بعد خمس دقايق من طلاقي
بعد خمس دقايق من طلاقي
بعد ٥ دقايق من طلاقي أخدت عيالي وسافرت لندن، بينما أهل جوزي كانوا بيحتفلوا بعشيقته الحامل
ماكانش عدى حتى خمس دقايق على توقيعي على ورق الطلاق، لما طليقي رد على مكالمة عشيقته قدامي.
أيوه يا حبيبتي، خلصت.
قالها كريم هارون وهو بيبتسم في التليفون كأنه خرج من سجن.
جاي حالًا النهارده السونار صح؟ ماتقلقيش، أمي والعيلة كلها جاية. ابنك هو الوريث دلوقتي.
في اللحظة دي أدركت إني ما خسرتش جوازي
أنا هربت منه.
اسمي كارما الشريف، وعندي ٣٢ سنة، ولسه منتهية من طلاق دام ٨ سنين من كريم هارون، الراجل اللي بكى يوم لبسني الدبلة وقالّي إني عمري ما هواجه الدنيا لوحدي.
بس الوعود أحيانًا
بتبقى مجرد كدب متغلف بكلام حلو من ناس عارفة من البداية إنها هتخون.
مكتب المحامي في التجمع كان هادي زيادة عن اللزوم، نضيف زيادة عن اللزوم، بارد بشكل ما يليقش بالخړاب اللي قاعد حوالين الترابيزة.
لسه القلم خارج من إيدي، وكريم قام بسرعة كأنه مستعجل يرمي حياتنا كلها ورا ضهره ويروح للبنت اللي حامل في الطفل اللي عيلته قررت إنه أهم من عيالي.
المحامي زق الورق ناحيته وقال
يا أستاذ كريم، راجع البنود قبل التوقيع.
كريم حتى ما بصش.
مافيش حاجة أراجعها.
وقع بسرعة وقال
هي مالهاش حاجة. الشقة باسمي، العربية باسمي، ولو عايزة العيال تاخدهم بالعكس، ده يسهّل عليا.
أخته مايا ضحكت من الركنة كأن إهانتي فقرة تسلية.
بالظبط.
قالتها وهي بتعدل شنطتها الغالية.
كريم بيبدأ حياة جديدة. مش ناقصه حمل زيادة.
واحدة من عماته، واقفة
جنب الشباك ببدلة كريمي فخمة، تنهدت وقالت
الراجل من حقه يبقى عنده ولد يشيل اسمه. كلنا عارفين إن كارما عمرها ما كانت كفاية.
قريبته التانية أضافت
دلوقتي أخيرًا لقى الست اللي هتدي العيلة اللي تستحقه.
أنا فضلت ساكتة.
مش عشان الكلام ما وجعنيش
بس عشان تعبت أنزف قدام ناس بتستمتع بۏجعي.
فتحت شنطتي، وطلعت مفاتيح الشقة وحطيتها على الترابيزة.
دي مفاتيح الشقة.
قلت بهدوء.
كريم بص للمفاتيح واټصدم ثانية، وبعدها ابتسم بسخرية.
كويس. على الأقل فهمتي الدنيا ماشية إزاي.
طنشته، وطلعت جوازين سفر كحلي.
تأشيرات الأولاد طلعت الأسبوع اللي فات.
كريم عقد حواجبه.
تأشيرات إيه؟
بصيتله في عينه مباشرة.
أنا واخدة آدم وليلى ورايحة لندن.
الأوضة سكتت تمامًا.
ابتسامة
مايا اختفت أول واحدة.
إنتِ إيه؟!
هاخد ولادي وأسافر لندن.
كررتها بنفس الهدوء.
كريم ضحك ضحكة قصيرة، بس أول مرة الثقة تغيب منها.
إنتِ أصلًا مش عارفة تدفعي أتعاب المحامي هتسافري لندن بإيه؟
سيبك من فلوسي.
وشه اتشد.
دول عيالي.
وأنت لسه ماضي حالًا على ورق بيديني حق السفر بيهم.
فتح بقه
وبعدين قفله.
أول مرة من بداية الجلسة، كريم يبان عليه التوتر.
مش ندم.
مش إحساس بالذنب.
خوف.
لأن الرجالة اللي زيه ما بتحسش بالخطړ غير لما السيطرة تبدأ تفلت من إيديهم.
قمت شيلت شنطتي.
إنت كنت مستعجل.
قلتله.
حبيبتك مستنياك.
بصلي پغضب.
ما تعيشيش الدور دلوقتي إنتِ اللي خسرانة.
خرجت للصالة.
بنتي ليلى كانت قاعدة بتلون بهدوء غريب الهدوء اللي الأطفال بيتعلموه
لما الكبار يخذلوهم كتير.
شلتها على دراعي، وآدم جه مسك إيدي
الصغيرة.
وفي نفس اللحظة
مرسيدس سودا وقفت قدام المبنى.
السواق نزل وفتح الباب وقال
مدام كارما جاهزة؟
كريم بص للعربية.
وبعدين بصلي.
إيه ده؟
كنت عايزة أقوله
دي اللحظة اللي الست اللي استقلّيت بيها بطلت تشحت حب وكرامة.
بس كل اللي قولته كان
من اللحظة دي أنا والعيال مش هنعطلك عن حياتك الجديدة.
ولفيت وخرجت.
ورايا سمعت مايا بتهمس
دي بتمثل.
بس أنا ماكنتش بمثل.
أنا كنت مخططة لكل ده من أسابيع.
أول ما ركبت العربية، السواق اداني ظرف كبير.
الأستاذ سامح طلب أوصلهولك بنفسه.
سامح المنياوي كان المحامي بتاعي
والوحيد اللي يعرف كريم سرق مني قد إيه.
فتحت الظرف والعربية داخلة على الطريق الدائري.
تحويلات بنكية.
عقود شقق.
صور لكريم واقف جنب نادين، عشيقته ال٢٦
سنة، جوه شركة عقارات فخمة في الساحل.
كانوا بيضحكوا فوق عقد شراء شاليه بملايين.
ومصدر العربون متحدد بالأصفر.
فلوس متحولة من حساب الشركة اللي كريم كان بيقولي إنها بتخسر.
بس اللي بعده كان أسوأ.
فلوس اتنقلت من أملاك الجواز لشركات وهمية وبعدين لعقارات متسجلة بأسماء ناس من عيلته.
خالي عصام كان عنده حق.
كريم ما خاننيش بس
ده كان بيبني حياة جديدة بفلوسي.
آدم قرب مني بهدوء
ماما؟
لفيتله فورًا.
نعم يا حبيبي؟
بابا هييجي بعدين؟
عدلت شعره وابتسمت بالعافية.
مش النهارده.
هز راسه كأنه أصلًا كان عارف.
تليفوني رن برسالة من سامح
كلهم وصلوا العيادة. الدكتور معاه الملف. حافظي على هدوءك وروحي المطار.
بصيت من الشباك على القاهرة وهي بتعدي قدامي عمارات، زحمة،
وذكريات أخيرًا مستعدة أسيبها.
وفي نفس اللحظة
كريم وعيلته كلهم كانوا متجمعين حوالين نادين في جناح VIP داخل مركز خاص للحقن المجهري.
أمه سوسن، أخته مايا، عماته، ابن خالته، وكريم نفسه
كلهم رايحين يحتفلوا بالولد اللي مقتنعين إنه هيشيل اسم العيلة بدل عيالي.
كانوا مجهزين شامبانيا.
وهدايا.
وشطبوني من حياتهم خلاص.
بس محدش فيهم كان يعرف الحقيقة اللي سامح اكتشفها.
ولا يعرف إن الدكتور بعد شوية هيدخل عليهم بجملة واحدة
هتدمر الكدبة اللي نادين عايشة بيها.
ومحدش فيهم كان يعرف إنه بينما هم بيحتفلوا بالطفل اللي فاكرينه البديل
أنا كنت واخدة آدم وليلى على المطار
على لندن
على حياة جديدة
وأول نفس حقيقي أخده من سنين.
لأن كريم كان فاكر إن الطلاق نهاية القصة.
وماكانش عنده أي فكرة
إن دي كانت بداية سقوطه الحقيقي.
بينما كانت الطائرة تتحرك على مدرج مطار القاهرة الدولي، كانت كارما تسند رأسها على النافذة، تراقب أضواء المدينة التي بدأت تبتعد. في تلك اللحظة، كان المشهد في العيادة الخاصة في المهندسين مختلفاً تماماً.
الجناح كان مزيناً بالورود الزرقاء، والضحكات تملأ المكان. نادين كانت تجلس على السرير بقميص نوم حريري، وحولها عائلة هارون يتسابقون في تدليلها.
يا روحي يا نادين، قالت سوسن وهي تمسح على يدها، أخيراً عيلة هارون هيبقى لها حفيد يملى البيت، مش زي البنت والولد اللي كارما كانت مطلعاهم فرافير زيها.
كريم كان واقفاً بجانب النافذة، يراجع صور السونار بفخر، غافلاً عن الحقيقة التي تقترب كقطار مسرع. فجأة،
انفتح الباب ودخل الدكتور ياسر، مدير المركز، ووجهه لا يحمل أي
ملامح للتهنئة.
أستاذ كريم.. ممكن كلمة على انفراد؟
كريم ابتسم بثقة قول يا دكتور قدام الكل، دي عيلتي، والكل مستني يسمع إن ولي العهد صحته زي الفل.
الدكتور تنحنح بضيق، ونظر لنادين التي بدأ وجهها يشحب فجأة الحقيقة يا أستاذ كريم.. نادين هانم مش حامل في ولد.
كريم ضحك مش مشكلة، بنت أو ولد، المهم إنه ابني.
الدكتور أخذ نفساً عميقاً وقال الصدمة التي هزت أركان الغرفة نادين هانم مش حامل أصلاً يا أستاذ كريم. الفحوصات والتحاليل اللي قدمتها لنا عشان نتابع الحالة.. كلها مزورة. نادين هانم عندها عقم دائم نتيجة عمليات قديمة، ومستحيل تحمل طبيعي أو حتى بالحقن.
سكنت الغرفة تماماً، لدرجة أن صوت سقوط كأس الشامبانيا من يد مايا كان كأنه انفجار. كريم نظر لنادين بذهول، وهي بدأت تصرخ وتبكي پهستيريا وتدعي إن فيه غلط
في التحاليل.
لكن الدكتور كمل كلامه القاټل ومش بس كدة.. إحنا جالنا بلاغ رسمي من الرقابة الإدارية النهاردة بالتحقيق في مصدر الأموال اللي اندفعت للمركز، لأنها أموال متحولة من شركة تحت الحراسة القضائية.
كريم شعر بالأرض تهتز تحت قدميه. الرقابة الإدارية؟ حراسة قضائية؟
في تلك اللحظة، رن هاتف كريم. كان سامح المنياوي، محامي كارما.
ألو.. كريم؟ صوت سامح كان بارداً وهادئاً. كارما دلوقتي فوق السحاب، والملفات اللي سړقت منها في ال ٨ سنين اللي فاتوا بقت عند النيابة. كل مليم أخدته من ورثها وبنيت بيه حياتك مع الڼصابة اللي جنبك، هيرجع بفوائده. والشاليه اللي في الساحل؟ الحجز عليه تم من ساعة.
كريم صړخ في التليفون إنت بتقول إيه يا مچنون؟ أنا هحبسها!
سامح ضحك بصوت عالي تحبس مين؟ كارما معاها چنسية إنجليزية من
مامتها، وطلبت حماية قانونية لولادها هناك بعد ما قدمنا أدلة على سوء معاملتك ليهم وتهديدك بخطفهم. مبروك يا كريم.. خسړت كارما، وخسړت ولادك، وخسړت فلوسك.. وكمان لبست في قضية تزوير وڼصب من حبيبة القلب.
وصلت كارما إلى لندن. الهواء البارد كان يغسل روحها من ذكريات الظلم. خالتها كانت في انتظارها بسيارة، واحتضنتها بقوة نورتي بيتك يا كارما.. حقك رجع يا بنتي.
كارما نظرت لآدم وليلى وهما يركضان في صالة المطار بحرية لم يعهداها من قبل. شعرت بجبر خاطر إلهي لا يوصف. هي لم تهرب، هي استردت نفسها.
بعد أسبوع، وصلتها أخبار من القاهرة. كريم تم القبض عليه پتهمة التهرب الضريبي وغسيل الأموال، ونادين اختفت بعد ما استولت على ما تبقى من حساباته البنكية اللي كانت مخفية. عيلة هارون اللي كانت بتتباهى بالاسم والوريث، بقت
سيرتها على كل لسان كعصابة ڼصابين.
كارما فتحت اللابتوب بتاعها، وبدأت تسجل أولى خطوات مشروعها الجديد في لندن.. شركة متخصصة في حماية حقوق المرأة القانونية.
في حديقة هايد بارك، كانت كارما تجلس مع ولادها، تتابع غروب الشمس. تذكرت كلمات كريم يوم الطلاق
إنتي اللي خسرانة.
ابتسمت كارما لنفسها، وهي تلمس يد ليلى الصغيرة. هي مكنتش خسرانة، هي كانت بتتطهر من شړ كان هياكل عمرها.
اتعلمت كارما إن الصمت في وقت الظلم مش ضعف، ده تجهيز للرد الصاعق. وإن الست لما بتقرر تقوم، مفيش قوة في الدنيا تقدر تقف قدامها، خاصة لو معاها حق ودعوة مظلوم بتهز أبواب السما.
كريم هارون انتهى في زنزانة ضلمة، وكارما الشريف بدأت حياة منورة بالحق والحرية. وال ٥ دقايق اللي كريم افتكرهم نهاية كارما، كانوا هما الخمس دقايق اللي غيروا التاريخ
لصالحها للأبد.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق