غليظة على دماغها، وقعت منى مكانها غرقانة في دمها وفاقدة النطق.
ياسمين اتصنمت مكانها على سجادة الصلاة، عينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت حركتها تماماً. الرجالة انتشروا في الشقة زي الشياطين لحد ما عيونهم وقعت عليها. واحد منهم قرب منها بضحكة خبيثة وقال:
"هي دي.. تعالي ياحلوة."
ياسمين بدأت تصرخ بهستيريا وهي بتحاول تبعد وتتحامى في ركن الأوضة:
"إنتوا مين؟! عايزين مني إيه؟! يا علي ..يا علي ".
لكن مكنش فيه مجيب.. واحد منهم هجم عليها وشل حركتها بقوة، والتاني طلع منديل مبلل بمادة مخدرة ريحتها نفاذة وكتم نفسها. ياسمين حاولت تقاوم وتزق إيده وهي بتفكر في جنينها اللي لسه مشافش النور، لكن في ظرف ثواني، بدأت الرؤية تتشوش قدامها وجسمها ارتخى تماماً وفقدت الوعي.
شالها واحد منهم على كتفه ببرود وخرجوا من الشقة بسرعة البرق، وسابوا منى سايحة في دمها، والبيت اللي كان من دقايق مليان فرحة، بقى ريحة الموت والخوف مغطية كل ركن فيه.
__________________________________
أدهم خرج من القصر بقلب مقبوض، وعيونه كانت بتراقب كل ركن في الجنينة وهو بيتحرك بأسطول عربياته. كان حاسس إن فيه خيط رفيع بيتشد، بس الواجب وضغط الشغل خلاه يضغط على شكوكه.
أول ما وصل الشركة، لقى الموظفين والأمن في حالة هرج ومرج. دخل مكتبه زي الإعصار ووراه "علي" اللي كان وشه مخطوف.
"الورق فين يا علي؟ إزاي يختفي من الخزنة المصفحة؟"
بدأوا يقلبوا المكتب والشركة كلها، وعدت نص ساعة من البحث بدون نتيجة .
أدهم قعد على كرسي مكتبه بتعب وفجأة، وبالصدفة البحتة، لمح طرف ملف غريب في درج مكتبه الخاص..
سحبه بسرعة وفتحه، ولقى الورق المسروق موجود بالكامل.
أدهم نادى بصوت جهوري: "علي! لقيته.. الورق هنا!"
علي جرى عليه وفرح: "الحمد لله يا أدهم! أكيد الموظف اللي كان شايله غلط وحطه هنا.."
بس أدهم مكنش فرحان، كان فيه برود غريب سكن أطرافه. الإحساس ده مكنش منطقي.. فتح الملف بتركيز، ووقعت منه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مستفز:
"تعيش وتأخد غيرها يا سويسي.. النهاردة اللعب على التقيل."
أدهم اتجمد مكانه، والورقة وقعت من إيده. في ثانية، طلع موبايله اللي رابطه بسيستم كاميرات مراقبة القصر، وبمجرد ما فتح الشاشة، الدنيا اسودت في عينه.
المنظر كان مرعب.. الحرس اللي سابهم قدام البوابة وورا السور كانوا مرميين في كل حتة زي خليه نحل مهدومة، معظمهم جثث والدم مغرق المكان. أدهم صرخته اتحبست في زوره، وإيده بدأت ترتعش بشكل جنوني وهو بيقلب الكاميرات.
ضغط على كاميرات الخاصة بداخل القصر ... الصالون.. هدوء قاتل وسكون مريب. قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس بوجع في صدره. بصوابع مرتعشة، ضغط على كاميرات الدور اللي فوق.. وتحديداً الطرقة اللي قدام الأوض.
في اللحظة دي، أدهم اتصنم كأن روحه هربت من جسمه، ومويايله كاد يقع من إيده.
على شاشة الموبايل، كانت جميلة واقعة على أرضية الطرقة، نايمة على بطنها في وضع يقطع القلب، وتحتها بركة دم كبيرة بدأت مغطية الرخام الأبيض من تحتها
"جميلة!! لأ.. لأ يا جميلة!"
أدهم صرخ بكل قوته وهو بيلف ناحية الباب، وعلي كان وراه مش فاهم حاجة غير إن فيه كارثة حصلت. أدهم ركب عربيته وطار بيها ناحية القصر وهو بيسابق الزمن، وصورة جميلة وهي غرقانة في دمها مش بتفارق عينه، وعقله شغال بيسأل مليون سؤال من ضمنهم :"يزن فين؟؟؟
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق