لقيت نفسي..
لقيت نفسي..
وقفت قدام الحيطة في الطرقة، وجسمي كله بيترعش. وشي كان بيحرقني تحت الماسك، والروب بتاعي مفتوح، وأنا بتفرج عليه.. الراجل اللي كنت فاكراه حمايتي وسندي، وهو عمال يجري زي العيل الصغير، طالع نازل يشيل في شنط وبرطمانات وأكياس، وأمه واقفة في نص المطبخ بتديله الأوامر بصوت عالي:
"حط ده في الثلاجة يا أحمد.. شيل ده في المنور.. والبرطمانات دي تطلع على أعلى رف عشان ما تتكسرش!"
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا سكنت تماماً.. برود غريب نزل على قلبي. كل الوجع، كل الإهانات، كل كلمة "استحملي" و "هي مش قصدها" اتجمعت في نقطة واحدة صغيرة وكريستال. في اللحظة دي عرفت: أنا مش عاوزة العيشة دي. مش هقبل أكون "ضيفة" في بيتي، ولا هقبل براجل يزقني على جنب عشان يوسع لشنط أمه.
دخلت الحمام في هدوء، غسلت الماسك من على وشي، وسرحت شعري، ولبست بنطلون جينز وبلوفر. كنت بتحرك في صمت تام كأني في حلم. أحمد وأمه حتى ما لاحظوش إني اتحركت؛ كانوا عمالين يكركبوا في المطبخ ويضحكوا ويخططوا هيغيروا مكان الكنبة فين.
خرجت للطرقة تاني.
كان فيه شنطتين لسه واقفين عند باب المطبخ ما دخلوش. مسكت واحدة في كل إيد، وفتحت باب الشقة، وحطيتهم بره على السلم.
"إنتي بتعملي إيه؟" سمعت صوت أحمد ورايا.
ما ردتش عليه متوفره على روايات واقتباسات
دخلت تاني، لقيت الحاجة فوزية خارجة من المطبخ وفي إيدها فوطة، وبتبص لي بحيرة قلبت لغل في ثانية. رحت
عند جزامة الأحذية، خدت جزمة أحمد الكلاسيك، والكوتشي بتاعه، وجزمة الحاجة فوزية اللي لسه قلعاها من عشر دقايق.. وبكل هدوء، طلعتهم رصيتهم جنب الشنط بره.
"إنتي اتجننتي يا ولية؟" أحمد صرخ فيا ومسك كوعي جامد.
بصيت لإيده، وبعدين بصيت في عينه. أكيد شاف في نظرتي حاجة عمري ما وريتها له، لأن قبضته ارتخت فجأة.
"شيل إيدك دي عني،" قلتها بصوت واطي ومرعب. "عشان الحاجة اللي هرميها بره المرة الجاية هتكون إيدك إنت متوفره على روايات واقتباسات
تراجع لورا وفتح بقه من الصدمة.
دخلت الأوضة، جبت شنطة الجيم بتاعته من الركن، وبدأت أحشر فيها كل اللي جه قدامي من أشيائه؛ اللابتوب، الشاحن، كام قميص على بنطلون. كنت بشتغل بسرعة ومن غير دموع ولا صويط. الست فوزية كانت واقفة على الباب وبوزها شبرين، وبدأت تفحيح زي التعبان:
"دي لازم تتحجز في العباسية يا أحمد! شايف بتعمل إيه؟ دي اتجننت رسمي!"
رديت عليها وأنا بلم الهدوم: "شنطك هلمها لك لوحدها يا حاجة فوزية، ما تقلقيش.. مش هخلطها بشنط ابنك."
"أحمد! الحقني يا أحمد!" صرخت هي.
بس أحمد ما نطقش. كان باصص لي وبدأت أشوف في عينه "خوف" لأول مرة.. فهم إن فيه خيط اتقطع، وما ينفعش يتوصل تاني.
طلعت الطرقة، فتحت الباب، ورميت شنطته بكل قوتي على السلم. خبطت في الأرض جنب الجزم بصوت عالي.
"إنتي.. إنتي بتطردني يا منى؟" أحمد نطق أخيراً وهو مش مصدق.
"أنا بوسّع مكان،" رديت عليه. "للناس اللي يستاهلوا
يقعدوا هنا.. وأنتو مش منهم."
رجعت أخدت باقي شنط أمه، حاولت تقف في طريقي، بس زقيتها بكل هدوء وكملت طريقي. طلعت شنطها، وأكياسها، وحتى كرتونة المخلل.
"يا مري! إنتي بتطرديني أنا؟" صرخت فوزية وهي بتجري ورايا على السلم. "ده أنا اللي دافعة مقدم الشقة دي.. الشقة دي بتاعتي!"
"أنا بدفع إيجار الشقة دي من تعبي بقالي كتير،" قاطعتها. "ومن النهاردة، الشقة دي باسمي أنا وبس. والمقدم بتاعك ده، هيرجع لك لآخر مليم في ظرف شهر، وهبعت لك الوصل على تليفونك."
التفت لأحمد اللي كان واقف على الباب، وشه أصفر زي الليمونة ومذهول.
"قدامك تلات دقايق تقرر،" قلتها له ببرود. "يا إما تدخل جوه وتقفل الباب، ونبدأ كلام عن زواجنا اللي لازم يكون من غير "طرف تالت".. يا إما تشيل شنط أمك وتساعدها تنزل، وهبقى أبعت لك رسالة أقولك تيجي تاخد باقي هدومك إمتى وأنا مش موجودة."
"بس.. بس دي أمي.." بدأ يأتأت.
"الأمهات اللي بجد ما بيبوظوش حياة ولادهم. دقيقة عدت." قلتها وأنا مربعة إيدي.
فوزية مسكت في كمه: "سيبك منها يا أحمد، دي مهسترة.. سيبها تبرد وأنا هكلم أمها دلوقتي أربيها وأعرفها مقامها.. أنا هعلمها الأدب."
أحمد بص لي، وبص لأمه، وبص لشنطه اللي مرمية على السلم. شفت الصراع اللي جواه.. عادة الطاعة العمياء بتصارع الحقيقة اللي واضحة قدام عينه.
"أحمد! قلت لك يلا!" أمه صرخت وهي بتشده من دراعه.
خطا خطوة.. ناحيتها.
"إنتي عارفة إنتي بتعملي إيه؟" سألني وهو
واقف على الباب، كأنه لسه مستني إني أضعف في آخر لحظة.
"أيوة،" قلت له. "بعمل اللي كان لازم إنت تعمله من سنتين."
خرج. دخلت أنا وقفلت الباب.
"منى!" صرخ بصوته كله والباب بيقفل. كان فيه رنة هلع في صوته.
"لما تقرر مين هي مراتك وايه قيمتها في حياتك،" قلت له من ورا الباب، "وقتها نبقى نتكلم.. بس مش قبل أسبوع. ودلوقتي، ساعد مامتك في الشنط.. بالراحة، دي ست كبيرة برضه."
قفلت الترباس. ساندت ضهري على الباب الميتال الساقع وغمضت عيني. الطرقة لسه فيها ريحة برفانه.. وريحة برطمانات المخلل.
المطبخ سكت تماماً. في الأول كان فيه دوشة بره.. فوزية بتصوت وتدعي وتقول "هي فاكرة نفسها مين؟". وبعدين سمعت صوت الأسانسير بيفتح ويقفل. وبعدها.. هدوء. سكون تام.
دخلت المطبخ، طفيت النور، شلت برطمان المربى اللي فتحوه وغسلت المواعين. مسكت تليفوني وعملت "بلوك" للرقمين؛ رقم جوزي ورقم حماتي. خلاص.
ما عيطتش.
اللي كنت حاسة بيه كان خفة غريبة، كأني كنت شايلة جبل على كتافي ونزل فجأة. قدامي مجهول، ووحدة، ووجع دماغ مع أهلي، وإيجار لازم أسده لوحدي.. بس كل ده كان يهون، ويتحل. إنما العيشة مع راجل بيزقني عشان يوسع لشنط أمه، وحماة بتقول لي "ما تنبحيش" في بيتي.. دي اللي ماكنش ليها حل. بقلم منــال عـلـي
عملت كوباية شاي وقعدت جنب الشباك أتفرج على أنوار فيصل. فكرت إني يمكن خسرت عيلتي النهاردة.. بس لسبب ما، كنت حاسة إني لقيت نفسي أخيراً.
والشعور
ده، كان يستحق كل شنطة رميتها ورا الباب ده.


تعليقات
إرسال تعليق