القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كانت حامل فى السابع



كانت حامل فى السابع سما سامح


كانت الشمس في "عز الظهر" تحرق الأرض، كأنها تريد مسح أثر أي كائن حي، حين رأيت "زينب" تمشي على الطريق الترابي حافية القدمين. لم تكن تمشي.. كانت تقاوم الموت بخطواتها.

كانت "حامل في السابع"، وابنها "ياسين" صاحب الست سنوات يتشبث بطرف جلبابها، وبنتها الصغيرة "فاطمة" ذات الأربع سنوات معلقة على خصرها.. كانوا هم كل دنياها فعلاً.


أنا كنت هناك.. رأيتها وهي تطرق أول باب:


— "لله يا محسنين.. شربة مية بس" — قالتها بصوت شرخه التعب.


انفتح الباب موارباً، لمحهما صاحب البيت.. ثم أغلقه في وجهها. بلا صراخ، بلا شتائم.. كان الصمت أسوأ، كان صمتاً يقطر خوفاً. لأن في تلك القرية، كانت مساعدة "زينب" لها ثمن غالي. "عتمان" — طاغية النجع وكبيره — حذّر الجميع: "اللي يمد إيده للأرملة دي.. يلوم نفسه". والخوف حين يسكن الصدور، يصبح أثقل من الذنب نفسه.


الباب الثاني لم ينفتح أصلاً.


الثالث.. كان بيت "المعلم" الذي خفض عينه في الأرض وتمتم بكلمات عن "أكل العيش".


الرابع، الخامس، السادس...


كل باب يُغلق لم يكن يصدر ضجيجاً، لكنني أقسم أن شيئاً ما بداخلها كان يتحطم مع كل قفل يتربس.


لم تبكِ.. لأن ابنها الكبير "ياسين" كان يراقبها طوال الوقت بعينين نضجت قبل الأوان. أما الصبية "فاطمة"، فكانت تبكي بصمت، ضاغطة على قبضتيها الصغيرتين.


مع حلول المغرب، خارت قوى "زينب". جلست تحت نخلة يابسة، قسمت "رغيف عيش ناشف" لثلاث قطع، أعطت القطع الكبيرة لأطفالها. هي لم تأكل.


— "شبعانة يا ضنايا" — كذبت عليهم.


عند الفجر، وقفت "زينب" أمام طريقين. واحد يؤدي لقرية أخرى، والثاني.. يؤدي للجبل. واختارت الجبل.


ليس شجاعةً منها، بل لأنه لم يعد أمامها خيار آخر.

صعدوا لساعات.. الشمس تلسع جلودهم، والحصى يدمي أقدامهم. حتى رأتها.. في عمق مكان يسوده صمت مهيب.. كان هناك بيت قديم من الحجر. وأمام الباب.. كانت تقف امرأة. عجوز.. متصلبة كالصنم.. وفي يدها "سنجة" عريضة.


توقفت "زينب" في مكانها، وتشبث الأطفال بها من الرعب. وهنا.. لفت العجوز رأسها ببطء. عيناها كانت بيضاء تماماً.. "مكفوفة". لكنها مع ذلك، كانت تنظر باتجاههم مباشرة، وكأنها كانت تنتظرهم منذ سنين.


أصبح الهواء ثقيلاً، حتى ابتسمت العجوز ابتسامة باردة، وقالت بصوت هادئ ومخيف:


— "أنا كنت مستنياكي يا زينب.."


شعرت زينب بـ "ركبها" تخونها. كيف عرفت اسمها؟ كيف لامرأة كفيفة أن تعلم بوصولها؟ ولماذا تمسك بتلك السنجة وكأنها مستعدة لحرب؟ والأكثر رعباً.. لماذا كان اسم هذه العجوز "الشيخة خضرة" يجعل "عتمان" نفسه، أقوى رجل في النجع، يرتجف إذا ذُكر اسمها؟


تنحت العجوز جانباً ببطء، وتُرك الباب مفتوحاً..


وكان على "زينب" أن تقرر.. هل تدخل؟ أم تعود لتموت في الطريق؟


دخلت "زينب" البيت بخطوات مرتجفة، وما إن تجاوزت العتبة حتى شعرت ببرودة غريبة تسري في المكان رغم لهيب الخارج. البيت من الداخل لم يكن كبيراً، لكنه كان مليئاً برائحة "بخور" قديم وأعشاب مجففة معلقة في السقف.


وضعت العجوز "خضرة" السنجة على طاولة خشبية ونطقت بلهجة آمرة:


— "اجلسي يا بنة الأصول.. النسل اللي في بطنك ده مش عادي، وعتمان عارف كدة كويس."


تسمرت زينب في مكانها: "يعني إيه يا شيخة؟ عتمان عايز يخلص مني عشان ورث جوزي الله يرحمه.. مش أكتر."


ضحكت العجوز ضحكة خافتة


هزت أركان البيت:

— "عتمان مش خايف على الأرض.. عتمان خايف من (النبوءة). جد عتمان الكبير كان ظالم، وفي ليلة زي دي من مية سنة، "الشيخة خضرة" اللي هي جدتي، قالت له إن عزه هينتهي على إيد طفل هيتولد من صلب عيلة (أبو زيد).. وجوزك كان آخر راجل في العيلة دي، والطفل اللي في بطنك هو صاحب الحق."


لم تمضِ ساعات حتى سمعوا وقع حوافر خيول تقترب. عتمان لم يتركها تهرب، فقد كان يراقب الجبل. وصل عتمان مع خمسة من رجاله المسلحين، وقفوا أمام البيت وصرخ عتمان بصوت أجش:


— "يا خضرة.. طلعي الست دي وعيالها، وبلاش نفتح دفاتر قديمة الجبل مش حملها!"


خرجت العجوز وهي تمسك بسنجتها، وخلفها زينب التي كانت تمسك ببطنها من الألم.. لقد بدأت "آلام المخاض" تداهمها في أصعب وقت ممكن.


قالت العجوز بقوة لا تناسب سنها:


— "اللي يخطو العتبة دي، هيدخل قبره بليلة قبل ميعاده يا عتمان. الأرض دي مش أرضك، والوقت انتهى."


سخر عتمان وأمر رجاله بالهجوم، لكن حدث ما لم يتوقعه أحد. فجأة، هبت ريح صرصر عاتية من فجوات الجبل، وبدأت الرمال تلتف حول البيت كأنها درع حامٍ. تعثرت الخيول وسقط الرجال، بينما كانت "خضرة" تتمتم بكلمات غير مفهومة.


المخاض والسر المدفون

في الداخل، كانت زينب تصارع الألم. وفجأة، صرخت صرخة دوت في أرجاء الجبل، ومع صرختها، انشقت الأرض داخل الغرفة القديمة لتظهر "فجوة" صغيرة تحت الحصير.


أشارت العجوز لياسين الصغير:


— "انزل يا ولد.. هات الصندوق."


نزل ياسين وقلبه يرتجف، وعاد بصندوق حديدي قديم عليه ختم عائلة "أبو زيد". كان هذا الصندوق هو "حجة الأرض" الأصلية وخرائط آبار المياه المخفية


تحت النجع، والتي سرقها أجداد عتمان وزوروا أوراقها. لكن الأهم.. كان بداخله "سيف" مرصع بالنحاس، مكتوب عليه: "لا يرفعه إلا صاحب حق".

المواجهة الكبرى

اقتحم عتمان البيت بعد أن هدأت الريح، وجه بندقيته نحو زينب الصارخة من الألم، لكن "ياسين" ذو الست سنوات، وبقوة لا يملكها بشر، سحب السيف من الصندوق ووقف أمام أمه.


ضحك عتمان بهستيريا: "حتى العيل عايز يحارب؟"


لكن الضحكة تجمدت حين رأى "خضرة" تضع يدها على كتف الطفل وتقول: "السيف عرف صاحبه يا عتمان."


في تلك اللحظة، وقعت "صاعقة" من السماء ضربت الصخرة الكبيرة خلف البيت، مما أدى لزلازل خفيف جعل عتمان يسقط أرضاً وتفلت بندقيته.


استغلت زينب اللحظة، وبقوة "الأمومة" التي لا تقهر، قامت وهي تمسك بسنجة العجوز التي كانت ملقاة بجانبها، ووضعتها على رقبة عتمان قبل أن يستفيق.


— "الخوف اللي سكن قلوب الناس هينتهي النهاردة يا عتمان.. الأرض دي مش ليك، والعيال دي اللي انت طردتهم، هما اللي هيحكموا النجع بالعدل."


لم تقتله زينب، بل سلمته لرجال "المركز" الذين وصلوا الجبل بعد أن أبلغت العجوز خفيةً أحد الصيادين المخلصين. ومع أول شعاع شمس للفجر، وُلد الطفل الجديد.. طفل أسمته "نصر".


عادت زينب للنجع، لكن ليس كأرملة مكسورة، بل كصاحبة أكبر حق. الأبواب التي أُغلقت في وجهها، فُتحت الآن نادمة، لكنها لم تدخل أيّاً منها. بنت بيتاً كبيراً فوق الجبل بجانب بيت "الشيخة خضرة"، وجعلت من النجع جنة خضراء بفضل آبار المياه التي كانت في الخريطة.


أما عتمان، فقد قضى بقية عمره خلف القضبان، يسمع حكايات الناس عن "زينب والجبل" وكيف أن "صمت القبور"


الذي فرضه يوماً، تحول إلى أغاني يغنيها الأطفال عن الشجاعة التي تولد من رحم الظلم.

تمت القصة.


تعليقات

close