القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية عشقت محتالة الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون والسادس وعشرون بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه

 رواية عشقت محتالة الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون والسادس وعشرون بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه 



رواية عشقت محتالة الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون والسادس وعشرون بقلم الكاتبة سلمى جاد حصريه 




البارت 21

أسطول العربيات عمل صريرة مرعب على الأرض والتراب ملى المكان، وفرملت العربيات فجأة قدام باب القصر المفتوح على آخره. أدهم نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، وعلي كان في ضهره.


أدهم دخل القصر وهو بينهج، وصوت أنفاسه كان هو الوحيد اللي مسموع في وسط سكون مريب، سكون يقبض القلب. بدأ يطلع درجات السلم بسرعة جنونية، وقلبه بيدق طبول في صدره.. وفجأة وقف.


تسمر مكانه في طرقة الدور اللي فوق، عينيه وسعت بذهول، ولف براسه ببطء ناحية اليمين.. وفي اللحظة دي حس ببرودة تلج سكنت جسمه كله، وأطرافه اتجمدت مكانها. شافها.. جميلة.


جسمها كان ساكن تماماً على الأرض، زي جثة هامدة غرقانة في صمتها، نايمة على بطنها وشعرها مداري وشها، وتحتها بركة من الدم بدأت تنشف وتنتشر على الرخام الأبيض.

"جميلة!!"


صرخ أدهم بوجع هز حيطان القصر، وجرى عليها وارتمى على ركبه جنبها. رفع شعرها عن وشها بإيد بتترعش، لقى عينيها مقفولة وشها شاحب زي الورق. بدأ يهمس باسمها بصوت مخنوق ومكسور:

"جميلة.. ردي عليا يا جميلة.. فتحي عينك يا حبيبتي، أنا جيت أهو.. قومي عشان خاطري."


بدأ يحركها بانهيار وغياب وعي وهو بيحاول يشيلها، لكن علي لحقه بسرعة ومسك إيده بقوة عشان يوقفه:

"أدهم! أوعى تحركها.. متحركهاش دلوقتي يا أدهم، الطعنة ممكن تكون مأثرة على حاجة جوه، والحركة غلط.. لازم نوديها المستشفى حالاً بالإسعاف اللي جت تحت."


أدهم هز راسه بوجع وهو ضاغط على إيد جميلة بقوة، وعيونه مش مفارقة وشها. في اللحظة دي، واحد من الحراس اللي نجوا جرى عليهم وهو ماسك جنبه وبينزف، وقال بصوت متقطع:

"أدهم بيه.. للأسف.. يزن بيه اتخطف.. إحنا أسفيييين."


أدهم غمض عينه بألم رهيب، وضغط على سنانه لدرجة إن فكه كان هيتكسر، وشدد قبضة إيده على إيد جميلة وهو بيحاول يستجمع قوته.


في المستشفى

تم نقل جميلة بسرعة البرق، ودخلت غرفة العمليات فوراً، وأدهم وعلي فضلوا مستنيين بره في حالة من الضياع. أدهم كان قاعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه، وهدومه لسه عليها أثر دم جميلة.


فجأة، موبايل علي رن بصوت عالي في هدوء الطرقة. علي طلع الموبايل واستغرب لما لقى  بواب العمارة متصل بيه أكتر من عشر مرات. ضيق المسافة بين حواجبه بقلق ورد بسرعة:

"أيوة يا عم رمضان.. فيه إيه؟"


صوت رمضان جاله لاهث ومرعوب:

"يا علي بيه الحق! أنا لقيت باب شقة حضرتك مفتوح على آخره، قعدت أنادي مفيش حد رد.. ولما دخلت، لقيت الست  منى واقعة على الأرض وبتنزف، ومدام ياسمين مش موجودة في الشقة خالص يا بيه!"


علي بص لنقطة في الفراغ وجسمه اتصنم وف ثواني كان بيجري خارج من المستشفى .. وأدهم كان في عالم تاني وملاحظش غيابه.

_________________________________


علي وصل قدام باب الشقة، رجله كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، والسكوت اللي طالع من جوه كان بيخنق أنفاسه. دخل بخطوات مرعوشة، البيت اللي كان دايما دافي بحس ياسمين، بقى بارد وفاضي بشكل مرعب.


أول ما عينه وقعت على الصالة، اتصنم مكانه والدم هرب من عروقه؛ شاف خالته "منى" واقعة في الأرض غرقانة في دمها وفاقدة الوعي تماماً، ومنظر الشقة المكركب بيقول إن فيه معركة حصلت هنا.


 علي انهار على ركبه قصادها، الدموع كانت محبوسة في عينه من الصدمة، وبإيد بترتعش حاول يجس نبضها، لقى لسه فيه أمل.. شالها بين إيديه وهو بيحاول يفوق نفسه ويستجمع شتات عقله اللي طار، وجري بيها على المستشفى .


______________________________


في اللحظة اللي أدهم كان واقف فيها والدم غلي في عروقه، باب العمليات اتفتح فجأة وعلى آخره، وخرج الدكتور وهو بيمسح جبينه من تعب العملية. أدهم ملقاش نفسه غير وهو بيجري ناحيته، ملامحه كانت مرعبة وعيونه بتسأل قبل لسانه:

"دكتور! طمني.. جميلة عامله إيه؟"


الدكتور أخد نفسه وهز راسه بطمأنينة لأدهم وقال:

"اطمن يا أدهم بيه، الحمد لله.. رغم النزيف الكتير اللي حصل لها إلا إن ربنا ستر، الطعنة مأصابتش أي عضو حيوي، وكانت بتبعد كام سنتي بس عن الكلية.. إحنا قدرنا نسيطر على الموقف وهي دلوقتي حالتها مستقرة، وهننقلها حالاً لغرفة عادية."


أدهم غمض عينه وخد نفس طويل وكأن الروح رجعت له من تاني، وما هي إلا ثواني وخرج السرير المتحرك من العمليات، وجميلة كانت نايمة عليه، وشها شاحب زي الورق، والممرضين بيجروا بالسرير بسرعة ناحية الغرفة المجهزة لها.


أدهم مشي جنب السرير وهو ماسك إيدها الباردة، ودخلوها الأوضة وبدأوا يركبوا لها المحاليل. قعد جنبها وعينه مش بتفارق ملامحها


أدهم كان قاعد على الكرسي جنب سرير جميلة، عينه مش بتفارق ملامحها. القلق بدأ ينهش في قلبه مش بس على جميلة ويزن، لكن في حاجة تانية كانت شاغلة باله.. علي.


علي مختفي تماماً، لا رد على تليفونات ولا حس، وأدهم عارف إن علي مستحيل يختفي في وقت زي ده إلا لو فيه كارثة تانية حصلت. طلع تليفونه للمرة العاشرة، وطلب رقم علي، والرد كان المعتاد: "الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة".


أدهم ضغط على التليفون بغضب لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت، وقام وقف فجأة وخرج برا الأوضة، لقى واحد من الحراس واقف حراسة، شاور له بحدة:

"بقولك إيه.. علي مختفي بقاله فترة وتليفونه مقفول. تقلب لي الدنيا عليه دلوقتي، فاهم؟


الحارس هز راسه بسرعة: "أمرك يا أدهم بيه"


أدهم رجع دخل الأوضة تاني، وجوا كأنه سباق مع الزمن. قعد جنب السرير، وبدأت ملامح جميلة تتحرك ببطء، وجفنها اترعش قبل ما تفتح عينيها بصعوبة. أول ما شافت أدهم قدامها، ملامحها اتنفضت بالرعب، وصرخت صرخة مكتومة وهي بتنطق اسم "يزن" بهستيريا:

"يزن!! يزن يا أدهم! خدوا يزن!"


بدأت تعيط بحرقة وجسمها كله بيترعش، أدهم سحبها لحضنه بسرعة وهو بيحاول يهدّيها بصوته المبحوح:

"اهدي يا جميلة.. اهدي يا حبيبتي، أنا جنبك.. يزن هيرجع، والله هيرجع، بس اهدي عشان جرحك."


جميلة فضلت تبكي في حضنه وهي بتشهق، وبعد دقايق بدأت تهدى شوية، وأدهم بعد وشها عنه وبص في عينيها بحنان ممزوج بالغضب:

"احكي لي يا جميلة.. إيه اللي حصل بالظبط؟ "


جميلة حكت له ، وإزاي الملثمين طعنوها لما حاولت تمنعهم وأخدوا يزن من بين إيديها. أدهم كان بيسمع وعروق جبهته بتبرز من كتر الغل. وفجأة، الباب خبط ودخل الحارس اللي كان بعته يدور على علي، كان بينهج ووشه مخطوف:

"يا أدهم بيه.. أنا رحت بيت علي بيه زي ما أمرت، . البواب قالي إن فيه رجالة اقتحموا الشقة، ومدام ياسمين اختفت تماماً..

 وملحقوش يوصلوا لحد غير 'الست منى' خالة علي بيه، لقوها مرمية على الأرض غرقانة في دمها، وعلي لسه واصل بيها المستشفى حالاً."


أدهم اتنفض مكانه، والدم هرب من وشه، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.. همس باسمها بذهول ووجع:

"ياسمين!..


أدهم طلع موبايله بسرعة والمرة دي إيده كانت بتترعش بجد، طلب رقم علي وهو بيدعي إنه يرد.. وبالفعل، بعد كام جرس، جه صوت علي باهت ومكسور:

"أيوة يا أدهم.."


أدهم نطق بلهفة وعصبية:

"علي! إيه اللي حصل عندك؟ ياسمين فين يا علي؟ الحرس بيقولوا إنها مش موجودة!"


علي سكت لثانية، وصوت شهقة مكتومة طلعت منه وقال بنبرة مليانة عجز:

"مش عارف يا أدهم.. مش فاهم حاجة خالص. رجعت لقيت الدنيا مقلوبة، الشقة مكسورة وخالتي سايحة في دمها وياسمين ملهاش أثر.. أنا دلوقتي واقف قدام العمليات مستني حد يطمنني على خالتي، ومخي هيوقف من التفكير.


أدهم أخد نفس عميق وحاول يسيطر على بركان الغضب اللي جواه، غمض عينه بقوة وهو بيضغط على قبضة إيده. التفت لجميلة اللي كانت ملامحها بدأت تسترخي واستسلمت للنوم مرة تانية من كتر الإرهاق والألم اللي مرت بيه، 


قرب منها بحنان ومسح على شعرها، وباس رأسها بوسة طويلة مليانة وعد بالانتقام.

قام أدهم وخرج من الغرفة، وشه كان زي لوح الثلج، وقف قدام الحراس اللي محاصرين الطرقة وقال بصوت واطي وحازم:


"عينيكم متغفلش ثانية واحدة عن الباب ده.. أي حد يقرب، ملوش عندي غير الرصاص. فاهمين؟"


الحراس ردوا بصوت واحد: "تمام يا أدهم بيه!"


أدهم سابهم ومشي بخطوات سريعة وواثقة في طرقة المستشفى، ركب عربيته وانطلق بأقصى سرعة للمستشفى التانية اللي فيها علي..


__________________________________


قاعد قدام الشاشة، عينه مش مفارقة الكاميرا اللي متركبة فوق باب العمارة.. 

علي بيعيد الفيديو للمرة الألف.. الكادر ثابت على مدخل العمارة، وفجأة بيظهروا.. اتنين ملثمين، حركتهم سريعة، شايلين ياسمين بين إيديهم وهي غايبة عن الدنيا تماماً، كأنها عروسة خشب مفيهاش روح.


شالوها وركبوها في عربية كانت راكنة بالظبط قدام البوابة، كأنهم مرتبين كل حاجة بالمللي ..علي كل ما يعيد اللقطة، قبضته بتزيد.. مفاصل إيده بدأت تبيضّ من كتر الضغط، وعروق رقبته هتنطق من الغل. الفيديو بيخلص، ويبدأ من تاني.. هو شايف كل حاجة، بس مش عارف يلمس حاجة.


 فجأة، حس بإيد بتتحط على كتفه، لف لقى أدهم واقف وعيونه محملة بوجع وغضب مكتوم. أدهم سحبه لحضنه وطبطب عليه بقوة وهو بيسأله بصوت مبحوح:

"إيه الأخبار يا علي؟ طمني.. إيه اللي حصل بالظبط؟"


علي بعد عنه وهو بيمسح وشه بضياع ورد بنبرة مكسورة:

"مش فاهم حاجة يا أدهم.. حاسس إني في كابوس. خالتي منى جوه بين الحياة والموت، وياسمين اتخطفت.. بيتي اتكسر وعرضي اتهان وأنا مش عارف مين اللي عمل كدة ولا هما فين!"


أدهم اتنهد بغضب زلزل صدره، وقعد علي على الكرسي وقعد جنبه وهو بيحاول يثبته:

"استهدي بالله يا علي.. إن شاء الله خير، وياسمين هترجع. اللي عمل كدة حسابه معايا عسير"


فجأة، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور، راجل كبير في السن وعلى وشحه ملامح وقار وهدوء. علي قام جرى عليه بلهفة:

"طمني يا دكتور.. خالتي منى عاملة إيه؟ أرجوك قولي إنها بخير."


الدكتور ابتسم طمأنه وهو بيقلع النظارة:

"اهدى يا ابني، الحمد لله.. النزيف وقف والضربة مجتش في مكان قاتل. هي كويسة دلوقتي، بس محتاجة تفضل تحت الملاحظة يومين لحد ما حالتها تستقر تماماً."


علي اتنهد براحة مكسورة وهز راسه بالشكر. وأثناء ما هما واقفين، موبايل أدهم رن برقم مجهول. أدهم سكت تماماً وعيونه برقت، فتح الخط وجاله الصوت اللي بيكرهه أكتر من أي حاجة في الدنيا.. صوت إبراهيم السويسي بضحكته الشيطانية:


"إزيك يا ابن أخويا؟ وحشتني يا أدهم.. قولت أسلم عليك وأطمنك إن الأمانة وصلت بسلام."


أدهم عروق رقبته برزت وصرخ بغضب مكتوم وهو بيضغط على الموبايل:

" يزن فين يا إبراهيم!! ؟ لو لمست شعرة منه هنهي نسلك كله ..انت فاهم؟"


إبراهيم رد ببرود مستفز:

"الولد معايا وفي عنيا، متقلقش.. بس لو عاوزه يرجع لحضنك سليم، تجيلي بكرة في المكان والزمان اللي هحددهولك، ومعاك التنازل اللي إنت عارفه. سلام يا بطل."


الخط قطع، وأدهم كان الغضب بيتطاير من عينيه لدرجة تخوف. علي، رغم جرحه، قرب منه وربت على كتفه بقوة وقال:

"إن شاء الله هيرجع يا أدهم.. يزن ابني زي ما يكون ابنك، والله ما هنسيب إبراهيم غير وهو ميت تحت إيدينا. أنا معاك لآخر نفس."


أدهم بص لعلي بأسف وقال بنبرة واطية:

"أنا عارف إن ظروفك صعبة يا علي، ومش حمل إنك تشيل همي وهم يزن دلوقتي، بس وحياة غلاوة ياسمين عندك لترجع بالسلامة


 هز راسه بأمل وهو بيحاول يصدق ، والاتنين مكنوش يعرفوا إن ياسمين ويزن في الحقيقة موجودين في نفس المكان، وإن اللي خاطفهم واحد .


__________________________________


في عتمة المخزن المهجور، كانت خيوط العنكبوت بتتحرك مع كل نفس غل بيخرج من إبراهيم السويسي. منصور كان واقف قدامه وبيمسح على سلاحه ببرود، بس فجأة بص لإبراهيم باستغراب وسأله بنبرة حيرة:

"بس قولي يا إبراهيم بيه.. ليه مقلتش لأدهم إن ياسمين هي كمان معانا؟ ليه خليت الخبر محصور بس على يزن؟"


إبراهيم لف ببطء، وعيونه كانت بتلمع بشر وشيطنة، طلع سيجارة وولعها وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:

"عايز ألاعبهم شوية يا منصور.. الصبر في الوجع بيخلي الطعم أحلى. لو قلناله دلوقتي، هيهجم بكل اللي حيلته والموضوع هينتهي بسرعة. لكن أنا عايزه يجي بكرة وهو مكسور، عينه في الأرض عشان خاطر أخوه، يمضي ويتنازل عن كل أملاكه وشركاته وهو فاكر إن ده التمن الوحيد."


سكت إبراهيم ثواني وكمل وهو بينفخ الدخان في وش منصور:

"وبعد ما يرجعله يزن، والورق يبقى في جيبي.. بعدها بكام يوم نرجعله ياسمين، بس بعد ما تكون إنت أخدت غرضك منها واكتفيت تماماً. ساعتها بقى، المساومة هتبقى أغلى بكتير.. الضربة مش هتبقى في الفلوس، هتبقى في الشرف."


ضحك إبراهيم ضحكة مكتومة مرعبة وكمل:

"أدهم ميعرفش الحقيقة المرة.. ميعرفش إن ياسمين دي تبقى أخته! تخيل كدة لما يكتشف إنه خسر ماله، وأخته اتدمرت تحت إيدك وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."


منصور عينه برقت بجنون، وبدأ يسقف بإيده بذهول وهو بيضحك بصوت عالي:

"يااااه! ده إنت مش بني آدم يا باشا.. ده إنت شيطان ومربّي شياطين! دي هتبقى كسر عينه بجد."


وتعالت ضحكاتهم الشيطانية في المكان، صدى الصوت كان بيملى المخزن.


وفي أوضة تانية مليانة كراتين وتراب، كانت ياسمين قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها وبتحاوط بطنها بإيد بتترعش من الخوف. الدموع كانت شلال على وشها، وهمست بصوت مبحوح ومنكسر:

"يا رب.. مليش غيرك... تعالى خدني بقا يا علي، أنا خايفة أوي"


__________________________________


المستشفى - جناح جميلة


السكون كان سيد المكان، مبيقطعهوش غير صوت نقط المحلول وهي بتنزل بانتظام ممل. جميلة كانت باصة للسقف بعيون تايهة، وفجأة الباب اتفتح بهدوء ودخل أدهم. حاولت تتعدل بسرعة وهي بتشهق من الألم، حطت إيدها على جنبها ووشها اتكرمش بوجع


أدهم جرى عليها بلهفة: "اهدي يا جميلة.. فيه إيه؟ عايزة إيه يا حبيبتي؟"


سألته بشهقات مكتومة: "لقيت يزن يا أدهم؟"


أدهم بصلها بصمت، وعينيه كانت شايلة حزن الدنيا كله. جميلة فهمت الإجابة من نظرته، نزلت راسها على المخدة وغمضت عينيها بقوة، والدموع نزلت زي السيل. أدهم اتنهد بوجع، قلع الجاكيت وفتح أول زراير قميصه وقعد جنبها، وبدون كلام سحب راسها لحضنه.


انهارت جميلة في حضنه وهي بتصرخ بصوت مكتوم:

"يزن يا أدهم.. رجعهولي، ده ابني! عاقبني أنا بأي حاجة، خد حياتي بس سيب يزن.. هو ملوش ذنب."


أدهم كان عارف إنها مش في وعيها من الصدمة والتعب، فسابها تخرج كل الكبت اللي جواها، ولما هديت خالص همس في ودنها: "وحياتك عندي ليرجع لحضننا تاني.. ارتاحي دلوقتي."


بعد شوية راحت في النوم من كتر الإجهاد والتعب، وأدهم اتمدد جنبها بحرص، وخدها في حضنه وهو بيفكر في جحيم بكرة.

__________________________________


في شقة علي


دخل  شقته وهو حاسس إن جدران البيت بتضغط على نفسه. الصالون اللي كان دايما فيه ضحكها بقى كئيب. دخل أوضتهم وقعد على السرير وهو باصص للفراغ، مش عارف يبدأ منين ولا يدور فين. 


قلع قميصه ورماه على الكرسي بضيق، فالقميص وقع شيء صغير كان موجود على الكرسي وعمل صوت بسيط.


علي استغرب، نزل جابه ولقاه شيء وردي ملون، ملامحه مش باينة من الضلمة. راح ناحية النور وبص عليه بجهل، لكن فجأة ريقه نشف وصدمة لجمت لسانه.. "اختبار حمل!".


رفع الجهاز في النور وشاف الشرطتين بوضوح، قلبه بدأ يدق بعنف . فتح موبايله بسرعة وسأل شات جي بي تي عن معنى الشرطتين، وبعد ثواني جاله الرد: 


" الشرطتين في اختبار الحمل معناهم إن النتيجة إيجابية 

يعني غالبًا في حمل.. لو حابب تبعتلي صورة الاختبار وانا أقولك النتيجة الدقيقه أنا تحت أمرك يا علي"


علي فعلا صور الاختبار وبعته وف ثواني جاله الرد 

"مبروك ..الاختبار واضح فيه شرطتين، وده معناه إن النتيجة إيجابية بنسبة كبيرة، يعني في حمل إن شاء الله.


علي حضن الاختبار بقوة وغمض عينه بوجع رهيب، النار اللي في صدره زادت أضعاف. ياسمين مخطوفة وهي شايلة حتة منه.. الخبر اللي كان المفروض يرقص من الفرحة بسببه، بقى هو أكبر دافع للغل والانتقام في قلبه.


__________________________________


في المخزن المهجور، الباب الحديدي اتفتح بصرير يخلع القلب، ودخل منصور بوشه اللي كأنه خارج من كوابيسها القديمة. ياسمين اتنفضت مكانها، وعينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت لسانها.. هي كانت فاكرة إن الكابوس ده انتهى، بس القدر كان ليه رأي تاني.


منصور بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ومستفزة، وعيونه بتلمع بشهوة انتقام وغدر، وقال بصوت فحيحه زي التعبان:

"أخيراً يا ياسمين.. بعد السنين دي كلها، رجعتي تاني تحت طوعي. والمرة دي مفيش علي ولا فيه أدهم السويسي يلحقك مني.. النهاردة هتبقي بتاعتي وبس."


ياسمين رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة الباردة، وجسمها كله كان بيترعش بهستيريا. استغربت ليه ذكر اسم أدهم وايه علاقته بالموضوع لكن الخوف شل تفكيرها ..وبدون تفكير، حطت إيديها الاتنين على بطنها وكأنها بتحاول تخبي روح جواها من عيونه، وصرخت بصوت مبحوح من الرعب:

"ابعد عني يا منصور! أرجوك متلمسنيش.. أنا.. أنا حامل!"


الكلمة نزلت على منصور زي الصاعقة، وقف مكانه فجأة وعيونه وسعت بذهول، والشر اللي كان في عينه اتحول لذهول ممزوج بقرف وخوف، وردد الكلمة بذهول:

"إيه؟ حامل؟؟"


منصور بص لبطنها بقرف وكأنه شايف قنبلة موقوتة، وفجأة لف بضهره وخرج بره الأوضة بسرعة وهو بيخبط الباب وراه بعنف.


ياسمين فضلت مكانها بتنهج بوجع، ودموعها نازلة بصمت وهي بتمسح على بطنها وبتهدي نفسها. وفجأة، في وسط السكون المرعب ده، سمعت صوت بكاء ضعيف وشهقات طفولية جاية من ورا الحيطة اللي جنبها.


" أنا عايز أروح.. يا بابا انت فين؟ تعالى خدني "


قامت براحه وبصت من الفتحة وشافت يزن قاعد في ركن ضلمة، ضامم رجله لصدره وبيعيط بحرقة، والتراب مالي لبسه وشعره.


ياسمين فضلت بصه له بحزن كبير، هي متعرفش مين الطفل ده ولا إيه علاقته بمنصور، كل اللي جه في بالها إنه أكيد ضحية تانية لمنصور المجرم، طفل بريء اتخطف عشان يكسروا بيه قلب حد.


الفتحة في الحيطة ما بين الكراتين مكنتش بعيدة، فياسمين قدرت بجسمها الضعيف تتسحب وتعدي من وسط الكراتين المركونة لحد ما وصلت للأوضة التانية اللي فيها يزن. نزلت على الكراتين بهدوء وقربت منه بخطوات حذرة وهي بتنهج من التعب.


قعدت قدامه على ركبتها، وبصت في عينيه اللي كانت غرقانة دموع، وهمست بصوت حنين يطمنه:

"إنت كويس يا حبيبي؟ متخافش.. أنا جنبك."


يزن رفع راسه وبص لها باستغراب، مسح دموعه بظاهر إيده وهو لسه بيشهق من الخوف، وهز راسه ببطء كأنه بيستمد منها الأمان. ياسمين مدت إيدها بحنان ولعبت في شعره الغزير اللي كان مليان تراب، وقعدت جنبه على الأرض وخدته في حضنها، وقالت بصوت واطي ومطمئن:

"متخافش .. أنا مش عارفة إنت مين ولا إيه اللي جابك هنا، بس أنا جنبك ومش هسيبك أبدًا. ربنا كبير وهيخرجنا من هنا بالسلامة..


في ركن ضيق ومعزول، كان منصور بينهج ونبضات قلبه سريعة، ملامحه كانت مزيج من الصدمة والقرف. أول ما شاف إبراهيم السويسي واقف، جرى عليه ووشه مخطوف.

منصور بصوت واطي ومبحوح:

"الحق يا إبراهيم بيه.. المصيبة طلعت أكبر مما نتخيل. البت ياسمين.. طلعت حامل!"


إبراهيم اتصنم مكانه، والسيجارة وقعت من إيده وهو بيبص لمنصور بذهول وصدمة شلت لسانه لثواني، وردد الكلمة كأنه مش مستوعبها:

"حامل؟.. إنت بتقول إيه يا منصور؟ حامل من مين.. من علي؟"


منصور خبط بإيده على الحيطة بغل:

"وهيكون من مين غيره يعني! بتقولي ابعد عني عشان اللي في بطني.. الكلب علي زرع حتة منه جواها، واللعبة كدة باظت خالص."


إبراهيم ملامحه اتغيرت فجأة، وعينه لمعت بشر وتفكير شيطاني أعمق، قرب من منصور وهمس له بلهجة آمرة:

"ولا باظت ولا حاجة.. اسمعني كويس، إنت هتاخد غرضك منها زي ما اتفقنا، بس خد بالك. مش عايزها تسقط، فاهم؟"


منصور بصه باستنكار وقرف:

"إنت بتقول إيه يا باشا؟ بقولك حامل! أنا ماليش في الجو ده، أنا كنت عايز أكسر عينها وعين علي، مش أشيل شيلة مش شيلتي."


إبراهيم ضغط على دراع منصور بقوة وقال بصرامة:

"افهم يا غبي! الواد اللي في بطنها ده دلوقتي بقى ورقة الجوكر الحقيقية في إيدينا. الكنز اللي هنذل بيه علي وأدهم طول العمر."


منصور نفض إيد إبراهيم عنه بعصبية وصرخ بصوت مكتوم:

"كنز إيه وزفت إيه! أنا ماليش دعوة بالحسابات دي. أنا راجل ليا مزاجي، ومزاجي مش مع واحدة حامل. أنا كنت عايزها وهي ياسمين اللي أعرفها، مش وهي شايلة روح جواها. أنا مش هكمل في القرف ده!"


إبراهيم وشه احمر من الغضب وعروقه برزت وقال بغضب :" غبي"


__________________________________


الشمس طلعت وكأنها بتكشف ملامح يوم ملوش ملامح لسه. جميلة فتحت عينيها ببطء، حست بتقل في جسمها وألم لسه بيسمع في جنبها، بس أول حاجة عينيها وقعت عليها كانت أدهم.


كان قاعد جنبها، ساند ضهره على الكرسي وباصص للسقف بشرود مخيف، عيونه كانت غرقانة في سواد السهر والتفكير، وكأنه شايل جبال على كتافه. أول ما حس بحركتها، انتبه ومال عليها، لمس جبينها بحنان وباسه بصمت وهدوء، وسألها بصوت مجهد:

"إنتي كويسة؟ حاسة بأي وجع؟"


ردت عليه بصوت واطي وخافت:

"أيوة.. أحسن شوية."


لسه كانت هتكمل كلامها، بس قطع اللحظة دي رنة موبايل أدهم اللي كانت زي صوت الإنذار في هدوء الأوضة. أدهم قام وقف، شاف اسم المتصل وبان على وشه الجدية التامة.. كان محمود. رد بسرعة:

"أيوة يا محمود بيه.."


جاله رد محمود وصوته باين فيه القلق والحزم:

"أدهم، أنا عرفت باللي حصل في القصر .. . أنا مستنيك إنت وعلي في المكتب حالا، لازم نتحرك بالعقل قبل السلاح."


أدهم وافق بكلمة واحدة: "مسافة الطريق وهنكون عندك."


قفل الخط وبص لجميلة اللي كانت بتراقب ملامحه بخوف. قرب منها تاني، مسك إيدها وباسها بقوة، وبعدين باس راسها وقال بنبرة مليانة وعد:

"أنا لازم أمشي يا جميلة.. علي هيجيلي ومحمود بيه عايزنا."


جميلة مسكت في إيده بخوف وسألته والدموع بتلمع في عينيها:

"أدهم.. هترجعلي يزن؟ أرجوك يا أدهم، مش هرجع القصر من غيره.".


أدهم هز راسه بثقة رغم الوجع اللي جواه، وبص في عينيها وقال بصرامة:

"أوعدك يا جميلة.. يزن هيرجع، والكلب اللي عمل كدة هيدفع التمن غالي أوي. خليكي قوية عشان خاطري."


سابها وخرج من الأوضة بخطوات سريعة، وجميلة فضلت باصة لأثره وهي بتدعي بقلبها إن ربنا يحميهم. أدهم لقى علي مستنيه في طرقة المستشفى بعد ما محمود كلمه هو كمان ، علي كان وشه خالي من أي تعبير غير الغضب، وإيده كانت ضاغطة على اختبار الحمل اللي في جيبه وكأنه بيستمد منه القوة.

__________________________________


أدهم وعلي وصلوا مكتب محمود الشافعي، والتوتر كان مالي المكان. محمود استقبلهم بوش عابس وعيون مليانة قلق، وقرب من أدهم ربت على كتفه بقوة كأنه بيدي له من ثباته، وقال بصوت رزين:

"أنا عرفت كل اللي حصل يا أدهم.. طمني، فيه أي جديد ظهر؟"


أدهم اتنهد بضيق وعيونه كانت بتطلع شرار:

"إبراهيم كلمني يا محمود بيه.. الكلب خاطف يزن وعايزني أروح له كمان شوية، عشان يملي شروطه وياخد التنازل اللي عاوزه مقابل يزن."


محمود الشافعي اتنهد بغضب وهز راسه بأسف:

"إنت كدة بتحط إيدك تحت ضرسه يا أدهم.. إبراهيم عارف نقطة ضعفك كويس، وعارف إنك عشان خاطر يزن مش قادر تفكر صح ولا تاخد قرار فيه مخاطرة. بس خلي بالك، اللي زي إبراهيم ميتأمنش له، وأكيد لما تروح هيكون محضرلك فخ."


أدهم قبض على إيده بقوة وبص لمحمود بتركيز:

"أنا عارف يا محمود بيه.. بس مفيش قدامي حل تاني، ابني في إيده. قولي أعمل إيه؟ أنا جاهز لأي حاجة بس يرجع بالسلامة."


محمود الشافعي قرب من خريطة كانت مفرودة على المكتب وبدأ يشاور على نقطة معينة بصرامة، وبدأ يسرد الخطة .....


علي كان قاعد في مكتب محمود الشافعي وجسمه موجود بس، لكن عقله كان في عالم تاني خالص. عينيه كانت مثبتة على نقطة في الفراغ، وسرحانه كان مرعب لدرجة إن أدهم ناداه أكتر من مرة وما ردش.


النار اللي في صدر علي كانت مضاعفة؛ أدهم عارف إن يزن مع إبراهيم، لكن علي تايه.. مش عارف ياسمين في إيد مين؟ ولا هي فين؟ ولا هيعملوا إيه في طفله اللي شايلاه في بطنها؟فكرة إنها ممكن تكون بتتوجع أو خايفة وهي لوحدها كانت بتنهش في قلبه.


بعد ما خرجوا ...علي بص لأدهم وعينيه كانت تايهة تماماً، وكأنه بيدور على إجابة لسؤال ملوش حل، ونطق بصوت واطي ومخلوق:

"تفتكر هي كويسة يا أدهم؟ تفتكر حد لمسها؟ ياسمين رقيقة أوي، مبتستحملش الخوف.. والبيبي.."


سكت فجأة قبل ما يكمل الكلمة، وضغط على جيبه اللي فيه الاختبار بكل قوته لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت. أدهم استغرب نبرة علي ونظرة الانكسار اللي في عينه، بس افتكر إن ده خوف طبيعي من شخص مش عارف مصير مراته إيه.


__________________________________


أدهم نزل من العربية بهدوء يحسد عليه، رغم إن بركان من الغضب كان بيغلي جواه. رفع إيده لفوق علامة الاستسلام وهو ماسك شنطة الأوراق السوداء في إيده التانية. ورغم إنه كان بيمشي بخطوات ثابتة ورا الحرس اللي استقبلوه بتفتيش دقيق ، إلا إن عينيه كانت زي الصقر، بتسجل كل ركن وكل زاوية في المكان.


قبل ما يدخل من البوابة الحديدية الضخمة، أدهم ميل راسه بلمحة خاطفة ناحية التبة الرملية البعيدة، وكأنه بيبعت رسالة صامتة لعلي. لمح خيال حركة بسيط جداً ورا المواسير القديمة، اتطمن إن علي بدأ يتسرب للداخل، ورجع وشّه لجموده المعتاد ومشي مع الحرس لعمق المخزن.


جوه، كانت الإضاءة خافتة وريحة التراب والزيت مغطية المكان. أدهم دخل صالة واسعة، وفي نهايتها كان قاعد إبراهيم السويسي على كرسي خشب قديم وكأنه ملك على عرش من حطام ،وعينيه بتلمع بانتصار قذر.


إبراهيم سقف بإيده ببطء وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:

"نورت مخزنك  يا أدهم بيه.. كنت عارف إن يزن غالي عندك أوي لدرجة إنك هتيجي برجلك لحد هنا ومن غير حرس كمان."


أدهم وقف على بعد خطوات منهم، رمى الشنطة على الأرض بقوة وقال بصوت رخيم وهادي جداً بس مرعب:

"الورق أهو يا إبراهيم.. كل الشركات والمصانع والسيولة اللي في البنك، بكرة الصبح هتكون باسمك. دلوقتي.. ابني فين؟".


منصور ضحك ضحكة عالية ومستفزة وقرب خطوتين من أدهم:

"مستعجل على إيه يا سويسي؟ إحنا لسه بنقول يا هادي. وبعدين الورق ده تمن يزن بس.. إنت نسيت حاجة كمان لازم آخد تمنها منك."


أدهم سأله باستفهام بارد: "حاجة إيه؟"


منصور صرخ بكلمات محملة بغل السنين:

"عمري اللي ضاع وأنا مستني آخد الثروة! شبابي اللي ضاع بسبب أبوك وإنه كان أحسن مني في كل حاجة وأبويا بيفضله عليا طول عمري. ولما مات وأخدنا الورث دخلت في صفقة خسرتني كل فلوسي وبدل ما يساعدني ويقولي فلوسي هي فلوسك، بقى يرميلي فلوس كل شهر كأنها صدقة!"


رد أدهم بغضب مكتوم:

"أبويا عمره ما ظلمك، حتى بعد ما ضيعت فلوسك ساعدك وشغلك واداك حصة في الشركة.. وبعد ما مات وأنا وأختي توهنا إنت مكلفتش نفسك تدور علينا واعتبرت إننا موتنا وضيعت الشركة بعد ما بقيت الوريث الوحيد، ولولا إني رجعت وبقيت بشتغل ليل نهار عشان أقوّم الشركة تاني، مكانش اسم السويسي بقى له وجود النهاردة"


إبراهيم عينه برقت بشر وجنون وهو بيقوم من مكانه، وهبد بإيده على الترابيزة وصوته الحاقد ملى المكان:

"ماتجبش سيرة اسم السويسي على لسانك! الشركة دي كانت من حقي أنا! أبوك كان طول عمره بياخد اللقطة والمدح وأنا في الظل.. ولما صدقت إن الدنيا ضحكت لي، بعد ما قتلت أبوك وأمك معاه!"


ابتسم بشر أول ما لاحظ الصدمة اللي شلت ملامح أدهم، وكأن الوقت وقف عند اللحظة دي، وكمل بمنتهى البرود:

"أووه.. أنا أسف إني صدمتك، بس أنا اللي دبرت الحادثة لعيلتك لما كانوا رايحين يحتفلوا بعيد ميلادك، والعربية اتقلبت واتحرقت ومات هو وأمك.. لكن اتفاجئت إنكم مكنتوش معاهم في العربية."


في اللحظة دي، شريط أسود مر قدام عيون أدهم.. افتكر أحداث اليوم ده اللي مابتفارقهوش ثانية، يوم ما كانت الأنوار والزينة مالية المكان عشان عيد ميلاده، وفجأة أمه تعبت بسبب السكر اللي عندها، وأبوه أخدها بسرعة عشان يروحوا أقرب مستشفى وسابوهم في المطعم.. ومبعدش كتير والخبر جاله إن العربية اتقلبت بيهم وراحت في حضن النار.


أدهم افتكر إزاي بقى هو وأخته في الشارع تايهين، لحد ما الناس ودوهم الشرطة، ومن صدمة أدهم وقتها مكنش قادر ينطق ، ولما ملقوش ليهم حد، انتهى بيهم الحال في دار أيتام.


إبراهيم كمل وهو بيتمشى حوالين أدهم بانتصار:

"عرفت إنكم في دار أيتام، إنت وأختك.. وكنت ناوي أخلص عليكم وقتها، بس حسيت إني مش هستفيد حاجة، وأني خلاص خلصت من أبوك والورث بقى في جيبي.. بعت واحد يتبنى أختك عشان يبعدها عنك تماماً، وكان فيه حد جاي يتبناك إنت كمان عشان يخلصني منك، لكن العيلة اللي اتبنتك سبقوني ومن وقتها أثرك ضاع.. لحد ما رجعت لي تاني زي اللعنة."


أدهم كان في حالة ذهول تام، وجع السنين كله اتجمع في قلبه في لحظة واحدة، همس بوجع وصوت مخنوق:

"وأختي.. أختي فين يا إبراهيم؟"


إبراهيم ابتسم بخبث وهو بيشاور بصباعه على ورق التنازل:

"هقولك.. هقولك هي فين وهتتصدم لما تعرف إنها كانت أقرب مما تتخيل.. بس الأول، امضي يا أدهم.. امضي وخد أخوك، وغور من وشي للأبد."

أدهم القلم في إيده، وعقله مش مستوعب ..


اسمين ويزن كانوا قاعدين وفجأة لقوا راجل من رجالة إبراهيم فتح الباب بعنف، وعيونه كانت بتدور في الأوضة ، وفجأة اتصنم مكانه لما شاف ياسمين ويزن قاعدين مع بعض في ركن واحد، وياسمين محاوطاه بدراعها وكأنها بتحميه بروحها.


الراجل صرخ بصوت هز جدران المخزن:

"إيه اللي جابك هنا يا روح أمك؟ ومين اللي سمح لك تقربي منه؟"


ياسمين كانت بتترعش ومنهارة من العياط، حضنت يزن بقوة أكبر وهي بتصرخ:

" أرجوك سيبه ده طفل ملوش ذنب.. "


قرب منها بخطوات وحشية، زق ياسمين بكتفه بكل قوته لدرجة إنها اتكفت على الأرض وهي بتصرخ بوجع وماسكة بطنها، وراح شادد يزن من وسط عياطه وصريخه. يزن كان بيرفس في إيده وبيصرخ بأعلى صوته:

"يا بابا ! الحقوني!"


الراجل شاله تحت دراعه وخرج من الأوضة ، وصوت بكاء الطفل كان بيقطع القلب ويملى طرقة المخزن الضيقة. ياسمين فضلت على الأرض، بتنهج بوجع وخوف، ودموعها مش راضية تقف وهي بتهمس باسم علي وكأنها بتستنجد بيه في سرها.


في اللحظة دي، ومن تحت الأرض، كان علي بيتحرك في ممرات المواسير الضيقة، 

وصل لفتحة تهوية بتطل على الطرقة الخلفية، ولمح الراجل وهو شايل يزن ومتجه بيه ناحية المكان اللي أدهم وإبراهيم موجودين فيه.


اللحظة كانت حاسمة، أنفاس أدهم كانت بتتحرق وهو شايف يزن في إيد منصور، ويزن أول ما لمح أدهم صرخ بلهفة هزت كيان أدهم: "بابا!"


أدهم غمض عينه ثانية واحدة بيستجمع قوته، وهز راسه ليزن بطمأنينة وهو بيضغط على سنانه: "متخافش يا حبيبي.. أنا جيت، مفيش حد يقدر يلمسك طول ما أنا عايش."


وفجأة، الإشارة دوت في المكان.. صوت طلقة واحدة كانت كفيلة تقلب المخزن لساحة معركة. قوات الشرطة اللي محمود الشافعي كان مرتب معاهم اقتحموا المكان من كل الأبواب والمنافذ. الرصاص بدأ يغطي صوت الصريخ، وإبراهيم السويسي حاول يهرب من الباب الخلفي لكن رجال الشرطة كانوا أسرع منه، وحاصروه ووقعوه على الأرض والكلبشات اتقفلت على إيده وهو بيغل بآخر أنفاسه.


أدهم جرى على يزن وشاله من الأرض، رفعه لحضنه بقوة وكأنه بيحاول يدخله جوه ضلوعه، ويزن كان بيترعش وبيمسك في قميص أبوه بهستيريا. علي وصل في اللحظة دي، وعيونه كانت بتدور في كل حتة، أخد يزن من أدهم وحضنه هو كمان وباس راسه، والاتنين كانوا بيستعدوا يخرجوا من المكان ده.


لكن يزن وقفهم فجأة بصوته الطفولي المبحوح من العياط:

"استنوا! لازم ننقذ صاحبتي اللي كانت معايا"


علي وقف وبص ليزن باستغراب: "صاحبتك مين يا يزن؟ إنت شوفت حد جوه؟"


يزن رد وهو بيشهق: "الراجل الشرير كان خاطف بنت كمان، وكنا قاعدين مع بعض وهي طيبة أوي، ووعدنا بعض إننا هنخرج سوا.. لازم تاخدوها معانا"


علي بص لأدهم بنظرة سريعة، وفهم إن فيه طفلة تانية مظلومة في الحكاية دي. هز راسه وقال لأدهم بصرامة: "اخرج إنت بيزن وأمنه في العربية، وأنا هدخل أجيب البنت دي وأحصلكم."


علي دخل الممرات تاني، وبدأ يفتح الأوض أوضة أوضة وهو بينادي بصوت واطي، مكنش فيه حد، والهدوء بدأ يرجع للمكان بعد ما الشرطة سيطرت. وصل لآخر غرفة في الممر، فتح الباب الحديدي اللي كان موارب.. وفجأة، الزمن وقف بالنسبة لعلي.


اتصنم مكانه، السلاح وقع من إيده على الأرض وعمل رنة خلت المكان يتهز في عينيه. مكانتش طفلة.. كانت ياسمين.


قاعدة على الأرض في ركن ضلمة، خصلات شعرها نازلة على وشها المليان تراب ودموع، وشكلها مجهد ومنهار تماماً.


علي همس باسمها بصوت طالع من أعماق قلبه المكسور: "ياسمين؟"


ياسمين رفعت راسها ببطء، ولما شافت ملامحه وسط النور الضعيف، عينيها وسعت بذهول مش مصدقه، وصرخت بضعف وهي بتحاول تقوم بصعوبة: "علي ؟.....


#رواية_عشقت_محتالة




البارت 22

علي كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيعلى ويهبط كأنه كان في سباق مع الموت. قرب منها ونزل على ركبته قدامها، ومد إيديه المرتعشة ولمس وشها بلهفة وحنان ملوش حدود:

​"حبيبتي.. ياسمين، إنتي بجد قدامي؟"


​ياسمين أول ما حست بلمسة إيده، غمضت عينيها واستسلمت لدموعها اللي نزلت بغزارة. علي مستناش لحظة، شد راسها ودخلها في حضنه بشدة كأنه بيحاول يخبيها جواه، ويداريها بين ضلوعه، وبدأ يشم ريحة شعرها اللي بيعشقه.. 


ياسمين في اللحظة دي حست إن الروح ردت فيها، مسكت في وسطه بدراعتها بكل قوتها ودفنت وشها في كتفه، وكأن حضن علي هو الحصن الوحيد اللي هيحميها من شر العالم.


​بعد شوية، علي بعد عنها شوية ومسك وشها بين إيديه بلهفة وخوف، وعينه بتدور في كل حتة فيها وكأنه بيفحص جروح قلبه قبل جروح جسمها:

​"حد قربلك؟ حد مد إيده عليكي يا ياسمين؟ انطقي ؟.. لو حد لمس طرف شعرة منك لأحرق الدنيا باللي فيها"


​ياسمين هزت راسها بضعف ونفت بصدق، وقالت بصوت مخنوق من العياط:

​"لا يا حبيبي.. الحمد لله، والله حافظت على نفسي عشانك وعشان اللي في بطني.. أنا حامل يحبيبي .. كان عندي استعداد أموت نفسي ولا إن منصور يقربلي."


​كلمة :"اللي في بطني" نزلت على قلب علي بردت ناره، شدها لحضنه تاني بقوة وعمق وهو بيغمض عينه وبيشم شعرها، وكأنه بيشكر ربنا في سرّه إن طفله بخير وإن ياسمين رجعت له سليمة.


​بعد شوية.. بره المخزن

​العربيات كانت واقفة، وصوت سارينات البوليس بدأ يبعد تدريجياً بعد ما سيطروا على المكان تماماً. أدهم كان قاعد في كنبة العربية اللي ورا، وحاضن يزن اللي كان جسمه لسه بينتفض بانتفاضات بسيطة، وبدأ يغيب في النوم من كتر التعب والضغط النفسي الرهيب اللي اتعرضله.. حمل كان تقيل أوي على طفل في سنه إنه يشوف الضرب والسلاح بالشكل ده.


​أدهم كان باصص ليزن بوجع، وبيمسح على شعره بحنان وهو بيفكر في القنبلة اللي فجرها إبراهيم السويسي.. 

​في اللحظة دي، شاف علي خارج من باب المخزن وهو شايل ياسمين بين إيديه كأنها أغلى جوهرة في العالم، وياسمين كانت سانده راسها على كتفه ومغمضة عينيها بتعب.


أدهم نزل من العربية ببطء، وعيونه اتلاقت مع عيون ياسمين اللي فتحتها فجأة لما حست بالحركة.


أدهم بص لياسمين بذهول، عينيه كانت بتتنقل بين ملامحها وبين صورة الطفلة اللي محفورة في ذاكرته من يوم الحادثة. الصدمة كانت لسه ملجمة لسانه، مكانش مستوعب كلام علي لما قاله ان منصور اللي خطفها ،وانه كان متفق مع إبراهيم 


كإنه ترجم كل ده أول ما شاف علي خارج بيها .. افتكر كلام علي عن إبراهيم اللي كان بيروح الملجأ الي فيه ياسمين باستمرار  ..وقتها مداش الموضوع إهتمام، لكن دلوقتي الصورة وضحت  ..منصور هو الراجل اللي إبراهيم اتفق معاه يتبني ياسمين ،والملجأ اللي كانت ياسمين فيه .هو نفسه الملجأ اللي عاش فيه هو وأخته .


​علي لاحظ نظرات أدهم الغريبة، فافتكر إنه مستغرب وجود ياسمين في المخزن ده بالذات، فقال وهو بيعدلها في حضنه بتعب وكمل:

​"منصور يا أدهم.. الكلب ده كان مع إبراهيم هنا، هو اللي خطفها من البيت وحاول يقتل خالتي. بس واضح إن إبراهيم ومنصور إختلفوا واتخانقوا سوا قبل ما البوليس يوصل، عشان كدة ملقيناهوش مع إبراهيم جوه.. هرب زي الفار."


​علي ضغط على سنانه وعيونه لمعت بشرر:

​"وحياة دموع ياسمين ورعب يزن، لأقلب عليه الدنيا وأجيبه من تحت الأرض.. مش هسيبه يتهنى بليلة واحدة وهو لسه بيتنفس."


​أدهم هز راسه بآلية، مكنش قادر ينطق ولا كلمة من فرط المشاعر اللي جواه. ركبوا كلهم العربية؛ أدهم قعد ورا الدريكسيون وإيده لسه بتترعش بسيط، وعلي قعد جنبه قدام وعينه مش مفارقة المراية اللي بتعكس صورة ياسمين.


​ورا، كان المشهد يقطع القلب.. ياسمين ويزن كانوا ساندين على بعض، يزن نايم في حضنها وهي ضامّاه بدراعها وكأن  الاتنين غرقوا في نوم عميق من كتر الإرهاق والضغط العصبي .


​أدهم كان بيسوق في طريق الرجوع، وعينه كل شوية تيجي على ياسمين في المراية.. كان بيبص لخصلات شعرها، لملامح وشها وهي نايمة، وبيفتكر كلام إبراهيم: "هتعرف إنها كانت تحت عينك طول السنين دي وإنت زي الأعمى".


​دمعة غصب عنه نزلت من عين أدهم ومسحها بسرعة قبل ما علي يشوفه. كان جواه صراع.. يصرخ ويقولها "إنتي ياسمين أختي"؟ ولا يستنى لما يتأكد من شكوكه .


​أدهم كسر الصمت بصوت مبحوح:

​"هنطلع على المستشفى الأول يا علي.. لازم ياسمين ويزن يتفحصوا، وكمان عشان نطمن على خالتك وجميلة.. أنا هتواصل مع المستشفى اللي خالتك فيها وهطلب نقلها للمستشفي اللي فيها جميلة . عشان كلنا نبقى في نفس المكان"


​علي رد بهدوء وهو باصص للطريق:

​"عندك حق...

​العربية كانت بتنهب الطريق الصحراوي، والهدوء اللي جوه كان غريب.. هدوء ما بعد العاصفة، والكل مستني اللحظة اللي الحقايق فيها هتنكشف والستار يترفع عن كابوس سنين طويلة...

​أدهم شايل سر كبير ومستني اللحظة الصح..


المشهد اتنقل لمستشفى واحدة جمعت كل القلوب الموجوعة، كأن القدر حب يلم شملهم في مكان . خالة علي اتنقلت لنفس المستشفى اللي فيها جميلة، والحراسة بقت مشددة في كل الممرات.


​في جناح جميلة


فتح الباب لقى نادية زوجة محمود قاعدة جنب سرير جميلة وماسكة إيدها. أدهم رسم ابتسامة هادية على وشه رغم التعب اللي شافه وقرب منها:

​"أهلاً يا نادية هانم.. إزيك؟ نورتي المستشفى."


​نادية قامت وقفت بوقار وردت عليه:

​"الله يسلمك يا أدهم يا ابني.. حمد لله على سلامتها، قلبي كان واكلني عليها أول ما سمعت الخبر."


​جميلة كانت قاعدة ساندة ضهرها بتعب، وعينيها منبوحة من كتر العياط. أول ما شافت أدهم داخل عليها لوحده، قلبها وقع في رجليها وصرخت بلهفة مكسورة:

​"أدهم! يزن فين يا أدهم؟ قولي إنك جبته.. متقولش إنك رجعت من غيره"


هزت راسها بنفي لما لاحظت سكوته ..​بدأت تنهار وتعيط بهستيريا، وأدهم قرب منها بسرعة وحاوط وشها بإيديه لسه هيتكلم، فجأة صوت طفولي بريء شق سكون الأوضة:

​"جميلة.. أنا جيت "


​جميلة اتصنمت مكانها، ووقفت عياط فجأة وهي مش مصدقة ودنها. يزن دخل بيجري، ملامحه كانت تعبانة بس ضحكته نورت المكان، اترمي في حضنها بكل قوته. جميلة رغم وجع جرحها، نسيت كل حاجة وحضنته بشدة وهي بتبوس كل حتة في وشه وبتشم ريحته كأنها بترد روحها.


أدهم قرب منهم بخوف وقال ليزن:

​"براحة يا يزن.. بالراحة يا حبيبي عشان جميلة تعبانة ."


​جميلة هزت راسها بالنفي وهي متبتة في يزن ودموع الفرحة نازلة:

​"سيبه يا أدهم.. سيبه في حضني، ده هو اللي شال الوجع كله."


نادية كانت واقفة بتبصلهم وعينيها دمعت من التأثر، قربت من أدهم وطبطبت على كتفه وقالت بصوت واطي:

​"ما شاء الله.. ربنا يخليكم لبعض يا حبيبي، ولا يحرمكم من بعض أبداً.. الحب اللي بينهم ده رزق من ربنا."


​وبعدين لفت لجميلة وقالتلها:

​"أنا هستأذن دلوقتي يا جميلة عشان ترتاحي وتتهني بلمتكم.. حمد لله على سلامتك مرة تانية يا حبيبتي."


​نادية خرجت وسابتهم في لحظة عائلية كانت هي الأغلى عند أدهم بعد يوم طويل من الدم والنار، وقعد جنبهم على السرير وهو بيحاوطهم بيإيديه، وبيحمد ربنا إن الكابوس ده انتهى على خير..


أدهم اتنهد براحة، وابتسامة هادية اترسمت على وشه وهو بيحاوطهم هما الاتنين بدراعاته، كأنه بيضم كنزه الحقيقي اللي كان هيضيع منه.


_______________________________________


​في غرفة منى


​على الناحية تانية،  منى كانت نايمة تحت تأثير المحاليل، وقصاد سريرها على الكنبة، كان علي وياسمين في عالم تاني خالص. علي كان محاوط ياسمين بشدة، كأنه لسه خايف .. مش مصدق إنها في حضنه، كل ثانية يرفع إيدها يبوسها، ويشم شعرها، ويبوس راسها بلهفة مجنونة. مكنش مصدق إنها رجعت لحضنه تاني، وإن الغمة دي انزاحت.


​ياسمين كانت مغمضة عينيها ومركنة راسها على كتفه، حاسة بأمان ملوش وصف. وفي وسط اللحظة دي،  منى بدأت تفوق، فتحت عينيها ببطء وشافت المشهد ده، حمحمت بإحراج وهي بتبتسم بتعب.


​علي انتبه وبعد بسرعة وهو وشه أحمر، وياسمين قامت بلهفة وجريت على سرير خالتها، اترمت في حضنها وفضلت تعيط:

​"الحمد لله إنك بخير يا خالتي.. أنا كنت هموت من خوفي عليكي."


منى طبطبت على راس ياسمين بحنان وحب:

​"بس يا حبيبتي.. اهدي يا بنتي، أنا كويسة والله وزي الفل، طول ما أنتم بخير أنا مش عايزة حاجة من الدنيا."


علي وقف بيبتسم ليهم بامتنان، وحس إن جبل اتشال من فوق صدره.


____________________________________


​رجوعاً لغرفة جميلة


​الدكتور دخل عشان يطمن على جرح جميلة. بص على الأشعة والغيارات وقال بهدوء:

​"الحمد لله، الوضع مستقر والجرح شكله كويس، بس محتاجين راحة تامة.عشان الجرح يلم في أسرع وقت "


​جميلة بصت للدكتور برجاء وقالت:

​"يا دكتور، أرجوك.. أنا عايزة أروح البيت. أنا مابطيقش ريحة المستشفيات ولا القعدة هنا، بحس إني بتخنق."


الدكتور كشر بحزم: "لا طبعاً يا مدام، إنتي لسه متعافيتيش تماماً، وأي حركة غلط ممكن تفتح الجرح."


​جميلة بدأت تتحايل عليه بدموع، وبصت لأدهم تستنجد بيه. أدهم اتنهد وبص للدكتور:

​"يا دكتور، هو فعلاً مينفعش تروح ونهتم بيها في البيت؟ أنا هوفر كل اللي هتحتاجه، والمكان هناك أهدى بكتير لنفسيتها."


​الدكتور سكت شوية بيفكر، وبعدين هز راسه بتعب:

​"ماشي يا أدهم بيه.. بس بشرط ، لازم غيار يومي على الجرح بمطهر، وتلتزم بالدوا في مواعيده بالثانية، وأي سخونية أو تعب لازم تبلغوني فوراً."


​جميلة وشها نور وضحكت من قلبها وهي بتبص لأدهم بامتنان، ويزن صفق بإيده بفرحة: "هيييه.. هنرجع البيت سوا "


أدهم خلص كل إجراءات الخروج، واتحرك بخطوات هادية ناحية الأوضة اللي فيها  منى. فتح الباب ودخل بابتسامة وقورة، وبص لمنى اللي كانت لسه مجهدة:

​"حمد لله على السلامة يا طنط."


​منى ردت بصوت ضعيف بس فيه امتنان:

​"الله يسلمك يا حبيبي.. كتر خيرك يا أدهم، تعبناك معانا يا ابني واليوم كان تقيل عليك أنت كمان."


​أدهم لف وشه وبدأ يتكلم مع علي، وكان بيحاول بكل قوته إنه ميبصش لياسمين ولا يطول النظر في ملامحها عشان نظراته متبقاش مكشوفة أو تفضحه قدام علي، خصوصاً بعد السر اللي بقى شايله في قلبه. قال لعلي بصوت هادي:

​"الدكتور كتب لجميلة على خروج يا علي، وإحنا هنروح القصر دلوقتي.. طمني، أنتم هتعملوا إيه؟"


​علي رد وهو ماسك إيد ياسمين:

​"إحنا هنبقى هنا الليلة دي مع خالتي يا أدهم.. مش هنقدر نسيبها لوحدها في الحالة دي."


​خالته اعترضت بضعف وقالت له:

​"يا ابني روحوا ارتاحوا في بيتكم، أنتم مشفتوش نوم من الصبح وياسمين تعبانة.. أنا كويسة والممرضات جنبي."


​علي صمم وهز راسه بالرفض:

​"مستحيل يا خالتي.. أنا حجزت أوضة ليّا أنا وياسمين هنا في المستشفى، هنبات فيها ونبقى جنبك لو احتجتي أي حاجة، مش هطمن وإحنا بعيد."


​أدهم هز راسه بموافقة وتفهم، وقال له: "ماشي يا علي، اللي يريحكم.. المهم ترتاحوا. أنا هسيب لك طقم حراسة كامل بره الأوضة وفي ممر المستشفى، ومحدش هيقدر يقرب منكم."


​وقبل ما أدهم يخرج من الباب، مقدرش يمنع نفسه إنه يرمي نظرة أخيرة سريعة على ياسمين، نظرة كانت مليانة كلام كتير ووجع سنين. خرج أدهم وقفل الباب وراه.


بمجرد ما الممرضة بدأت تساعد جميلة في لبسها بحذر عشان جرحها، أدهم انسحب بهدوء وخرج لطرقة المستشفى. ملامحه كانت زي الصخر وعيونه فيها نظرة موت.


​طلع موبايله واتصل بواحد من رجالاته ، وقال بصوت واطي وحاد زي الموس:

​"اسمعني كويس.. منصور لازم يجيلي حياً أو ميتاً. اقلبوا عليه كل شبر، وأول ما تلاقوه، يتاخد على المصنع القديم اللي على طريق الصحراوي.. مش عايز مخلوق يعرف مكانه، وأنا هجيله بنفسي بكرة الصبح."


​الراجل رد بطاعة: "أوامرك يا أدهم بيه، اعتبره حصل."


أدهم دخل الأوضة لقى جميلة واقفة لكن عينيها في الأرض ومتبتة في ذراع الممرضة بكل قوتها، وجسمها بيترعش. أدهم قلبه انقبض وقرب بسرعة سأل الممرضة بلهفة:

​"في إيه؟ مالها جميلة؟"


​الممرضة ردت بهدوء وهي بتحاول تسندها:

​"متقلقش يا أدهم بيه، هي بس داخت شوية أول ما حاولت تقف، وده طبيعي جداً وتأثير البنج لسه مروحش تماماً، مع قلة الأكل والنزيف اللي حصل."


​أدهم مسحبش إيده، بالعكس، سحب جميلة للي كانت شبه غايبة عن الوعي وحط رأسها على صدره، وفضل يطبطب عليها لحد ما حَس إن نفسها بدأ ينتظم وهديت في حضنه. رفع رأسها بإيده وحط عينه في عينها بحنان بالغ وسألها بصوت واطي:

​"الدوخة راحت يا حبيبتي؟"


​جميلة اتكسفت من الكلمة .. هي لاحظت إن من وقت الي حصل ودخولها المستشفى، وهو بيردد كلمة "حبيبتي "كتير ،لكنها بصتله بامتنان وابتسمت ابتسامة باهتة رغم التعب وهزت رأسها بـ "أيوة". أدهم مكلمش ثانية، وبحركة سريعة ومحترفة، وطى وشالها بين ذراعيه بحرص شديد وكأنها من زجاج خايف عليه يتكسر. جميلة وشها احمر جداً واتحرجت بسبب وجود الممرضة ويزن اللي واقف بيتفرج عليهم، وحاولت تنزل:

​"أدهم.. نزلني، الممرضة واقفة ويزن.. شكلي وحش."


​أدهم ضحك ضحكة خفيفة وهو خارج بيها من باب الأوضة وقرب من ودنها وهمس بعشق:

​"مراتي وتعبانة وبشيلها، حد له شوق في حاجة؟


وكمل بصوت أعلي وهو موجه كلامه ليزن الصغير :"وبعدين يزن لازم يتعلم إزاي يحافظ على حبيبته لما تكبر.. مش كدة يا بطل؟"


​يزن هز رأسه بضحكة وهو بيجري جنبهم، وخرجوا كلهم من المستشفى وسط حراسة مشددة .


________________________________________


المشهد اتنقل لأسوار السجن العالية، الزنازين الضلمة اللي ريحتها كبت وخوف. إبراهيم السويسي كان قاعد على الأرضيه مع بعض المساجين، لابس بدلة السجن الزرقاء اللي كانت ماسكة على جسمه وكأنها قيد بيخنق كبريائه. ملامحه كانت ذبلانة، وعيونه فيها غل مش بينطفي.


​فجأة، باب الزنزانة اتفتح بصرير مزعج، ودخل العسكري وهو بيخبط بالدبشك على الباب:

​"قوم يا سويسي.. ليك زيارة في أوضة المأمور."


​إبراهيم رفع راسه باستغراب، والعسكري كمل بسخرية وهو بيبتسم بصفار:

​"شكل ليك حبايب يا سويسي.. دي غريبة إن جالك زيارة من أول يوم، ده أنت لسه مكلتش معانا كام ساعة شكلك واصل أوي بره."


​إبراهيم قام ببرود، ومشي مع العسكري لحد ما وصلوا أوضة الزيارات. دخل لقى شخص قاعد بضهره، لابس بدلة وحاطط رجل على رجل وبياخد نفس عميق من سيجارة فخمة.


​إبراهيم وقف قصاده بحدة، وصوته كان مليان غطرسة رغم لبس السجن:

​"نعم؟ أنت مين؟ وطالب تقابلني ليه في وقت زي ده؟"


​الشخص اللي قاعد ماردش في الأول، فضل ساكت لثواني وهو بيطلع دخان السيجارة ببطء. وفجأة، وقف ولف وشه لإبراهيم، وقلع النظارة السوداء من على عينيه ببطء شديد.


الشخص ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، وميل براسه وهو بيقول بنبرة هادية بس تقطع القلب:

​"إيه يا إبراهيم يا أخويا؟ معقول مش عارفني ولا خايف تصدق إن اللي قتلته زمان لسه عايش؟"


أول ما شاف ملامحه، جسمه اتنفض ورجع خطوة لورا وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت رجليه. الصدمة لجمت لسانه، هو عارف إن ده يبقى محمود الشافعي شريك ادهم من مراقبته لهم... لكن كلام محمود خلاه يتصنم من الصدمة وعيونه كانت هتخرج من مكانها وهو بيهمس برعب:

​"إنت !! مش ممكن.. إزاي ...؟


#رواية_عشقت_محتالة



البارت 23

إبراهيم وقف قصاد الراجل اللي بضهره، ملامحه كانت شاحبة ولبس السجن مخليه باهت، بس لسه نبرة التعالي في صوته مروحتش:

"نعم؟ أنت مين؟ وطالب تقابلني ليه في وقت زي ده؟"


الشخص اللي قاعد ماردش في الأول.. كان بيسحب نفس طويل من السيجارة، وصوت احتراق التبغ هو الوحيد اللي مسموع في هدوء الأوضة. فجأة، وقف ببطء ولف وشه، وقلع النظارة السوداء بهدوء مريب.


ابتسامة باردة ظهرت على شفايفه، ميل راسه لورا وهو بيبص لملامح إبراهيم المذهولة، وقال بنبرة واطية بس بتخترق الودان:

"إيه يا إبراهيم يا أخويا؟ معقول مش عارفني؟ ولا خايف تصدق إن اللي حاولت تموته زمان.. لسه عايش وفيه الروح؟"


إبراهيم أول ما ملامح محمود وضحت قدامه، جسمه اتنفض ورجع خطوة لورا وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت رجليه. الصدمة لجمت لسانه، وعينيه كانت هتخرج من مكانها وهو شايف محمود السويسي حي يرزق قدامه.


إبراهيم بصدمة :"إزااااي."


محمود كمل كلامه بهدوء وهو بيقرب منه: "اقعد وأنا هحكيلك وأشبع فضولك ."


كمل وعيونه مليانة سنين من الوجع والصبر:

"العربية لما اتقلبت بينا من عشرين سنه، الباب اللي قدام مكنش مقفول كويس.. كنت مستعجل عشان ألحق نادية وأروح بيها المستشفى بسبب نوبة السكر اللي جتلها. لما العربية لفت بينا، الباب اتفتح واترميت بعيد..


 ناس ولاد حلال خدوني المستشفى، قعدت يومين غايب عن الدنيا، ولما فقت وعرفت إن مراتي ماتت، وعرفت إنك نشرت خبر موت عيالي كمان ،فكرت إنك وصلت لأدهم وياسمين وموتهم ، موت عيال أخوك اللي ملهومش أي ذنب في كرهك وحقدك ناحيتي طول عمري..."


محمود سكت لحظة، وخد نفس كأنه بيسترجع وجع الجروح القديمة:

"طلعت على أمريكا بسبل غير شرعية.. كنت حتة لحمة حمراء، جروحي لسه مفتوحة وجسمي نصه متشوه. قعدت سنتين هناك بعمل عمليات، بغير في شكلي وفي جلدي عشان أقدر أقف على رجلي تاني.. ونادية مراتي هي اللي وقفت جنبي لحد ما قدرت أبني نفسي من الصفر."


إبراهيم كان بيسمع وهو بيترعش، مش مصدق. محمود طبطب على كتفه ببرود قاتل ، وهو شايف الصدمة والذهول في عنيه وقال:

"مبقتش عايز أرجع مصر، قلت خلاص اللي راح راح.. مبقاش ليا حد هناك .. بس لما أدهم رجع يدور على أهله، والخبر انتشر إنه لسه عايش، الأمل رجعلي تاني. كان لازم أساعده من بعيد لبعيد لحد ما أقف على أرض صلبة وأكسر عينك باللي عملته. الكام سنه الي فاتوا، كنت بجمع فيهم كل ورقة، وكل دليل يدينك.. والنهاردة، الورق ده هو اللي هيضمن لك مؤبد ويابسك البدلة الحمرا بعد ما أقدمه للنيابه."


محمود بص في عين إبراهيم نظرة أخيرة، نظرة واحد خد حقه تالت ومتلت، وسابه ومشي بخطوات واثقة.


إبراهيم فضل واقف مكانه، أدرك إنه خلاص خسر كل حاجة يملكها ،وفجأة حس بتقل رهيب في صدره، بدأ ينهج وصدره بيعلى ويهبط كأن الروح بتتسحب منه. مسك قميصه من عند قلبه وهو بيشهق بقوة، وعيونه بدأت تغيب عن الوعي، لحد ما وقع على الأرض جثة هامدة وسط صراخ العساكر اللي اتلموا عليه...


__________________________________


أدهم دخل بالعربية جنينة القصر، وسكون الليل كان مغطي المكان، وكأن القصر نفسه كان مستني رجوع أصحابه عشان يتنفس. جميلة غمضت عينها براحة وسندت راسها على الكرسي؛ أخيرًا رجعت للمكان اللي بتحس فيه بالأمان المطلق، المكان اللي شهد حكايتها مع أدهم بكل تفاصيلها.


أدهم وقف العربية قصاد الباب الرئيسي، نزل بسرعة وفتح الباب الخلفي اللي كانت قاعدة فيه جميلة وجنبها يزن. رغم تعب جميلة وعمليتها، إلا إن يزن صمم بطفولية وإصرار إنه يفضل جنبها وميسيبهاش لحظة.


أدهم مد إيده وشال جميلة بحرص شديد، رفعت إيدها وطوقت رقبته ودفنت وشها في كتفه. الحركة البسيطة دي خلت قلب أدهم يدق بتأثر وبقوة؛ حس إنها بتبعت له رسالة صامتة إن أمانها كله متلخص في حضنه ده. يزن نزل وراهم، ورغم جسمه الصغير المرهق وعينه اللي كانت بتغفل من التعب، إلا إن فرحته بالرجوع للبيت خلت فيه طاقة غريبة وهو بيجري جنب أدهم.


بعد شوية.. في جناح أدهم


أدهم خرج من أوضة يزن بعد ما اطمن إن الخادمة حمته وغيرت له هدومه اللي اتبهدلت وشرب اللبن وراح فالنوم. دخل جناحه ولقى جميلة قاعدة على السرير؛ كان أصر إنه ينقلها جناحه عشان يفضل تحت عينه ويهتم بجرحها بنفسه، ورغم تذمرها في الأول وكسوفها، إلا إنه كعادته ماداهاش فرصة للرفض.


قرب منها بابتسامة، مد إيده ولعب في خصلات شعرها بحنان:

"عاملة إيه دلوقتي؟ الجرح واجعك؟"


هزت راسها بنفي وقالت بصوت رقيق:

"لا الحمد لله.. أنا بس حرانة أوي، وحاسة إني مخنوقة من الأربطة والشاش اللي ملفوفين علي جسمي ."


أدهم ابتسم بمرارة ، ولكن وجت في باله فكرة، قام وقال لها: "ثواني.. راجعلك حالًا."


دخل الحمام وغاب شوية، وطلع وهو ماسك فوطة مبللة مية دافية وفيها شاور جل ، ومعاه طبق فيه مية. جميلة فتحت عينها بذهول لما شافته فاتح أول زرارين من قميصه وشمر كمامه وقرب منها:

"يلا.. أنا همسحلك جسمك بالمية والصابون، وبعدها هتحسي إنك فقتي ونمتي مرتاحة.. إنتي عارفة إن الشاور ممنوع دلوقتي عشان الجرح ميتلوثش."


ورغم إنه شاف الخجل والرفض في عنيها ،إلا إنه في ثواني كان بيمرر الفوطة الدافية على رقبتها ودراعاتها بمنتهى الرقة، كان بيتحرك بحذر شديد وهو بيبعد عن مكان العملية الي كانت في جنبها اليمين ، وصوت نفسه الهادي كان هو اللي مالي الأوضة. جميلة استسلمت تمامًا لمسته، وحست إن كل ذرة تعب في جسمها بتدوب مع المية الدافية وريحة الشاور المنعشة.


بعد ما خلص، نشف لها جسمها بفوطة تانية ناعمة، وباس راسها:

" حاولي تنامي انتي، وأنا هاخد شاور سريع وجايلك.."


فرد جسمها على السرير بهدوء وغطاها، وانسحب للحمام عشان ياخد شاور سريع يغسل فيه تعب وإرهاق اليوم.


استغرق في الشاور خمس دقايق بالظبط، وخرج وهو بيجفف شعره بالفوطة، لابس فنلة حمالات سوداء بينت عضلات جسمهوبنطلون بيج مريح. وقف فجأة وتأمل ملامحها الهادية؛ لقاها استسلمت تماماً ووقعت في النوم من كتر الإرهاق والراحة اللي حست بيها بعد ما فارقت التعب اللي كان في جسمها بعد ما اللي عمله.


أدهم ابتسم، وقفل الأنوار وساب بس أباجورة هادية منورة ركن الغرفة. اتمدد جنبها بمنتهى الحذر، ومرر إيده ببطء تحت راسها لحد ما بقى دراعه وسادة ليها، وسحبها لكتفه وصدره وهو مراعي مكان الجرح بكل دقة. دفن وشه في شعرها اللي بيعشق ريحته، وغمض عينه وهو بيشمه بهيام وكأنه بيستمد قوته من وجودها جنبه. ثواني معدودة، وكان أدهم هو كمان غرق في نوم عميق، وكأن جسمه ماصدق أخيرًا إن كل حاجة انتهت وانتهت الليلة بجميلة في حضنه وتحت حصنه.


_________________________________


في الجناح الفاخر اللي حجزه أدهم في المستشفى، كان علي قاعد على السرير الكبير، ماسك موبايله وبيقلب فيه بآلية، بس عينيه مش شايفة الحروف، عقله كان لسه في المخزن، في صوت الرصاص، وفي اللحظة اللي لقى فيها ياسمين ممرمغة في تراب الخوف.


فجأة، باب الحمام اتفتح وخرجت منه ياسمين بعد ما خدت شاور طويل غسلت فيه ريحة الوجع وتعب الأيام اللي فاتت. كانت بتنشف شعرها بالفوطة وبتتكلم بعفوية وهي مش واخدة بالها من نظرات علي اللي اتثبتت عليها بذهول:

"أنا مش مصدقة إني خدت شاور! أنا قولت أكيد بدام هنقعد في مستشفى يبقى مش هعرف أستحمى ولا أغير هدومي، بس الحمد لله الجناح ده طلع بحمام مجهز.. ومش عارفة مستشفى إيه دي اللي فيها برنص شيك كدة؟ بس كويس والله، مكنتش عارفة هلبس إيه بعد ما هدومي اتبهدلت تماماً."


ياسمين سكتت فجأة لما لاحظت إن علي مبيتردش، رفعت عينيها ولقته قاعد بيبصلها بنظرة غريبة، نظرة فيها جوع للأمان وخوف من الفقد. علي وقف ومشي خطوات هادية ناحيتها، وياسمين من ارتباكها بدأت ترجع ببطء وهو بيقرب، لحد ما لقت ضهرها لمس الحيطة.


علي فجأة مد إيده وشدها من وسطها وحضنها بقوة رهيبة، كأنه بيحاول يطمن دقات قلبه اللي مش عايزة تهدى من وقت الحادثة. ياسمين رفعت إيدها وطبطبت على ضهره بحنان وقالت بصوت ناعم:

"أنا هنا يا علي.. أنا جنبك أهو، والله ما حد قدر يلمسني، ربنا كان حامينا عشان خاطر ابننا وعشان خاطرك. اهدى يا حبيبي، الكابوس خلص خلاص."


علي ابتسم ابتسامة دافية شقت وشها التعبان، وفجأة، وبدون مقدمات، شالها بين إيديه بخفة وكأنها ريشة. ياسمين اتخضت وضحكت بخجل وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته:

"علي! بتعمل إيه؟ نزلني يا مجنون احنا في مستشفى!"


علي بصلها بعشق وهو ماشي بيها ناحية السرير:

"مستشفى، بيت، مخزن.. ميهمنيش. المهم إنك في حضني يا ياسمين. أنا مش عايزك تبعدي عني ولا سنتيمتر واحد الليلة دي.. عايز أغمض عيني وأفتحها مشوفش غير عيونك يا عيوني."


نزلها على السرير براحة ونام جنبها، وسحبها لحضنه وهو بيتملى ملامحها اللي بدأت تورّد من الكسوف، ونسي في اللحظة دي كل غله من منصور ومن إبراهيم، مكنش فيه غير دقات قلبهم اللي بتقول إنهم أخيراً بأمان


_________________________________


صحيت جميلة والشمس كانت لسه بتبدأ ترسم خيوطها على ستائر الجناح .. فتحت عينيها براحة، وأول حاجة حست بيها كانت دقات قلب أدهم المنتظمة تحت راسها. كان نايم بعمق، وملامحه الهادية وهي مستسلمة للنوم كانت غريبة على شخص بقوة وجبروت أدهم، خصلات شعره كانت نازلة بتمرد على جبينه، فمدت إيدها ببطء شديد، وبطراطيف صوابعها بدأت تبعدها بحذر وهي مبتسمة بحب.


حاولت تقوم وتتسحب عشان متصحيهوش، لكن أول ما حركت جسمها، نغزة قوية في جنبها خلتها تشهق بصوت مكتوم: "آآآه.."


في ثانية، كان أدهم مفتح عينيه ومعدول، وكأن جسمه متبرمج يحميها حتى وهو غرقان في النوم. بص لها بقلق وخوف ظهر في نبرة صوته:

"جميلة! أنتي كويسة؟ الجرح شد عليكي؟"


جميلة وشها احمر بخجل وبصت في الأرض وهي بتمسك جنبها:

"أنا أسفة.. مكنتش قصدت أصحيك، بس نسيت العملية وحاولت أقوم فجأة."


أدهم اتنهد براحة لما لقاها كويسة، وقرب منها، مرر إيده ورا ودنها وهو بيرجع خصلات شعرها وبيهمس بصوت أجش من أثر النوم :

" متتأسفيش.. وبعدين أنتي كنتي قايمة ليه أصلاً؟ مش قولتلك لو احتجتي أي حاجة، تعرفيني وأنا اللي هعملها؟"


جميلة ضمت شفايفها بخجل من اهتمامه اللي بيخلي قلبها يدق زيادة:

"كنت عايزة بس أغسل وشي وسناني.مش أكتر."


ابتسم أدهم وساب السرير وقام وقف قصادها، مد جسمه بعضلاته القوية وهو بيفك تعب النوم، وجميلة كانت بتراقبه باختلاس وهي بتبلع ريقها من هيبته حتى وهو لسه صاحي. وفجأة، وبدون إنذار، لقت نفسها مرفوعة بين إيديه بخفة وكأنها ريشة.


شهقت بخضة وضحكت: "أدهم! نزلني والله هقدر أمشي براحة."


أدهم مردش عليها، ودخل بيها الحمام، نزلها بهدوء قدام المراية الكبيرة. سندها بإيد، وبالتانية فتح الحنفية ..لكنه فجأة جيه في باله حاجة ،وقفل الحنفية تاني .مسح على شعره بإحراج وإرتباك ،وقرب من ودنها ،همس بعض الكلمات اللي خلت جميلة تفتح عينيها بخجل ،وبسرعة هزت رأسها بنفي وقالت بارتباك وكسوف :" لا لا ، أااانا عايزة أغسل وشي وبس."


بدا يملى كفه مية وبدأ يمسح على وشها ببطء ورقة، وكأنه بيتعامل مع طفلة صغيرة.

" هغسلك سنانك كمان.. الفرشة دي لسه بكرتونتها، كنت جايبها  إحتياطي عشان لو بتاعتي باظت أو سافرت، أنا عارف إن حاجتك لسه في جناحك القديم، بس النهاردة كل هدومك وحاجتك هتتنقل هنا..."


طلع الفرشة الكهرباء، وحط عليها المعجون، وبدأ يحركها على سنانها بهدوء وهي فاتحة بقها باستسلام وكسوف، ولما خلص ملى كوباية مية وقربها من بقها عشان تتمضمض، وبعدها ميل راسها برفق ناحية الحوض.


خرج بيها تاني وهو شايلها، وقعدها على السرير، وجاب فرشة الشعر وبدأ يسرح لها شعرها بمنتهى الصبر والحب، ولما خلص بدأ يضفرهولها ببراعة استغربتها هي شخصياً.


شالها للمرة التالتة واتجه بيها ناحية الباب، فاستغربت وسألته:

"إحنا رايحين فين تاني؟"


أدهم بصلها بعيون بتلمع بالحنّان وهو نازل بيها السلم:

"إحنا يا ستي هننزل نفطر في الجنينة.. أنا وأنتي ويزن بيه. عارف إنك مخنوقة من القعدة ومن قلة الحركة بسبب الجرح، فقولت نغير جو ونشم شوية هوا نضيف.. كلها كام يوم وتفكي الخياطة وترجعي تلفي في البيت براحتك وتصدعيني كمان لو تحبي."


جميلة ضحكت من قلبها.وهي شايفة معاملة الأميرات الي بيعاملها بيها ،لكنها أكتر من مرحبه بالدلع ده ...


__________________________________


كانت القعدة هادية، وصوت ضحكات يزن مالية المكان وهو بيحاول يقلد أدهم في مسكة المعلقة، وجميلة بدأت تستسلم لراحة نفسية مكنتش تحلم بيها.. بس فجأة، سكون اللحظة دي انقطع برنة موبايل أدهم.


أدهم طلع الموبايل من جيبه وبص للشاشة ببرود، كان المتصل واحد من الحراس اللي سايبهم يراقبوا الأوضاع. فتح الخط وحطه على ودنه وهو لسه بيقطع قطعة توست لجميلة:

"أيوة.. في إيه؟"


صوت الحارس جه من الناحية التانية وهو بيترعش:

"أدهم بيه.. البقاء لله. إبراهيم بيه، عم حضرتك، جاله أزمة قلبية مفاجئة بالليل.. والخبر لسه واصلنا حالا إنه توفى النهاردة الصبح."


أدهم حركت إيده وقفت في الهوا، عينه اتثبتت في الفراغ قدامه، ملامحه متجمدتش ولا بان عليها حزن، بالعكس، وش الصقر اللي اتعودت عليه جميلة رجع تاني، بس المرة دي بجمود يخوف.. مكنش فيه أي مشاعر، لا شفقة ولا شماتة، كأن الخبر يخص حد غريب تماماً.


جميلة لاحظت السكوت المفاجئ، ونظرة عينيه اللي تاهت في الفراغ، سألت بصوت واطي وقلقان:

"أدهم؟ في حاجة حصلت؟ "


أدهم نزل الموبايل من على ودنه، وبص لها ببرود قاسي وقال بكلمتين اتنين مفيش غيرهم:

"إبراهيم مات."


جميلة شهقت بصوت مكتوم وحطت إيدها على بؤها بذهول.. رغم كل اللي عمله، بس الموت له حرمة وهيبة. مدت إيدها برقة ولمست كف إيده اللي كان ساند على التربيزة، وكأنها بتحاول تمتص الصدمة اللي هو مش مبينها.


أول ما حس بلمستها، أدهم رفع راسه فجأة وبص في عينيها، وقبض على إيدها بقوة رهيبة، كأنه بيتمسك بآخر حاجة حقيقية وفاضلة له في الدنيا دي. غمض عينه ثواني واستنشق الهوا بضيق، وبعدها قام وقف بجمود وهيبة:

"أنا هقوم أغير هدومي.. لازم أروح أشوف إجراءات الدفن والعزا. الواجب لازم يتعمل مهما كان اللي حصل."


بص ليزن اللي كان بيبصله باستغراب، وطبطب على كتفه، وبص لجميلة وقال بنبرة آمرة بس فيها خوف خفي عليها:

"جميلة، خليكي هنا مع يزن، متتحركيش من الجنينة إلا لما الحرس يكونوا حواليكي، والشغالة هتفضل جنبك لو احتجتي حاجة.. مش هغيب عليكي."


#رواية_عشقت_محتالة



البارت 24 

عربيات الحراسة كانت محاوطة مدخل السجن، والجو كان كئيب ومقبض، سما القاهرة كانت مغيمة وكأنها بتعلن عن نهاية فصل أسود من رواية آل السويسي. أدهم نزل من العربية بخطوات تقيلة، لابس نظارته السوداء .


دخل المكتب المخصص لإنهاء إجراءات استلام الجثامين، وصوت وقع جزمته كان بيرن في الممرات الضيقة. أول ما فتح الباب، اتجمد مكانه.. ملامحه اتصلبت وعيونه ضاقت من الاستغراب.


محمود كان واقف هناك، ساند بإيده على المكتب وبيخلص تصريح الدفن. أدهم وقف مكانه لثواني مش مستوعب، وبعدين قرب منه وصوته طالع حاد زي الموس:

"محمود بيه؟! إنت بتعمل إيه هنا في وقت زي ده؟ وإيه اللي جابك سجن عشان تخلص إجراءات دفن عمي؟"


محمود بص لأدهم بنظرة هادية جداً، نظرة فيها حزن دفين وغامض، وطبطب على كتفه ببطء:

"مش وقته يا أدهم.. اهدى وخلص إجراءاتك، والجثة هتتحرك دلوقتي على الجامع ومنه للمقابر. هفهمك كل حاجة في وقتها."


أدهم سكت بضيق، وبدأ يوقع على الأوراق بآلية، وعينه جت بالصدفة على خانة الزيارات الأخيرة في الدفتر المفتوح قدامه.. شاف اسم محمود ،مكتوب بخط واضح بتاريخ أمس.


 أول ما خرجوا لباحة السجن الخارجية والجثة بدأت تتحمل في عربية الإسعاف، أدهم وقف قصاد محمود ومنعه يكمل مشيه:

"لأ.. لحد هنا وكفاية! .. إنت كنت هنا امبارح ليه يا محمود بيه؟ إيه اللي يخليك تيجي تقابل إبراهيم السويسي في زيارة خاصة؟ وبعدها الراجل يجيله أزمة قلبية ويموت؟ قولتله إيه خلاه يتصدم لدرجة تحيله أزمه قلبيه ويموت بعدها؟"


محمود بص في عين أدهم، ونظراته كانت غريبة.. ميكس بين الشفقة والحب والخوف، وقال بصوت واطي ومبحوح:

"صدقني يا أدهم.. الحقيقة اللي شايلها بقالها سنين تقيلة أوي على قلبي، ومكانها مش قدام باب سجن. إكرام الميت دفنه، خلينا نخلص الجنازة وندفن إبراهيم .. وبعد العزا، أوعدك هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من أول يوم لحد اللحظة دي."


أدهم سكت، مكنش قدامه غير إنه يوافق وهو جواه بركان هينفجر من التساؤلات.


__________________________________


في دار المناسبات، كان صوت الشيخ بيصدق بآيات الله في ختام العزا، والصوت ليه رنة بتهز القلوب وسط الفخامة والسكوت اللي حل على المكان. الناس بدأت تنسحب واحد ورا التاني، وكل اللي فاضل كان ريحة البخور وصوت الهوا وهو بيخبط في الستائر التقيلة.


أدهم كان واقف زي الجبل، عينه متبتة في الفراغ، لحد ما جميلة قربت منه وحطت إيدها على دراعه برقة. انتبه لها وبصلها، وقال بصوت واطي: "روحي أنتي يا جميلة.. انتي تعبتي أوي النهارده، السواق مستنيكي برة، أنا ورايا مشوار مهم هخلصه واجيلك."


جميلة بصتله بقلق وسألته: "مش هتروح معايا؟"


رد بجمود وهو بيضغط على إيدها: "لا.. هخلص حاجة وأجي."


بعد ما جميلة مشيت، القاعة فضيت تماماً، ومبقاش فيه غير أدهم ومحمود اللي كان قاعد في آخر القاعة، ضهره محني وكأنه شايل جبال فوق كتافه. أدهم مشي بخطوات رزينة وقعد جنبه، ساد الصمت ثواني قبل ما أدهم يقطعه بنبرة حادة:

"أنا سكت لحد ما اليوم عدي .. اتفضل يا محمود بيه، سامعك. قولي كل اللي عندك ."


محمود رفع راسه ببطء، عينه كانت مليانة وجع، وقال بصوت مهزوز: "أنا مش محمود بيه يا أدهم.. أنا أبوك."


الكلمة نزلت على أدهم زي الصاعقة، جسمه اتشد وعينه اتسعت بذهول وصدمة شلت لسانه. محمود كمل وهو بيحكي بمرارة عن يوم الحادثة، إزاي إبراهيم دبر كل حاجة وإزاي الكل افتكره مات، في حين إنه عاش سنين في الغربة بيتعالج وبيحاول يرجع، وإنه فضل مراقبه من بعيد عشان يحميه من غير ما يظهر في الصورة.


أدهم قام وقف فجأة بغضب بركاني، وصوته طلع هادر: "أنت بتقول إيه؟ أنت فاكر إن اللعبة دي هتدخل عليا؟ يعني إيه أنت أبويا؟ أنت متخيل إنك بعد السنين دي كلها هتيجي تقولي الكلمتين دول والمفروض أصدقك؟"


محمود وقف قصاده بضعف وقال: "لو مش مصدقني، نقدر نعمل تحليل DNA دلوقتي حالا، بس أنا مش محتاج ورق عشان أعرف ابني.. أنت حتة مني يا أدهم، والدم اللي في عروقك ده دمي."


أدهم كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيعلو ويهبط من كتر الانفعال، للاسف كان حاسس بصدق كلامه، مشاعره اللي كان بيحس بيها تجاه محمود والراحة الغريبة في وجوده كانت بتأكد الحقيقة دي، وده اللي كان بيجننه أكتر.


صرخ فيه أدهم بوجع: "وأنت كنت فين؟ كنت فين وأنا عمي بيأذي فيا؟ كنت فين وأنا بكبر وحيد ومقطوع من شجرة؟ كنت فين والليل بيعدي عليا وأنا بتمنى ريحة أب يسندني؟ جاي دلوقتي تقولي كنت بحميك؟"


محمود قرب منه وحاول يلمس كتفه: "يبني افهمني.. كنت لازم أمهدلك، كنت خايف من رد فعلك، كنت عايزك تحبني لشخصي الأول.."


أدهم نفض إيده بعنف وهز راسه بنفي: "تاني؟ لسه بتستنى؟ مكفاكش كل السنين اللي ضاعت؟ أنت كنت بتتفرج عليا وأنا بتكسر وبقوم لوحدي ... أنا مش مقتنع بحكايتك دي، ومش قادر أسامحك على كل ثانية عشتها يتيم وأنت موجود."


بص له نظرة أخيرة كلها خيبة أمل وغضب ومشي وسابه في القاعة لوحده، ركب عربيته وطار بيها وهو مش شايف قدامه، عقله مش قادر يستوعب إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة، وإن السند اللي كان بيدور عليه طول عمره كان واقف جنبه طول الوقت ".


وقف أدهم بالعربية فجأة في طريق مقطوع وهادي، نزل منها وسند ضهره على الباب وهو بيرفع راسه للسما بتعب ونفسه عالي.. الصمت اللي حواليه كان بيخليه يسمع صوت أفكاره بوضوح. "معقول؟ محمود.. أبويا؟"


ضحك ضحكة مكسورة مختلطة بدموع محبوسة، كان جواه صراع رهيب؛ فرحة طفل لقى سنده بعد سنين يتم، وغضب راجل حاسس إنه اتخدع من أقرب الناس ليه. بس فجأة، وسط الدوشة اللي في عقله، لمعت فكرة زي البرق.. 


افتكر الشك اللي كان بياكل قلبه ناحية ياسمين. لو كلام شكوكه صح، ولو ياسمين طلعت فعلاً أخته، يبقى الليلة دي مليانة صدمات، دي ليلة ولادة عيلة السيوفي من جديد.


"لو طلعتي أختي يا ياسمين.. لو كل اللي ضاع رجع في يوم واحد".


من غير تفكير، ركب عربيته وانطلق بسرعة البرق، الكاوتش صرخ على الأسفلت وهو بيلف ويرجع في اتجاه المخزن اللي حابس منصور فيه. كان بيسوق وهو ضاغط على الدركسيون بقوة، وعينيه بقت زي الصقر اللي حدد فريسته...


وصل المخزن في وقت قياسي، الحراس اللي واقفين بيأمنوا المخزن اتنفضوا لما شافوا دخلة عربيته والتراب اللي غطى المكان. نزل أدهم بطلته المرعبة، ودخل لجو وهو بيقلع جاكيت البدلة ويرميه على الأرض، وبص لمنصور اللي كان مربوط ومرمي في ركن.


أدهم قرب منه، وسحب كرسي وقعد قدامه بمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة، ومال براسه وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة:

" انطق، ياسمين تقرب لي إيه؟"


منصور رفع راسه بتعب، وبص لأدهم بضحكة صفراء رغم آلم جسمه:

"إيه؟ ابراهيم باشا نطق ولا إيه؟ مكنتش فاكر إنك هتعرف بالسرعة دي.."


منصور براسه لورا وهو بيضحك ضحكة مكتومة، صوتها طالع بالعافية مع نهجان صدره، وبص لأدهم بنظرة شمتانة وقال: "إبراهيم السويسي كان حاسبها بالملي يا أدهم بيه.. كان عارف إن كسر القلب أوعر من كسر العضم. أبوك ماماتش في الحادثة.. وياسمين؟"


سكت منصور للحظة ياخد أنفاسه، وكمل بتعب: "هو الي اتفق معايا أتبناها أنا ومراتي مقابل فلوس ،مراتي مكانتش تعرف حاجة ،كان فاكرة إننا هنتبني عادي بسب إننا مبنخلفش ،وعدى كام سنة ومراتي ماتت ،إبراهيم اللي كان بيدفعلي تكاليف أمله


أكلها وشريها وتعليمها ،بشرط إني معرفهاش حاحة وتفضل مختفية في بيتي ،حتي خروجها وإختلاطها بالناس يكون بحساب. بس لما السنين عدت والبت كبرت حليت ف عنيا ،لحد ما يوم حاولت أ..أ "

مقدرش يكمل الجملة بسبب لكمة أدهم على وشه بعنف.. لدرجة أسنانه طارت على الأرض ،والدم بدأ يحرج من فمة بغذارة.


أدهم غمض عينه بقوة، وكأن جبال الدنيا كلها نزلت فوق دماغه في ثانية واحدة.. الحقيقة كانت مرة، طعمها زي العلقم في حلقه. سابه وخرج من المخزن من غير ولا كلمة، ركب عربيته وساق بجنون، مكنش شايف الطريق، كان شايف سنين عمره اللي ضاعت في كذبة، والوجع اللي عاشه وهو فاكر نفسه وحيد.

__________________________________


علي دخل الأوضة بخطوات بطيئة من الارهاق، وأول ما عينه جت على ياسمين اللي كانت قاعدة مستنياه بلهفة، ملامحه الجامدة بدأت تتفكك تدريجياً بمجرد ما لمحها. ياسمين قامت من على السرير بسرعة، ووشها نور بابتسامة رقيقة غلبت شحوب التعب اللي كان لسه راسم أثره تحت عينيها.


علي فتح دراعاته بتلقائية، وياسمين اترمت في حضنه ودفنت وشها في صدره، ولف دراعاته حواليها بقوة وكأنه بيحاول يتأكد إنها حقيقة مش سراب من اللي شافه في أيام الرعب اللي فاتت. فضلت ثواني غرقانة في ريحته اللي بتطمنها، وهو بيتنفس بعمق وكأنه بيغسل صدره من ريحة الموت والعزا اللي كانت محاصراه.


ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه بحنان، ومسحت بصباعها على جفونه المرهقة:

"عامل إيه يا حبيبي؟ طمني عليك؟ شكلك تعبان أوي."


علي اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قلبه، وطبع بوسة هادية على جبينها:

"الحمد لله يا ياسمين.. طول ما أنا شايفك قدامي وبخير، أنا كويس. اليوم كان طويل وتقيل بشكل ميتوصفش."


ياسمين بدأت تفك له زراير القميص بحركات رقيقة ومهتمة، وقالت بصوت مليان شجن:

"أنا عارفة إنك مالحقتش تاخد نفسك.. يا دوب خرجنا من المستشفى ورجعنا، ونزلت رحت العزا مع أدهم علطول. جسمك محتاج يرتاح يا علي، إنت بقالك أيام على أعصابك ومبتنامش."


علي مسك إيدها اللي كانت بتفك الزراير وباس باطن كفها بعمق، وبص في عينيها بنظرة مليانة رعاية:

"كنت واقف في وسط العزا والناس بتمحي بعضها، وعقلي مكنش معاهم خالص.. كان معاكي إنتي. كنت بقول يا ترى ياسمين نامت؟ يا ترى أكلت؟ قلبي كان مقبوض عليكي ومكنتش عايز أسيبك لحظة واحدة بعد اللي حصل. كنت خايف ترجعي تخافي وأنا مش جنبك."


ياسمين دمعت من حنيته، وحطت كفوفها على خدوده وسندت راسها على صدره:

"قلبي كان حاسس بيك يا علي، ومكنتش عارفة أغمض عيني وأنت بره. أدهم بيه كان محتاجك جنبه، وإنت أصيل وعمرك ما كنت هتسيبه في محنة زي دي، خصوصاً إن إبراهيم رغم جبروته يفضل عمه .. بس خلاص يا حبيبي، إحنا هنا، في بيتنا، والباب مقفول علينا والأمان حوالينا."


علي ابتسم ابتسامة دافية شالت جبال من على كتافه، وشالها براحة وقعدها على السرير وقعد جنبها، وخدها في حضنه تاني بحيث راسها تكون على صدره، وبدأ يمسد على شعرها بانتظام:

"عارفة يا ياسمين.. اللحظة دي بالدنيا وما فيها. وجودك ده هو اللي بيخليني أقدر أكمل. بكرة الشمس هتطلع وهتكون بداية جديدة لينا، بعيد عن إبراهيم ومنصور ، وبعيد عن أي وجع."


ياسمين غمضت عينيها وهي بتسمع دقات قلبه المنتظمة، وهمست بصوت غلب عليه النوم:

"يارب يا علي.. يارب ميبعدناش عن بعض أبداً."


علي فضل باصص لها بهيام وهي بتغرق في النوم في حضنه، قرر يقفل عقله الليلة دي ويسكن لراحة حضنها. وبالفعل، ثواني وناموا هما الاتنين في عناق عميق، والهدوء لف الجناح وكأن القدر بيديهم هدنة قبل عاصفة الحقائق اللي هتبدأ مع أول خيط نور للصبح.


__________________________________


وصل القصر، دخل بخطوات مهزوزة، طلع جناحه وفتح الباب بتعب.. لقى جميلة قاعدة على السرير، ساندة ضهرها على المخدات بحذر عشان جرحها، وماسكة التابلت ومركزة في محاضرة الفيزياء اللي شغالة، بتحاول تلم اللي فاتها قبل الامتحانات. أول ما شافته، وشها نور بابتسامة رقيقة، لكن الابتسامة دي اختفت تدريجياً وهي شايفة منظره؛ شعره المشعث، قميصه اللي فك معظم زرايره، وعينه اللي فيها تيه وكسرة مش متعودة عليها فيه.


"أدهم؟ مالك؟ في إيه؟" سألته بخوف وهي بتحاول تتعدل.


أدهم مردش، قرب منها بهدوء غريب، شال التابلت والكتب من إيديها وركنهم على جنب، وارتمى في حضنها بقوة، دفن راسه في كتفها وكأنه طفل بيدور على أمان ضاع منه من سنين. جميلة اتجمدت لحظة من المفاجأة، لكنها بسرعة لفت دراعها حواليه وبدأت تطبطب على شعره بحنان وهي مش فاهمة حاجة، بس حاسة إن جبل السويسي النهاردة محتاج يسند قلبه وبس.


جميلة كانت حاسة بدقات قلبه السريعة اللي بتخبط في صدرها، وصوت نفسه العالي اللي كأنه طالع من وسط حريقة. بدأت تحرك إيدها على شعره بحنان، وبصوت واطي مليان خوف وحب سألته: "مالك يا أدهم؟ في إيه ؟"


أدهم مرفعش راسه، فضل دافن وشّه في كتفها وصوته طالع مكتوم ومبحوح: "طلع عايش يا جميلة.. السنين دي كلها كان بيتفرج عليا وأنا بتدبح، كان شايفني يتيم ومكسور وهو واقف على بعد خطوتين.. طلع محمود هو أبويا."


جميلة شهقت بصدمة، إيدها اتجمدت على شعره لثواني، وعينها اتسعت بذهول: "إنت بتقول إيه؟! محمود بيه.. أبوك؟ إزاي؟"


أدهم اتعدل فجأة وبصلها، عينه كانت حمرا ووشه شاحب، ضحك ضحكة مكسورة وهو بيسند راسه بإيده: "والأدهى من كدة.. ياسمين.. ياسمين طلعت أختي يا جميلة. شفتي اللعبة كانت قذرة لحد فين؟ عمي إبراهيم كان رابطنا كلنا بحبال من نار، كان مموت أبويا بالحيا، أختي قصاد عنيا وأنا مش عارف، وواهمنا كلنا إننا مقطوعين من شجرة."


جميلة لفت إيدها حوالين كفوفه اللي كانت بتترعش من الغضب المكتوم، وبصت في عينه بصدق: "أدهم.. أنا عارفة إن الصدمة فوق احتمالك، وعارفة إن الوجع كبير.. بس بص للجانب التاني، إنت مكنتش يتيم، السند اللي كنت بتتمناه طلع جنبك، والأخت اللي كان نفسك فيها طلعت هي البنت اللي كنت بتخاف عليها من غير ما تعرف ليه. ربنا رجعلك عيلتك في ليلة واحدة يا أدهم."


أدهم بص لها بغضب طفولي ومرارة: "رجعهم بعد إيه؟ بعد ما عمري ضاع في السواد؟ بعد ما شبعت ذل وقسوة؟ أنا مش قادر أسامح يا جميلة.. مش قادر أبص في وش محمود وأقوله يا بابا، ولا قادر أروح لياسمين وأقولها أنا أخوكي بعد كل اللي شافته وأنا مش جنبها."


جميلة قربت منه أكتر، وحطت راسها على كتفه، وقالت بنبرة هادية ومطمئنة: "الوقت هيداوي يا أدهم.. محمود بيه أكيد كان ليه أسبابه، والراجل ده بالذات ملامحه كلها حب ليك، جميلة قربت منه أكتر، ورفعت وشّه بإيدها عشان يبصلها، وقالت بصوت ناعم ومطمئن: "أدهم، اسمعني.. في حاجة لازم تعرفها. نادية، مرات محمود بيه، كانت حكت لي حاجات كتير قبل كدة، بس مكنتش فاهمة إن الكلام ده يخصك إنت."


أدهم سكت وانتبه لكلامها، فكملت جميلة وهي بتمسح على كتفه: "قالت لي إن محمود عاش سنين سودة في أمريكا.. الحادثة اللي عمك دبرها مكنتش سهلة، باباك خرج منها بجروح وحروق شوهت جسمه وملامحه بالكامل. نادية هانم حكت لي إنه قعد سنين بين أوض العمليات، وعمل جراحات كتير أوي عشان يقدر بس يقف على رجله ويرجع يعيش، وده السبب اللي خلى ملامحه تتغير لدرجة إنك معرفتوش لما شفته."


نزلت دموع بسيطة من عين جميلة وهي بتكمل: "كانت بتقولي إنه كان بيعيط بالليل وهو ماسك صورتك وفاكرك ميت، وبعد ما عرف إنك لسه عايش كان نفسه يرجعلك بس كان خايف يرجع وهو مش قادر يحميك، أو ترفضه، باباك مكنش جبان يا أدهم، محمود كان بيترمم عشان يرجع يلمك تحت جناحه تاني."


أدهم غمض عينه، وصورة محمود وهو بيطبطب عليه في الجنازة بعد ما عرف الحقيقة جت بين عينيه.. لمسته كانت فعلاً لمسة أب، والوجع اللي في عينه مكنش تمثيل.


جميلة كملت بحنان: "نادية قالت إن مفيش ليلة عدت عليه من غير ما يذكر اسمك، وإنه اتغرب واشتغل عشان يبني نفسه من الصفر، كل ده عشان لما يرجع، يرجع قوي ويقدر يواجه وياخد حقه وحقك. هو مسبكش بمزاجه، هو كان بيحارب الموت عشان يرجعلك."


أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنها بتطلع نار من صدره، وبدأ صوته يهدى شوية: "يعني السنين دي كلها مكنش ناسي؟"


ردت جميلة بسرعة: "عمره ما نسي.. ده هو اللي فضل يراقبك من بعيد ويحميك من غدر إبراهيم. محمود بيه تعب أوي يا أدهم، والوجع اللي شافه في العمليات والغربة ميقلش عن الوجع اللي إنت شفته هنا."


أدهم سكت وبدأ يستوعب حجم التضحية اللي محمود عملها، وبدأ قلبه يلين لما جميلة كملت :" 

 الراجل اللي شاف ملامحه بتتغير عشان بس يفضل عايش لليوم ده.كان بيحرسك بقلبه قبل عينه. والفيزياء اللي كنت لسه بذاكرها من شوية بتقول إن لكل فعل رد فعل.. بس في القلوب، رد الفعل لازم يكون الرحمة. اهدا يا أدهم.. اهدا عشان تقدر تلم شتات العيلة دي من تاني."


أدهم سكت، وبدأ نفسه يهدى تدريجياً وهو مستسلم لحضنها، وكأن جميلة هي المرفأ الوحيد اللي رسا عليه بعد عاصفة هدّت كل ثوابته.


وفجأة، جميلة حست بألم وجمعت ما بين حواجبها باستغراب، وأصدرت "آه" ناتجة عن وجع وهي بتحط إيدها بتلقائية على جنبها مكان الجرح.


أدهم بص لمكان إيدها وتجمد مكانه، شاف البيجامة الوردي اللي لابساها بدأت تتلون باللون الأحمر القاني بالتدريج مكان الجرح. برق بعينه بخوف، شالها بحرص شديد كأنها قطعة زجاج نادرة ونيمها على السرير وطلب الدكتور بهلع.


لما الدكتور وصل، القلق كان مالي الأوضة، وأدهم كان بيتحرك زي المجنون بس بحذر مرعب. قرب من جميلة وبدأ هو اللي يفك البلاستر والشاش اللي غرق دم بقلب مقبوض، وكان كل شدة بسيطة بتحس بيها جميلة كان بيغمض عينه كأنه هو اللي بيتألم.


أدهم، برغم الموقف الصعب، غيرة السويسي جواه مهدتتش؛ غطى جسم جميلة بالبطانية بمنتهى الدقة، ورفع طرف البيجامة الوردي بحرص شديد بحيث ميكشفش غير مكان الجرح وبس، وعينه كانت بتراقب إيد الدكتور بحذر ونظرات حادة، وكأنه بيحذره من أي نظرة أو لمسة ملهاش لزمة. كان نفسه تكون فيه دكتورة هي اللي تعالجها، بس الوقت المتأخر ده والنزيف اللي شغال مسبلوش حل تاني غير إنه يبلع غيرته عشان ينقذ روحه.


الدكتور جهز أدوات التعقيم، محلول الملح والميكروكروم، وبدأ يكشف على مكان النزيف وبص لأدهم بأسف وقال:

"فيه غرزتين اتفكوا يا أدهم بيه.. واضح إن المدام عملت مجهود زيادة وضغطت على نفسها، وده اللي خلى الخياطة تفتح بالشكل ده."


أدهم في اللحظة دي بصلها بنظرة كانت خليط من الغضب المكتوم واللوم لنفسه؛ لأنه عارف إنها عملت كدة عشانه، نزلت العزا ووقفت واستقبلت ضيوف وتحركت كتير في القصر عشان تسنده في محنته.


جميلة كانت بتبص له بعيون مدمعة وبتحاول تكتم وجعها، لكن أدهم مكنش قادر ينطق بكلمة من كتر الخوف اللي كان لسه مسيطر عليه. الدكتور بدأ يعيد خياطة الغرزتين بمخدر موضعي، وأدهم كان واقف ساند راسها بإيده وبيمسح على شعرها بحنية، وعينه مراقبة الإبرة وهي بتدخل في جلدها الرقيق وصدره بيطلع نار. كان بيقسم في سره في اللحظة دي إنها مش هتلمس الأرض ولا هتغادر السرير ده لغاية ما تشفى تماماً، حتى لو اضطر يحبسها جوه حضنه طول العمر.


بعد ما الدكتور خرج، قفل الباب وراه ، ورجع قعد جنب جميلة على السرير. ملامحه اللي كانت جامدة وقاسية من شوية، انكسرت تماماً وهو بيبص لشحوب وشها وأثر الوجع اللي لسه مرسوم على ملامحها. سحبها براحة شديد ودخلها في حضنه، ودفن وشه في رقبتها وهو بيهمس بصوت مخنوق بالندم:

"أنا آسف يا جميلة.. أنا اللي ضغطت عليكي، وأنا اللي خليتك تشيلي همي. سامحيني يا حبيبتي، كان قلبي هيقف وأنا شايف دمك مغرق هدومك بسببي."


جميلة، رغم تعبها وأثر المخدر اللي بدأ يتقل عينيها، رفعت إيدها المرتعشة وحطتها على شعره، وبدأت تمسد عليه بحنان يطمنه. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت ناعم زي الهمس:

"متقولش كدة يا أدهم.. إنت مالكش ذنب في أي حاجة. أنا اللي مكنتش قادرة أشوفك مكسور وواقف لوحدك في العزا وأسيبك."


جميلة سكتت لحظة وهي بتحاول تجمع قوتها، وبعدين مالت عليه وبست دماغه بوسة طويلة مليانة حب ودعم، وكأنها بتمسح ببيها كل السواد اللي شافه في يومه. أدهم غمض عينه واستسلم للمسة شفايفها، وحس إن الدنيا بدأت تهدا أخيراً.


سحب الغطا عليهم هما الاتنين، وضمها لصدره بحذر خرافى وكأنها أرق حاجة يملكها في الكون. جميلة غمضت عينيها وهي حاسة بدقات قلبه اللي بدأت تنتظم، وفي خلال ثواني، كان النوم غلبها من كتر الإرهاق. أدهم فضل باصص لها شوية وهو بيوعد نفسه إن الصبح هيكون بداية لصفحة جديدة، صفحة مفيهاش وجع ولا أسرار مدفونة، ونام هو كمان وهو متبت فيها، وكأن حضنها هو الحصن الوحيد اللي باقي له من ريحة السويسي

__________________________________


صباح يوم جديد، الشمس طالعة بس شايلة معاها ثقل أسرار السنين اللي فاتت. في جناح أدهم، كان الجو هادي. أدهم كان واقف قدام المراية بيلبس قميصه الأسود، ملامحه كانت جامدة وعيونه فيها تركيز غريب، وكأنه بيستعد لمعركة من نوع تاني.


جميلة حاولت تقوم من على السرير وهي بتكتم أنين وجع الجرح، أول ما أدهم لمح حركتها، ساب اللي في إيده وقرب منها بسرعة وسندها بإيديه القوية:

"رايحة فين بس أنا مش قولتك مفيش حركة ،أعمل فيكي ايه ؟أربطك في السرير عشان أضمن إنك متتحركيش أبدآ؟"


جميلة ماردتش، لكنها قربت منه بخطوات بطيئة وهي سانده عليه، ومدت إيدها الرقيقة وعدلت له ياقة القميص وبدأت تقفل الزراير اللي فوق بهدوء، رفعت عينيها فيه وسألته بصوت مليان خوف عليه:

"أدهم.. أنت كويس؟ حاسة إن في قلبك حمل جبال النهاردة."


أدهم رسم ابتسامة هادية عشان يطمنها، وهز راسه ببطء:

"أنا كويس طول ما أنتي ويزن بخير.. متقلقيش يا حبيبتي، شوية ترتيبات ومسائل قديمة لازم تخلص، وهرجع لك علطول."


جميلة بصت له بنظرة فاحصة وقالت بتمني: "بالتوفيق يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك، وسلملي على ياسمين."


أدهم خد نفس عميق وكأنه بيشحن طاقته من ريحتها، وميل باس جبينها بوسة طويلة وطمنها، وساعدها تقعد في مكان مريح على السرير وسند ضهرها بالمخدات. خرج من الجناح بخطوات واثقة وركب عربيته، وانطلق بأقصى سرعة ناحية بيت علي ...

________________________________


أدهم ركن عربيته قدام عمارة علي، أخد نفس عميق بيحاول يهدي بيه ضربات قلبه اللي كانت مسموعة في ودنه، ونزل. طلع السلالم بخطوات تقيلة، ووقف قدام الباب لثواني قبل ما يمد إيده ويخبط خبطات هادية ومنتظمة.


ثواني وسمع خطوات جاية من ورا الباب، واتفتح وظهرت ياسمين بملامحها الرقيقة . أول ما شافته، عينيها وسعت باستغراب وقالت بأدب

"أدهم بيه ؟!"


أدهم التوتر بان عليه لما شافها ،وبلع رقه .وهو حاسس بنبضات قلبه بقت مسموعة في ودنه وقال :أزيك يا مدام ياسمين.. معلش جيت من غير ميعاد وبدري كدة، بس كنت عايز علي في حاجة ضروري."


أهلاً وسهلاً.. اتفضل حضرتك، علي لسه نازل يجيب مسكن لخالتو ؛عشان الجرح شادد عليها ، بس زمانه على وصول."


أدهم دخل بخطوات مترددة وهو بيقول بصوت واطي: "بعتذر لو أزعجتك "


ياسمين شاورت له على الصالون بترحاب: "البيت بيتك يا أدهم بيه، اتفضل استريح.. تشرب إيه؟"


أدهم حاول يعتذر: "لأ ملوش لزوم والله، أنا يدوب.."


ياسمين قاطعته بإصرار وكرم: "أبداً، والله ما يحصل.. لازم تشرب حاجة، قهوة؟"


أدهم اتنهد واستسلم لإصرارها: "خلاص، قهوة مظبوط، تسلم إيديكِ."


دخلت ياسمين المطبخ، وأدهم فضل باصص في أركان الشقة، بيشوف تفاصيل حياتها البسيطة اللي كانت بعيدة عنه سنين. ثواني ورجعت وهي شايلة صينية القهوة، حطتها قدامه وقعدت على الكرسي اللي قدامه بهدوء..


أدهم بدأ يرتشف من القهوة، وعينه عليها،

وأدهم بدأ يفتح الكلام بصوت هادي ومتردد:

"قلي لي يا  مدام ياسمين.. علي كان حكالي إن منصور ده هو اللي كان متبنيكي.. إنتي مكنتيش تعرفي أهلك الحقيقيين؟"


ياسمين نزلت عينيها في الأرض بحزن وقالت بصوت واطي:

"لا.. عشت عمري كله فاكرة إني ماليش حد، ومنصور كان محسسني إني مجرد  شئ تقيل عليه.. حتى لما عرفني إن ليا أهل، كان غرضه يكسرني ويساوم علي بيا وبس."


أدهم سكت لحظة، وبص لها بنظرة فيها حزن دفين وقال:

"تعرفي يا ياسمين.. الدنيا دي غريبة أوي، أحياناً بنعيش طول عمرنا بندور على حاجة وهي قدام عينينا.. أو بنحس بصلة غريبة بحد وبنكون مش فاهمين ليه قلبنا واكلنا عليه كدة."


ياسمين عقدت حواجبها بعدم فهم: "حضرتك تقصد إيه يا أدهم بيه؟".


أدهم حط فنجان القهوة من إيده، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت مليانة شجن، وفجأة الكلام خرج منه بقوة واندفاع بدون حساب :

"أقصد إن الدم بيحن يا ياسمين.. أقصد إنك مش غريبة عني، وإن ابونا مامتش، وإني طول السنين دي كنت يتيم بالظلم.. وإنتي كنتِ وحيدة بالغدر."


ياسمين اتنفست بسرعة، ووشها بدأ يصفر من الصدمة: "إنت.. إنت بتقول ليه؟ انا مش فاهمةحاجة !!"


أدهم قام من مكانه ببطء، ونزل على ركبه قدامها وهي قاعدة، ومسك إيديها اللي كانت بتترعش بقوة، وعينه دمعت لأول مرة قدامها بصدق:

"أنا بقولك إن محمود المنشاوي هو نفسه محمودالسويسي.. أبويا.وأبوكي .. وبقولك إن الحقيقة اللي عمي إبراهيم حاول يدفنها طلعت للنور..، إنتي بنت عيلة السويسي.. يعني إنتي حتة مني.. إنتي أختي يا ياسمين."


ياسمين اتصنمت في مكانها، شفايفها كانت بتترعش وصوتها طالع مخنوق ومستنكر من هول المفاجأة: "أختك؟.. يعني إنت.. إنت أخويا؟ أدهم السويسي يبقى أخويا؟"


أدهم هز راسه بدموع وهو بيشدد على إيدها: "أيوة يا حبيبتي، أنا أخوكِ اللي مكنتش أعرف بوجودك، واليوم اللي عرفت فيه كنت هموت من الوجع إني كنت بعيد عنك كل ده ومخلي غريب زي منصور يأذيكي."


ياسمين قامت وقفت بذهول وهي مش شايفة قدامها، وأدهم قام معاها، وفجأة وبدون مقدمات، أدهم سحبها لحضنه بقوة رهيبة، حضن كان فيه سنين من الحرمان والوجع واليتم، وياسمين انفجرت في العياط وهي متبتة في قميصه وكأنها لقت أخيراً المرسى اللي هترتاح فيه.


وفجأة.. الباب اتفتح بعنف، ودخل علي وشايل أكياس العلاج، اللي وقعت منه أول ما شاف المنظر، عروقه برزت والغيرة والدم طلعوا لراسه في لحظة، رمى الحاجة من إيده والكياس اتفتحت على الأرض.


وبدون ما يفهم..علي قرب بخطوات سريعة وشكله كان يرعب، الغيرة عمت عينه عن أي منطق، ومد إيده يشد أدهم من قميصه وهو بيغلي. وفجاءة لكمة بقبضة إيده بقوة ،لدرجة أدهم رجع خطوات لورا من قوة الضربة .


#رواية_عشقت_محتال❤️


البارت 25 و 26 " بعنوان: لم الشمل أخيرًا "

أدهم نفخ بضيق وهو بيحاول يفرمل غضبه اللي كان خلاص هينفجر في علي، وبص له بنظرة حادة وصارمة وقال:

"اصبر يا علي.. اهدى وخليني أفهمك بس"


علي قاطعه وصوته طالع مخنوق، وعينه بتلمع بوجع وصدمة وهو بيبص لياسمين اللي لسه واقفة قريبة من أدهم، وبدأ يهز رأسه بتوهان وعدم تصديق:

"أفهم إيه يا أدهم؟ أفهم إيه والمنظر قدامي ملوش غير معنى واحد؟ ليه تعملي فيا كدة يا ياسمين؟ أنا قصرت معاكي في إيه عشان تكسريني في بيتي ومع مين؟! مع صاحبي؟"


ياسمين أول ما شافت انكسار علي، قلبها وجعها وقربت منه بلهفة ودموعها لسه شلال على خدها:

"علي يا حبيبي.. اهدى بس والله العظيم إنت فاهم غلط، أنا هفهمك كل حاجة.. والله ما في حاجة من اللي في بالك "


أدهم قلب عينه بملل وزهق من الدراما اللي شغالة قدامه، ونفخ بقلة صبر وهو بيمد إيده ويشد علي من دراعه بقوة :

"يا ابني بطل بقى شغل الأفلام العربي ده وركز في الكلام اللي هقوله.. اهدى وافهم.. ياسمين تبقى.."


علي بصلهم بذهول، وصدره بيطلع وينزل من كتر النهجان والخوف من الكلمة اللي أدهم هيقولها، وقاطعه تاني بزعيق:

"تبقى إيه؟ انطق يا أدهم وخلصني"


أدهم صرخ فيه بوضوح وصوت هز المكان عشان يسكته:

"تبقى أختي ! ... أختي يا غبي !"


علي اتسمر مكانه، ملامحه اتجمدت وبقه اتفتح بذهول مضحك، بص لأدهم وبعدين بص لياسمين اللي هزت رأسها بتأكيد وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت، وطلع منه صوت مهزوز وضعيف:

"هااا؟ أختك إزاي؟ إنتو بتهزروا صح؟ دي كاميرا خفية ولا إيه؟"


أدهم قعد على الكرسي بتعب وبدأ يحكي له الحكاية من طقطق لسلام عليكم..علي كان بيسمع وهو فاتح بقه، مش مستوعب إن مديره وصاحب عمره، طلع في الآخر نسيبه وأخو مراته 


علي ببهوت تام:

"يعني إنتو الاتنين.. طلعتوا إخوات بجد؟ نفس الأب ونفس الأم؟"


ردوا هما الاتنين في نفس النفس وبقوة خلت علي يتنفض: "أيوة"


علي ضحك ضحكة هستيرية وهو بيحاول يستوعب:

"أنا مش مصدق، ده ولا الروايات .. مديري في الشغل.. يطلع أخو مراتي!  ده أنا كدة مش هعرف أفتح بوقي معاكي تاني يا ياسمين، أخوكي السويسي هياكلني"


أدهم قعد وحط رجل على رجل بكل ثقة، وبدأ يبص لعلي بنظرة فيها رخامة واضحة، ومد إيده وبدأ يلعب في شعر ياسمين بحنان مبالغ فيه وهو باصص لعلي بتحدي واستفزاز.


علي أول ما شاف إيد أدهم بتتحرك بحرية في شعر ياسمين، نار الغيرة اللي جواه شعللت، واتحرك بتلقائية ووقف قدام أدهم:

"بس بس ..شيل إيدك يا فنان.. متلمسش شعر مراتي ، أنا بغيير"


أدهم ضحك باستفزاز وهو بيشد ياسمين لحضنه أكتر وبيطبطب على كتفها:

"مراتك مين يا بابا؟ دي أختي.. يعني لحمي ودمي، وبعدين إنت هتغير على أختي مني؟"


علي وقف بينهم وهو بيحاول يبعد إيد أدهم عن كتف ياسمين بضيق مضحك:

"أختك ماشي، فوق راسي من فوق.. بس ده بيتي .. وهنا هي مراتي، وليا فيها أكتر منك .. بطل حركات الأخوات دي عشان مش جاية معايا سكة يا أدهم، أنا قلبي لسه مبردش من المنظر اللي شفته"


ياسمين كانت واقفة في النص بتضحك بكسوف وفرحة مالية قلبها، مكنتش مصدقة إنها أخيراً بقى ليها ظهر، بقى ليها أخ يقف قدام علي ويضايقه ويحسسها إنها غالية عند حد من دمها.


أدهم قام وقف فجأة، وملامحه رجعت للجدية والصرامة تانى، وبص لياسمين بعمق وحب أخوي حقيقي:


"خلاص يا علي.. كفاية هزار.، ودلوقتي لازم نتحرك .. لازم ياسمين تقابل محمود السويسي، لازم تقابل أبوها.. هو كمان محتاج يعرف إن بنته موجودة."


ياسمين أول ما سمعت سيرة أبوها، دقات قلبها زادت بتوتر وفرحة مرعبة، مسكت في دراع علي بقوة وهي بتبص لأدهم بخوف:

"أنا خايفة يا أدهم.. خايفة أوي. تفتكر هيتقبلني؟ تفتكر هيحبني بعد السنين دي كلها؟"


أدهم طبطب على إيدها بحنان وبص في عينها بصدق:

"ماتخافيش يا حبيبتي.. ده أبوكي .. وطول ما أنا وعلي جنبك، مفيش قوة في الأرض تقدر تلمسك ولا توجعك تاني. ياللا بينا."

__________________________________


نادية فتحت الباب، وبمجرد ما شافت أدهم وعلي ومعاهم ياسمين، ابتسامتها نورت وشها كله. رحبت بيهم بحب وحنان وهي بتبعد عشان يدخلوا:

"أهلاً يا ولاد، نورتوا.. اتفضلوا يا أدهم، اتفضل يا علي، نورتينا يا حبيبتي ."


دخلوا الصالون الكبير، كان الكل قاعد ، وياسمين كانت حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجليها، إيدها كانت بتترعش لدرجة إن علي لاحظ وسحب إيدها وضمها بقوة، وبصلها بنظرة مطمنة وهز راسه كأنه بيقولها "أنا جنبك".


فجأة، ظهر محمود وهو لابس عباية رصاصي كلاسيكية زادت وقاره، بص لأدهم بشوق وحنين كان بيحاول يداريهم ورا ثباته الانفعالي، سلم عليهم بترحيب وهز راسه لياسمين باستغراب من وجودها. قعد محمود ووجه كلامه لأدهم:

"خير يا أدهم؟ في حاجة حصلت؟"


أدهم بدأ كلامه وهو بيحاول يرتب أفكاره: "احم.. بخصوص الكلام اللي اتكلمنا فيه إمبارح يا محمود بيه، أنا.."


قاطعه محمود بسرعة وحدة وكأنه خايف أدهم يشك فيه: "لو مش مصدقني يا أدهم، أنا مستعد دلوقتي حالاً نقوم نروح أي مستشفى ونعمل تحليل DNA، أنا معنديش أي مانع."


أدهم رفع إيده بهدوء: "لأ مش كدة، أنا بس عايز أحكيلك حاجة وأرجوك متقاطعنيش لحد ما أخلص.."


بدأ أدهم يحكي بالتفصيل من يوم ما يزن اتخطف، وإزاي لما راحوا ينقذوه لقوا ياسمين مخطوفة في نفس المكان، وحكى عن استغرابهم من علاقة إبراهيم ، لحد ما عرفوا إن منصور اللي اتبناها من عشرين سنة هو اللي كان خاطفها بالاتفاق مع إبراهيم ،وإزاي كان بيعذبها ويأذيها طول السنين اللي فاتت ..لحد ما هربت وقابلت علي.


أكمل أدهم وصوته بدأ يتهدج: "وعرفنا بالصدفة إن الملجأ اللي منصور خد منه ياسمين، هو نفسه الملجأ اللي كنا فيه أنا وياسمين أختي بعد الحادثة .."


سكت أدهم، ومحمود سأله ببهوت وعدم استيعاب: "يعني إيه؟ قصدك إيه يا أدهم؟"


هنا علي ملقاش بد من إنه يتدخل عشان يحسم الموقف، وقال بصوت واضح:

"يعني يا محمود بيه، ياسمين اللي قدام حضرتك دي، تبقى هي أخت أدهم اللي كانت معاه في الحادثة.. يعني تبقى بنتك إنت"


محمود اتصنم، الدموع ملت عينه في ثانية واحدة وهو بيبص لياسمين اللي كانت بتشهق بالعياط ومش قادرة تقف على رجليها. همس بصوت مكسور: "إنتي.. إنتي ياسمين؟ إنتي بنتي؟"


ياسمين هزت راسها ببطء وهي مش قادرة تنطق، محمود حاول يقوم بس رجله مكنتش شايلاه من هول الفرحة والصدمة، ياسمين جرت عليه وسندته، وهو مسك وشها بين كفوفه اللي بتترعش وبدأ يتأمل ملامحها:

"أنا كنت حاسس.. والله كنت حاسس من أول مرة شوفتك فيها في الشركة إن فيه صلة غريبة بتشدني ليكي.. لأ مش من أول ما شوفتك، ده من أول ما سمعت صوتك في الموبايل وقلبي دق واتلهف عليكي."


ياسمين انفجرت في العياط بزيادة وارتمت في حضنه، ومحمود ضمها بقوة رهيبة وكأنه بيعوض سنين الحرمان والبعد، فضلوا في حضن بعض دقايق والكل ساكت بيتفرجوا على المشهد المؤثر ده والمعجزة اللي بتحصل قدامهم.


أما علي، فكان واقف بعيد شوية، بياكل في شفايفه بغيظ وغيرة مش عارف يداريهم، بص لأدهم وهمس له بضيق:

"وبعدين بقى في أم العيلة اللي بتحضن كتير دي؟ هو إنتو معندكوش حاجة اسمها سلام بالإيد؟ فيه حاجة اسمها بُووج يا جماعة، مفيش مراعاة لمشاعر أمي طيب؟؟"


أدهم رغم تأثره بالمشهد، بص لعلي وضحك غصب عنه وقال بوشوشة:

"اكتم يا علي، الراجل لسه لاقي بنته بعد عشرين سنة، هتحجر عليه في حضنه؟ وبعدين إحنا عيلة وده جو أسري، يعني الليلة ليلتنا، إنت اللي غريب بينا هنا"


علي اتنرفز أكتر: "غريب إيه يا أدهم؟ دي مراتي! أنا مسمحش بالتمادي ده حتى لو كان أبوها، إنتو عيلة مرعبة في المشاعر يا أخي"


__________________________________


عدى شهرين على لم الشمل اللي غيّر خريطة قصر السويسي وحياة الكل. القصر اللي كان زمان عنوان للغموض والوحدة، بقى دلوقت ماليان ضحك وحركة، وكأن الروح ردت فيه من جديد.


في جنينة القصر الواسعة، كانت جميلة وياسمين قاعدين مع بعض، الشمس كانت هادية والجو ربيعي جميل. ياسمين كانت ساندة ضهرها لورا وبطنها بدأت تظهر بشكل بسيط وجميل، وجميلة كانت ماسكة كتاب فيزياء بس مش مركزة فيه خالص، كانت مركزة في الكلام والضحك مع ياسمين .


ياسمين ضحكت بصوت عالي وهي ماسكة بطنها:

"آه.. حرام عليكي يا جميلة، بجد هموت من الضحك.. كفاية بقى لتولديني هنا في الجنينة قبل أواني"


جميلة ضحكت هي كمان وقفلت الكتاب:

"والله يا بنتي لو ولدتي دلوقتي مش هيكون بسببي أنا، ده هيكون بسبب جوزك وادهم.. دول بقوا توم وجيري رسمي، مش فاهمة إيه الغيرة اللي بينهم دي"


ياسمين هزت راسها بقلة حيلة:

"عندك حق، دول بقوا أطفال بجد. علي لسه مش مستوعب إن أدهم بقى أخويا بجد، وأدهم لسه بيمارس دور الأخ الكبير اللي عايز يسيطر على كل حاجة.. تخيلي أول امبارح علي كان عايز يفسحني، أدهم قاله لا الجو برد على أختي علي كان هيتجنن."


مكملوش الكلمة، ولقوا خيالاتهم بتظهر على الأرض. أدهم وعلي وصلوا من الشركة. أدهم كان كالعادة في قمة وقاره ببدلته الكحلي اللي مبرزة هيبته، وعلي كان لابس قميص أبيض وشايل جاكيت البدلة الرمادي على كتفه.


علي أول ما وصل عند ياسمين، ميل وباس جبينها بحنان، وحط إيده على بطنها بحذر وكأنه بيطمن على ابنه:

"وحشتيني يا قلب علي.. والباشا الصغير عامل إيه النهاردة؟ تعبك؟"


أما أدهم، فقرب من جميلة وباس إيدها برقة وهو بيبتسم لها الابتسامة اللي مابتظهرش غير ليها:

"عاملة إيه؟ المذاكرة ماشية إزاي؟"


جميلة ردت بابتسامة:

"الحمد لله.. بس اتأخرتوا كدة ليه؟ مش قلتوا هتيجوا بدري عشان نتغدى كلنا مع بابا محمود وماما نادية؟"


أدهم فرك عينه بتعب:

"كان ورانا شغل كتير في الشركة.." وبص لجنبه بضيق مكتوم لما لقى علي بيوشوش ياسمين في ودنها وهي بتضحك بكسوف، لوي شفايفه وقال:

"إيه يا حبيبي.. ما تخف شوية! البنت حامل وتعبانة، مش وقت نحنحة خالص دلوقت."


علي بصله بنظرة غيظ ورد عليه وهو لسه ماسك إيد ياسمين:

"خليك في حالك يا سويسي.. وبعدين إنت طاحني في الشغل طول اليوم، سيبني بقى مع الحتة بتاعتي شوية أفك عن نفسي."


أدهم فتح عينه بغضب مصطنع وزعق بخفة:

"حتة؟! إيه الألفاظ البيئة دي يا ابني؟ لاحظ إن اللي بتتكلم عنها دي تبقى أختي، يعني برستيجها من برستيجي"


علي مكنش هيسكت، بس فجأة ظهرت نادية وهي ماسكة في إيد محمودالسويسي اللي كان لابس عبايته ووشه منور بالراحة. نادية ضحكت وقالت:

"إنتوا لسه داخلين ونازلين نقير في بعض؟ ما بتبطلوش؟ "


الخدامة خرجت من جوه وقالت بأدب :" الغدا جاهز حضراتكم ."


دخلوا كلهم وهما بيضحكوا، وأدهم وعلي لسه بيبصوا لبعض بتحدي، بس كان باين في عينيهم إن الغيرة دي ماهي إلا عشم وحب كبير، وإن العيلة اللي اتشتتت سنين، ربنا جمعها في النهاية بأجمل صورة.


قعدوا كلهم على السفرة الكبيرة اللي كانت بتلمع تحت نجف القصر، والأطباق مرصوصة تفتح النفس، بس طبعاً الهدوء مكنش له مكان في وجود أدهم وعلي.


أدهم سحب الكرسي لجميلة بوقار، وقعد جنبه وبدأ يغرف لها وهو بيقول بصوت هادي:

"كلي كويس يا جميلة، وراكي مذاكرة كتير النهاردة، إمتحاناتك كمان كام يوم ،مش عايز دلع."


علي بص له بطرف عينه وهو بيقطع اللحمة لياسمين وحطها قدامها بحنية مبالغ فيها:

"كلي يا ياسمين، اتغذي يا حبيبتي، مش زي ناس مركزين في الفيزياء.. اتغذي عشان الواد يطلع شحط كدة ميهمهوش حد."


أدهم رفع عينه وبص لعلي ببرود:

"قصدك إيه بـ شحط دي يا علي؟  أنا ابن أختي يطلع سويسي أصيل، هيبة وعقل، مش همجي بيمشي بدراعه. شبه ناس كده"


علي ضحك باستفزاز وهو بيمضغ الأكل:

"والله هو ابني أنا .. يعني هيشيل جيناتي أنا. اتجدعن انت وجيب ديك برابر يشيل جينات السويسي ."


جميىة ضمكت بكسوف وهي بتقلب في طبقها ،وياسمين ضحكت ،وبصت لأدهم:

"خلاص يا علي.. وبعدين هو خايف عليا، مش كدة يا أدهم؟"


أدهم ساب الشوكة وبص لياسمين بحنان حقيقي:

"طبعاً خايف عليكي.. وبعدين يا مدام ياسمين، جوزك ده لو فضل يتدلع كدة في الشركة، هخصم له أسبوع، عشان يعرف إن الله حق."


علي شهق بصدمة وبص لمحمود :

"سامع يا حمايا؟ بيستغل سلطته كمدير ! يرضيك كدة؟ البنت حامل ومحتاجة مصاريف، وهو عايز يقطع رزقي."


محمود ضحك بصوت عالي وهو بيبص لنادية اللي كانت بتبتسم بهدوء:

"يا ابني إنت وهو، أنا جايبكم هنا أتغدى معاكم ولا أسمع خناقة في حضانة؟ اهدوا شوية.. إنت يا أدهم، خف على علي، الراجل شايل معاك شيل تقيل. وإنت يا علي، احترم إن أدهم أخوها الكبير."


علي لوى بوزه وبص لياسمين:

"شوفتي؟ حتى حمايا صف مع السويسي.. ماليش غيرك يا ياسمين في البيت ده."


جميلة اتدخلت وهي بتضحك:

"على فكرة يا علي، أدهم كان لسه بيشكر فيك الصبح قدامي، وبيقول إن لولا وجودك جنبه في تصفية أخر صفقة مكنش عرف يخلص الموضوع بالسرعة دي."


أدهم كح بإحراج ،ونغز جميلة بخفة في كتفها:

"أنا قلت كدة؟ إنتي بيتهيألك يا جميلة، كلي وانتي ساكتة."


علي غمز لأدهم بانتصار:

"أيوة يا سويسي.. اعترف بيا بقى ... ده أنا دراعك اليمين، والنسيب الغالي، وأبو حفيدك اللي جاي."

أدهم ابتسم غصب عنه وهو بيشرب ميه.


نادية قالت بضحكة:

"يا ساتر عليكم! ياللا كلوا بقى قبل ما الأكل يبرد، والتحلية النهاردة أم علي مخصوص عشان خاطر علي."


علي صفق بإيده بطفولية:

"أيوة كدة يا ست الكل، انتي اللي ناصفاني في البيت ده "


بعد الغدا ... الرجالة دخلت المكتب يتكلموا في أمور الشغل ،ويشربوا قهوتهم ،وبعد شوية نادية نادت عشان ييجوا ياكلوا من الحلويات. 


بعد ما الباب اتقفل ورا علي اللي خرج يجري عشان يلحق نصيبه في أم علي، ساد هدوء في المكتب، ملوش حس غير صوت رشفات القهوة وهما بيشربوها بمزاج.


محمود سحب نفس عميق  وبص لأدهم ،وقال:

"ها يا أدهم.. طمني، أخبار المناقصة الجديدة إيه؟ والمخازن اللي في الإسكندرية وضعها إيه دلوقتي؟"


أدهم عدل وقفته وبدأ يتكلم بجدية:

"كله تحت السيطرة يا بابا.. علي متابع المخازن يوم بيوم، والمناقصة رسيت علينا الحمد لله، إحنا بس بنخلص شوية أوراق والصفقة هتم على خير."


محمود هز راسه برضا، وسكت لثواني وكأنه بيحضر لسؤال تاني خالص، وبعدين ميل بجسمه لقدام وقال بنبرة هادية بس فيها فضول الأب:

"صحيح يا أدهم.. بمناسبة كلامنا بره .. أنا ملاحظ إنكم اتأخرتوا شوية في موضوع الخلفة ده .. إنتوا داخلين على نص سنة جواز، مفيش حاجة جاية في الطريق؟ كشفتوا.. ولا فيه مشكلة مأخرة الموضوع؟"


أدهم اتفاجئ بالسؤال، وحس بدمه كله طلع لوشه، رفع إيده وحك شعره من ورا بإحراج شديد، وبص في الأرض وهو بيحاول يجمع كلامه:

"لأ.. ماهو.. أصل مينفعش يا بابا دلوقتي."


محمود اتنفض من مكانه وبصله بصدمة، وعينه وسعت بخوف:

"إيه؟! يعني إيه مينفعش؟ حد فيكم فيه عيب؟ متقولش كدة يا أدهم ،العلم اتقدم يا ابني،وانا مستعد أسفركم أمريكا تتعالجوا، المهم أشوف حفيد ليا من صلبك."


أدهم هز راسه بسرعة وهو بيحاول يطمنه، وصوته اتحشرج من الحرج:

"لا يا بابا مش كدة خالص.. مفيش مشاكل طبية الحمد لله، إحنا بس.. يعني أقصد إننا لسه ..."


محمود عقد حواجبه بذهول ووقف قدامه وهو مش مستوعب:

"إزاي يعني لسه؟ إنتوا متجوزين بقالكم شهور في بيت واحد ،إيه اللي لسه محصلش يا أدهم؟"


أدهم أخد نفس عميق طلعه ببطء ،وقال :

"يا بابا.. إنت ناسي إحنا اتجوزنا إزاي؟ أنا قعدت فترة طويلة مش قادر أسامحها ولا أتقبل وجودها بعد اللعبة اللي عمي إبراهيم لعبها علينا.. مكنتش قادر أقرب منها وأنا قلبي مليان مرار ونار ناحيتها."


محمود هدي شوية وبدأ يستوعب، فأدهم كمل كلامه:

"ودلوقتي، لما الدنيا صفت بينا وبقينا سمن على عسل الحمدلله، أنا اللي قررت أفرمل شوية. جميلة داخلة على امتحانات الثانوية العامة، عايزها تركز في مستقبلها دلوقتي .مستني تخلص امتحاناتها وتنجح، وساعتها ربنا يرزقنا باللي فيه الخير."


محمود سكت لثواني، وابتسامة فخر رسمت على وشه، وطبطب على كتف أدهم بقوة:

"والله يا أدهم إنت راجل.. طول عمرك بتفكر في اللي حواليك قبل نفسك. كبرت في نظري أكتر يا ابني.. بس برضه، علي سبقك بكتير، وياسمين شكلها هتجيب ولي العهد والسويسي لسه بيذاكر فيزياءوكيمياءوأحياء"


أدهم ضحك بخفة وهو بيقوم يفتح الباب:

"علي ده نمرود يا بابا ومستعجل.. بس اللي هيجي او اللي هتيجي من صلب أدهم السويسي، هيكون هو السند الحقيقي للعيلة دي.. اصبر عليا بس الكام شهر دول."


خرجوا من المكتب وهما بيضحكوا، ولقوا علي واقف بره وبقه ماليان حلويات وبص لهم بشك:

"إيه يا جماعة؟ بتتكلموا في إيه كل ده؟ تكونوا بتخططوا ترفدوني من الشركة وأنا باكل أم علي؟"


أدهم بَص لعلي بنظرة ثقة وهو بيعدل ياقة قميصه، وضحك ببرود مستفز:

"لا يا علي.. إحنا بس كنا بنشوف الواد ابنك ده هيطلع شبه خاله في إيه.. أصل الجمال ده وراثة، وخايف يطغى على ملامحك البيئة دي"


علي شرق ،وبصله بصدمة وغل:

"نعم يا أخويا؟! بيئه!! .. وبعدين ماله وشي؟ ده كفاية الغمازات اللي مجننة ياسمين"


أدهم غمز لمحمود وكمل وهو ماشي رايح لجميلة ببرود:

"بكرة نشوف يا بطل.. الجينات السويسية مابتتفاهمش، والواد من أول يوم هيعرف إن خاله هو اللي بيمشي الكلمة هنا.. استعد بقى لدور الأب المطيع اللي بيسمع كلام الحما والنسيب"


محمود ضحك بصوته كله على شكل علي اللي وشه أحمر من الغيرة والغيظ، وعلي زعق وراه وهو بيجري وراه في الممر:

"خد هنا يا أدهم ...والله ما هسيبك.. بقى أنا هبقى أب مطيع؟ ياسمين! تعالي شوفي أخوكي اللي لسه لاقينه ده، عايز يربي الواد على مزاجه ويطلعه سويسي من قبل ما يتولد"


--------------------------------------------------------


بليل، كان القصر هادي إلا من صوت ضحكات يزن العالية اللي كانت مالية الأوضة وأدهم بيدغدغه بإيديه وهو بيضحك مع جميلة، المشهد كان يملأه الدفء، وكأن سنين الوجع والشتات اتمحت في اللحظة دي.


من فترة، وبعد استشارة معالج نفسي متخصص للأطفال، أدهم وجميلة بدأوا يمهدوا ليزن الحقيقة بأسلوب يناسب سنه الصغير. فعرفوه بالتدريج إن جميلة مش أخته الكبيرة زي ما كان فاهم، ولكن بكريقة متخلهوش يكره جميلة إنها كانت جايه القصر كمحتالة .... المعالج النفسي نصح أدهم انه يعرفه كمان إنه مش أبوه ولا حتى أخوه، لكنهم هيفضلوا عيلته اللي بيحبوه ،وإنه يثبت ليزن إن الحب مش بس دم، الحب هو الأمان اللي عاشه معاهم، وبالفعل، رغم حزن يزن في البداية ودموعه اللي وجعت قلب أدهم، إلا إنه مع الوقت بدأ يستوعب إن وجودهم جنبه هو الحقيقة الوحيدة اللي تهمه.


أدهم شال يزن وباسه بقوة ونيمه في سريره وغطاه، وخرج هو وجميلة للبلكونة يشموا هوا وهما باصين لنجوم السما بصفاء.


أدهم اتنهد براحة وسند ضهره على كنت شايل هم اللحظة دي أكتر من أي حاجة.. كنت خايف يكرهنا أو يحس إنه غريب وسطنا."


جميلة قربت منه وسندت راسها على كتفه بحنان:

"يزن قلبه أبيض يا أدهم، والطفل بيحس باللي بيحبه بجد.. إنت كنت له الأب والأخ والسند لما الدنيا كلها اتخلت عنه، تفتكر حتة ورقة أو نسب هي اللي هتغير ده؟"


أدهم لف دراعه حول وسطها وضمها ليه:

"عندك حق.. بس الصراحة، الدكتور النفسي ده ريحني أوي لما قالي إن المواجهة أحسن بكتير من إني أعيشه في كذبة تظهر لما يكبر وتكسره.. النهاردة نايم وهو عارف مكانه فين في قلوبنا."


جميلة بصت له بابتسامة رقيقة:

"ومكانه هيفضل محفوظ.. حتى لما يجي له أخوات بجد يشيلوا اسمه ويشاركه فينا."


أدهم ضحك بخفة وافتكر حواره مع محمود، فميل عليها وهمس بمشاكسة:

"بمناسبة الأخوات دي.. بابا كان بيحقق معايا في المكتب النهاردة، والراجل مستعجل أوي على الحفيد السويسي.. وقعد يقولي نسافر أمريكا ونشوف دكاترة "


جميلة وشها قلب أحمر من الكسوف وبصت في الأرض:

"يا خبر ! وإنت قولتله إيه؟"


أدهم رفع وشها بصباعه وبص في عينيها بحب:

"قولتله إن مراتي لسه نونو ووراها ثانوية عامة، وعايزها تركز في مستقبلها الأول.. بس بيني وبينك يا جميلة، أنا كمان بدأت أغير من علي، الواد مش بيبطل يغيظني بحمل ياسمين، وأنا صبري بدأ ينفد من كتب الفيزياء دي"


جميلة ضحكت بصوت واطي وهي بتخبي وشها في صدره:

"خلاص يا حبيبي، هانت.. كلها شهر والامتحانات تخلص، وساعتها مفيش فيزياء ولا كيمياء، مفيش غيرنا وبس."


أدهم شدد من ضمته ليها وهو بيبوس راسها:

"وأنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر.. عشان عيلتنا تكمل بجد، ويبقى القصر ده مليان  سويسي صغيرين."


__________________________________


بعد مرور شهر كامل من السهر، والضغط، والكتب اللي مكنتش بتفارق إيد جميلة، انتهى ماراثون الامتحانات أخيرًا. بليل خرجت جميلة من الحمام ،بعدما أخدت شاور دافئ وطويل.


خرجت جميلة وهي لابسة روب ستان رقيق باللون الكشمير، وفردت شعرها المبلول اللي كان نازل على ضهرها زي الشلال، ووقفت قدام التسريحة تشغل الاستشوار عشان تجففه. صوت الجهاز كان عالي ومغطي على أي حركة في الجناح، لدرجة إنها محسّتش بالباب وهو بيتفتح ببطء، ولا بخطوات أدهم الهادية والواثقة وهو بيقرب منها بابتسامة حنونة.


أدهم وقف وراها، وتأمل صورتها في المراية بشوق كان بيحاول يداريه طول فترة امتحاناتها . فجأة، مد إيده وطفي الاستشوار من الفيشة، الغرفة سكتت تمامًا، وجميلة اتخضت وشهقت وهي بتبص لصوره في المراية:

"أدهم ..خضتني.. جيت إمتى؟ محستش بيك خالص."


أدهم لف إيديه حول وسطها من ورا، ودفن وشه في شعره المبلول وهو بيستنشق ريحة الشامبو اللي بيعشقها، وهمس بصوت دافي ومنخفض:

"جيت من بدري.. وقفت أتأمل جميلتي ...وحشتيني يا جميلة، وحشتيني لدرجة مكنتش متخيلها."


جميلة لفت في حضنه وحطت إيديها على صدره بكسوف، وعينيها لمعت بدموع الفرحة والراحة:

"وإنت كمان وحشتني أوي يا أدهم.. بجد الأيام اللي فاتت كانت صعبة، كنت بحس إني بعيدة عنك وأنا في نفس البيت، بس كان غصب عني..."


أدهم رفع وشها ،ومسك دقنها بطرف صباعه ،وبص في عينيها بعمق:

"خلاص يا حبيبتي.. الكابوس خلص، والنهاردة.. النهاردة مفيش كتب، مفيش مذاكرة، مفيش غيري أنا وإنتي وبس. أنا كنت بعد الأيام والساعات عشان اللحظة دي... واخيرا اللحظة دي جت"


جميلة ضحكت برقة وخبت وشها في صدره:

"يعني خلاص يا أدهم؟ مفيش "ذاكري يا جميلة"؟ مفيش "نامي بدري عشان الامتحان"؟"


أدهم شدد من ضمته ليها ،وقال بحب ظاهر في كل حرف:

"لا فيه.. فيه "بحبك يا جميلة"، وفيه "أنا أسعد راجل في الدنيا بيكي".. والنهاردة، أنا هعوضك عن كل دقيقة تعب، وهعوض نفسي عن كل ليلة نمت فيها وإنتي ماسكة الكتاب بدل ما تكوني في حضني."


جميلة بصتله بحب كبير وهمست وهي بتلعب في ياقة قميصه:

"أنا بحبك أوي يا أدهم.. شكراً إنك كنت سندي وشكراً إنك استنيت عليا كل ده."


أدهم نزلها ببطء وباس جبينها بعمق وطول في القبلة وكأنه بيختم بيها على وعد جديد:

"أنا اللي بشكرك إنك دخلتي حياتي ونورتي قصر السويسي بوجودك.. ياللا بقى، كفاية كلام، متهيألي عندنا كلام أهم من وصلة الشكر والامتنان دي ،فجأة شاله بين إيديه وهي شهقت بضحكة ناعمة، وسحبها لعالمه الخاص، عالم ملوش علاقة بالوجع ولا بالماضي، عالم مفيش فيه غير عشقهم اللي انتصر في النهاية.


تكملة الرواية من هناااااااا 


تعليقات

close