القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 خيانة الاخ 



خيانة الاخ 


أخويا سرق فيزا البنك بتاعتي وصفر الحساب تماماً، وبعدها طردني من البيت وهو بيقولي ببرود خلاص كدة مصلحتنا معاكي خلصت، أخدنا اللي إحنا عايزينه. والأدهى من كدة إن أبويا وأمي كانوا بيضحكوا وكأن الموضوع كله كان مترتب له وتمثيلية هما أبطالها.

إنتي مالكيش لازمة في البيت ده دلوقتي، أخدنا منك اللي محتاجينه، يالا بره ومن غير مطرود ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.

أخويا الكبير، جلال، كان قاعد على السفرة وفاتح إزازة حاجة ساقعة وبيشرب بانتصار وكأنه لسه مترقي في شغله. أمي كانت بتبتسم نفس الابتسامة الصفراء اللي بتعملها لما تحب تبين إن المصيبة اللي بتحصل دي شيء عادي جداً. أما أبويا، فما بصليش حتى، فضل يملح في شوية سوداني قدامه ببرود، وكأن الشنطة اللي لسه راميينها عند الباب دي مش شنطة هدومي وكياني كله.

يعني إيه الكلام ده؟ سألت وصوتي كان هادي ومخنوق من كتر الصدمة.

جلال سند ضهره لورا بكل غطرسة وقال

زي ما سمعتي بالظبط، مصلحتنا خلصت وأخدنا اللي عايزينه.

حسيت بنغزة في قلبي وسألت بذهول

إنت بتتكلم عن إيه؟

قام مادد إيده في جيبه ورمى حاجة على التربيزة.. فيزا البنك بتاعتي.

الدنيا اسودت في عيني للحظة

إنت سرقت الفيزا بتاعتي؟

رد عليا باستهزاء

ما تعمليش فيها ضحية، أنا أخدت حقي وبس.

جيت أمد إيدي عشان آخدها، راح حاطط إيده عليها بسرعة قبل ما أوصل لها. أمي ضحكت ضحكة قصيرة من اللي


بتحسسني دايماً إني عيلة صغيرة بتتهزأ.

جرى إيه يا إيمان، ما تعمليش شوشرة.. بقالك سنتين عايشة معانا واكلة شاربة نايمة وكأنك في فندق.

الدم غلي في عروقي ورديت بحدة

عمركم ما طلبتوا مني مليم إيجار!

أبويا بصلي أخيراً وقال

ما كانش محتاج نطلب، البنت اللي عندها أصل بتعرف واجبها وتساهم من نفسها.

بإيدين مرعوشة، طلعت موبايلي وفتحت تطبيق البنك. اللي شفته خلاني مش قادرة آخد نفسي.. حساب التوفير اللي كنت شايلة فيه كل مليم من سهر الليالي والشغل الإضافي والمكافآت، كان متصفر. حسابي الجاري كمان فضي. كان فيه عمليات سحب ورا بعض من مكنات في كل حتة في البلد، وبعدها تحويلات.

قريب من مليون جنيه.. طاروا.

لأ.. لأ.. همست بكسرة، الفلوس دي كانت عشان أكمل ماجستير وأبني مستقبلي.

جلال ابتسم بقسوة أول مرة أشوفها بوضوح كدة

أهو خلاص، مفيش مستقبلي.

رجعلي الفلوس يا جلال.

لأ.

يا جلال عشان خاطر ربنا..

قولتلك لأ.

صوتي اتشرخ وأنا ببص لأبويا وأمي، كنت مستنية أشوف ذرة خجل في عينيهم، بس ملقتش غير جحود. أمي ربعت إيديها، وأبويا قام وقف عشان يثبت إنه في صف جلال.

خلاص يا إيمان أبويا زعق، محدش هنا مديون لك بحاجة. إنتي حوشتي الفلوس دي وإنتي عايشة في خيرنا، وبما إنك معندكيش ذوق تشاركي، إحنا أخدنا حقنا بنفسنا.

أخدنا حقنا.. ده الاسم اللي سموا بيه السرقة.

أخويا مسك شنطتي، فتح الباب، ورماها في الشارع.

هواء الشتا الساقع دخل الشقة ورعش جسمي.

يالا يا شاطرة، نامي في أي داهية تعجبكي، ورجلك ما تعتبش البيت ده تاني.

ضحكوا.. التلاتة ضحكوا في وشي وكأنها نكتة هيحكوها لبعض بالليل.

كنت لسه هخرج وأنا قلبي محطم تماماً، بس فجأة افتكرت حاجة هما ما يعرفوهاش. الحساب ده ما كانش مجرد تحويشة عادية. جزء كبير من الفلوس دي كان جاي من ورث قانوني عهدة سابتهولي عمتي الله يرحمها، وكان الحساب ده متراقب وبإشراف قانوني من البنك على أي حركة سحب كبيرة.

بصيت في الموبايل.. لقيت 3 مكالمات فايتة من رقم غريب.

في اللحظة دي فهمت حاجة هما لسه ما يعرفوهاش. في الوقت اللي هما بيطردوني فيه ومفتكرين إنهم كسروني وخدوا كل حاجة، كان البنك والشرطة فعلاً بدأوا يتتبعوا كل جنيه هما سرقوه.

مشيت في الشارع والشنطة في إيدي، والدموع مغرقة وشي، بس جوايا كان فيه هدوء غريب بدأ يحل محل الكسرة. قعدت على أول رصيف وطلبت الرقم اللي كان رانن عليا.. طلع أستاذ رأفت المحامي اللي عمتي موصياه عليا.

أيوة يا إيمان يا بنتي، إيه اللي بيحصل في حسابك ده؟ السيستم بعتلي إنذار فوراً بسحب مبالغ ضخمة وتغيير أرقام سرية.. أنتي كويسة؟

حكيتله كل حاجة وأنا صوتي بيترعش، بس المرة دي من الغل مش من الخوف. أستاذ رأفت صوته اتغير تماماً وبقى حاد

اسمعيني يا بنتي، الفلوس دي جزء منها وصية مشروطة، والقانون بيعتبر اللي حصل ده مش مجرد سرقة

عادية، دي خيانة أمانة واستيلاء على أموال قاصر قانوناً في الوصية وتزوير. أنا هقدم بلاغ فوراً، والبنك أصلاً جمد العمليات اللي لسه ما سمعتش.

رجعت وقفت قدام باب البيت تاني.. بس المرة دي ما خبطتش بضعف. رنيت الجرس فترات طويلة لحد ما جلال فتح وهو بيبرطم

أنتي تاني يا زفتة؟ مش قولتلك مالكيش مكان هنا؟

بصيت له في عينه بكل قوة وقلتله

أنا بس جيت أقولكم إن الفلوس اللي فرحانين بيها دي، هتكون هي السبب في دخولكم السجن.. واحد ورا التاني.

أمي طلعت على صوتنا وهي بتضحك باستهزاء

سجن إيه يا أم سجن؟ دي فلوسنا وتمن لقمة هنية أكلتيها، والبوليس مش بيدخل بين الأهل.

ضحكت بمرارة وقلت لها

الفلوس دي يا ست ماما تحت إشراف قضائي عشان وصية عمتي، وأخويا البطل اللي واقف ده سحبهم بتوقيع مزور واستخدم الفيزا من غير علمي. أستاذ رأفت المحامي كلمني، والبلاغ اتقدم، وخلال ساعة بالظبط البنك هيثبت إن التحويلات راحت لحساب جلال الشخصي.

لون وش جلال اتقلب وبقى أصفر زي الليمون، وأبويا خرج يجري من جوه وصوته عالي

أنتي بتبلغي عن أخوكي يا فاجرة؟ عايزة تحبسينا؟

أنا ببلغ عن اللي سرقوني ورموني في الشارع في نص الليل. اللي بينا دلوقتي مش صلة رحم.. اللي بينا محاضر وأقسام. يا ترجعوا كل مليم دلوقتي حالا وتعتذروا، يا إما نتقابل في النيابة.

جلال بدأ يتهته

إيمان.. إحنا.. إحنا كنا بنهزر معاكي، كنا بنختبر غلاوتنا عندك..

الهزار ده تروح تقوله للظابط اللي زمانه على

 

وصول.

فجأة، نغمة الموبايل بتاعة جلال رنت.. كان البنك. أول ما رد، وشة جاب ألوان الطيف، وبدأ يترعش وهو بيسمع إن حسابه اتجمد وإن فيه شبهة جنائية. أمي قعدت على الأرض تلطم، وأبويا بقى يبص لي بنظرة رجاء بعد ما كان بيبص لي بجحود.

في اللحظة دي، عرفت إن اللي بيبيعك عشان قرش، ما يستحقش منك حتى نظرة عتاب. سبتهم وهما بيأكلوا في بعض ودخلت ألم باقي حاجتي، وأنا عارفة إن العدل مش بس في السماء، العدل كمان ممكن يتحقق في الدنيا وبقوة القانون.

أبويا قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي، ونبرة صوته اتغيرت ١٨٠ درجة

يا بنتي اهدي بس، إحنا لحمك ودمك، جلال طاش وشيطان وزه، والفلوس موجودة والله ما صرفنا منها مليم، إحنا بس كنا بنأمن مستقبله في المحل الجديد.

بصيت لإيده اللي كانت لسه من شوية بتملح السوداني ببرود وأنا بنطرد، ونفضتها بعيد عني

مستقبله؟ ومستقبلي أنا اللي سرقتوه؟ الماجستير اللي كان حلمي؟ اللي يبيع بنته عشان يشتري محل لابنه، ما يستاهلش يتقال له يا بابا.

جلال كان واقف ماسك الموبايل وعمال يحاول يتصل بحد، بس واضح إن الخطوط كلها اتقفلت في وشه. فجأة صرخ فيا وهو منهار

إيمان، أبوس إيدك الغي المحضر، البنك باعتلي رسالة

إن فيه إيقاف إداري من النيابة، لو الموضوع وصل للقسم مستقبلي ضاع، مش هعرف أتوظف في أي حتة!

رديت عليه ببرود يحرق الأعصاب

والله دي مشكلتك يا جلال.. إنت قولتلي من شوية نامي في أي داهية تعجبك، وأنا دلوقتي بقولك اتحبس في أي زنزانة تعجبك.

أمي قامت من على الأرض وجتلي وهي بتعيط، بس دموعها كانت دموع تماسيح، خايفة على ابنها المدلل مش ندمانة على اللي عملوه فيا

عشان خاطري يا بنتي، إحنا غلطنا، والبيت بيتك، ادخلي أوضتك والفلوس هترجع لك قرش قرش، بس بلاش الفضايح وسط الجيران والشرطة.

فتحت شنطتي وطلعت منها مفتاح البيت، وحطيته في إيدها

البيت ده ما بقاش بيتي، والفلوس هترجع بالقانون وبالقانون بس. أنا مش هسحب البلاغ غير لما أستاذ رأفت يتأكد إن كل مليم رجع الحساب، وبالفوايد كمان.. وده مش عشانكم، ده عشان أنا مش حرامية زيكم.

نزلت على السلم وأنا سامعة صوت خناقهم مع بعض جوه، جلال بيشتم فيهم إنهم شجعوه، وأبويا بيزعق في جلال إنه كان غبي واتفضح، وأمي بتلطم. العيلة اللي كانت متحدة عليا من ساعة، دلوقتي بياكلوا في بعض زي الديابة عشان خايفين من العقاب.

ركبت تاكسي ورحت عند أستاذ رأفت، وقضيت الليلة دي في هدوء لأول مرة

من سنين. الصبح، جلال اتقبض عليه تحريات عشان يواجه تهمة التزوير، وأبويا اضطر يبيع حتة أرض كان شايلها للزمن عشان يسدد العجز ويرجع الفلوس قبل ما القضية تتحول للجنايات.

رجعت فلوسي كاملة، بس خسرت أهل ما كانوش أصلاً أهل. ومن يومها، اتعلمت إن القرابة مش بالدم، القرابة بالأصل والمواقف. والنهاردة، وأنا بستلم شهادة الماجستير بتاعتي، بصيت للسماء وحمدت ربنا إن الضربة اللي ما قتلتنيش، قوتني وفتحت عيني على الحقيقة المرة قبل ما فوات الأوان.

بعد سنتين، كنت واقفة في حفلة تخرجي من الماجستير، لابسة الروب الأسود وماسكة شهادتي في إيدي. مكنش فيه حد من أهلي واقف يصورني ولا يباركلي، بس كان فيه أستاذ رأفت المحامي اللي بقى زي والدي الروحي، وزميلي اللي ساندوني.

جالي إشعار على الموبايل، رسالة من رقم جلال، كانت صورة لورقة دعوة فرحه، وكاتب تحتيها

أنا هفتح المحل يا إيمان وهتجوز الأسبوع الجاي، الأرض اللي بابا باعها عشان يسددلك فلوسك كانت هي اللي فاضلة لنا، خربتي بيتنا وخدتي اللي ورايا واللي قدامي عشان تعليم ملوش لازمة، يارب تكوني ارتحتي.

قفلت الموبايل بابتسامة هادية. جلال لسه لغاية دلوقتي مش فاهم إن اللي خرب البيت

هو طمعه، مش مطالبتي بحقي. هما شايفين إني جحدة عشان محبستش أخويا ووافقت على التسوية مقابل رجوع الفلوس، بس الحقيقة إني عملت كدة عشان أشتري نفسي، مش عشانهم.

رجعت بالذاكرة لليلة اللي كنت واقفة فيها على الرصيف، الليلة اللي اكتشفت فيها إن الستر مش حيطان بيت، الستر هو إنك تكوني مستقلة ومحدش كاسر عينك بلقمة.

أستاذ رأفت قرب مني وقال

مبروك يا دكتورة إيمان، عمتك الله يرحمها كانت عارفة هي بتعمل إيه لما حطت الفلوس في وصية مشروطة.. كانت عارفة إنها بتبني ليكي درع مش بس حساب بنكي.

بصيت للشهادة وقلت

عندك حق يا متر، القرش الأبيض فعلاً بينفع في اليوم الأسود، بس الأهم إن الواحد يعرف مين اللي سوده في وشه.

طلعت من القاعة وأنا حاسة بخفة غريبة، كأني رميت حمل تقيل كان على كتافي سنين. مكنش عندي حقد ناحيتهم، كان عندي استغناء. والاستغناء ده هو أكبر انتصار ممكن الواحد يحققه.

روحت شقتي الصغيرة اللي أجرتها بفلوسي وتعييني في الجامعة، وقبل ما أنام، عملت بلوك نهائي لرقم جلال وأبويا وأمي. مش كره، بس لأن الصفحة دي اتقطعت من كتاب حياتي، ومفيش داعي أرجع أقراها تاني.

تمت.

هذه القصص لاتمثل واقعنا ومحتمعنا الشرقي باي شكل من الاشكال


تعليقات

close