القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اتوفت بنتي منذ عامين



اتوفت بنتي منذ عامين


لم أُجب فورًا. ظلّ الهاتف يهتز فوق طاولة المطبخ، بجوار صورتها تلك الصورة التي كانت تبتسم فيها بعفوية، وشعرها مربوط بشكل مائل، وبقايا شوكولاتة على طرف شفتيها. عامان كاملان منذ أن أصبحت تلك الصورة كل ما تبقّى لي منها.

عندما رأيت رقم المدرسة، انقبض قلبي، لم يتصلوا بي منذ ذلك اليوم، منذ أن تركت ابنتي الدراسة إلى الأبد، جاءني الصوت عبر الهاتف سيدتي، صباح الخير نتصل بكِ بخصوص ابنتكِ، إنها موجودة الآن في مكتب المديرة، ونحتاج حضورك فورًا، ساد الصمت للحظات، ثم بدأت أضحك، ضحكة عصبية كادت تخرج عن السيطرة، وقلت ببرود ابنتي ماتت.

على الطرف الآخر، تردد الصوت قبل أن يقول سيدتي، أتفهم صدمتك، لكن هذا ليس مزاحًا، إنها ترفض العودة إلى الصف وتطلب رؤيتك، بدأت يداي ترتجفان، وهمست بصوت متقطع أنتم مخطئون، لا بد أن هناك شخصًا آخر، لكن الرد جاء حاسمًا لا يا سيدتي، لدينا اسمك ورقمك، وهي مسجلة لدينا وهي هنا الآن.

توقف العالم من حولي، نهضت دون تفكير، التقطت معطفي ومفاتيحي وخرجت دون أن أتأكد حتى من إغلاق الباب خلفي، كل شيء كان ضبابيًا، الشوارع، الناس، إشارات المرور لم أكن أرى شيئًا، فقط جملة واحدة تتردد في رأسي بلا توقف إنها هناك إنها هناك.

عندما وصلت أمام المدرسة، عجزت قدماي


عن التقدم، كان كل شيء كما هو، نفس البوابة، نفس صرخات الأطفال، نفس الجدران الباردة، لم يتغير شيء إلا أن ابنتي لم يعد من المفترض أن تكون جزءًا من هذا العالم، وقفت في مكاني عاجزة عن التنفس، حتى تعرّفت عليّ إحدى المشرفات، ورأيت وجهها يشحب وهي تقول بصوت مرتجف سيدتي لقد جئتِ، سألتها فورًا أين هي؟، لكنها لم تجب، واكتفت بالإشارة إليّ أن أتبعها.

بدت كل خطوة وكأنها غير حقيقية، الممر لا يزال تفوح منه رائحة مواد التنظيف، والخزائن مغطاة برسومات الأطفال، وكأنني أسير داخل ذكرى لم أستطع مغادرتها يومًا، وعندما وصلنا أمام مكتب المديرة، توقفت المشرفة وهمست إنها بالداخل، وضعت يدي على المقبض، لكنني لم أجرؤ على فتح الباب، لأنه إن كان ما قيل صحيحًا، فكل ما عشته خلال العامين الماضيين، الدموع والنعش والتعازي، لن يكون له أي معنى، وإن لم يكن صحيحًا، فهذا يعني أنني أفقد عقلي.

فتحت الباب أخيرًا، كانت المديرة تقف خلف مكتبها ووجهها شاحب، وعلى أحد الكراسي جلست طفلة صغيرة تدير ظهرها لي، مجرد هيئة صغيرة لكنها مألوفة بشكل مرعب، كان شعرها وحده كافيًا ليخنق أنفاسي، همست بصوت متكسر استديري، فأدارت الطفلة رأسها ببطء، وفي تلك اللحظة توقف قلبي، كانت هي أو نسخة منها لا يمكن تمييزها.

نفس

الملامح، نفس الندبة فوق الحاجب، نفس الطريقة التي تقبض بها يديها عندما تخاف.

ثم همست بصوت خافت ماما

انقلب العالم رأسًا على عقب، فتشبثتُ بالجدار كي لا أسقط، وهمستُ بصوتٍ مبحوح هذا غير ممكن

بينما تحدثت المديرة بصوتٍ مرتبك وقد بدا عليها التأثر الشديد سيدتي هذه الطفلة وصلت هذا الصباح، تذكر اسمكِ كأم لها، وتعرف تفاصيل تفاصيل شخصية للغاية، ونحن أيضًا لا نفهم ما يحدث

عندها نهضت الطفلة ببطء وقالت بعينين دامعتين لقد جئتِ كنت أعلم أنكِ ستأتين، لكنني لم أستطع التحرك، لأن خوفًا أكبر كان يتمدد داخلي، خوفًا يهمس بأسئلة لا تحتمل ماذا لو لم يكن هذا خطأ؟ ماذا لو كذب عليّ أحدهم؟ أو الأسوأ ماذا لو أن ابنتي لم تمت أصلًا؟

لم أتحرك نحوها فورًا، رفض جسدي التقدم، وكأنه يدرك أن تلك الخطوات القليلة ستجبرني على مواجهة حقيقة مستحيلة؛ إما أنني عشت وهمًا طوال عامين، أو أن ما دفنته بيدي لم يكن ميتًا يومًا، بدت الغرفة أضيق من أن تحتمل هذا التناقض، وتجنبت المديرة النظر إليّ، كأنها تشهد أمرًا يتجاوز كل منطق، أما الطفلة فكانت تحدق بي بترقب هش، وكأنها تخشى ألا أتعرف عليها. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات 

ماما قالتها مرة أخرى.

سمعتُ هذه الكلمة آلاف المرات من قبل، في التعب، في الضحك، في البكاء، في تفاصيل الحياة الصغيرة،

لكنها هذه المرة سقطت عليّ بثقل عامين من الصمت، فضربتني في أعماقي بلا رحمة.

وأخيرًا تقدمت.

خطوة ثم أخرى.

لم أرفع عيني عن وجهها، كل تفصيلة كانت واضحة بشكل قاسٍ، الندبة فوق حاجبها، أفتح قليلًا من الجلد، تذكرتُ يوم سقطت في الحديقة، كيف بكت، كيف حملتها، كيف طمأنتها، لا يمكن لأي خدعة أن تعيد تفاصيل كهذه بهذه الدقة.

سألتها بصوت جاف ما اسمك؟

عبست قليلًا، وكأن السؤال آلمها أنتِ تعرفين اسمي

قلت بصرامة قوليها.

صمتت لحظة، ثم همست كلارا.

ارتجف قلبي.

ومتى عيد ميلادك؟

أجابت فورًا، دون تردد.

أغمضت عيني، ويدي ترتجف.

ماذا كنتِ تحبين أن تأكلي يوم الأحد عندما كان والدكِ يتظاهر أنه يطبخ؟

ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها معكرونة مطهية أكثر من اللازم ومالحة جدًا وكنتِ دائمًا تقولين إنها لذيذة حتى لا تحزنيه.

استندتُ إلى المكتب، العالم من حولي بدأ يميل، لم يكن هذا ممكنًا ومع ذلك، كل شيء فيها كان يصرخ بأنها هي.

تنحنحت المديرة بتوتر سيدتي فكرنا في خدعة أو أمرٍ غير قانوني لكنها تعرف أشياء لا يمكن لأحد هنا معرفتها.

لم أعد أستمع.

انحنيت أمام الطفلة حتى أصبحت في مستواها، وقلت بصوت خافت انظري إليّ.

فعلت.

عيناها

لم يكن الأمر مجرد لون أو شكل، بل شيء أعمق، نظرة مألوفة لا يمكن تعلمها، بل تُعاش.

مددت

 

 


يدي دون تفكير.

ترددت لحظة ثم وضعت أصابعها بين أصابعي.

كانت دافئة.

حية.

حقيقية.

لم أبكِ لم أستطع بعد، لأن ما يحدث أكبر من أن يُحتمل دفعة واحدة.

همستُ تعالي.

ثم طلبت من المديرة، بهدوء غريب، أن تتركنا وحدنا، فوافقت فورًا، وعندما أُغلق الباب، صار الصمت كثيفًا بشكل خانق.

نظرت إليها وقلت أخبريني ماذا حدث؟

خفضت عينيها، وبدأت تعبث بطرف كمّها لم أتذكر في البداية.

سألت ببطء في البداية؟

نعم استيقظت قبل أسبوعين.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

أين؟

في غرفة لا أعرفها.

اقتربت أكثر ومع من؟

امرأة قالت إنني ابنتها.

انقبض قلبي.

وصدقتها؟

في البداية نعم، لأنني لم أتذكر شيئًا، لكن كان هناك شيء خاطئ.

مثل ماذا؟

لم تكن تعرف أشياء بسيطة كيف أنام، ماذا أحب كانت تحاول، لكن كان واضحًا أن كل شيء مصطنع.

شعرت بغضب بارد يتصاعد داخلي.

ثم ماذا حدث؟

بدأت أتذكر شيئًا فشيئًا عنكِ، عن البيت، عن المدرسة وعرفت أنني يجب أن أعود.

ابتلعت ريقي بصعوبة كيف وصلتِ؟

انتظرت حتى غادرت، ثم خرجت، وسألت عن الطريق حتى وصلت.

أسبوعان فقط

بينما أنا دفنتها منذ عامين.

هناك خطأ ما.

شيء لا يستقيم.

سألتها بصوت خافت هل تتذكرين المستشفى؟

تغيرت ملامحها قليلًا قليلًا

أخبريني.

أضواء ضوضاء شخص يقول إنه


قد فات الأوان ثم لا شيء.

صمت.

فراغ كامل.

التفتُّ نحو النافذة، وعقلي يحاول أن يعيد ترتيب كل شيء، أن يجد معنى، تفسيرًا، أي خيط منطقي لكن كلما حاولت، ازداد كل شيء غموضًا وتشوهًا.

عامان.

جنازة.

نعش مغلق.

قرارات سريعة.

أوراق وقّعتها وأنا في حالة لا أعي فيها شيئًا.

وتلك الجملة التي قالها الطبيب، والتي قبلتها دون نقاش، لأنني لم أكن أملك القوة للاعتراض

من الأفضل ألا تريها في هذه الحالة.

تجمّدت في مكاني.

لم أرَها لم أرَ جثتها قط.

قلتُ نعم.

لأنني كنتُ محطّمة، لأنني وثقت بهم، ولأنني لم أتخيّل ولو للحظة واحدة أن أحدًا قد يكذب عليّ في أمر بهذه القسوة بهذا اليقين.

التفتُّ إليها.

كانت تنظر إليّ بقلق.

ماما لماذا ترتجفين؟

اقتربتُ منها هذه المرة دون تردد، وضممتها بين ذراعيّ بقوة، بقوة حقيقية، كأنني أحاول أن أتأكد أنها لن تختفي إذا شددتُ عليها أكثر.

استجابت فورًا، ودفنت وجهها في عنقي كما كانت تفعل دائمًا.

وفي تلك اللحظة انهار شيء بداخلي.

انهمرت دموعي.

لم يكن بكاءً صاخبًا، بل دموعًا عميقة وبطيئة، وكأنها تنبع من مكان أقدم من الألم نفسه.

أنا هنا همستُ.

نعم كانت هنا.

لكن السؤال لم يعد كيف حدث ذلك بل لماذا، ومن؟

عندما خرجنا من المكتب، كانت العيون تلاحقنا من

كل اتجاه، المشرفة، المعلمون، وحتى بعض الطلاب الذين ظلوا في الممر، لكنني لم أتحدث مع أحد، فقط أمسكت بيدها وسرت بها إلى الخارج. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات 

في الهواء الطلق، بدا كل شيء مختلفًا، أثقل وأكثر واقعية.

كنت أعلم أن العودة إلى المنزل لن تجيب عن شيء.

كان علينا أن نفهم.

ولكي نفهم كان علينا أن نعود إلى البداية.

إلى المستشفى.

إلى اللحظة التي قيل لي فيها إن ابنتي ماتت.

نظرتُ إليها وقلت سنغيّر الطريق.

أومأت برأسها دون سؤال.

في الطريق، ساد الصمت بيننا، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان ممتلئًا بأجزاء تتكوّن ببطء، كأحجية لم نكن نريد حلها.

عندما وصلنا إلى المستشفى، عادت رجفة يديّ، بقيت للحظات داخل السيارة، ثم أطفأت المحرك.

هل ستبقين معي؟

نعم.

دخلنا.

نفس الممرات، نفس الرائحة، نفس البرودة لم يتغير شيء.

سواي.

هذه المرة، لم آتِ باكية.

جئت أبحث عن الحقيقة.

في الاستقبال، أعطيت اسمي، فوجدوا الملف بسهولة مريبة، كأنه لم يُغلق يومًا.

حضرت ممرضة.

لم أعرفها لكنها عرفتني.

رأيت ذلك في عينيها، ذلك التردد، ذلك الارتباك.

أنتِ عدتِ

اقتربتُ أكثر وقلت بهدوء أريد الملف كاملًا.

ترددت.

سيدتي، هذه الوثائق

قاطعتها الآن.

نظرت خلفها، ثم همست انتظري هنا.

بعد دقائق، جاء طبيب.

أكبر سنًا.

نظر إليّ

طويلًا ثم إلى ابنتي.

وفي تلك اللحظة، تغيّر كل شيء في وجهه.

لم يكن هناك ذهول.

كان اعترافًا.

فهمت قبل أن يتكلم.

قال بهدوء يجب أن نتحدث.

قلت هنا. الآن.

تنفس بعمق، ثم قال في ذلك اليوم حدث خطأ.

لم يكن خطأً عابرًا رأيت ذلك في عينيه.

أي خطأ؟

صمت ثم قال

كانت ابنتك في حالة حرجة، وكان هناك طفل آخر بنفس العمر تقريبًا حدث خلط في الملفات.

تقدمت خطوة.

خلط؟

تم إعلان الوفاة في الملف الخطأ.

اختفى كل شيء تحت قدمي.

ولم تكتشفوا ذلك لعامين؟

خفض نظره.

كانت هناك تعقيدات نقل إجراءات

كان يكذب.

طبقات من الكذب.

والطفل الآخر؟

نجت.

أمسكت بيد ابنتي بقوة.

وابنتي؟

نظر إليها ثم إليّ.

تم وضعها مؤقتًا لدى عائلة حاضنة إلى أن يتم تصحيح الوضع.

سنتان.

تسمي هذا مؤقتًا؟

لم يجب.

لأنه لا يوجد جواب.

وقفت هناك للحظات طويلة.

ثم نظرت إلى ابنتي.

كانت أمامي.

حية.

وكل شيء آخر كل ما فعلوه، ما أخفوه، ما دمروا به حياتي

لن يغيّر هذه الحقيقة.

التفتُّ إلى الطبيب وقلت أعطني كل شيء.

الأسماء.

الملفات.

المسؤولين.

أومأ برأسه دون اعتراض هذه المرة.

عندما خرجنا من المستشفى، كانت الشمس تميل إلى الغروب، والضوء باهتًا كأنه حلم.

توقفت على الرصيف.

نظرتُ إليها.

نظرت إليّ.

هل نعود؟ سألت بهدوء.

أمسكتُ بيدها.

نعم.

لكنني، وأنا أسير، كنت أعلم شيئًا واحدًا

لم أكن أستعيد ابنتي فقط.

كنت أستعيد صوتي أيضًا.

وهذه المرة

لن يستطيع أحد أن يسلبه مني.

 


 

تعليقات

close