خدمت حمايا
خدمت حمايا
خدمت حمايا عشر سنين لوحدي حتى اولاده مسألوش عليه ولما مات كتب املاكه اللي بالملاين لاولاده وانا وجوزي طلعلنا فيزا بنكيه ب 200 الف جنيه
يوم ما "الحج إبراهيم السيوفي" مات، السما كانت مغيمة وكأنها شايلة همي.
أنا كنت قاعدة في الصوان، مقتولة من العياط، عيني ورمت وبقيت زي "الخرقة الدبلانة"، مش قادرة حتى أصلب طولي وساندة بضهري على الحيطة. وفي الناحية التانية، كان جوزي "سيد" واقف مع أخوه الصغير "علاء"، بيوشوشوا بعض وعينيهم بتلمع، ولا كأن أبوهم لسه ميت ومغتسل.
الصوت كان واطي، بس في السكات ده الكلام كان بيخبط في ودني زي الرصاص.
"بقولك إيه يا علاء، المحامي جاي بكرة يفتح الوصية، واللعبة باينة من أولها."
سيد قالها وهو بيحاول يداري لهفته ورا تنهيدة كدابة.
"يا عم دي مش محتاجة فقاقة،" علاء رد عليه وهو بيعدل قميصه، "الشقق اللي في المهندسين والبيت اللي في المعادي دول الهبرة الكبيرة، وأكيد إحنا اللي هناكل التورتة."
"أكيد طبعاً،" سيد كمل بسخرية، "بس مراتك يا سيدي، "نادية" (قصده عليا)، دي بقالها عشر سنين بتخدم الحاج.. تفتكر هينوبها من الحب جانب؟"
"يا عم دي غريبة، هتاخد إيه يعني؟" سيد رد بقلب ميت، "قرشين من تحت الترابيزة وخلاص، كتر خيرها لحد كده."
كنت بسمعهم وضوافري
بتغرس في إيدي من القهر. عشر سنين! أكتر من تلات آلاف يوم بلياليهم.
لما "الحج إبراهيم" جاتله الجلطة واترمى في السرير، أنا كنت "مشرفة تمريض" شاطرة وليا شنة ورنة في المستشفى.
سيد قالي: "أنا شغلي واكل وقتي"، وعلاء ومراته قالوا: "إحنا مش حمل خدمة".
قمت أنا ضحيت بشغلي ومستقبلي، وقلت ده زي أبويا.
عشر سنين وأنا اللي بقلبه، وبأكله بالمعلقة، وبحميه، وبدلك جسمه عشان ميتسلخش من الرقدة. كنت بقوم كل ساعتين بليل أشوفه بيتنفس ولا لأ. كنت بغيرله هدومه وأنا بضحك في وشه عشان ميحسش إنه حمل تقيل.
وسيد؟ سيد كان بيجي كل فين وفين، يشم ريحة "المطهرات" في الأوضة ويقرف، ويقولي: "إنتي بقيتي ريحتك بصل وعجزتي يا نادية".
"قومي يا بنتي ارتاحي شوية، إنتي منمتيش من أول امبارح."
دي كانت "خالتي زينب" جارتنا، بتبطبط على كتفي بكلمتين حنينين.
هزيت راسي وقلت وصوتي رايح: "لا يا خالة، عايزة أشبع منه.. بكره البيت يفضى عليا."
وفجأة لقيت "سيد" واقف فوق راسي، ريحته سجاير، وباصصلي بزهق:
"خلاص بقى يا نادية، بلاش تمثيل ونوح، اللي مات مات، مش هيقوم بالعياط ده كله."
"بكرة المحامي جاي وفي شغل مهم، قومي اغسلي وشك وبلاش فضايح قدام القرايب."
بصيت لوشه، الراجل اللي عشت معاه 12 سنة، لأول مرة أحس
إني مش عارفاه. الوش اللي كنت بحبه بقيت شايفة فيه جحود ميتوصفش. قمت وأنا رجلي منملة، وبصيت لصورة الحج إبراهيم اللي متعلقة على الحيطة ببرواز أسود، وقلت في سري: "يا حج.. أنا صنت الأمانة عشر سنين، ودلوقتي جه وقت الحساب."
تاني يوم الساعة عشرة الصبح، "الأستاذ مراد" المحامي جه.
الصالة كانت محشورة قرايب، كلهم جايين يشمشموا على الميراث.
علاء ومراته "سوزي" قاعدين في نص الكنبة، وابنهم "هاني" اللي لسه متخرج واقف وراهم وباصص في الموبايل بيشوف أسعار العربيات الجديدة.
وسيد قاعد جنبي عمال يهز في رجله ويدار خنقه بـ "يا مسهل يا رب".
أنا كنت قاعدة في ركن بعيد، زي "الضيفة"، بتفرج ببرود.
الأستاذ مراد طلع الملف، وعدل نضارته، وقال بصوت جهوري:
"بناءً على وصية المرحوم الحاج إبراهيم السيوفي، هنبدأ بتوزيع التركة."
نَفَس الكل اتكتم.
"أولاً: الست شقق اللي في عمارة "المهندسين"، تؤول بالكامل لابنه الأصغر: علاء إبراهيم السيوفي."
علاء وشه نور ومراته سوزي زغردت في سرها وهي بتمسك إيده. القرايب بدأوا يوشوشوا: "يا بختك يا واد يا علاء، ده المتر هناك بآلافات."
المحامي كمل:
"ثانياً: البيت اللي في "المعادي" بمشتملاته، يؤول لحفيده: هاني علاء إبراهيم."
"أنا يا جدو؟" هاني صرخ من
الفرحة، وأبوه طبطب عليه وهو بيقول: "مبروك يا بطل، بقيت صاحب ملك."
الصالة ولعت كلام، وعلاء وعياله بقوا في سابع سما. سيد جوزي وشه بدأ يقلب ألوان، وبقى يفرك في إيده، "إزاي أخويا ياخد كل ده وأنا لأ؟"
المحامي سكت شوية وبصلي، وبعدين بص لسيد وقال:
"أما بالنسبة لابنه الأكبر "سيد"، وزوجته "نادية"، فالوصية نصت على منحهم (فيزا بنكية) بكل الرصيد اللي فيها."
"والرصيد ده قيمته: 200 ألف جنيه."
السكوت حل في الصالة زي القبر.
ألف ليلة وليلة انتهت على "200 ألف جنيه"؟
القرايب بدأوا يهمسوا بـ "شمانة":
"يا عيني يا نادية، ضيعت عمرها في التمريض وفي الآخر خدت فكة."
"شوفتي؟ اللي بيعمل خير في الزمن ده بيترمي له ملاليم."
"سيد طلع من المولد بلا حمص، أخوه خد القصور وهو خد تمن عربية مستعملة."
سيد قام وقف وصوته بيترعش من الغل: "إيه؟ 200 ألف؟ ده اللي فالح فيه يا حج إبراهيم؟" وبصلي بقرف وقال: "شوفتي؟ ميت مرة قلتلك بلاش تعملي فيها خادمة، أهي خدمتك ضيعت علينا الملايين!"
أنا خدت "الفيزا" والورقة من المحامي من غير ولا كلمة.
نزلت البنك وأنا بفتكر أوضة الحج إبراهيم، وتفاصيل صغيرة كنت بشوفها ومبفهمهاش.. "الخزنة اللي ورا البرواز"، "الأوراق اللي كان بيخليني أمضي عليها كشاهدة"، "نظرة
عينيه ليا في آخر أيام وهو بيضغط على إيدي."
لما وصلت البنك، الموظف خد الكارت وسألني عن الباسورد، كتبته، وفجأة الموظف ساب الشاشة ورفع عينه بصلي بذهول، وقال بنبرة متهدجة:
"يا مدام.. حضرتك متأكدة من الحساب ده؟ الحساب ده مش رصيد.........
الموظف ساب الشاشة ورفع عينه وبصلي بذهول، وقال بنبرة متهدجة: "يا مدام.. حضرتك متأكدة من الحساب ده؟ الحساب ده مش رصيد عادي.. ده حضرتك فاتحة (حساب استثماري) مش حساب جاري، والفيزا دي مفتاح لخزنة تانية خالص في نفس الفرع، والمسؤول عنها الأستاذ مراد المحامي شخصياً."
قلبي كان بيدق زي طبل بلدي، مسكت الفيزا بإيد بترتعش، ولقيت المحامي "مراد" واقف ورايا فجأة، وباصصلي بنظرة كلها احترام وتقدير، وقال: "يا مدام نادية، الحاج إبراهيم كان عارف إن سيد وعلاء هياكلو الدنيا، وكان عارف إنك أنضف بكتير من إنك تتسابي لغدرهم. الراجل ده قبل ما يموت، سحب كل سيولته، وباع كل العقارات اللي كانت مسجلة باسمه الشخصي قبل الوصية بشهور، وحولها لمحافظ استثمارية دولية بأسماء شركات تانية، ومسجلها باسمك إنتي وبس."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وقفت مصدومة، والمحامي كمل وهو بيطلع ظرف تقيل من شنطته: "الـ 200 ألف دول كانوا مجرد (طُعم) عشان يفكروكِ إنتي وسيد قليلة، عشان يسيبوكي في حالك وتعرفي تطلعي الأوراق دي من غير
ما يشكوا.. دول توكيلات بيع وشراء لكل أملاك الحاج إبراهيم اللي كانت متبقية، وبما إنك الوكيل الوحيد، فأنا دلوقتي بقيت محاميكِ إنتي مش محامي التركة."
روحت البيت، والبيت كان مكركب، وسيد قاعد بيشرب سجاير وبيشتم في أبوه وفي اليوم اللي عرفني فيه. دخلت عليهم، ولقيت علاء وسوزي بيخططوا هيطردونا من البيت إمتى.
سيد بصلي وقالي: "إيه يا هانم، جيتي بالـ 200 ألف؟ هاتي الكارت ده عشان نلحق نسد الديون اللي علينا قبل ما أخوكي يطردنا."
بصيتله بابتسامة باردة، طلعت الفيزا ورميتها على التربيزة، وقلت بصوت واثق: "الـ 200 ألف دول خليهم جيب مصاريفك، البيت ده بقى باسمي، والعمارة اللي في المهندسين بقت باسمي، وكل مليم كان الحاج إبراهيم بيصرف منه، بقى دلوقتي بيصرف عليك من جيبي.. أنا مش بس بقيت ست البيت، أنا بقيت صاحبة القرار، واللي مش عاجبه.. الباب يفوت جمل!"
سيد وعلاء بصولي والذهول شل لسانهم، سوزي وقعت منها كوباية الشاي، وهاني ساب الموبايل وفتح بوقه.. العشر سنين اللي قضيتهوم في خدمة "الحج إبراهيم"، مكنوش خدمة، دول كانوا "تدريب" على إزاي أقف في وش ذئاب زيكم وأكلهم قبل ما ياكلوني!
ساد الصمت في الأوضة لدرجة إن الواحد كان يسمع صوت "نفسهم" اللي بدأ يتقطع من الصدمة.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
علاء قام وقف، وشه جاب ألوان الطيف من الغيظ، وزعق: "إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟ حسابات إيه وأملاك إيه؟ الحاج إبراهيم مكنش مغفل عشان يكتب الحلال كله لغريبة ويطلعنا إحنا الميراث الفكة!"
بصيتله ببرود، طلعت من شنطتي "دوسيه" تقيل رميته قدامهم على الطاولة، وصوت الورق وهو بيخبط كان زي طلقات الرصاص: "الحج إبراهيم مكنش مغفل فعلاً يا علاء.. كان ذكي، وكان عارف إن ولاده اللي خايفين على 'هدومهم' من ريحة المطهر، مش هيصونوا تعبه. الدوسيه ده فيه عقود بيع مسجلة وموثقة قبل وفاته بسنة كاملة، يعني الحاج مكنش بيورثكم، كان بيأمن مستقبله ومستقبلي أنا، اللي كنت بنته اللي بجد، مش اللي جاية تستنى 'الهبرة'."
سيد كان واقف مذهول، عينيه بتتحرك بيني وبين الورق، صوته طلع مكسور: "يا نادية.. ده أنا جوزك، ده إحنا عشرة عمر!"
ضحكت ضحكة طلعت من قلبي، ضحكة كلها مرارة السنين اللي فاتت: "عشرة عمر؟ فاكر لما قلتلي إني ريحتي بصل وعجزت؟ فاكر لما كنت بتيجي تشم ريحة البيت وتخرج تجري عشان مش طايق الوجع؟ أنا كنت في الأوضة دي ببيع سنيني عشان أريحه، وإنت كنت بره بتبيع ذمتك عشان قرشين. الحاج إبراهيم مش بس سابلي الأملاك، ده سابلي 'تسجيلات صوتية' وفيديوهات لكل اللي حصل في العشر
سنين دول، فيديوهات إنت وعلاء بتطلبوا منه يكتبلكم كل حاجة وهو عيان ومش قادر يتكلم، فيديوهات تثبت إنكم كنتوا بتستنوا موته عشان تنهشوا في بعض."
سوزي حاولت تنطق، بس أنا قاطعتها بحزم: "إنتي بالذات يا سوزي يا اللي كنتِ بتقولي 'أنا مش حمل خدمة'، اخرجي من بيتي بالذوق، لأن البيت ده من اللحظة دي بقى ملكي، وأي حد هيقف في طريقي، المحامي مراد معاه أوامر قضائية تطردكم في الشارع.. مش بس عشان الأملاك، ده عشان 'إهمالكم' وتعديكم على مريض كان في ذمتكم."
سيد قعد على الكرسي مهدود، عرف إن اللعبة خلصت، وإن اللي كان بيشوفها "خادمة" بقت هي "السيادة". خرجوا من البيت واحد ورا التاني، وجوههم محفورة بالخيبة، وأنا وقفت في نص الصالة، بصيت للسما من الشباك، لقيت الغيامة اللي كانت مغطية البيت يوم ما مات.. بدأت تنقشع، والشمس طالعة بتنور كل ركن في المكان اللي كان شاهد على صبري.
مسكت صورة الحج إبراهيم، بوستها وقلت: "ارتاح يا حج، الأمانة وصلت، وحق تعبي وسنيني رجعلي.. والدرس ده ليهم، وللزمن، إن اللي يزرع جحود، مياخدش غير الحرمان."
ومن يومها، بقيت "نادية هانم" للكل، بس اللي في قلبي متبدلش؛ فضل زي ما هو، بيعرف يفرق بين الدهب اللي بيلمع، وبين النحاس اللي بيصدي مع أول
"اختبار" للدنيا.


تعليقات
إرسال تعليق