القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دولاب ابويا 



دولاب ابويا 

يوم توزيع الورث اللي سابه ابويا ، أخويا الكبير خد الشقة، وأختي خدت العربية، اما انا كان كل نصيبي دولاب خشب قديم بتاع الروبابيكيا ميرضاش يشيله


الكلام ده كان يوم 26 رمضان، بعد ما عدى 49 يوم على وفاة أبويا.

في "السبتية" أخويا مجاش، وأختي مظهرتش.

وفي "الأربعين" محدش فيهم فكر يجي يقرأ له الفاتحة.

أول ما كملنا 49 يوم، أمي كلمتهم وقالتلهم "تعالوا عشان نقسم التركة"، وصلوا في لمح البصر.

أخويا جاب عربية مخصوص من المنصورة، مشوار تلات ساعات ونص.

وأختي جت تاكسي من المحافظة اللي جنبينا في ساعة زمن.

في الـ 73 يوم اللي أبويا قضاهم في المستشفى، كلمتهم أكتر من عشرين مرة.

أخويا يقول "الشغل واكلني"، وأختي تقول "العيال والبيت مش عارفة أسيبهم".

طول الـ 73 يوم دول، محدش فيهم جه شال عني ليلة واحدة.

كنت بنام على الكراسي الجلد في طرقة المستشفى 73 ليلة.

حتى وأنا نايم كنت بخاف أتحرك عشان ملقلقش المريض اللي


جنبي.

في أيامه الأخيرة، أبويا مكنش قادر يتكلم.

كان بيمسك إيدي جامد، وعينه منزلتش من على باب الأوضة.

كنت عارف هو مستني مين.. بس محدش جه.

كنت بقوله: "يا بابا، محمد ومنى جايين في الطريق، بكرة هيكونوا هنا."

بص لي بصه أخيرة وغمض عينه.

تاني يوم، فارق الحياة. وأخويا وأختي لسه مجوش.

أمي كلمت أخويا: "أبوك مات يا محمد."

سكت تلات ثواني، وبعدين سأل: "الجنازة هتتلف بكام؟ والعزا فين؟"

مقالش "أنا جاي حالاً"، سأل عن المصاريف.

ضغطت على إيد أبويا اللي بردت، وظوافري علمت في كفي من القهر.

أنا اللي شيلت كل حاجة.. تصاريح الدفن، القبر، الكفن، صوان العزا.

أخويا قالي في التليفون: "بلاش بهرجة في العزا، ملوش لزمة المصاريف دي." وما دفعش مليم.

أختي قالت: "يا حبيبي الدنيا عندي ملخبطة، خلص أنت وأنا هبقى أشوفك." وما ساهمتش بقرش.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

يوم الدفنة، أمي كانت واقفة في الصوان بتبص للناس اللي جاية تعزي، وقالت لي بكلمة واحدة:

"يا وائل، أخوك وأختك ظروفهم صعبة، شيل أنت الليلة."

كنت شايل صورة أبويا ومش قادر أنطق.

"شيل أنت".. الكلمتين دول هما اللي لخصوا حياتي معاهم.

العزا والجنازة كلفوني 47 ألف جنيه، كلهم من شقايا وتدبيري.

كتبت كل مليم في نوتة صغيرة، مش عشان أشحتهم منهم، بس عشان خايف يجي يوم وينكروا وقفتي.

وفعلاً، يوم الميراث، محدش جاب سيرة الـ 47 ألف دول نهائي.

المنظر ده عمري ما هنساه.

أعمامي وعماتي، وأمي، وإحنا التلاتة.

أمي قعدت على الكنبة الكبيرة، وقدامها علبة صفيح قديمة فيها عقود البيت، ورخص العربية، ودفاتر التوفير، وعلبة فيها غوايش.

أخويا قعد عن يمينها ومراته جنبه بتوشوشه.

أختي قعدت عن شمالها وجوزها واقف وراها، عينه هتطلع على اللي في العلبة.

وأنا كنت قاعد في أبعد كرسي في الصالة.

أمي بدأت: "أبوكم اتكل على الله، وحقه يتقسم بالعدل."

بصت لمحمد، وبعدين لمنى.. ومبصتليش خالص.

"الشقة.." طلعت عقد الشقة.

"أخوك

متغرب في المنصورة وبيدفع إيجار وشقته ضيقة، الشقة دي من حقه."

مسكت نفسي ومطقتش. دي شقتنا اللي كبرنا فيها، تلات أوض وصالة في منطقة حيوية، تساوي لها مليون جنيه على الأقل.

أخويا هز رأسه بسرعة: "ماشي يا أمي."

"العربية.." طلعت الرخصة.

"أختك بتتبهدل في المواصلات كل يوم وهي رايحة الشغل، العربية دي ليها."

العربية اللي أبويا جايبها من تلات سنين، كانت لسه بحالتها.

أختي قالت: "تسلميلي يا ست الكل."

"دفاتر التوفير.." طلعت دفترين.

"واحد فيه 30 ألف، وواحد فيه 50 ألف.

الـ 30 لأخوك يسند بيهم نفسه، والـ 50 لأختك عشان تجدد عفش بيتها."

كنت هفتح بوقي أتكلم..

المجموع كان دخل في سكة المليون وشوية.

أمي كملت وادت الغوايش لأختي: "دول دهب ستي، خليهم ليكي."

أختي عينيها لمعت، دهب ميقلش عن 30-40 ألف جنيه.

طول القاعدة، محدش سألني: "وأنت يا وائل؟"

في الآخر أمي بصت للصالة الفاضية وقالت: "والباقي.."

عينها وقعت على الدولاب المركون في الزاوية.

"الدولاب ده، حد عايزه؟"

محدش رد.


 

مرات أخويا ضحكت: "يا طنط ده كراكيب، ده يخلي شكل الشقة وحش أوي."

أختي قالت: "بيتي ملهوش مكان لحاجة بالحجم ده."

أمي بصت لي: "يا وائل، أنت محتاج دولاب في شقتك الإيجار؟"

بصيت للدولاب الأحمر المقشر ده.. ده اللي أبويا كان بيشيل فيه لبسه، ومفكّاته، والجرايد اللي مخلصش قرايتها.

قلت: "ماشي.. هاخده."

مرات أخويا انفجرت في الضحك: "بقى طالع من ورث أبوك بدولاب مكسر؟"

بصت لي بتريقة: "بس لايق عليك، أنت عايش لوحدك وده يقضي غرضك."

عمي الكبير كرمش وشه وكان هيتكلم، بس أمي قطعت عليه:

"خلاص، اتفقنا. إحنا أهل، ومحدش يحاسب التاني."

"محدش يحاسب التاني"..

مليون جنيه اتوزعوا يمين وشمال، وأنا نصيبي خشب قديم.

قمت وقفت ورحت للدولاب.

وطيت وشيلت قالبي الطوب اللي ساندينه.

الدولاب مال شوية، فسنته بكتفي.

قلت: "أنا هنقله دلوقتي."

محدش قام يساعدني.

عمي الصغير صعبت عليه نفسه وقام مسك معايا طرف الدولاب لغاية ما نزلناه للعربية النص نقل اللي طلبتها.

وأنا بنزله، كان أخويا قاعد بيشرب شاي بالياسمين.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ومراته بتقلب في الفيسبوك.

وأختي وجوزها مشيوا قبل حتى ما أنزل أول دور.

أمي كانت واقفة في البلكونة بتبص عليا وأنا بربط الدولاب

في العربية.

رفعت عيني وبصيت لها بصه واحدة.

راحت لافه وشها ودخلت جوه الشقة.

وقتها بصيت للدولاب بحسره كان اخر حاجه باقيه من ريحة ابويا واللي جواه كان اخر شئ ممكن اتوقعه......

وصلت الدولاب شقتي الإيجار، السواق ساعدني نطلعه بالعافية وهو عمال يبرطم: "يا أستاذ وائل ده خشب تقيل أوي، ده لو اتفك خشب واتركن أهو ينفع في أي حاجة." سيبته يتكلم ودفعت له حسابه، وقفلت عليا الباب.

قعدت قدام الدولاب وأنا كلي كسرة.. مش عشان الفلوس، ولا عشان الشقة، أنا اتكسرت عشان "العدل" اللي ضاع، وعشان أمي اللي باعتني للي بيقسوا عليها واشترت اللي نسيوا أبويا في مرضه.

فتحت ضلفة الدولاب، ريحة أبويا طلعت منها، ريحة الجوخ والبردقان القديم، ومكنة الحلاقة اليدوية. بدأت أفضي الكراكيب اللي جواه.. جرايد قديمة من سنة تسعين، علب دوا فاضية، وصور لينا وإحنا صغيرين.. صور كان مخبيها عن عيون الكل.

وصلت للأدراج اللي تحت، كانت مقفولة بـ "ترباس" مصدي. جبت مفك وبدأت أفتحه براحة.. أول ما الدرج اتفتح، وقع منه "مفتاح" كبير، مربوط فيه خيط صوف أحمر.

قلبي بدأ يدق.. المفتاح ده مش غريب عليا. ده مفتاح "المخزن" القديم بتاع أبويا اللي في وسط البلد،

المخزن اللي الكل كان نسي أمره وقالوا إنه اتباع من زمان عشان يسدد ديون قديمة لأبويا.

لقيت ورقة مطبقة أربع تربع تحت مفرش الدرج، الورقة كانت بخط إيد أبويا، بس الخط كان مهزوز، باين إنه كتبها في أيامه الأخيرة وهو بيعافر.

"إلى ابني وائل.. السند اللي مشالنيش في وجعي غيره.

يا ابني، أنا عارف إنك الوحيد اللي هترضى بالخشب القديم ده عشان ريحتي فيه.

الشقة والعربية والفلوس فداك وفدا ضفرك.. دولابك ده يا وائل هو 'الأمانة'.

انزل المخزن، وفوق السطوح بتاعه في ركن "الورشة" القديمة، هتلاقي 'شنطة جلد سوداء'.. دي شقا عمري الحقيقي اللي خبيته من الكل عشان عارف إنهم مش هيصونوه، وعارف إنك أنت اللي هتصون أمك بعد ما يرموها."

مستنيتش للصبح.. نزلت زي المجنون، ركبت ميكروباص ورحت لمنطقة الورش القديمة. فتحت باب المخزن اللي كان عليه تراب سنين.. طلعت السطوح، وفي الركن اللي وصفه، لقيت الشنطة.

فتحتها، وعيني مكنتش مصدقة.. عقود ملكية لأرض في "الشيخ زايد" أبويا كان شاريها من التمانينات، ومعاها سبايك ذهب "إسلامي" وزنها يعدي الـ 2 كيلو، ووصية رسمية موثقة في الشهر العقاري بتاريخ قديم، بتثبت إن المخزن ده ملكي "بيع وشراء".

الأرض

دي لوحدها دلوقت تساوي ملايين الملايين.. والذهب ده تأمين لعمري كله.

بعد شهرين بس.. كان محمد أخويا بيخبط على بابي وهو وشه في الأرض. مراته طردته من الشقة اللي أمي ادهاله وكتبها باسمها عشان "تضمنه"، وبعت العربية عشان يسدد ديون قمار وخسر كل حاجة.

وأختي جوزها خد منها الدهب والفلوس وطلقها ورماها بعيالها.

دخلوا لقوني قاعد في شقة "تمليك" في أرقى مكان، وعربية آخر موديل تحت البيت.

أمي كانت معاهم، ساندة عليهم ودموعها نازلة، قالت بكسرة: "يا وائل، أخوك وأختك مالهمش غيرك.. سامحني يا ابني، أنا كنت فاكرة إنك القوي اللي فيهم وهتستحمل، وهم الغلابة."

بصيت للدولاب القديم اللي نقلته معايا في نص الصالة الجديدة، وقلت بهدوء:

"يا أمي، أنا مش زعلان.. بس اللي شال الليلة وهو معوش، مش هيشيلها وهو معاه. أنا هأجرلكم شقة تعيشوا فيها بكرامتكم، وهصرف عليكم بالعدل.. بس "البيت" اللي كان بيجمعنا، اتهد يوم ما وزعتوا الورث بالظلم. أنا ورثت ريحة أبويا، والبركة اللي في الخشب القديم هي اللي خلتني ملك.. أما هم، فخدوا الفلوس، بس خسروا "العوض"."

يومها عرفت إن "عوض ربنا" مش بس فلوس.. العوض هو إنك تنام ومحدش له عندك حق، وتصحى وتلاقي ريحة أبوك حواليك بتبارك لك في كل خطوة.

 

تعليقات

close