القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified


حكايتي مع ابني 




حكايتي مع ابني 

ابني قرر يدفع لابوه ومراته الجديده شهريه 10الاف جنيه فوق معاشه .. وأنا؟ أمه اللي ولدته وربيته لوحدي، قالي انتي كفاية عليكي ألفين جنيه!... بس لفت الأيام، وفجأة لقيت في حسابي 40 مليون جنيه واللي عملته خلاه عرف تمن حسبته!

أنا عمري ما اشتغلت في وظيفة ميري ولا حتة شغله ثابته.

كل الموضوع إني كنت مأجرة نصبة ومحل بقالة صغير على قد حالي، لا عندي تأمينات ولا معاش ولا يحزنون.

كل اللي طلعت بيه من الدنيا دي هو حازم ابني، وضهر محني لدرجة إني ساعات مبعرفش أصلبه لحد ما قررت ارتاح واقفل المحل مش من الرفاهيه لكن لاني تعبت ومبقتش اقدر اكمل .

لما حازم ابني قالي عايز أحتفل بيكي يا أمي بمناسبة إنك هتستريحي، قلبي رفرف وحسيت بالدفا.

قالي في التليفون يا ماما، عدي علينا بالليل اتعشي معانا، وانتي جاية بس هاتي معاكي طلبات واعمليلنا لقمة حلوة من إيديكي. بابا كمان جاي، وقال نفسه في المحشي والبط بتوعك.

وقفت مكاني كام ثانية مذهولة.

أبو حازم، عبد السميع، مطلقني من عشرين سنة!

ده أكتر بني آدم في الدنيا مش طايقة أشوف وشه ولا أسمع صوته.

وأبوك جاي ليه يا حازم؟

جرى إيه يا ماما؟ قصة وعدت عليها عشرين سنة، مفيش حاجة بتفضل على حالها؟ مهما كان ده أبويا، وهو كمان طلع على المعاش دلوقتي وعايزكم


في موضوع، هنقعد كلنا ناكل لقمة مع بعض زي اي عيله؟

كلنا مع بعض.. العيلة.

الكلمتين دول لما طلعوا من بق ابني، نزلوا في قلبي زي السكاكين.

يوم ما اطلقنا، حازم كان عيل عنده 6 سنين.

عبد السميع لما ساب البيت مشي بجلابيته، مش كرم منه ولا شهامة، ده لأنه كان غرقان في ديون القمار لدرجة إنه رهن الشقة القديمة من ورايا، يعني حتى لو كنا هنقسّم، مكنش فيه حاجة تتقسم أصلاً.

بعدها سمعت إنه سافر المحافظة تانية، واتجوز واحدة تانية، وفص ملح وداب.

خمسطاشر سنة بحالهم!

لارن رنة على ابنه، ولا بعتله قرش صاغ مصاريف للمدارس.

لحد من سنتين فاتوا، وفجأة ظهر في حياتنا!

شكل حد وزّ في ودنه وقاله إن ابنه كبر واشتغل مهندس في شركه كبيره ومرتبه بقى مطمع لاي حد .

جاء لحد الباب، وقعد يعيط بدموع التماسيح يا حازم يا ابني.. أنا غلطت في حقك.. بس الدنيا كانت جاية عليا ومكنش بإيدي حاجة...

كنت فاكرة إن ابني هيطرد برة البيت.

بس لأ.. مطردوش، ده سامحه بسهوله وبقى يكلمه يطمن عليه، وفي الأعياد يروح يجيبه يقعد معاه.

ومش كده وبس، مراته الجديدة ميرفت بقت تيجي معاه كمان!

يبقوا قاعدين يضحكوا ويهزروا مع بعض.. وأنا أبقى قاعدة في النص زي عزول أو ضيفة غريبة!

مش هقول مكنتش بتقطع من جوايا، بس عمري ما اتكلمت.

كنت

بقول الواد محتاج أبوه، ومش عايزة أفتح دفاتر قديمة عشان ميقولوش عليا ست نكدية وقلبي إسود.

ماشي يا حازم، هأجي.

أيوة كده يا ست الكل.. أه صحيح، وانتي جاية عدي على الفاكهاني هاتي معاكي مانجو وكرز من الغالي ده، عشان مراتي بتحبهم.

وقفل السكة في وشي.

تنهدت بحسرة، وقمت ألبس عشان أنزل السوبر ماركت.

بالليل، لما وصلت شقة ابني، اللي فتحت لي الباب كانت مراته، شيماء.

بصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة باردة

أهلاً يا طنط، جيتي؟ طب يالله بسرعة على المطبخ عشان حازم والكل هيموتوا من الجوع.

وسابتني ودخلت الصالون تقعد وتتساير مع ميرفت مرات طليقي الجديدة.

عبد السميع لما شافني، ضحك ضحكة صفرا وقالي

أهلاً يا أم حازم، جيتي؟

مردتش عليه، ودخلت على المطبخ عدل.

ساعتين بحالهم واقفة على رجلي، طبخت 6 أصناف، وضهري من الوجع مكنتش حاسة بيه.

ومحدش فيهم فكر حتى يدخل يناولني كوباية ميه.

وقت الأكل، حازم خرج من أوضة المكتب .. وقال

مبروك يا بابا المعاش، ومبروك يا ماما ومن انهارده انتو الاتنين مسأولين مني.

حطيت الشوكة من إيدي وفضلت ساكتة وبسمع.

عبد السميع تنحنح كده وبص لحازم بامتنان مصطنع

كلامك صح يا حازم يا ابني. أنا كبرت وطلعت على المعاش، وجيه الوقت اللي تشيلني فيه.. وموضوع المصاريف الشهرية

ده...

حازم ضحك وقال بأعلى صوته

يا بابا عيب عليك، أنا وشيماء رتبنا كل حاجة بخصوص مصاريفكم انت وماما!

مصاريفنا..

قلبي دق دقة غريبة، وحسيت براحة بتسري في جسمي.. قولت الواد أفتكر أمه وشقاها وأخيراً هيحن عليا.

أنا وشيماء حسبناها.. قسط الشقة بتاعنا 20 ألف جنيه.

ومصاريف حضانة العيل 5 آلاف، غير الأكل والشرب والمصاريف.. فالتزاماتنا تقيلة، وعشان كده لازم نقسم المصاريف بالعدل.

عبد السميع كان باصص لابنه وعينيه مبرقة ، وميرفت مراته قاعدة بتعدل في غوشتها الذهب وبتبتسم بخبث.

حازم كمل بابا معاشه من الحكومه 10 ألف، بس طنط ميرفت صحتها على قدها ومصاريف علاجها كتير، والشقة اللي قاعدين فيها ايجار.. عشان كده أنا هحول لبابا 10 تلاف كمان كل شهر.

الهدوء ساد الصالة كام ثانية.

كنت فاكرة نفسي سمعت غلط.

قولت كام يا حازم؟ بصيت في عينيه مباشرة.

10 تلاف يا ماما.. طنط ميرفت فعلاً تعبانة وعندها الضغط والكوليسترول، ومصاريف دكاترتها غالية...

مش قصدي.. انت هتدي لأبوك 10 تلاف ... طب وأنا؟

حازم بص لمراته شيماء بطرف عينه.

شيماء كانت قاعدة بزهق و كأن الموضوع ميخصهاش، لان لو عليها مش عايزه جوزها يدفع قرش

حازم بدأ يتكلم بتلعثم

يا ماما.. وضعك انتي مختلف.

انتي ملكيش معاش ميري آه، بس مصاريفك مش كتيرة. قاعدة لوحدك ومفيش وراكي التزامات.

أنا وشيماء شوفنا إن

 

ألفين جنيه في الشهر... هيبقوا كرم قوي وهيكفوكي، مش كده؟

وداني بدأت تصفر.. كأن فيه قنبلة ضربت في دماغي!

صوتي كان بيرتعش وأنا بقوله

حازم.. أمك عندها خمسين سنة، لا تملك مليم معاش، ولا جنيه أبيض متشال للزمن.. عايزني أعيش بألفين جنيه في الشهر في الغلا ده؟

قبل ما حازم ينطق، عبد السميع حشر نفسه في الكلام.

خبط الكوباية على الترابيزة وقال بنبرة أستعلاء كأنه بيفهم واحدة غبية

ما خلاص بقى، الدكانة اتقفلت والسبوبة خلصت! الواد بيفكر في مصلحتك، الألفين جنيه في البلد يملوا البيت خير، وبعدين انتي مش مشردة، ما البيت القديم بتاع أبوكي لسه موجود وقاعد!

البيت القديم؟ اللي مبني بالطوب اللبن والحيطان مشققة والسقف بيسرب ميه من سنين وطهقنا منه؟

البني آدم ده جاي يقولي روحي عيشي هناك؟

مبصيتش لعبد السميع خالص، فضلت عيني في عين ابني

أبوك بياخد معاش 10 تلاف وهتديله كمان عشره .. وأنا معنديش مليم واحد معاش، تديني ألفين جنيه؟

حازم.. قولي ب ذمة دينك، على أي أساس حسبتها؟

حازم وشه اتقلب وبان عليه الضيق وقال

يا ماما متبقاش حساباتك ضيقة كده! وضع بابا وطنط ميرفت خاص، مصاريفهم كتير.. انتي طول عمرك عيشتك بسيطة ومبتصرفيش، والألفين جنيه ببركة ربنا هيكفوا.. وبعدين أنا م رمتكيش في الشارع، قولتلك البيت القديم موجود


عشان توفري إيجار الشقة هنا!

ضحكت بمرارة وسخرية

شقة أبوك تسوى لها 34 مليون جنيه في السوق دلوقتي.. والبيت القديم بتاعي ميردش فيه 50 ألف جنيه على بعض! مجمعتش دي ليه في حسبتك؟

عبد السميع فقد أعصابه وزعق

جرى إيه يا ولية انتي؟ في إيه؟

انتي مالك ومال ابوه ما الواد بيقولك عندنا التزامات 

ومالهم الألفين جنيه؟ انتي أيام ما كنتي بتفرشي في السوق كنتي بتدخلي كام؟ دكانتك المهدودة دي كانت بتجيب ألفين جنيه في الشهر أصلاً؟

الكلمة دي خلّت الدموع تفر من عيني غصب عني.

البني آدم ده لسه له عين يتكلم؟

يامّا قعدت على الرصيف في الشمس والبرد عشان أجمع القرش على القرش وأسدد ديون قمارك عشان متتسجنش!

وبعد ما اطلقنا رمى ابنه ومسألش فيه!

أنا اللي كبرت وعلمت، الأربع سنين بتوع هندسة مصاريفهم وكتبهم وسكنهم كانوا من شقايا وعرقي!

وحتى مقدم الشقة اللي اتجوز فيها دي، كان تحويشة عمري كله اللي حفرت في الصخر عشانها!

هو مدفعش جنيه واحد! وجاي دلوقتي يقيّمني ويقولي استاهل كام؟

قولت وصوتي بيرتجف بس حاولت أبقى قوية

عبد السميع.. انت من عشرين سنة دفعت لحازم جنيه واحد؟

دفعتله ترم واحد في الكلية؟

لما كان بيموت من السخونية، أخدته في إيدك ورحت لدكتور؟

انتي م عملتش أي حاجة في دنيتك، جاي دلوقتي بأي حق تقعد وتأمر وتنهي؟


وش عبد السميع احمر وعروقه ظهرت وخبط على الترابيزة

مكنتش بدفع عشان مكنش معايا! هو أنا كنت حابب اطلقك يعني؟

بصيت له بثبات

كنت حابب تطلقني ... وعشان كده نستنا ومسالتش وروحت اتجوزت الهانم اللي جنبك دي؟

وش ميرفت اتقلب تماماً، وحطت المعلقة بغل وقالت بشبحنة

يا فتاح يا عليم يا رزاق! قصة من عشرين سنة جاية تفتحيها دلوقتي ليه؟ ليها لازمة؟ احنا قاعدين في موضوع مهم وانتي جاية تجيبي سيرتنا وسيرة الماضي؟

التفت ليها وقولت

ده بيتي وده ابني.. متدخليش؟

ماما! حازم زعق بعلو صوته

يا ماما كفايه بقى ...لو سمحتي من غير مشاكل

بصيت لحازم.. حتة الماستكة اللي ربيتها بدموع عيني.

قاعد بيبص لي بزهق ، ومفيش في عينيه ريحة الحنية ولا الشفقة.

يوم ما جيت تتجوز، أنا اديتك كل اللي ورايا واللي قدامي..٢٠٠ الف جنيه ومستخسرتهمش فيك.. ودلوقتي جايبني عشان تقولي إن أمك متنولش غير ألفين جنيه؟

حازم وطى راسه في الأرض ومقدرش يحط عينه في عيني.

شيماء مراته اتكلمت ببرود مقزز

يا طنط، حازم مقصودوش كده.. الألفين جنيه دول الأساس، ولو عوزتي حاجة هنبقى نناوبك انتي دلوقتي مبقتيش بتشتغلي ولا بتجيبي قرش، ومن غير فلوس حازم اللي مش عجباكي مش هتلاقي تاكلي

حسيت بنار جوايا بس شوفت ان الكلام ملوش لزوم...ابني كان سامع وساكت يعني مفيش فايده

خلاص تعبي راح على الفاضي وعمري كمان مردتش عليها.

ومشيت لحد الباب ولبست جزمتي في صمت.

وأنا بقفل الباب، سمعت عبد السميع بيقول ورايا

دلع ماسخ.. قلة رباية!

وميرفت ضحكت وقالت

أهو النشفان والنكد ده هو اللي خلاك تطفش منها زمان!

الدموع كانت محبوسة في عيني وبتحرقني... بس حلفت ما تنزل قدامهم.

فتحت الباب وخرجت.

نزلت في الأسانسير، ويا دوب رجلي لمست أرض الشارع، التليفون رن.

كان الحاج مصطفى من البلد.

يا بنتي! قولتلك بيت أبوكي دخل في الإزالة عشان المحور الجديد والتعويضات نزلت!

أنا قعدت كام ثانية مش مجمعة.. البيت الطين اللي سيبناه من زمان؟

من سنتين كنا بنسمع إن فيه مشروع قومي ومحور هيعدي من هناك، بس مكنتش باخد في بالي، قولت بيت مهدود زي ده هيجيب إيه يعني؟

يا حاج مصطفى.. تعويض إيه؟

المحور خلاص ثبت وخد البيت والجينة الكبيرة اللي وراه بالكامل! المساحة طلعت ضخمة والتعويض نزل رسمي!

تخمني كام يا بنتي؟

حبست نفسي ومبقتش قادرة أنطق.

40 مليون جنيه! 40 مليون جنيه يا منال يا بنتي جنيه ينطح جنيه!

أجهزي وانزليلي بكرا الصبح عشان نمضي الورق والفلوس تتحول على البنك فوراً!

حسيت الارض بتدور بيا وانا مش مصدقه الرقم اللي بسمعه التفت لبيت ابني والقرار اللي اخدته من شدة غضبي عمري ما كنت اتخيل اعمله في يوم من الايام ........

وقفت في نص الشارع والدموع اللي كنت حابسها نزلت، بس

 

المرة دي مكنتش دموع قهر.. دي كانت دموع فرج، فرج ربنا اللي مبيظلمش حد، واللي جابلي حقي لحد عندي في نفس اللحظة اللي كسروا فيها خاطري. بصيت لفوق وقولت يا رب، انت العدل، انت اللي عالم بشقايا وتعبي.. الحمد لله.

الحاج مصطفى على الناحية التانية من الخط كان عمال ينادي يا منال.. يا بنتي انتي معايا؟ سامعاني؟

مسحت دموعي بسرعة وقولت بصوت قوي، لأول مرة من سنين أحس بالقوة دي معاك يا حاج مصطفى.. معاك. أنا بكرا الصبح من النجمة هكون عندك في البلد، هركب أول عربية وأجيلك عشان نخلص كل حاجة.

تنوري يا بنتي، ومبروك عليكي، ربنا يعوضك عن كل أيام الحرمان.

قفل السكة، وأنا فضلت واقفة في

مكاني، ببص لبلكونة شقة حازم.. كانت الأنوار قايدة، وتخيلتهم قاعدين جوة، عبد السميع وميرفت وشيماء وحازم، بياكلوا البط والمحشي اللي أنا طبختهم وعرق شقايا نزل فيهم، وعمالين يقطعوا في فروتي ويفصلوا عليا ال 2000 جنيه! ضحكت بمرارة وقولت في نفسي بقى أنا يا حازم استاهل ألفين جنيه؟ والبيت القديم المهدود اللي قولتلي روحي اترمى فيه عشان توفري الإيجار، هو اللي جابلي ال 40 مليون؟ سبحان مغير الأحوال!

في الليلة دي مجمعتش نوم، كنت قاعدة في شقتي الإيجار البسيطة، باصة للسقف ومستنية النهار يشقشق. أول ما الشمس طلعت، كنت لابسة عبايتي السمرة، ولميت ورقة البيت القديم وكل الأوراق الرسمية

اللي تخص أبويا الله يرحمه، ونزلت.

وصلت البلد، وقابلت الحاج مصطفى، وكان معاه المحامي والمسؤولين عن لجنة التعويضات. قعدنا في مكتب رسمي، ومضيت على كل الأوراق وبصمت. الإجراءات خلصت بسرعة البرق لأن كل حاجة كانت جاهزة ومعتمدة من المحافظة. الموظف بصلي بابتسامة وقالي مبروك يا ست الكل، الشيك باسمك أهو، وخلال ساعات الفلوس هتسمع في حسابك البنكي.

أخدت الشيك ورحت على البنك، فتحت حساب، وحطيت الفلوس. الموظف بتاع البنك كان بيبصلي بذهول، الست اللي لابس عباية بسيطة وشكلها شقيانة، داخلة تفتح حساب ب 40 مليون جنيه! سألني باحترام مبالغ فيه تحبي يا فندم نطلعلك كارت في آي بي؟ وتحبي

الخدمات إيه؟

قولتله بهدوء أنا عايزة بس رسالة تجيلي على التليفون لما الفلوس تدخل الحساب، ومش عايزة أكتر من كده دلوقتي.

عدى يومين، وأنا قافلة تليفوني تماماً عن حازم وعن أي حد. كنت قاعدة في الشقة، لحد ما تليفوني نور ورن رنة الرسائل. فتحت الرسالة، لقيت مكتوب تم إيداع مبلغ 40000000 جنيه مصري في حسابكم.

في اللحظة دي، قلبي دق جامد، وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. قومت اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، وبعد ما خلصت، فتحت تليفوني.

طبعاً أول ما التليفون اشتغل، لقيت رسايل ومكالمات فايتة من حازم. وبعدها ب 10 دقائق بالظبط، لقيت حازم بيتصل. رديت عليه بنبرة هادية جداً أيوة يا حازم.

 

قالي بصوت فيه ضيق: "جرى إيه يا ماما؟ بقالك يومين قافلة تليفونك ليه؟ وشيماء كانت بتصل بيكي عشان تقولي ليكي على معاد الفلوس اللي هبعتهالك وموبايلك غير متاح! قلقتينا عليكي."

قولتله: "متقلقش يا حازم، أنا كويسة، كنت في مشوار مهم."

قالي بلهفة: "مشوار إيه؟ طب اسمعي، أنا حولتلك الـ 2000 جنيه بتوع الشهر ده على المحفظة الإلكترونية، ابقي اسحبيهم عشان تجيبي طلباتك، والشهر الجاي هبقى أشوف لو فاضل معايا حاجة أزودهم."

ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت أركان الشقة. حازم استغرب وقالي: "بتضحكي على إيه يا ماما؟ هو أنا بقول نكتة؟"

قولتله: "بضحك على الدنيا يا حازم.. اسمع يا ابن بطني، الـ 2000 جنيه بتوعك دول خليهم في


جيبك، أو اديهم لطنط ميرفت تجيب بيهم علاج للكوليسترول، أنا مش عايزة منك مليم."

"يعني إيه مش عايزة؟ هتجيبي منين؟"

قولتله ببرود شديد: "أصل ربنا رزقني برزق كبير قوي.. البيت القديم اللي أبوك قالي إنه مهدود وملوش لازمة، واللي انت قولتلي روحي عيشي فيه عشان أوفر الإيجار.. دخل في الإزالة والتعويض بتاعه نزل."

حازم سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة استهزاء: "تعويض إيه يا ماما؟ هو البيت الطين ده هيجيب كام يعني؟ 50 ألف؟ 100 ألف؟ دول ميعملوش حاجة في الأيام دي!"

قولتله بثقة وقوة: "لأ يا بشمهندس.. البيت والجنينة اللي وراه طلعوا في خط المحور الجديد، والتعويض نزل رسمي بـ 40 مليون جنيه! والفلوس دلوقتي في حسابي في

البنك."

السكون حل في الخط.. مكنتش سامعة غير صوت نفس حازم اللي بدأ يعلو وينزل وهو مش مصدق.

"أ.. كام يا ماما؟ انتي بتقولي كام؟ 40 مليون؟!"

قولتله: "آه يا حازم، 40 مليون جنيه ينطح جنيه، من اللي انت وشيماء وأبوك ومراته كنتوا بتقولوا إني هجوع من غير الـ 2000 جنيه بتوعكم.. يالّا يا حبيبي، أسيبك أنا بقى عشان ورايا مشاوير." وقفلت السكة في وشه!

مفيش خمس دقائق، ولقيت التليفون مبيطلش رن! حازم بيتصل ورا التاني، وبعدين شيماء، وبعدين لقيت رقم عبد السميع نفسه بيتصل! طبعاً عملت للتليفون صامت، ونزلت عشان أشوف حالي.

أول حاجة عملتها، رحت لمكتب عقارات كبير في منطقة راقية. قولت لصاحب المكتب: "أنا عايزة شقة

تمليك، تكون واسعة وفي مكان نضيف، وعايزاها جاهزة على المفتاح وتشطيب سوبر لوكس."

الراجل فرجني على كذا شقة، واخترت شقة دور أرضي بحديقة صغيرة، شبه الفيلات، دفعت تمنها كاش، واشتريت عفش جديد غالي وأنضف نوع في السوق. وفي أقل من أسبوع، كنت ناقلة حاجتي وقاعدة في شقتي الجديدة، ومأجرة ست طيبة وبنت حلال تقعد معايا، تطبخ وتعمل معايا طلبات البيت، عشان أنا رجلي وضهري ميبقوش في التعب ده تاني.

بعد أسبوعين، كنت قاعدة في جنينة شقتي الجديدة، بشرب الشاي، ولقيت الباب بيخبط. الشغالة فتحت، ولقيتها داخلة بتقولي: "يا ست منال، فيه واحد بيقول إنه ابنك، ومعاه واحدة ست وراجل كبار، وعايزين يدخلوا."

عرفت هما مين.. قولت لها: "دخليهم يا بنتي."

دخل حازم، ووراه عبد السميع، ووراه ميرفت! شيماء مكنتش معاهم، باين عليها اتكسفت تيجي أو حازم حب يظبط العمل الأول.

حازم دخل وعينيه مبرقة وهو بيبص على الصالون الفخم والنجف والفرش، وعبد السميع عينه كانت هتطلع على الحيطان واللوحات.

حازم قرب مني ووشه جايب ألوان، وقال بنبرة كلها مسكنة وتمثيل: "أهلاً يا أمي.. ماشاء الله، إيه المكان الجميل ده؟ بقالنا أسبوعين بنلف عليكي ومش عارفين طريقك، ولولا إن جارتك القديمة قالتلنا إنك نقلتي هنا مكنّاش هنوصلك."

قعدت وحطيت رجل على رجل، وبصيتلهم ببرود: "خير يا حازم؟ جايين ليه؟ مش أنا كفاية عليا الـ 2000 جنيه والبيت القديم؟"

عبد السميع حشر نفسه بسرعة وضحك ضحكته الصفرا وقال: "يا أم حازم، المسامح كريم! ده احنا أهل وعيلة، والواد حازم مكنش يقصد، ده كان بيحسب الحسبة بس على قد مرتبه، ومكنش يعرف إن ربنا شايلك الخير ده كله!"

ميرفت هي كمان غيرت جلدها وقالت بضحكة ملوية: "مبروك يا حبيبتي الشقة والفلوس، تستاهلي


كل خير والله، ده أنا طول عمر الخمس سنين دول بقول لعبد السميع أم حازم ست طيبة وتستاهل كل رضا."

بصيت لميرفت وقولت لها: "الطيب ده ملوش مكان وسطكم يا أم حازم.. قصدي يا طنط ميرفت! انتي مش كنتي بتقولي عليا نكدية ومنشفة دم جوزك؟ وأبو حازم مش قالي إن دكانتي المهدودة مكنتش بتجيب ألفين جنيه؟"

عبد السميع وشه احمر وبلع ريقه: "يا منال يا أم ابني.. الماضي مات، واحنا ولاد النهارده. والواد حازم أولى بيكي، والفلوس دي برضه لازم تتحط في مكان صح، وحازم مهندس وبيفهم في الاستثمار و..."

قاطعته بقوة وزعقت: "استثمار؟! انت جاي تفكر في فلوسي يا عبد السميع؟ انت نسيت نفسك؟ انت مطلقني من عشرين سنة ورامي ابنك، وجاي دلوقتي عشان الفلوس؟"

التفت لحازم وقولتله: "وانت يا بشمهندس.. يا اللي حسبتها بالورقة والقلم، وقولت إن طنط ميرفت عيانة وتعبانة وتستاهل 10 تلاف جنيه فوق معاش جوزها، وأمك اللي شقيت وعرقت ودفعت دم قلبها عشان تبقى مهندس، تستاهل 2000 جنيه.. جاي

دلوقتي ليه؟"

حازم دموعه نزلت (أو مثل إنها نزلت) وقعد على ركبه قدامي ومسك إيدي: "يا ماما سامحيني.. أنا غلطت، الشيطان وزّني أنا وشيماء، شيماء هي اللي فضلت تقولي المصاريف والالتزامات لحد ما عمت عيني.. بس انتي أمي، ومقدرش أستغنى عنك."

سحبت إيدي من إيده بقوة وقومت وقفت: "شيماء؟ دلوقتي بقيت ترمي الحمل على مراتك؟ لما كنت واقف في صالتك وبتقولي وضعك مختلف ومبتصرفيش والـ 2000 جنيه ببركة ربنا هيكفوا، مكنتش شيماء اللي بتتكلم، كنت انت! انت اللي استخسرت في أمك اللقمة، وانت اللي رضيت إن أبوك ومراته يتهكموا عليا ويهينوا شقايا وعمري!"

بصيتلهم تلاتتهم وقولت بصوت زلزل المكان: "اسمعوا بقى انتوا التلاتة.. الفلوس دي فلوسي أنا، شقايا أنا وصبر أبويا الله يرحمه. مليم واحد مش هيطلع منها لأي حد فيكم. عبد السميع.. تاخد الهانم بتاعتك وتطلع برة بيتي، ورجلك متبقاش عتبة المكان ده تاني، وإلا هطلب الأمن يرميكم برة!"

عبد السميع وميرفت قاموا وهما بيبرطموا،

ووشوشهم سودا من الغل والكسفة، وخرجوا يجروا ذيول الخيبة.

فضل حازم واقف، عمال يبصلي برجاء: "يا ماما.. طب وأنا؟ أنا ابنك حتة منك!"

بصيت له بحزن حقيقي، الحزن على العمر اللي ضاع في تربيته: "انت ابني آه يا حازم.. بس انت اللي بعتني الأول ورخصتني قدام الغريب والقريب. الـ 2000 جنيه بتوعك هردخملك كل شهر على محفظتك، عشان تعرف إن أمك متبقاش حساباتها ضيقة، وعشان كل ما تشوف الـ 2000 جنيه دول يوصلولك، تفتكر تمن حسبتك الظالمة، وتفتكر إنك بعت أمك بالرخيص وربنا اشتراني بالغالي!"

حازم بكي بجد وعرف إن مفيش فايدة، وإن الست اللي كانت بتستحمل عشان خاطره، خلاص قلبها قسي من كتر الظلم. لف وشه وخرج وهو جير خطاويه ودموعه على خده، وندمان ندم عمره، بس الندم جيه متأخر.

قفلت الباب وراهم، ورجعت قعدت في جنينتي، وبصيت للسما وقولت: "يا رب، دايماً بتنصر المظلوم ولو بعد حين." وعشت من يومها ملكة في بيتي، بفلوسي وبكرامتي اللي مفيش أي مال في الدنيا يقدر يشتريها.


تعليقات

close