الدوسـيه القـديم
الدوسـيه القـديم
لما صافي رمت في وشها الجملة اللي زي الرصاص يا ماما، حمايا وحماتي جايين يعيشوا معانا هنا.. فإنتي لازم تشوفي لك مكان تاني، أول حاجة عملتها كريمة إنها ضحكت ضحكة ناشفة ومكتومة. مكنتش ضحكة فرح طبعاً، كانت صدمة، كأن جسمها بيحاول يحميها من وجع القلب بقلم منال علي
كانوا واقفين في المطبخ الواسع بتاع الفيلا في التجمع، مطبخ زي اللي بييجي في المجلات؛ دواليب خشب أرو، ورخام جرانيت بيلمع لدرجة إنك تحس إن مفيش حد بيدخله يسبك صلصة ولا يعمل محشي. كريمة كانت لسه داخلة من باب البيت، شايلة في إيدها 4 شنط خضار وفاكهة تقال، وطبعاً دافعة تمنهم من فيزتها الشخصية.
صافي حتى مكنش عندها الشجاعة تبص في عين أمها؛ كانت عمالة تمسح في ترابيزة السفرة القزاز بفوطة ميكروفايبر بهوس، وكأنها بتمسح تراب خيالي.
قالت كريمة، وهي عندها 62 سنة وبتحاول تستوعب إنتي بتهزري يا بنتي صح؟ قولي إن ده مقلب ومصوراكوا الكاميرا بقلم منال علي
لكن صافي نفخت بضيق، وكأن أمها بقت حمل تقيل عليها يا ماما أرجوكي بلاش دراما.. الموضوع مؤقت، هما هيبيعوا شقتهم اللي في إسكندرية ومحتاجين مكان يقعدوا فيه، وإحنا.. إحنا محتاجين خصوصيتنا شوية.
كلمة خصوصيتنا دي نزلت على قلب كريمة زي مية التلج في عز طوبة. من سنتين بالتمام، بعد طلاقها اللي هدّ حيلها، صافي هي اللي اتحايلت عليها بالدموع وقالت لها يا مامي تعالي عيشي معانا، مش
ههون عليا تسيبي البيت وتقعدي لوحدك. كريمة وقتها جت بشنطة هدوم واحدة، وصور العيلة، وقلب مكسور بقلم منال علي
بس خلال ال 24 شهر اللي فاتوا، كريمة مكنتش مجرد قطعة عفش مركونة؛ دي كانت هي اللي بتدفع فواتير الكهرباء والمية والإنترنت المنزلي. لما مدحت جوز بنتها مرتبه قل في الشركة، هي اللي طلعت من مدخراتها ودفعت 15 ألف جنيه ضرايب وعوايد. هي اللي جابت غسالة أوتوماتيك جديدة لما القديمة باظت، وحتى التلاجة ال سايد باي سايد اللي صافي بتتباهى بيها قدام صاحباتها الهاي كلاس، كريمة هي اللي جايباها قسط على كارت البنك بتاعها.
والآن، بيعاملوها كأنها كراكيب زيادة في البيت. همست كريمة والخنقة واصلة لزورها يعني إنتي كدة بترميني في الشارع؟.بقلم منال علي
ردت بنتها ببرود غريب مش قصة رمي يا ماما، دي مجرد ترتيبات.
في اللحظة دي، دخل مدحت المطبخ وهو ماسك موبايله وعامل نفسه مش فاهم حاجة، وابتسم بابتسامة صفراء قلبت مواجع الست الكبيرة أهلاً يا حماتي.. ده أنسب حل لينا كلنا.
صافي ربعت إيدها، وحست إن جوزها سندها، وراحت رامية كلمة الوداع اللي قضت على كل حاجة وبعدين يا ماما.. إنتي هنا مش بتدفعي إيجار أصلاً!.
ودان كريمة سخنت من كتر الإهانة. الليلة دي، دخلت أوضتها الصغيرة وقفلت على نفسها، ومنزلتش دمعة واحدة. جواها غل بارد وعقل شغال بيخطط. فتحت دوسيه قديم كانت شايلاه تحت المرتبة.. فيه كل
الوصولات، كل الفواتير، وكل حاجة متسجلة باسمها هي كريمة بقلم منال علي
ابتسمت كريمة وسط الضلمة؛ مش هما دول اللي هيرموها زي الكلب بعد ما أخدوا خيرها. وفي عز الفجر، قررت تنفذ خطتها..
الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، والهدوء اللي مالي الكومباوند ماقطعوش غير صوت تكة الفيش وهي بتتشد. كريمة مابدأتش بلم هدومها ولا جزمتها، بدأت باللي هما بكل بجاحة بيسموه عفش البيت وهو في الأصل شقا عمرها بقلم منال علي
فكت شاشة التليفزيون ال 65 بوصة السمارت اللي في الريسبشن بمنتهى الحرص. وحطت على سفرة الأكل ريموت البوابة الكهرباء اللي مدحت كان بيستخدمه كل يوم وكأنه صاحب البيت، وطلعت من الدوسيه فواتير كل جهاز كهربائي في البيت، فواتير أصلية مدفوعة بدم قلبها.
في اللحظة دي، نور السلم اتفتح فجأة. نزلت صافي تجري، منكوشة وشاحبة وشرار الخوف في عينيها بقلم منال علي
بصوت واطي ومخنوق عشان الجيران مايسمعوش، قالت صافي إنتي بتعملي إيه في الوقت ده يا ماما؟ إنتي اتجننتي؟.
كريمة، وهي ماسكة مفتاح عربيتها الأتوس الصغيرة في إيدها، بصت لبنتها من فوق لتحت وردت بصوت زي الموس ماشية بقلم منال علي
مدحت نزل ورا مراته بسرعة، وقلع قناع النسيب الذوق تماماً وبان وشه الحقيقي إنتي مش هتاخدي حاجة من هنا يا ست إنتي، الحاجة دي حاجتنا، والبيت ده بيتي.
كريمة متهزتش. مشيت بهدوء للسفرة وفرشت الفواتير قدامهم
كأنها بتلعب قوتشينة وهي عارفة إن معاها الشايب الشاشة دي باسمي، والغسالة دافعة تمنها كاش من مكافأة نهاية الخدمة بتاعتي، والتلاجة دي ملكي.. ودي وصولات التحويلات البنكية. أنا شيلت كل ورقة لليوم الأسود، لأن الدنيا علمتني إن الحب مش كفاية عشان الناس تتقي ربنا في بعض بقلم منال علي
وش صافي بقى زي الأموات إنتي كنتي بتشيل الورق ده من ورايا؟ إنتي طلعتي شايلة وحقودة أوي يا ماما.
مدحت، وبكل غطرسة ذكورية، قرب منها بتهديد بقولك إيه، إنتي عيشتي هنا سنتين كاملين، والحاجات دي يا دوب تمن إقامتك وأكلك وشربك عندنا.
الجملة دي كانت قلم طرقع على وش وروح كريمة. في ثانية واحدة، مدحت لخص كل سهرها وتعبها، وكل طبق شوربة سخن عملتهولهم وهما عيانين، وكل عصر ليمون على أعصابها وهي بتذاكر لابنهم، وكل قرش من معاشها حطته في خرابة بيتهم.. كل ده لخصه في تمن إيجار!بقلم منال علي
بصت له كريمة برأس مرفوعة وكبرياء ميتكسرش إياك تنطق كلمة تمن دي قدامي يا واد إنت.. أنا مكنتش مستأجرة عندكم، أنا كنت العمود اللي ساند البيت ده وهو بيقع، أنا كنت الأم والضهر والشغالة اللي ببلاش.
فجأة، سمعوا صوت تزييق من فوق. ياسين حفيدها الصغير 6 سنين كان باصص من بين عمدان السلم وهو خايف وماسك دبدوبه تيتا.. إنتي رايحة فين؟.بقلم منال علي
قلب كريمة اتعصر في لحظتها. صافي حاولت ترسم ضحكة أمومة مزيفة مفيش حاجة يا حبيبي، ادخل نام فوراً.
بس كريمة شافت في عيون بنتها الرعب.. رعب إن برستيجها يتهد قدام ابنها بقلم منال علي
لمت كريمة فواتيرها في شنطتها. مكنتش عايزة تفضي البيت والحفيد بيتفرج من فوق، مش عايزة تعمل مشهد تروما للولد. مسكت شنطتها، وبصت لبنتها في عينها وقالت الكلمتين اللي هيقلبوا الدنيا
أنا ماشية دلوقتي، وهبات في لوكاندة. بس اسمعوا الكلمتين دول كويس من الثانية دي، المكنة اللي بتطلع فلوس وقفت.. أنا هاخد كرامتي وفلوسي، وإنتوا اشبعوا ببعض.
خرجت من الباب، وركبت عربيتها ودورتها. بس اللي صافي ومدحت ميعرفوهوش، إن من غير سند كريمة المادي، السبب الحقيقي والغامض ورا نقلة الحما والحماة للبيت كان قنبلة موقوتة، وخلاص قربت تنفجر في وشهم!
برد الفجر كان بيخبط في إزاز العربية وكريمة سايقة في شوارع القاهرة الفاضية، مابتردش على صرخة وجعها غير بصوت الموتور. انتهى بيها الحال في لوكاندة شعبية رخيصة قريبة من الطريق الدائري. الأوضة كانت ريحتها كلور ومندية، والسرير بيزيق مع أقل حركة، بس لأول مرة من سنتين، كان حواليها هدوء يغسل الروح. مفيش حد مستنيها تصحى الساعة 6 الصبح تعمل فطار، ولا حد رامي عليها حمول الدنيا وهمّها وهي المفروض تشيل وتسكت.
تاني يوم الصبح، فتحت موبايلها وبعتت رسالة واحدة على جروب العيلة أنا كويسة.. محدش يدور عليا إلا لما أنا أعوز. وقفلت الجهاز فوراً، وطز في سيل المكالمات اللي مابيقفش.
بعد 48 ساعة، لما فتحت الموبايل تاني، كانت القيامة قامت. أكتر من 80 مكالمة ورسايل تلطم. صافي اتحولت من الجبروت والتعالي للانهيار التام في وقت قياسي. الرسايل كانت بتحكي
قصة خراب مستعجل ماما ردي أرجوكي، الفيزا وقفت ومش عارفين نجيب خزين البيت.. وبعدها بكام ساعة ماما، أنا ومدحت اتخانقنا خناقة شوارع، الميكانيكي رفض يسلم مدحت العربية عشان إنتي ماحولتيش الفلوس اللي وعدتي بيها بقلم منال علي
وفي الآخر، الرسالة اللي جابت الناهية وبينت الحقيقة المرة ماما.. حمايا وحماتي ماباعوش شقتهم في إسكندرية، دول خسروها في القمار والمراهنات. هما جايين يعيشوا هنا عشان مدحت يصرف عليهم بالكامل، وكانوا ناويين ياخدوا الفلوس اللي إنتي بتدفعيها للبيت يسددوا بيها ديونهم القديمة.. الحقيني يا ماما أنا مرعوبة بقلم منال علي
قرت كريمة الكلام وهي قاعدة على طرف السرير الناشف في اللوكاندة. خلطة مسمومة من الشفقة وخيبة الأمل عصرت قلبها. صافي مكرشتهاش عشان استقلال عائلي، دي ضحت بأمها عشان تراضي جوزها وتداري على فضيحة وفشل أهله. حطوها كبش فدا لكذبة حقيرة. ودلوقتي لما الضهر المادي اتسحب فجأة، بيتهم الكرتون بدأ يتهد فوق دماغهم.
بعد 5 أيام، وافقت كريمة تقابل بنتها في كافيتريا قديمة في وسط البلد، بعيد تماماً عن منظرة التجمع. لما صافي دخلت من الباب، كريمة مكنتش عارفاها. وشها كان دبلان، وعينيها تحتها سواد، وشعرها منكوش، مفيش أي أثر للست المتكبرة اللي كانت بتدي أوامر في المطبخ بقلم منال علي
أول ما قعدت، صافي انفجرت في العياط سامحيني يا ماما.. أنا كنت غبية. وكملت وهي بتداري وشها بإيدها مدحت ضحك عليا، قالي أهله محتاجين سند ولولاهم مكنش هو بقى موجود، وهددني بالطلاق لو مابقتش معاهم. مكنتش أعرف إنهم مفلسين وناويين يعيشوا على
قفاكي. لما مشيتي وخطتهم باظت، مدحت قلب عليا وشتمني وهانني وحملني المسؤولية. أرجوكي يا ماما ارجعي البيت، إحنا محتاجينك.. ياسين بيعيط عليكي كل يوم بقلم منال علي
كريمة بصت لها بسكون غريب. غريزة الأم المصرية اللي بتضحي بعمرها وتستحمل الذل عشان خاطر عيالها كانت بتصرخ جواها قومي خديها في حضنك وادفعي الديون وارجعي ابني البيت. بس كريمة ماتحركتش. فضلت مكانها، إيدها ثابتة على كوباية القهوة. فهمت بوجع إن الحضن دلوقتي معناه إن بنتها مش هتعلم الأدب أبداً.
قالت كريمة بهدوء يخوف يعني جوزك البرنس كان خطته إني أصرف على فشل وصياعة أهله وأنا عندي 62 سنة؟ كنتم هترموني في الشارع زي الكلب وأنا فلوسي هي اللي بتأكلهم الشهد؟ والأنيل من ده كله يا صافي، مش إن مدحت خطط، الأنيل إنك وافقتي تبقي شريكته. قررتي إن أمك قطعة غيار تترمي عشان تحافظي على جوازتك الفاشلة.
صافي قعدت تحلف إنها مكنتش شايفة الحقيقة من خوفها لا تتطلق، وإنها خلاص طردت مدحت وأهله وطلبت الطلاق رسمي ومحتاجة أمها ترجع تسندها بقلم منال علي
ردت كريمة بحقيقة قطعت كل عذر أنا بحبك يا صافي، وياسين ده حتة من قلبي وفديه بدمي، بس اسمعيني كويس أنا مش راجعة البيت ده تاني.. أبداً.بقلم منال علي
صافي اتصدمت ليه يا ماما؟ ما أنا طردتهم خلاص وأوضتك موجودة!.
إنتي محتاجاني عشان أدفع الفواتير المتأخرة وأربي الولد ببلاش وإنتي في شغلك.. ردت كريمة بمنتهى الصراحة. أنا هساعدك في حفيدى، هجيبه من المدرسة يومين في الأسبوع، وهقعد معاكي هنا نعمل ميزانية لبيتك عشان تعيشي على قدك من غير فلوس مدحت. بس حياتي
تحت طوعك في البيت ده انتهت. 60 سنة علموني في البلد دي إن الست قيمتها في خدمة جوزها وبعدين بنتها وبعدين أحفادها، وإن الشكوى حرام.. بس لما قلتي لي إنتي مابتفعيش إيجار، عملتي فيا أكبر جميل، فوقتيني!.بقلم منال علي
صافي سكتت وهي بتمسح دموعها، وبدأت تستوعب حجم غلطتها.
كملت كريمة وهي بتطلع مناديل لبنتها أنا هأجر شقة صغيرة على قدي، هفرشها حتة حتة على ذوقي. ولما تيجي تزوريني هتبقي ضيفتي الغالية، وياسين هينورني. بس ده هيبقى بيتي.. وقوانيني.. وراحتي. لو عايزة تصلحي حياتك، اتعلمي تقفي على رجلك إنتي، مش على ضهري اللي انحنى من الشيل بقلم منال علي
فات 8 شهور على القاعدة دي. طلاق صافي كان مرمطة في المحاكم، ومدحت وأهله انتهى بيهم الحال في أوضة وصالة في منطقة شعبية والديون محاوطاهم. صافي اضطرت تبيع التلاجة ال سايد باي سايد والشاشة ال 65 بوصة عشان تدفع للمحامين وتسدد أقساط البيت اللي كانت غرقانة فيه.
أما كريمة، نفذت وعدها. عايشة دلوقتي في شقة صغيرة أرضي، منورة وليها جنينة صغيرة مليانة زرع وورد. الفواتير القديمة لسه شايلاها في الدرج، بس مش عشان تحارب بيها، لكن عشان تفكر نفسها إن الاستقلال غالي بقلم منال علي
ساعات يوم الحد العصر، بتحس بفراغ في معدتها، بس بتقوم تعمل كوباية شاي بالمرمية، وتقعد على كرسيها الهزاز تقرأ كتاب، وتتنفس بجد.. نفس حر.
اتعلمت الدرس الصعب إن الأمومة مش معناها إنك تمسحي شخصيتك، وإن الحدود مابتنقصش من الحب، بالعكس، دي اللي بتعلمهم يحترموا وجودك. واكتشفت إن كرامة الست مالهاش تمن، ومابتكتبيش في وصل إيجار، ولا يمكن تكون محل تفاوض!


تعليقات
إرسال تعليق