اهلي ضحكوا عليا وزفوني على فلاح
اهلي ضحكوا عليا وزفوني على فلاح
أهلي ضحكوا عليا وزفوني ل فلاح فقير عشان يخلصوا مني ويذلوني.. ومكنوش يعرفوا إن أول ما رجلي هتعتب أرض عزبته، هكتشف إنهم اتغفلوا في كل حاجة! ولما يعرفوا جوزي ده يطلع مين بجد، هيكون القطر فات، والندم مش هيرجعني!
نزلت مريم من ميكروباص المطار في أول طريق زراعي واصل لقرية صغيرة في الفيوم، ومعاها شنطة هدوم واحدة وفستان بسيط، وقلبها مليان أسئلة ملهاش إجابة. طول الطريق من القاهرة، مكانش بيفارق ودنها غير صوت مرات أبوها وهي بتأمرها تسمع الكلام، وبتقولها ببرود بلاش دلع ماسخ، أبوكي الله يرحمه هو اللي مضى على ورق الجوازة دي قبل ما يموت، ومالكيش قولة لأ!
قالوا لها إن مالهاش اختيار. قالوا لها إن البنت اللي ملهاش ضهر ولا سلطة في العائلات الغنية مابتختارش مستقباها. والأهم، إنهم فهموها إن الراجل اللي مستنيها هناك فلاح غلبان، ضوافره مليانة طين، ومعندوش حاجة يقدمها لها غير عيشة الشقى والفقر. والميكروباص بيعدي وسط الغيطان الخضراء، والترع، والبيوت القديمة، والجبال البعيدة اللي مغطيها ضباب الصبح، مريم كانت باصة من الشباك وزورها مجروح من كتمة العياط إزاي هانت عليهم يرموني الرمية دي؟ وإيه السر المدفون في المكان ده اللي خلى أبويا يوافق على جوازة زي دي؟
هي كبرت
جوه فيلا كبيرة، بس عمرها ما حست إنها تملك حتة بلاطة فيها. أختها من أبوها، بسنت، كانت بتاخد الفساتين البراندات، وأعياد الميلاد الأسطورية، والدهب، والفسح، والضحكة الحلوة من الكل على السفرة. أما مريم، فكان نصيبها دايماً بواقي الأكل، والأوامر، والأوضة المقفولة، والسكوت. بعد ما أبوها مات، مرات أبوها تهاني مسحت كل أثر للحنية كان سابهولها، وفي ليلة وضحاها، أمرتها تلم هدمها وتروح تتجوز راجل عمرها ما شافته!
الميكروباص وقف قدام بوابة حجر قديمة وواسعة، ومحاطة بأراضي ملهاش أول من آخر. وقبل ما مريم تنزل رجليها على الأرض، لقت ست سمرا، وشها بشوش وعينيها بتلمع بطيبة غريبة، وضحكتها مالية الوش، بتجري عليها بكل لهفة. صرخت الست بفرحة يا الف نهار ابيض! عروسة ابني وصلت يا ناس! مريم مالحقتش تاخد نفسها ولا تستوعب، لقت الست دي حظنتها حظن قوي وحقيقي، حظن دافي لدرجة إنه دوق الخوف والوجع اللي كتمين على صدرها بقالهم سنين.
قالت الست بفخر أنا الحجة فاطمة.. أم حسن. مريم فضلت واقفة متسمرة؛ مفيش مخلوق في عيلتها حظنها بالدفء ده من يوم ما أمها ماتت. الست فاطمة كملت وهي بتمسح إيدها في مريلتها يا ضنايا ده إنتي طلعتي أحلى من الصورة بكتير.. يلا بينا على البيت، أنا جيت لك بعربية
النص نقل بتاعة المزرعة، هي مش شيك اه، بس بتستحمل طوب الأرض والمشاوير الواعرة. مريم بصت لعربية الربع نقل المركونة، عليها تراب وخربشة ومحملة شكاير وأدوات زراعة.. في اللحظة دي، مريم كانت عاوزة تضحك وتبكي في نفس الوقت من كتر الحسرة. يبقى الكلام كان صح! أهلي رموني في الأرياف عشان اتعذب وأتبهدل!
بس فجأة، الحجة فاطمة طلعت علبة قطيفة صغيرة من جيبها وحطتها في إيد مريم وقالت لها دي حاجة بسيطة كدة.. هدية دخولك بيتنا يا بنتي. مريم فتحت العلبة ونفسها اتكتم؛ جوه العلبة كان فيه غويشة دهب تقيلة، مرصعة بفصوص زمرد أخضر حر، بتخطف العين وتحت الضوء كأنها حتة نار قايدة! مكنتش شكلها رخيص، ومكنتش فالصو؛ دي كانت شبه الحاجات اللي مرات أبوها بتشيلها جوه الخزنة بالظفل والمفتاح! همست مريم بصوت واطي لأ يا أمي.. مقدرش أقبل حاجة غالية كدة. الست فاطمة ضحكت من قلبها وقالت تقبلي ونص يا بنتي، إنتي بقيتي صاحبة بيت خلاص، والبيت جوه مليان من الخير ده كتير، ولو دي مش عاجباكي، ادخلي جوه ونقي اللي يريح عينك!
مريم سكتت تماماً والذهول شلها. والعربية ماشية بيهم جوه وسط الغيطان، الحجة فاطمة كانت بتشاور بوعيها وفخر من الشباك وتقول كل ده شقى حسن ابني.. دي الصوب الزراعية الحديثة اللي
بنصدر منها برا، وهناك دي مزارع الماشية ومحطة الري الكبيرة اللي حسن عملها للبلد. مريم بربشت بعينيها ومش مصدقة كل الأراضي دي ملككم؟ الست فاطمة شاورت بإيدها كأنه موضوع بسيط ملك الله يا بنتي.. دي الأراضي والجمعيات الزراعية اللي حسن أسسها مع أهل البلد، حاجة على قدنا كدة.
مريم كان هيغمى عليها من الصدمة؛ حاجة على قدكم؟ ده احنا بقالنا ثلث ساعة ماشيين جوه أرضكم والعربية مخرجتش منها! مريم قفلت إيدها بقوة على العلبة القطيفة. فيه حاجة غلط! أهلي قالوا لي إن حسن فلاح فقير، راجل بسيط ملوش مستقبل ولا اسم ولا مكان في العالم اللي جيت منه.. بس الفقراء مبيكتبوش غوايش دهب حر هدايا مقابلة، والغلابة مبيملكوش عزبة تسوى ملايين، والفلاحين البساط مبيعملوش إمبراطورية زراعية بالضخامة دي في السكات من غير ما حد من حيتان القاهرة يحس بيهم!
لما العربية حودت ودخلت من بوابة خاصة، مريم شافت ممر طويل محاوط بالشجر، وفي آخره بيت كبير مبني بالحجر والرخام، مساحته أكبر من فيلات التجمع، ومخازن جديدة، وحصنة عربي أصيل بتجري ورا السور الأبيض الشيك. ده مكانش بيت راجل فقير.. دي كانت مملكة مستخبية في وسط الغيطان! الست فاطمة ركنت وطبطبت على إيد مريم ماتخافيش يا بنتي، حسن راجل طيب وحنين..
هو طبعه هادي وصامت شوية، ودماغه ناشفة، بس راجل يملى العين وصاحب أصول.
وقبل ما مريم ترد، عينيها لمحت راجل واقف جمب الحصان الأسود؛ طول بعرض، لابس قميص جينز بسيط، ومشمّر أكمامه لحد كوعه، وعلى جزمته أثر تراب الأرض. مكنش شبه الراجل اليائس المكسور اللي عيلتها حكوا عنه خالص؛ كان واثق من نفسه، هيبته تملا المكان، ومحدش يقدر يمسه. لما حسن التفت وشافها، مابتسمش ضحكة العريس اللي كسب عروسة، هو بس بص في عينيها بنظرة ثابتة وقوية، كأنه قاري ومستوعب الوجع والكسرة اللي في قلبها من قبل ما تنطق بكلمة.
قرب منها وقال بصوت رخيم ووقور إنتي مريم.
رفعت راسها ودارت خوفها وقالت له بتحدي وأنت بقى الفلاح الفقير اللي أهلي زفوني ليه عشان يذلوني؟
القاعة حلت فيها حالة سكوت لثواني.. حسن بص للأراضي الواسعة اللي وراه اللي ملهاش آخر، ورجع بص في عينيها تاني، وظهرت ابتسامة خفيفة أوي على وشها وقال لها ببرود هو ده الكلام اللي فهموهولك في مصر؟
في الثانية دي، قلب مريم سقط في رجليها؛ لأنها فجأة فهمت كل حاجة! مرات أبوها مبعتتهاش هنا عشان تعاقبها وتذلها.. دي بعتتها هنا وهي مش فاهمة هي بتتنازل عن إيه وبترمي جوهرة في إيد مين! ولما عيلة مريم في القاهرة يكتشفوا الحقيقة المرعبة عن حسن المنشاوي، الفلاح اللي كانوا بيتمسخروا عليه وعزموه على سفرة الرخام بتاعتهم باحتقار، هييجوا جري على عزبته بدموع مزيفة وابتسامات كدابة واعتذارات عشان يرضوها.. بس وقتها، مريم مش هتبق البنت المطرودة اللي بيتحكموا فيها، دي هتبقى مراته الكبيرة، وهانم العزبة كلها، والحكاية
الحقيقية لسه بتبدأ!
يا ترى حسن المنشاوي هيعمل إيه مع مريم لما يعرف إزاي أهلي بهدلوها وباعوها؟ وإيه المفاجأة اللي هتحصل لما أختها وبست ومرات أبوها يجوا العزبة عشان يطلبو فلوس ويتصدموا بالملك اللي حسن عايش فيه؟ والدرس المرعب اللي حسن هيعلمه لعيلتها إزاي هيخليهم يمشوا في الشارع يكلموا نفسهم؟
مريم فضلت واقفة قدام حسن، قلبها بيدق بعنف، وعينيها بتلف بين القصر، والعربيات الزراعية الحديثة، والرجالة اللي واقفين باحترام أول ما حسن يعدي من جنبهم.
كل حاجة كانت بتقول إن الراجل ده مش فلاح غلبان زي ما فهموها.
ده كان راجل تقيل
تقيل أوي.
حسن قرب منها خطوة وقال بهدوء أنا عارف إنك جاية مكسورة وخايفة، بس محدش هنا هيذلك.
الكلمة نزلت عليها غريبة.
محدش هيذلك.
كأنها أول مرة حد يقولها الجملة دي بصدق.
الحجة فاطمة شدتها من إيدها بحنية تعالي يا بتي أفرجك على أوضتك.
ومريم دخلت البيت وهي حاسة إنها داخلة عالم تاني.
الأيام الأولى عدت غريبة.
حسن مكانش بيتدخل فيها.
لا سألها تلبس إيه.
ولا تقعد فين.
ولا حتى فرض نفسه عليها كزوج.
كان بيصحى الفجر ينزل الأرض، يرجع بالليل هادي، ياكل مع أمه، ويسأل مريم سؤال واحد كل يوم
مرتاحه؟
وفي كل مرة كانت ترد بتوتر أيوة.
بس الحقيقة؟
كانت مرتبكة.
لأن لأول مرة في حياتها تحس إنها بني آدمة ليها قيمة.
الخدم بينادوها هانم.
الحجة فاطمة بتحضنها كل يوم.
وحتى أهل البلد كانوا بيحبوها عشان حسن بيحبها.
وفي ليلة، وهي قاعدة في البلكونة الكبيرة تبص على الأرض الواسعة، سألت حسن أخيرًا
إنت مين بجد؟
حسن سكت شوية.
وبعدين
قال أبوكِ كان أعز صاحب ليا.
مريم اتصدمت إيه؟
حسن بص للغيطان أبوكِ وقف جنبي زمان وأنا لسه ببدأ الناس كلها كانت شايفاني فلاح صغير، وهو الوحيد اللي آمن بيا.
صوته هدي أكتر وقبل ما يموت كتب جوازنا بنفسه.
مريم دموعها لمعت طب ليه مخلاش حد يقولي الحقيقة؟
حسن ضحك بمرارة لأن مرات أبوكي كانت فاكرة إنها بتعاقبك ومكنتش تعرف إنها بترميكِ في أكتر مكان آمن في الدنيا.
بعد شهرين
الكارثة حصلت.
شركة عيلة مريم في القاهرة بدأت تقع.
صفقات خسرانة.
ديون.
ومشاريع متوقفة.
تهاني، مرات أبوها، افتكرت الحل السهل.
مريم.
وفي يوم
العزبة كلها اتقلبت لما عربية مرسيدس سوداء دخلت البوابة.
ونزلت منها تهاني وبسنت.
لابسين شيك، ونظارات سوداء، وابتسامات مزيفة.
بسنت أول ما شافت القصر الحقيقي اتخنقت إيه ده؟!
تهاني وشها اصفر.
لأن البيت اللي كانوا فاكرينه خرابة
كان أفخم من فيلتهم.
ولأن الفلاح الغلبان اللي كانوا بيتريقوا عليه
كان أغنى منهم كلهم.
الحجة فاطمة دخلتهم ببرود.
ومريم نزلت السلم ببطء.
لكنها مكانتش نفس البنت المكسورة.
كانت لابسة فستان بسيط بس راقي، وشعرها مرفوع، وعينيها ثابتة.
بسنت قربت بسرعة وحشتينا يا ميرو!
مريم بصتلها ببرود.
دي أول مرة أختها تحضنها من غير مصلحة.
تهاني اتكلمت بنعومة مصطنعة يا بنتي إحنا أهلِك وحصل سوء تفاهم.
حسن دخل في اللحظة دي.
وكلهم سكتوا.
هيبته خلت حتى تهاني تتوتر.
قعد بهدوء وقال خير؟
تهاني بلعت ريقها الشركة داخلة على أزمة بسيطة وقلنا العيلة تسند بعضها.
حسن هز راسه آه.
وسكت.
تهاني استجمعت نفسها يعني محتاجين قرض
صغير.
بسنت دخلت بسرعة أكيد مش هتسيبونا نقع وإحنا أهل مراتك!
حسن بص لمريم.
وقال بهدوء القرار قرارها.
الأوضة سكتت.
لأول مرة في حياتها
حد يحط القرار في إيد مريم.
مش يفرضه عليها.
تهاني ابتسمت بثقة طبعًا مريم عمرها ما هتخذل أهلها.
مريم قامت ببطء.
وقربت من تهاني.
وقالت بابتسامة هادية كسكينة فاكرة لما قلتيلي إني حمل زيادة على البيت؟
وش تهاني اتشد.
مريم كملت فاكرة لما أخدتي دهبي وهدومي بعد موت بابا؟
بسنت همست مريم
لكنها رفعت إيدها وسكتتها فاكرة لما بعتوني هنا عشان أتذل؟
السكوت بقى تقيل.
ومريم بصت حوالين القصر الحقيقة إن ربنا نجاني منكم.
تهاني وشها قلب إنتِ ناوية ترفضي تساعدينا؟
مريم ردت لأول مرة بقوة أنا هساعد الغريب قبل اللي كسرني.
بسنت انفجرت إنتِ اتغيرتي!
حسن رد ببرود لأ هي بس
أخيرًا بقت محترمة.
الكلمة نزلت عليهم كالقلم.
تهاني قامت بعصبية إحنا عيلتك!
مريم دموعها نزلت وهي بتقول العيلة عمرها ما كانت الناس اللي بتبيع بنتهم العيلة هي الناس اللي حضنتني وأنا مكسورة.
وبصت للحجة فاطمة.
الست كانت بتعيط في صمت.
بعد أسابيع
شركة تهاني أعلنت إفلاسها.
وبسنت سابت خطيبها بعد ما عرفت إنه كان مستني فلوسهم بس.
أما مريم
فبقت شريكة حسن في كل حاجة.
عملت مدارس صغيرة لعيال الفلاحين.
ومركز علاج مجاني للستات الغلابة.
وحسن كان واقف جنبها في كل خطوة.
وفي ليلة هادية، وسط الغيطان ونور القمر، حسن قالها
عارفة أكتر حاجة وجعتني؟
مريم بصتله إيه؟
ابتسم بحزن إنهم كانوا فاكرين إن الفقر إهانة مع إن أفقر ناس شفتهم في حياتي كانوا أغنى ناس في القاهرة.
مريم ضحكت وسط دموعها.
وحطت راسها على كتفه.
لأنها أخيرًا
وصلت للمكان اللي محدش يقدر يبيعها منه تاني.


تعليقات
إرسال تعليق