القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 وأنا واقفة في المطبخ بجهز الفطار،




وأنا واقفة في المطبخ بجهز الفطار،


المطبخ 

وأنا واقفة في المطبخ بجهز الفطار، لقيت جوزي داخل عليا وهو ماسك الموبايل وبيقول:


– أمي بتقول إنها جاية تفطر عندنا النهارده.


ابتسمت وقلت عادي:


– تنور طبعًا.


بعد ساعة… جوزي دخل تاني وقال:


– أصل أمي قالت ممكن تجيب خالتي معاها… أصلها لوحدها.


قلت في نفسي:


ماشي… مفيش مشكلة.


قبل المغرب بنص ساعة… الموبايل رن تاني.


جوزي رد… وسكت شوية… وبصلي بنظرة غريبة.


قلتله:


– في إيه؟


قال:


– أصل أمي قالت إن ابن خالتي ومراته وأولاده ممكن ييجوا كمان… أصلهم كانوا عندها.


وقتها حسيت إن الدم نشف في عروقي.


أنا كنت عاملة أكل لشخصين… يمكن تلاتة بالكثير.


لكن فجأة بقوا سبعة أشخاص.


جريت على المطبخ أحاول ألحق الموقف… زودت مية في الشوربة… قطعت الفراخ نصين… وزودت رز بسرعة.


المغرب أذن… والناس بدأت تيجي.


حماتي دخلت كأنها صاحبة البيت، وقالت بصوت عالي:


– الله الله… ده احنا عاملين عزومة كبيرة بقى!


وبعدين بصت للأكل على السفرة وسكتت لحظة… وقالت:


– بس هو الأكل شكله قليل شوية مش كده؟


الكلمة نزلت عليا زي السكــ,,ـــــينة.




أنا طول اليوم واقفة بطبخ… وفي الآخر ده الكلام؟


لكن سكت… عشان أول رمضان.


عدت الليلة على خير… أو ده اللي كنت فاكره.


بعد الفطار… وأنا بلم السفرة… سمعت حماتي بتقول لجوزي في الصالة:


– بصراحة مراتك لازم تتعلم تعمل أكل أكتر من كده… إحنا في رمضان.


جوزي سألها:


– ليه يا أمي؟


قالت بنبرة عادية جدًا:


– أصل أنا ناوية أجي أفطر هنا كل يوم تقريبًا.


وقتها حسيت إن الأرض بتلف بيا.


كل يوم؟


ده أنا أصلاً ميزانية البيت بالعافية مكفياه أنا وجوزي.


لكن اللي سمعته بعدها خلاني ما أنمش طول الليل.


حماتي قالت جملة خلت قلبي يقع في رجلي:


– وبالمرة… خلي مراتك تبقى جاهزة… أصل بكرة أنا معزومة عند قرايبنا… وقلت لهم إحنا اللي هنعزمهم بعد بكرة عندكوا.


جوزي قال باستغراب:


– عندنا إحنا؟!


قالت وهي بتضحك:


– أيوه طبعًا… ما أنتوا شباب ولسه متجوزين… يعني لازم تكرموا الناس.


وقتها فهمت حاجة واحدة بس…


إن رمضان ده مش هيعدي على خير.


لكن اللي ماكنتش أعرفه…


إن العزومات دي ما كانتش مجرد عزومات.


حكايات رومانى مكرم


كان وراها سر كبير… وطمع أكبر بكتير من مجرد أكل على سفرة.


والسر ده… اكتشفته بالصدفة بعد كام يوم…


لما سمعت مكالمة بين حماتي وشخص ما كنتش أتوقعه أبدًا.


مكالمة خلتني أفهم إن اللي بيحصل في بيتي…


كان متخطط له من البداية.


#الكاتب_رومانى_مكرم


لكن اللي حصل بعد كده…


خلّى البيت كله يتقلب رأسًا على عقب.


مرّت الأيام الثلاثة الأولى من رمضان وكأنها دهور، البيت تحوّل إلى فندق ومطعم مفتوح على مدار الساعة، وحماتي أصبحت هي الآمرة الناهية في كل

صغيرة وكبيرة. كانت تأتي بضيوف لا أعرف نصفهم، من أقارب وجيران قدامى، وتجلس في الصالة تتباها بكرم ابنها وبيته، بينما أقف أنا في المطبخ لساعات طوال، أصارع الميزانية التي تبخرت تمامًا منذ الأسبوع الأول، وأتحمل تعليقاتها السخيفة بعد كل إفطار عن نقص الملح أو قلة كمية اللحوم.


أما زوجي، فكان يقف حائرًا، تائهًا بين نظرات العتاب في عيني، وبين رغبته في إرضاء والدته وعدم إحراجها أمام الناس، حتى أصبح يتهرب من التواجد في البيت قبل المغرب، ويدخل مطأطأ الرأس مع الأذان.


في اليوم الخامس، وبعد رحيل عزومة ضخمة ضمت عمّات زوجي وبناتهن، جلست على أرضية المطبخ أجهش بالبكاء من شدة التعب والإرهاق الجسدي والنفسي. كان زوجي قد نزل ليشتري بعض المستلزمات لغدٍ بناءً على أوامر صارمة من والدته التي غادرت قبل قليل.


فجأة، تذكرت أن حماتي نسيت عباءتها الإضافية وحقيبتها الصغيرة في غرفة الصالون. قمت بتثاقل لأجمعهما، وفي تلك اللحظة سمعت صوت رنين هاتف ينبعث من داخل حقيبتها.. لقد نسيت هاتفها المحمول أيضًا!


كان الهاتف يرن بإلحاح، اقتربت ووجدت الاسم المكتوب على الشاشة: “أم فهد”.


لم أكن لأرد لولا أن الخط انقطع ثم عاد ليرن فورًا. ظننت أن هناك أمرًا طارئًا، فضغطت على زر الرد، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، جاءني صوت “أم فهد” الحاد والمليء بالشماتة والضحك:


– أيوة يا أم ممدوح! طمنيني، إيه الأخبار؟ لسه البت مقطومة في المطبخ وماتعرفش حاجة؟ ورقتيها في العزومات زي ما اتفقنا؟


تسمّرت في مكاني، وأنفاسي انقطعت تمامًا. لم أرد، ووضعت يدي على فمي لأكتم أي صوت، بينما واصلت “أم فهد” حديثها دون أن تنتظر ردًا:


– يا شاطرة يا أم ممدوح، اطبخيها صح.. كل ما تزنقيها في مصاريف العزومات، وتخلي ابنك يستلف من طوب الأرض عشان يكفي البيت، كل ما هيطلب البيع أسرع. أنا كلمت المشتري وقاللي إنه جاهز يدفع كاش في الشقة أول ما ممدوح يوافق، وعمولتك وعمولتي محفوظة.. ده قرشين يرقصوا القلب! اخلصي من الشقة دي وخدي ابنك يعيش معاكي في بيت العيلة، وخليه يطلق البت دي اللي مش عاجباكي، ونصلحه على بنتي هند زي ما كنا راسمين.


وقعت الكلمات على مسامعي كالصواعق المتتالية.


الشقة؟ يبيعوا الشقة؟


هذه الشقة التي دفع فيها والدي نصف ثمنها كمساعدة لزوجي، وكتبنا عقدها مناصفة بيني وبين ممدوح!


فهمت كل شيء في ثوانٍ معدودة. حماتي لم تكن تأتي بالطعام والضيوف حُبًا في الكرم أو صلة الرحم، بل كانت خطة مدبرة لإنهاك ممدوح ماديًا، وإغراقه في الديون بمساعدة هذه السمسارة “أم فهد”، ليضطر تحت ضغط الحاجة والديون والالتزامات إلى بيع الشقة التي يسيل لها لعاب حماتي منذ البداية، طمعًا في المال وتدميرًا لبيتي لإعادة زوجي تحت جناحها وتزويجه من ابنة صديقتها.


تراجعت إلى الخلف، وأغلقت الخط بسرعة قبل أن تكتشف أنني المستمعة. وضعت الهاتف مكانها وجسدي كله ينتفض من الصدمة والغضب.


سمعت صوت مفاتيح زوجي تفتح الباب الخارجي. دخل وهو يحمل أكياسًا جديدة بالدين من سوبر ماركت المنطقة، ووجهه يشع همًا وغمًا. نظر إليّ وقال بصوت مجهد:


– جهزي نفسك يا حبيبتي، أمي اتصلت بيا من الطريق وقالت إن بكرة جايين عمامي وولادهم.. حوالي اتناشر واحد.


نظرت إليه طويلًا.. نظرة لم يفهمها. لم أبكِ ولم أنفعل كما كنت أفعل في الأيام الماضية. بل ابتسمت ببرود شديد وقلت له:


– تنوروا طبعًا يا حبيبي.. من عنيا الجوز، بكرة هتشوف عزومة عمامك دي هتوصلنا لفين.


في تلك الليلة، لم تذق عيني النوم. كانت الأفكار تتصارع في رأسي، لكنني اتخذت قراري. لن أكون الضحية، ولن أسمح لهدم بيتي وشقا عمري وعمر والدي. سأجاري حماتي في لعبتها، ولكن بطريقتي الخاصة.. الطريقة التي ستجعلها تندم على اليوم الذي فكرت فيه بدخول مطبخي.


صباح اليوم التالي، بدأت التحضيرات للعزومة الكبرى، وكانت حماتي قد وصلت مبكرًا لتشرف بنفسها على “الخراب المستعجل” كما تظن. دخلت المطبخ وهي تبتسم ابتسامتها الصفراء وقالت:


– همي يدك يا مرات ابني، عمام ممدوح ناس أكيلة، ومش عايزين نصغر قدامهم.


التفتُّ إليها، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهي وقلت:


– متقلقيش يا حماتي.. الأكل بكرة الكل هيتكلم عنه، وهيكون مفاجأة للكل.. وليكي إنتي بالذات.


جاء وقت العصر، والمطبخ كان يتحول لخلية نحل، لكن الغريب إن الحركة فيه كانت هادية ومشحونة بغموض غريب. حماتي كانت رايحة جاية، تفتح الحلل وتبص بنظرات فاحصة، وعينها بتلمع بانتصار وهي شايفة كميات الأكل الكبيرة اللي طلبتها بتتحضر. كانت فاكرة إن كل ده بيترسم على حساب ديون جديدة هتقطم ضهر ممدوح وتجبره يبيع الشقة.


نزلت فوق دماغي تعليقاتها المعتادة:


– أيوة كدة، كتروا الرز.. وعايزة الفراخ دي تتحمر بالزبدة البلدي، مش عايزين فضايح قدام أعمام ممدوح.


كنت ببص لها وأنا ببتسم بكل برود وأقول:


– من عينيا يا حماتي، كله هيبقى تمام وزي ما خططتي بالظبط.


وقبل المغرب بساعة، لما ممدوح جه ووشه أصفر من الهم وشايل باقي الطلبات، استغليت لحظة دخول حماتي الحمام عشان تجهز وتلبس عبايتها لاستقبال الضيوف. سحبت ممدوح من إيده ودخلت بيه الأوضة وقفلت الباب. ممدوح بصلي بخوف وقال:


– في إيه يا ندى؟ سحبتيني كدة ليه؟ الأكل قصر معاكي؟ أقسم بالله الراجل بتاع السوبر ماركت رفض يديني بالشكك تاني لولا إني حرجته قدام الناس.


طلعت موبايلي، وكنت مجهزة المفاجأة اللي هتقلب الموازين. في اليوم اللي فات، لما سمعت مكالمة حماتي مع “أم فهد” السمسارة، ما سكتش.. أنا كنت مشغلة مسجل الصوت على تليفوني القديم وحطاه جنب شنطتها وسجلت المكالمة كاملة، صوت وصورة للشنطة والصوت طالع منها بوضوح.


شغلت التسجيل قدام ممدوح.


صوت “أم فهد” وهو بيقول: “كل ما تزنقها في مصاريف العزومات.. كل ما هيطلب البيع أسرع.. المشتري جاهز يدفع كاش في الشقة.. ونصلحه على بنتي هند”.


ممدوح كان بيسمع والصدمة مجمداه في مكانه. ملامح وش بتبدل من الذهول للغضب، لعينه اللي بدأت تدمع وهو مش مصدق إن أمه، اللي بيستلف من طوب الأرض عشان يرضيها ويرفع راسها قدام قرايبه، هي اللي بتخطط عشان تخرب بيته وتبيعه شقته اللي شقي فيها.


بصلي وهو مش قادر ينطق، شفايفه بتترعش وقال:


– أمي؟ أمي تعمل فيا أنا كدة؟ عايزة تخرب بيتي وتبيع شقتي عشان الفلوس وتجوزني هند؟


حطيت إيدي على كتفه وقلتله بقوة:


– ممدوح، أنا وأنت تعبنا في البيت ده، وأبويا دفع نص ثمن الشقة دي من شقاه. أنا مش هسيب حقي، وأنت لازم تفوق. العزومة دي مش هتعدي كدة، والناس اللي برة دول أعمامك ولازم يعرفوا حقيقة اللي بيحصل. أنا رتبت كل حاجة، وعايزاك تقف وتتفرج بس.


الناس بدأت توصل، أعمامه وولادهم، الصالة اتملت، وحماتي كانت قاعدة على رأس المجلس تتكلم بفخر وكأنها هي اللي دافعة تمن العزومة من جيبها. ممدوح خرج وسلم عليهم، لكن نظراته لأمه كانت متغيرة تمامًا، كانت نظرات مكسورة ومليانة عتاب وغضب مكتوم.


أذن المغرب، وبدأنا ننقل الأكل للسفرة. السفرة كانت حرفيًا “ملكّية”، أصناف وألوان من كل ما لذ وطاب. حماتي كانت بتبص للأكل وعينها بتلمع، وبتقول لأعمام ممدوح:


– كلوا يا جماعة، ممدوح ومراته مجهزينلكوا الأصناف دي مخصوص، ممدوح مبيستخسرش في أهله حاجة واشتراكم بكل غالي.


بدأوا ياكلوا وهم بيمدحوا في الأكل وفي كرم ممدوح. وفي وسط القعدة، وأنا واقفة بوزع العصاير، حماتي بصتلي وقالت بلهجة فيها حتة سم:


– تسلم إيدك يا مرات ابني، بس يا ريت ممدوح مايكونش كلف نفسه فوق طاقته، أصل أنا عارفة إن ميزانيتكم على القد، ومش عايزين الواد يستلف عشان الأكل والشرب.


كانت دي الإشارة اللي أنا مستنياها عشان أبدأ خطتي.


ابتسمت ووقفت في نص الصالة، وبصيت لأعمام ممدوح وقلت بصوت عالي سمعه الكل:


– لا يا حماتي، متقلقيش خالص، ممدوح مستلفش ولا مليم عشان عزومة النهارده.. العزومة دي كلها مدفوعة الأجر بالكامل!


الكل سكت وسابوا الأكل من إيديهم وبصوا لي باستغراب. عم ممدوح الكبير قال:


– يعني إيه يا بنتي مدفوعة الأجر؟ ممدوح اللي عازمنا ولا حد تاني؟


التفت لحماتي اللي ملامح وشها بدأت تتغير وقالت بارتباك:


– إيه الكلام الفاضي ده يا بت أنتِ؟ اطلعي على مطبخك!


لكن أنا مكنتش هتحرك. طلعت الموبايل ووصلته بسماعة البلوتوث الكبيرة اللي في الصالة، وبصيت للكل وقلت:


– العزومة دي، والعزومات اللي فاتت كلها، مدفوعة من عمولة الشقة اللي حماتي اتفقت مع السمسارة “أم فهد” إنها تبيعها من ورايا أنا وممدوح. اتفضلوا اسمعوا بنفسكم عشان تعرفوا كرم حماتي جاي على حساب مين!


ضغطت على زرار التشغيل، وصوت حماتي وصديقتها السمسارة رج الصالة كلها.. الخطة كاملة، الكلام عن خراب البيت، الديون، بيع الشقة كاش، وطردي من البيت وتزويجه من هند.


الذهول حل على المكان، الأكل وقف في زور الكل، وحماتي وقفت وفجأة وشها بقا زي الدم، وعينها زاغت وهي شايفة نظرات أعمام ممدوح اللي اتحولت لغضب واحتقار، ونظرة ممدوح ليها اللي كانت كفيلة تنهي كل حاجة.


عمّ الصمت أرجاء الصالة، صمت قاتل لم يكن يقطعه سوى أنفاس حماتي المتسارعة وصوت التسجيل الذي انتهى ليعيد نفسه في أذهان الجميع كأنه كابوس. تحولت نظرات أعمام ممدوح من الصدمة إلى الاحتقار الشديد، فالعادات والتقاليد وصيانة البيوت في عائلتهم لا تقبل مثل هذا الغدر، خاصة وإن كان الآتي من الأم تجاه ابنها وزوجته.


وقف عم ممدوح الكبير، الحاج عبد الرحمن، وجسده ينتفض من الغضب. نظر إلى حماتي وقال بنبرة حادة هزت جدران المكان:


– بقى دي عوايدك يا أم ممدوح؟ جايبانا وجايبة أهلك عشان تداري وراهم خطة لمص دم ابنك وخراب بيته؟ إحنا نيجي ناكل في بيت ابننا ونهنيه، مش نيجي نكون السكــ,,ـــــينة اللي بتقطعي بيها رقابته ورقابة مراته!


حاولت حماتي أن تتدارك الموقف، تلعثمت الكلمات في فمها، واصطبغ وجهها بحمرة الخجل والغل معًا. نظرت إليّ وصرخت بصوت مرتعش:


– بتفتري عليا! ده تسجيل متفبرك.. البت دي عايزة تقلبكم عليا وتوقع بيني وبين ابني! ممدوح.. أنت هتصدق الغريبة دي وتكذب أمك؟


التفت الجميع نحو ممدوح، الذي كان واقفًا كالصنم، وعيناه مصلبتان على الأرض. الدموع التي كانت تحتبس في عينيه جفت، وحل محلها برود مخيف. خطى خطوات بطيئة نحو أمه، ونظر في عينيها مباشرة، وبصوت منخفض لكنه يحمل قوة لم أعهدها فيه من قبل، قال:


– التسجيل مش متفبرك يا أمي.. لأن الشنطة دي بتاعتك، والتليفون ده تليفونك، والكلام ده اتقال وأنا طالع عيني في الشوارع بلف على أصحاب المحلات عشان يرضوا يدوني أكل بالدين عشان أكرم ضيوفك.. ضيوفك اللي كنتِ بتستغلي وجودهم عشان تكسري ضهري.


ثم التفت إلى أعمامه وقال بمرارة:


– نورتوني يا عمامي، على راسي من فوق، والأكل ده حقكم.. لكن أنا بيتي كان بيتهد تحت رجليا وأنا مش داري.


هنا، لم تحتمل حماتي المواجهة. خطفت حقيبتها وعباءتها بعنــ,,ـــــف من على المقعد، ونظرت إليّ بنظرة تشتعل غيظًا وتوعدًا، وقالت وهي تتجه نحو الباب:


– ماشي يا ندى.. بقا حتة بت حتة وعايزة تكسري هيبتي قدام قرايبي؟ وعهد الله ما هسيبك، والبيت ده مش هتعمري فيه يوم واحد!


خرجت حماتي وصوت رزع الباب خلفها زلزل أركان الشقة. ساد هرج ومرج بين الضيوف، وحاول أعمام ممدوح تهدئته، لكن النفس لطعام العزومة كانت قد سُدت تمامًا. غادر الأعمام وعائلاتهم تباعًا بعد وقت قصير، وهم يدعون لممدوح بالصلاح والستر، ويعتذرون عما بدر من والدته.


أصبح البيت فارغًا، وبقيت أنا وممدوح وسط السفرة المليئة بالطعام والحلل التي ما زالت ساخنة. جلس ممدوح على الأريكة ووضع رأسه بين يديه، غارقًا في صمت طويل. اقتربت منه، جلست بجواره ووضعت يدي على كتفه وقلت:


– أنا أسفة إني عملت كدة قدام الناس يا ممدوح.. بس كان لازم الكل يعرف، وكان لازم تفوق قبل ما نلاقي نفسنا في الشارع.


رفع رأسه ونظر إليّ، ولم يكن في عينيه غضب مني، بل كان فيهما امتنان ممزوج بكسرة نفس:


– أنتِ حميتي بيتنا يا ندى.. أنا اللي كنت أعمى. بس تفتكري أمي هتمشيها كدة؟ أمي مش هتسكت، وأم فهد السمسارة دي مش هتاكل قلم زي ده وتعديه.


هززت رأسي وقلت له:


– وأنا مش مستنية لما يتحركوا.. إحنا اللي هنتــ,,ـــــحرك الأول.


في اليوم التالي، وهو اليوم السابع من رمضان، ظننا أن الأجواء ستهدأ قليلًا، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. عند العصر، رن جرس الباب بعنــ,,ـــــف متواصل ينم عن شر قادم. فتح ممدوح الباب، لنجد أمامنا والد حماتي (جده لشدة مفاجأتنا) ومعه اثنان من خيلانه، وملامح القسوة ترتسم على وجوههم، وخلفهم كانت تقف حماتي وعلى وجهها ابتسامة تشفي خبيثة.


دخل خال ممدوح الأكبر دون استئذان، وتوجه نحو ممدوح مباشرة وقال بنبرة جافة وخالية من أي رحمة:


– اسمع يا ممدوح.. إحنا ما يصحش عندنا إن عيل لسه مكملش تلاتين سنة يكسر كلام أمه ويفضحها قدام الناس عشان خاطر مراته. أمك خط أحمر، والشقة دي.. طالما هي سبب المشاكل، فالأصول بتقول إنك تكتبها باسم أمك برضاك، أو هنعرف ناخد حقها وحق كرامتها بطريقتنا!


وقفت وراء ممدوح وجسدي يرتجف، لكن ليس خوفًا، بل ترقبًا للخطوة القادمة.. فالصراع لم يعد مجرد عزومة وأكل، بل أصبح معركة وجود على الشقة والبيت.


لكن المفاجأة التي لم تكن تتوقعها حماتي ولا خيلانه، هي ما حدث في الدقيقة التالية.. عندما ظهر شخص من خلفنا في الممر، شخص لم يحسبوا له أي حساب، وقلب الموازين تمامًا.




تعليقات

close