القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سر الام الذي اعاد حقها



سر الام الذي اعاد حقها

ابني مات، ومرات ابني استولت على الفيلا اللي في التجمع وقالتلي يلا يا حجة، روحي عيشي في العشة اللي في الواحات بدل ما انتي قاعدة كده مالكيش لازمة بس اللي هي ماكنتش تعرفه إن الليلة اللي اتكسرت فيها بلاطة قديمة تحت رجلي، اكتشفت السر اللي ابني كان مخبيه عن الكل.

لسه راجعين من المدافن.

ولسه ريحة البخور لازقة في طرحة العزا السودا اللي على راسي.

وابني أحمد لسه التراب مغطّي قبره.

ماكانش عدى حتى يوم كامل على دفنه لما مرات ابني وقفت قدامي في الصالون الكبير اللي قضيت فيه نص عمري وقالتلي بكل برود

الفيلا دي باسمي دلوقتي.

كنت فاكرة إنها مصدومة زينا. فاكرة إن الحزن ممكن يلين قلبها شوية.

بس أنا ماكنتش أعرف الست دي أصلًا.

اسمي الحاجة سعاد.

اشتغلت طول عمري عشان ابني يوصل للمكانة اللي وصلها. بعد ما أبوه مات وهو عنده تسع سنين، بقيت أنا الأب والأم. كنت بصحى الفجر أعمل أكل للناس في البيوت، وأنزل أبيع أكل للعمال، وأرجع آخر الليل ورجلي متورمة، بس عمري ما اشتكيت.

كل ده عشان أحمد يطلع راجل متعلم.

ولما ربنا كرمه وفتح شركة استيراد كبيرة، افتكرت إن التعب خلاص خلص.

بس التعب الحقيقي كان لسه جاي.

مرات ابني، رانيا، عمرها ما حبت وجودي في البيت.

كانت تستحملني قدام أحمد، لكن أول ما يخرج كانت تبصلي كأني خدامة تقيلة على قلبها.

ومع ذلك كنت ساكتة.

أقول لنفسي المهم ابني مرتاح.

لكن بعد موته، القناع وقع.

فتحت أوضة أحمد، ولمّت هدومه وساعته وحاجته قدامي كأنها بتكنس أثره من البيت.

ولما طلبت منها آخد صورة ليه، ضحكت


وقالت كل حاجة هنا بقت ملكي بالقانون.

قانون؟

هو الحزن بقى له قانون؟

بعدها بساعتين، كان السواق بيرمي شنطتي في عربية نقل صغيرة.

وبعتتني على بيت قديم مهجور كان أحمد شاريه زمان في الواحات البحرية عشان يعمله استراحة.

المكان كان مقطوع.

طريق ترابي طويل. لا ناس. لا شبكة. ولا روح.

البيت نفسه كان عامل زي خرابة.

بابه الحديد مصدي. والحيطان مليانة شروخ. وريحة التراب والرطوبة مالية المكان.

في أول ليلة، نمت على كنبة مكسورة وأنا حضنة صورة أحمد وبعيط بصمت عشان حتى صوتي ماكانش طالع.

كنت حاسة إني اترميت من الدنيا كلها.

وفي لحظة ضعف، مسكت الصورة وكنت هكسرها.

كنت زعلانة منه.

أيوه زعلانة منه إنه مات وسابني لوحدي وسط الناس دي.

بس ماقدرتش.

حضنت الصورة أكتر وفضلت أعيط لحد الفجر.

تاني يوم صحيت على برد الصحراء، وبصيت حواليّا للمكان المقرف ده.

وفجأة حسيت بحاجة جوايا بتقول قومي.

مش عشان الأمل.

عشان الكرامة.

قمت أكنس التراب. وأشيل الزجاج المكسور. وأفتح الشبابيك اللي كانت مقفولة من سنين.

وأنا بنضف، لمحت ركن صغير متغطي ببطانية قديمة.

شلتها.

ولقيت دولاب خشب صغير جدًا.

أحمد كان جابه بإيده من خان الخليلي زمان. فاكرة اليوم اللي رجع فيه فرحان بيه كأنه كنز.

وقتها سخرت منه وقولت يا ابني ده دولاب قديم مالوش لازمة.

بس أول ما شوفته في البيت المهجور ده، حسيت إن أحمد كان سايبلي رسالة.

مسحت التراب عنه، وحطيت صورة أحمد فوقه.

وبعدين دورت على شمعة.

لقيت شمعدان نحاس قديم وسط الكراكيب.

أول ما مسكته وقع من إيدي على الأرض.


بس الصوت اللي طلع ماكانش طبيعي.

ماكانش صوت سيراميك عادي.

كان صوت فراغ.

نزلت على ركبتي بسرعة.

وبدأت أحسس البلاط بإيدي.

لحد ما لقيت خط رفيع مستخبي بين البلاطات.

خط مستقيم.

متعمد.

دخلت ضوافري تحتة ووو....... 


دخلت ضوافري تحت حرف البلاطة، وجسمي كله كان بيترعش.. كنت حاسة إن قلبي هيقف من الخوف ومن اللهفة في نفس الوقت. شدتها بكل قوتي، البلاطة طلعت في إيدي وكأنها كانت مستنية اللمسة دي.. وتحتها لقيت فجوة صغيرة، وجواها شنطة جلد سودة صغيرة، ريحتها تراب ومعاها ريحة عطر أحمد اللي كنت حافظاه.

فتحت السوستة بإيد بتترعش، ولقيت فلاشة وورقة مطوية ميت طوية.. فتحت الورقة، ولقيت خط أحمد.. حبيبي اللي لسه ترابه مندي.. كان كاتب أمي.. أنا عارف إن رانيا مش هتسيبك في حالك لو جرالي حاجة، وعارف إنها غدرت بيا ومضتني على ورق تنازل وأنا تعبان.. الفلاشة دي عليها تسجيلات وفيديو لكل اللي عملته، وعليها كمان عقد الفيلا الحقيقي اللي باسمك انتي يا ست الكل، والمساومة اللي كانت بتعملها عليا.. البيت ده مش خرابة يا أمي، البيت ده في آخره خزنة جوه الحيطة، وده مفتاحها.. خدي حقك يا أمي وادعيلي.

قمت وقفت على رجلي وكأن جبل انزاح من فوق كتافي.. السواد اللي كان في عيني اتحول لنار. رانيا اللي فاكرة إنها رمتني للكلاب، مكنتش تعرف إن أحمد كان عارف غدرها قبل ما يموت.

بعد يومين، رانيا كانت قاعدة في صالون فيلا التجمع، ماسكة كاس عصير ولابسة فستان أحمر وكأنها في عيد.. فجأة الباب خبط خبطة قوية، فتحت وهي بتبرطم مين الحيوان

اللي بيخبط كده؟

أول ما فتحت شافتني.. كنت واقفة ولابسة طرحتي السودة، وفي إيدي الشنطة الجلد، وجنبي محامي وشخصين من المباحث.

رانيا بضحكة سخرية يا أهلاً يا حجة.. إيه اللي جابك من العشة؟ استوحشتي ريحة التجمع؟

رديت عليها بصوت زي الرعد، صوت مطلعش مني من يوم ما أحمد مات استوحشت حقي يا رانيا.. استوحشت البيت اللي طردتيني منه وهو ملكي بفلوس شقايا وتعب ابني.

رانيا وشها جاب ألوان إنتي اتجننتي؟ اطلعي بره بدل ما أطلبلك البوليس يرميكي في الحجز.

المحامي طلع الورقة وفتح الفلاشة على اللابتوب اللي كان معاه، وبدأ صوت رانيا يملى المكان وهي بتهدد أحمد وهو في عز مرضه إنها هتموته لو ممضاش على ورق التنازل، وصوتها وهي بتعترف إنها سرقت عقود الفيلا الأصلية.

وقفت رانيا زي الصنم، الكاس وقع من إيدها اتدشدش ميت حتة.. بصيت لها وأنا بقرب منها، وقولت لها والدمعة في عيني بس المرة دي دمعة نصر القانون اللي كنتي بتخوفيني بيه، هو اللي هيلبسلك الكلبشات دلوقتي.. أحمد مسبنيش لوحدي يا رانيا، أحمد سابلي السر اللي يدفنك حية.

العساكر قربوا منها وهي بتصرخ وتولول، وأنا قعدت على الكرسي بتاعي، الكرسي اللي قضيت فيه نص عمري، وخدت نفس طويل.. ريحة بخور العزا كانت لسه في طرحتي، بس المرة دي كانت ريحة حق ابني اللي رجع. بصيت لصورة أحمد اللي كانت في إيدي وقولت نام وارتاح يا حبيبي.. أمك لسه بسبع أرواح.

رانيا كانت بتصرخ وهي بتتسحب من إيدها، والكلبشات بتلمع في إيدها زي الحقيقة المرة اللي مكنتش عاملة حسابها. بصيت لها بكسرة نفس ممزوجة بقوة غريبة، وقولت لها الفيلا دي اتبنت بدموعي وشقايا يا رانيا، وانتي كنتي

 

فاكرة إنك هتبني سعادتك على جثتي وجثة ابني؟ ربنا مابيسيبش.

بعد ما الهدوء رجع للبيت، والمحامي مشي، قعدت لوحدي في الصالون الواسع. الحيطان اللي كانت رانيا عايزة تملكها، كانت حاسة بيا وبوجعي. دخلت أوضة أحمد، قعدت على سريره، وفتحت الشنطة الجلد تاني. طلعت المفتاح الصغير اللي قالي عليه في الورقة.

رجعت الاستراحة اللي في الواحات، مش خوف، ولا ذل، بس عشان أكمل وصية أحمد لآخرها. وصلت هناك والليل كان ساتر الدنيا بسكوت مرعب. رحت عند الحيطة اللي أحمد وصفها، ورا لوحة قديمة كان هو راسمها زمان لمركب في النيل. شيلت اللوحة، لقيت فتحة صغيرة للمفتاح.

دورت المفتاح.. تكة صغيرة، والحيطة اتفتحت.

جوه الخزنة مكنش فيه فلوس ولا دهب.. كان فيه صندوق خشب صغير، وجواه مذكرات أحمد.

فتحت أول صفحة، لقيت كاتب أمي.. لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا بقيت عند اللي أحن مني ومنك. أنا كنت عارف إن مرضي ملوش علاج، وعارف إن رانيا عينها على كل مليم. بس اللي هي مكنتش تعرفه إني نقلت نص ثروتي لمؤسسة خيرية بتعمل آبار مية في القرى الفقيرة باسمك يا ست الكل. النص التاني سيبتهولك في حساب بنكي مفيش مخلوق يقدر يلمسه غيرك.

وقعت من طول الغربة والتعب على الأرض.. كنت فاكرة إني كنت بحميه، مكنتش أعرف إنه

وهو بيموت كان هو اللي بيحاول يحميني ويأمن لي آخر أيامي.

فتحت الشباك، وبصيت لرمل الصحراء اللي كان بيلمع تحت ضوء القمر. حسيت بنسمة هوا باردة طبطبت على وشي، وكأنها بوسة من أحمد على جبيني.

روحت التجمع تاني، بس المرة دي وأنا الحاجة سعاد اللي الكل بيعملها ألف حساب. مش عشان الفلوس، ولا عشان الفيلا، عشان الست اللي شقيت وربت راجل عرف يصونها حتى وهو تحت التراب.

بعت الفيلا دي، مكنتش قادرة أعيش في مكان رانيا لمسته بغدرها. أخدت الفلوس وبنيت دار أيتام كبيرة في نفس المنطقة، وسميتها بيت أحمد. وقررت إني أقضي اللي باقيل من عمري هناك، وسط عيال ملهومش حد، أكون لهم الأم اللي كنتها لأحمد.

دلوقتي، وأنا قاعدة في جنينة الدار، وشايفة العيال بتجري حواليا، بفتكر اليوم اللي بلاطة الاستراحة اتكسرت فيه.. وبقول في سري يا حبيبي يا ابني، انت ممتش.. انت لسه عايش في كل طفل بيضحك، وفي كل شربة مية بتطلع من بئر حفرته باسمي.

رفعت راسي للسما، وضحكت لأول مرة من قلبي، وأنا عارفة إن الحق مبيضيعش، وإن السر اللي أحمد خباه، مكنش ورق وعقود.. كان حب مبيخلصش حتى بالموت.

عدى شهر، والحال اتبدل تماماً. رانيا ورا القضبان بتتحاكم بتهمة التزوير والابتزاز، والفيلا اللي كانت فاكرة إنها غنيمة،

بقت بيت أحمد للأيتام.

في يوم، كنت قاعدة في المكتب الصغير اللي عملته لنفسي في الدار، لقيت المحامي داخل عليا ومعاه ظرف شيك قوي. قالي يا حاجة سعاد، فيه حاجة تانية ظهرت في تركة أحمد الله يرحمه.. بس دي مش في البنك، دي وصية أمانة عند واحد صاحبه.

فتحت الظرف، لقيت مفتاح صغير وتذكرة قطر لأسوان.. ومعاهم ورقة صغيرة مكتوب فيها روحي يا أمي شوفي مفاجأتي ليكي.. اللي كنت عايز أعملهولك يوم عيد ميلادك بس الموت كان أسرع.

سافرت وأنا قلبي مقبوض وبيدق دقات سريعة. وصلت لبيت نوبي صغير على النيل، مرسوم عليه أشكال ومنقوش بالألوان المبهجة. بيت هادي، النيل بيخبط في جدرانه. فتحت الباب بالمفتاح، لقيت الصالة مفروشة بالكليم اليدوي اللي بحبه، وفي نص الصالة نول خشب كبير، وجنبه خيوط حرير بكل ألوان الطيف.

أحمد كان عارف إني قبل ما أتجوز أبوه، كنت أشهر واحدة بتشتغل على النول في بلدي، وإني سيبت المهنة دي عشان أتفرغ لتربيته. كان جايبلي مشغل صغير عشان أرجع أعيش الهواية اللي كنت بحكي له عنها وأنا بنيمه وهو صغير.

وقفت قدام النول، وحطيت إيدي على الخشب.. حسيت بدفا إيده وهي بتلمس الخشب ده وهو بيوصي عليه. في اللحظة دي، مابكيتش.. أنا ابتسمت.

بقت حياتي متقسمة بين دار الأيتام في القاهرة،

وبين بيت النيل في أسوان. بقيت أعلم البنات اليتيمات مهنة النول، وبقينا ننتج شيلان وفساتين بتتباع ويتصرف منها على الدار.

وفي ليلة، وأنا قاعدة قدام النيل، وبشرب الشاي اللي كان أحمد بيحبه، لقيت تليفوني بيرن.. كان رقم رانيا من السجن. رديت ببرود عايزة إيه يا رانيا؟

قالتلي بصوت مكسور ومبحوح سامحيني يا حاجة سعاد.. أنا ضيعت نفسي وضيعت أحمد.. أنا هنا معنديش حد، وأهلي اتبروا مني.. ابعتيلي بس أي حاجة آكلها، أنا بجوع هنا.

سكت لحظة.. افتكرت كسرتي في الصالون، وافتكرت شنطتي وهي بتترمى في العربية.. وافتكرت أحمد وهو بيموت بسب غدرها. كنت هقفل السكة في وشها، بس افتكرت كلمة أحمد في مذكراته يا أمي الحق رجع، والمسامح كريم.

قلت لها هبعتلك يا رانيا.. مش عشانك، عشان ابني اللي كان في يوم بيحبك، وعشان ربنا اللي مبيسدش باب التوبة في وش حد.. بس متكلمنيش تاني، حقك عند ربنا مش عندي.

قفلت السكة، وبصيت للقمر اللي عاكس صورته على صفحة النيل. حسيت بسلام ملوش حدود. الدنيا لفت، والظالم وقع، والمظلوم قام ووقف على رجليه.

ودلوقتي، كل ما بمسك خيط من خيوط الحرير وأنسجه على النول، بحس إني بنسج قصة جديدة.. قصة الحاجة سعاد اللي الفقر مكسرهاش، والغنى معماهاش، والغدر مقواهاش غير بالحب.

تمت.


تعليقات

close