عقاب ١٨ سنة
عقاب ١٨ سنة
ضربت حما…تي بالشبشب تاني يوم ماتت جوزي عاقبني ١٨ سنة بسببها …..
١٨ سنة من الصمت العقابي لدرجة انه ملمسنيش فبهم ولا مرة … ومابصليش أبدًا كإني ست وكنت كم مهمل بالنسبالة وأنا رضيت بالحكم دا وعيشت اربي الولاد في سكوت … لحد ما جه يوم تعب واصريت اني اروح معاه للدكتور وكنت فاكراه هيرفض لكن هو معترضش … الدكتور فتح الملف بتاعه وقال جملة نشفت الدم في عروقي وكانت صدمة ليا ..
اسمي إيمان . كنت فاكرة إن خالد بيكرهني. بس في اليوم دا ، عرفت إن يمكن أكون قضيت ١٨ سنة بالوم نفسي على الكدبة الغلط اللي عيشت نفسي فيها كعقاب
اتولدت في طنطا، ولفترة طويلة، كنت فاكرة إن الجواز بيبوظ بالصوت العالي والشخط والرزع في الأبواب.
كنت راضية بقليلي عيشت كزوجة بعمل اكل واغسل الهدوم واكوي القمصان وكل دا مع “صباح الخير” طالعة ناشفة.
مع سرير واسع كان ناقصه الدفا والمودة بينا .
خالد وأنا كنا متجوزين بقالنا اتنين وعشرين سنة لما عملت الغلطة اللي علمت عليا العمر كله. كنا لسة في بداية حياتنا
كان شغال في صيانة السكة الحديد.
وأنا كنت مدرسة ثانوي
كان عندنا ولد وبنت ريحة البيت كانت دايما تبان هادية بس مفيهاش روح
وبدل ما أتكلم، بدل ما أعيط، بدل ما أعترف إني حاسة إني مش مرئية، كنت بطلغ غلي في اي حاجة وحماتي كانت ست متسلطة جدا وانا اعدة في بيت عيلة وكانت مزهقاني بس كنت بستحمل لحد ما جه يوم لاقيتها بتشتمني عشان خاطر سلفتي اللي اصغر مني ولسة عروسة جديدة وبتقولي قومي اخدميها وهانتني جامد قدامها ولما اعترضت لاقيتها قامت قلعت الشبشب بتاعها وبتضربني بيه انا مستحملتش روحت اخدتة منها وضربتها بيه
خالد دخل وانا بعمل كدا بص ووقعت من ايد الشنط من الصدمة مفهمش اللي حصل ووصلني لكدا
مازعقش.
ماشتمنيش.
مكسرش أي حاجة.
سأل بس:
— “عملتي كدا في امي قدام ولادك ومرات اخويا وهو كان بيحب امة جدا
حسيت كأن جلدي بيتسلخ من الخوف
— حاولت افهمه بس حماتي دموعها هي ومرات اخوه كانو اقوي من اني إتكلم وحتي لو اتكلمت مكنش هيصدقني وولادي كانوا صغيرين مش هيعرفوا يحكوا االي حصل
خالد غمض عينيه.
أخد نفس طويل.
وقال:
— “متكدبيش عليا تاني أبدًا.”
وبس على كده.
تاني يوم، صحي الساعة خمسة، استحمى، وحلق ذقنه، ونزل على شغله عادي جدا بس االي حصل ان من حطي السئ امة تاتي يوم بيصحوها من النوم مصحيتش وروحها قابلت رب كريم وهو فكر انها ماتت من الخصرة علي نفسها بسبب اني ضربتها وكانت الصدمة التانية لية ومن الليلة دي بعد وفاة حماتي جوزي اختفى من غير ما يمشي
فضل يدفع الوصلات والنور.
فضل ياخد العربية للورشة.
فضل يسأل لو الأنبوبة مليانة ولا لأ.
بس ملمسنيش تاني أبدا.
ولا حتى لمسة كتف في الطرقة.
ولا إيد على ضهري وأحنا بنعدي الشارع.
ولا بوسة حتي علي جبيني
ولا حتى لما أبويا مات خدني في حضنة
خالد وقف جمب الصوان، وإيديه في جيوبه، كأن لمستي هتحرقه.
رضيت بالأمر الواقع.
عشان دي كانت غلطتي.
كنت بكررها لنفسي سنين وسنين.
— “تستاهلي يا إيمان.”
— “المفروض مهما حصل مكنتش عملت كدا
كنا بنام كل واحد فينا واخد طرف السرير.
وبعدين نقل لأوضة الضيوف.
— قال “أنا بشخر جامد”.
كان بيكدب.
كنت عارفة إنه مش طايق يشم معايا نفس الهوا.
ربينا عيالنا بالطريقة دي.
زي الشركا.
زي الجيران.
زي شبحين بيمضوا على الشهادات، وبيدفعوا المصاريف, وبيحضروا الأفراح، وبيبتسموا في صور العيلة، وبيضحكوا لما حد يقول:
— “يا سلام على الجواز الجميل، سنين طويلة مع بعض.”
كنت ببتسم.
وخالد يبتسم.
بس في العربية وأحنا راجعين البيت، مابنطقش بولا كلمة.
ولادنا اتجوزوا
ولما البيت فِضي علينا في الآخر، افتكرت خالد هيمشي.
ممشيش.
ودا كان الألعن.
فضل قاعد.
بشبشبه اللي جمب الباب.
بالمج الأزرق بتاعه.
بصمته اللي لزق في الحيطان.
ساعات كنت بشوفه بياكل قدامي، وأبقى عايزة أقول:
— “سامحني أو سيبني انا عارفة اد اية انت كنت بتحب امك بس مش انا السبب في موتها
بس مكنش عندي الشجاعة اقول كدا
عشان في قرار نفسي، كنت خايفة يرد ويقول:
— انتي السبب في موتها
تمنتاشر سنة عدوا
١٨ سنة
شعري شاب.
وإيديه عجزت وبقعت.
لما خالد طلع معاش، الشركة بعتتنا نعمل كشف طبي كامل تبع التأمين الإضافي. كنت لسه سايبة المدرسة، فعشان كده روحنا مع بعض عيادة خاصة في مصر الجديدة في صباحية من أيام نوفمبر المغيمة.
ولا حتى في الأوبر اتكلمنا.
كان باصص من الشباك.
وأنا حاضنة شنطتي في حجري.
عملوا تحاليل دم، وضغط، ورسم قلب، وأسئلة تكسف.
الممرضة سألت وهي بتملا الاستمارة:
— “في علاقة زوجية؟”
خالد مبصش لفوق حتى.
حسيت وشي بيولع نار.
— “لأ”، جاوبت.
الممرضة علمت على الخانة، وهي مش دريانة إن الكلمة دي شايلة تمنتاشر سنة.
ندوا علينا بعد ساعة.
الدكتور كان شاب صغير، صغير أوي على إنه يشيل أشباحنا دي. كان فاتح الملف، وحاجبه معقود.
— “أستاذ خالد، مدام إيمان… في حاجة لازم أتأكد منها قبل ما نكمل.”
خالد اتعدل على الكرسي.
— “اتفضل يا دكتور.”
الدكتور بص في التحاليل الأول.
بعدين في جوزي.
بعدين في وشي.
— “أنتم لسه متجوزين؟”
حسيت بنغزة في قلبي.
— “آه.”
— “بقالكم قد إيه مفيش بينكم علاقة حميمة؟”
الصمت بقى يزهق.
خالد جز على سنانه.
جاوبت وأنا شبه بهمس:
— “تمنتاشر سنة.”
الدكتور حط القلم على المكتب.
الصوت دا جمدني في مكاني.
— “تمنتاشر سنة بالظبط؟”
لأول مرة من سنين، شوفت الخوف في وش جوزي.
مش غضب.
مش قرف.
خوف.
الدكتور فتح ملف على الشاشة ووطى صوته
— “مدام إيمان، لازم تجهزي نفسك. اللي حصل بينكم من تمنتاشر سنة يمكن ميكونش زي ما أنتي فاكرة خالص.”
حسيت إيداي بتنمل.
— “يا دكتور، مش فاهمة.”
خالد وقف فجأة.
— “متتكلمش في الموضوع دا لو سمحت .”
الدكتور متهزش.
— “من حقها تعرف.”
جوزي حط إيديه على المكتب.
— “قولتلك لأ.”
بصيت لخالد وأنا بترعش.
— “مخبي عني إيه؟”
بصلي.
وشوفت في عينيه حاجة أوحش من الكره.
شوفت الذنب.
الدكتور طلع ورقة مطبوعة، حطها بيننا، وشاور على سطر متعلم بالأحمر.
— “مدام ايمان … جوزك مابطلش يلمسك كعقاب.”
نفسي اتقطع.
خالد همس وهو مكسور:
— “عشان خاطري، لأ.”
كمل الدكتور وكل كلمة كانت بتنزل زي الحجر:
— “هو عمل كده عشان في نفس السنة دي جاله تشخيص غير كل حاجة… وفي حد مضى بدالك عشان متعرفيش أبدا.”
بصيت على الورقة.
تحت خالص، في صورة باهتة، كانت في إمضا.
إمضتي أنا.
بس أنا مامتضيتهاش في دنيتي أبدا وو…….
**********
برقت عيني في الورقة، السطور كانت بتتحرك قدامي زي الأشباح، والإمضة اللي تحت… دي إمضتي، كربون من خطي بس أنا ممسكتش القلم دا وممضتش على الورقة دي في حياتي!
بصيت للدكتور وأنا حاسة إن الأوضة بتلف بيا، وصوتي طلع مخنوق، بالعافية مسموع:
— “إمضتي؟ إزاي… إزاي دي إمضتي وأنا معرفش عنها حاجة؟”
الدكتور سكت لثانية، بص لخالد اللي كان ساند على المكتب وضهره محني لأول مرة في حياتي أشوفه بالضعف دا، وبعدين الدكتور بصلي وقال بنبرة هادية بس توجع:
— “دي إمضة على إقرار بمعرفتك بالمرض وموافقتك على العلاج الهرموني والكيماوي… جوزك يا مدام إيمان جاله سرطان البروستاتا من ١٨ سنة، وفي مرحلة متقدمة، والعملية والعلاج اللي خدهم عشان ينقذ حياته تسببوا له في عجز جنسي كامل ودائم… هو مابعدش عنك عقاب ليكي… هو بعد عشان مكنش بايده يقرب.”
الكلمة نزلت عليا زي صعقة كهربا. الصمت العقابي… الـ ١٨ سنة اللي كنت بموت فيهم كل يوم وأنا شايفة نفسي مجرمة وقاتلة… السر السرير الواسع البارد… الشخير اللي كدب فيه… كله مكنش كره؟
لفيت وشي لخالد وأنا مش قادرة أصدق، لاقيت دموعه نازلة على وشه، دموع حرة ووجع بقاله سنين متداري ورا قناع الخشب والجمود.
— “خالد؟” نطقتها وأنا بنهار، “أنت… أنت عملت كل دا ليه؟”
خالد صوت حشرج، وحط إيده على وشه وهو بيحاول يداري كسرتة:
— “عشان كنت هموت من الكسرة يا إيمان… كنتي عايزاني أجيلك بعد ما أمي ماتت وأقولك أنا مبقتش راجل؟ أقولك إني عاجز؟”
— “تقوم تعيشني تمنتاشر سنة فاكرة إنك كارهني؟ فاكرة إني موت أمك؟”
مسح دموعه بعصبية ووجع مالي نظرة عينيه:
— “لما دخلت وشوفتك بتضربيها بالشبشب، الدنيا اسودت في عيني… وتاني يوم لما ماتت، أنا روحي انقست نصين… الغضب كان عميني، بس في نفس الأسبوع دا، التعب اللي كان بقاله شهور معايا زاد، وعملت التحاليل وعرفت الصدمة… الدكتور قالي العلاج هيموت فيك كل حاجة… قعدت مع نفسي وقولت ربنا بيعاقبني عشان مخدتش حق أمي… وقولت هسيبها تفتكر إنه عقاب مني ليها، أهو أشيل عيني من عينها بكرامتي، وماتشوفش عجزي وقِل حيلتي، ولا أشوف في عينها نظرة شفقة تقتلني كل يوم!”
— “شفقة؟” صرخت والدموع بتعمي عيني، “أنا كنت بتموت في اليوم ميت مرة! كنت بربي العيال وأنا حاسة إني حشرة، حاسة إني قتلت الست اللي بتحبها وأنت بتعاقبني بالبطيء! تمنتاشر سنة يا خالد بتبصلي كأني هوا؟”
— “ومشيت من الأوضة وروحت أوضة الضيوف ليه؟ عشان كنت بقعد يعيط طول الليل من الوجع ومن الخوف لا تكتشفي الحقيقة!” خالد قرب خطوة، وإيديه المرعشة عجزت وبقعت من السنين، مد إيده لأول مرة، صوابعه لمست كتفي، لمسة كنت مستنياها من تمنتاشر سنة، بس جت بنكهة الدموع والندم، “أنا عمري ما كرهتك يا إيمان… أنا كنت هربان من نفسي… كنتي مدرسة وست حلوة وصغيرة، ومكنتش قادر أواجهك بإني بقيت مجرد ضل راجل في البيت… سامحيني.”
مسكت إيده اللي كانت على كتفي، الإيد اللي وحشتني، وضمتها لصدري وأنا بشهق بالبكاء وسط عيادة الدكتور اللي انسحب برا الأوضة وسابنا مع أشباحنا.
— “كنت قولي يا خالد… كنا شيلنا الوجع سوا، مكنش العجز هينقص منك في عيني حاجة… بس أنت شيلتني ذنب موت أمك وذنب بعدك عني.”
خالد وطى راسه وباس إيدي، ودموعه بلت صوابعي:
— “أمي ماتت بجلطة وسكتة قلبية، الدكتور قالي وقتها ملهاش علاقة بالخناقة، دا عمرها… بس أنا استغليت دا عشان أداري عيبي… أنا اللي أسف… أنا اللي ضيعت عمرنا في كدبة.”
سكتنا… والصمت المرة دي مكنش عقاب، كان صمت تمنتاشر سنة من الوجع بتبخر في الهوا. اتسند عليا وأحنا خارجين من العيادة، ولأول مرة، ركبت الأوبر وأنا مش حاضنة شنطتي… كنت حاضنة إيده.
******”
ركبنا الأوبر، والطريق من مصر الجديدة لحد بيتنا في طنطا كان أطول طريق مشيته في حياتي. العربية كانت زحمة، وصوت الكلاكسات برا عالي، بس جوة العربية كان فيه سكون من نوع تاني خالص… سكون عامل زي الأرض بعد الزلزال، لما كل حاجة بتهدى بس ملامح المكان كلها بتتغير.
خالد كان لسه ماسك إيدي. صوابعه الخشنة كانت بتضغط على إيدي براحة، كأنه بيتأكد إني لسه موجودة، أو يمكن بيطمن نفسه إنه مبقاش خايف من لمستي. بصيت من شباك العربية، والدموع اللي نشفت على وشي كانت مخلية عيني تحرقني.
تمنتاشر سنة… شريط العمر كله بيتعاد قدام عيني. افتكرت لما بنتي اتخطبت وكان هو واقف يرحب بالناس بابتسامة باهتة، وافتكرت يوم فرح ابننا لما رجعنا البيت ودخل أوضته وقفل الباب وسابني واقفة في الصالة لوحدي بفستاني… كنت وقتها بموت وبقول لنفسي “لسه منسيش.. لسه مش طايقني”. طلعت كل النظرات دي، وكل الكسرة دي، مكنتش غضب.. كانت هروب وسجن هو سجن نفسه فيه وسجنني معاه.
وصلنا البيت. خالد فتح الباب بالمفتاح، ودخلنا. المكان هو هو، الشقة الهادية اللي مفيهاش روح، بس النهاردة حيطانها كانت بتتنفس لأول مرة.
شال شبشبه اللي جمب الباب، ودخل المطبخ من غير ما ينطق. وقفت في الصالة مش عارفة أتحرك، لحد ما لاقيته خارج وماسك في إيده “المج الأزرق” بتاعه، بس المرة دي… كان عامل مجين شاي.
حط المج على الترابيزة وقعد على الكنبة، وبصلي ونور الصالة الإصفر مبين كل تجعيدة في وشه:
— “اقعدي يا إيمان… ارتاحي.”
قعدت جمبه، بس سبت مسافة صغيرة، المسافة اللي السنين فرضتها علينا. بص للمج بتاعه وقال بصوت شرخان:
— “أنا عارف إن كلمة سامحيني مش هترجع يوم واحد من السنين اللي ضاعت… بس أنا كنت جبان. المرض بيكسر الراجل يا إيمان، بيكسره أوي… ولما بيجي لواحد شغال في السكة الحديد، طول عمره بيشيل وبيهد وصحته زي الحديد، وفجأة يلاقي نفسه مش قادر يحمي بيته أو يعيش طبيعي… الدنيا بتصغر في عينه.”
هزيت راسي والدموع نزلت تاني:
— “بس أنا كنت مراتك يا خالد. كنت شريكتك. مش كنت مدرسة وبفهم؟ مش كنا بنحب بعض قبل كل دا؟ إزاي هان عليك تسيبني آكل في نفسي؟ كنت بشوف نظرات الشماتة في عين سلفتي بعد موت حماتي، وكأن الكل عارف إنك بتعاقبني، وأنا كنت باصة في الأرض ومستحملة عشان قولت أنا غلطت في أمه ولازم أدفع التمن.”
خالد اتنهد نهدة طويلة طلعت من ضلوعه:
— “سلفتك مكنتش عارفة حاجة… ولا حد كان عارف. أنا اللي كنت موهم نفسي إن الناس شيفاني كدا. أنا لما شوفتك بتضربي أمي، الشيطان عماني، وقولت في نفسي دي ست قوية ومفترية ومبترحمش… ولما تعبت بعدها بكام يوم، قولت ربنا أخد حقي منها وحق كرامتي اللي اتهانت بمرضي، بس أخدها بالطريقة الغلط. بدل ما أواجهك وأقولك أنا تعبان، استسهلت دور الراجل المجروح اللي واخد موقف… كنت بداري عجز بدني… بعجز نفسي ألعن منه.”
قربت منه، ولأول مرة من تمنتاشر سنة، حطيت إيدي على كتفه. كتافه اللي كانت دايماً مشدودة وكبرياءه اللي كان زي الحيطة، لاقيتها النهاردة بتترعش تحت إيدي.
— “خالد… العمر عدي، والولاد اتجوزوا وشافوا حياتهم، ومبقاش فاضل في الدنيا دي غيري أنا وأنت… الوجع اللي عيشناه كفاية عليه كدا. أنا مسامحاك على الخوف والجبن، ومسامحاك على كل ليلة نمت فيها وضهري ليك وأنا دمي محروق… بس بشرط.”
بص في عيني، ونظرة الخوف اللي كانت في العيادة بدأت تختفي ويحل مكانها رجاء:
— “شرط إيه يا إيمان؟”
— “الأوضة اللي جوة دي… أوضة الضيوف… تتقفل من النهاردة. الشخير اللي كنت بتكدب بيه، أنا عايزة أسمعه… وعايزة أحس إن فيه بني آدم عايش معايا في البيت، مش شبح.”
خالد مبقاش قادر يمسك نفسه، وطى راسه على كتفي وبكى… بكى بكاء راجل شال حمل جبل تمنتاشر سنة ونزله فجأة. وأنا حضنته، حضنته بكل السنين اللي فاتت، بكل الدفا اللي كان ناقص سريرنا الواسع.
الشاي برد على الترابيزة، والمج الأزرق ملمسناهوش… بس لأول مرة من تمنتاشر سنة، البيت مكنش صامت… كان فيه صوت دقات قلبين بيحاولوا يبدأوا من جديد، حتى لو كان اللي باقي من العمر أقل من اللي راح.
*********
فضلنا قاعدين كده، ضاممني وضامّاه، وصوت عياطه بيهز ضلوعي. لأول مرة أحس إن الجبل اللي كان واقف قدامي طول السنين دي انهد، وطلع من تحته إنسان لحم ودم، ضعيف ومكسور ومحتاج الحنية زي ما أنا كنت محتاجاها بالظبط.
مسحت دموعه بطرف كم عبايتي، وبصيت في عينيه التعبانة وقولتله بنبرة هادية:
— “قوم يا خالد… قوم نلم حاجتك من أوضة الضيوف.”
وقف معايا كأنه عيل صغير بيسمع كلام أمه. دخلنا الأوضة الضلمة اللي عاش فيها تمنتاشر سنة. الأوضة دي كانت الشاهدة على كدبتنا الكبيرة. شيلت معاه الهدوم، والمخدة بتاعته، وهو ماسك في إيدي ومش عايز يسيبها، كأنه خايف لو سابها يصحى يلاقي نفسه في الكابوس تاني.
نقلنا كل حاجة لأوضتنا الأساسية. السرير الواسع اللي بقاله سنين بارد، النهاردة كان بيستقبلنا بشكل تاني. قعدنا على طرف السرير، وبصينا للدولاب وللصور القديمة اللي على الحيطة.
خالد بص للأرض وقال بصوت واطي:
— “إيمان… أنا بقيت راجل عجوز، المرض والسنين مخلّوش فيا حاجة تت Shared (تتحب)… أنتي لسه عايزاني جمبك بجد؟ بعد كل اللي عملته فيكي؟”
قربت منه وأخدت إيديه العجوزة اللي فيها بقع السنين بين إيديا وبستها:
— “يا خالد، أنا حببتك وأنا بنت العشرين لما كنت بتسافر في صيانة السكة الحديد بالوجع والشقاء عشان تبني البيت دا. الست الأصيلة مابتصونش الراجل عشان شهوة ولا متعة بس… بتصونه عشان هو سندها وأبو عيالها. العجز اللي أنت خفت منه، كان ممكن نشيله سوا لو وثقت فيا. بس خلاص… اللي فات مات، والنهاردة إحنا بنبدأ من جديد.”
تاني يوم الصبح، صحيت الساعة ستة. لأول مرة من تمنتاشر سنة مصحاش على صوت رزع الباب وهو نازل يهرب من البيت. لاقيته قاعد في الصالة، لابس جلابيته البيادية، وفاتح الشباك ومخلي الشمس تدخل الشقة لأول مرة من سنين.
بصلي وابتسم… ابتسامة حقيقية، طالعة من قلبه، مش الابتسامة الباهتة اللي كانت بتطلع عشان الصور والعزومات.
— “صباح الخير يا إيمان… عملتلك الشاي، وبعت البواب جاب فول وطعمية سخنين.”
دموعي نزلت من الفرحة، “صباح الخير” دي كانت دافية… دافية لدرجة إنها سيّحت تلج السنين كله في لحظة.
قعدنا نفطر سوا، وبدأنا نتكلم… نتكلم عن الولاد، وعن ذكريات زمان قبل الكدبة الكبيرة، وعن الأيام اللي جاية. عرفت منه تفاصيل تعبه وعلاجه وكيف كان بيموت في اليوم ميت مرة وهو شايل السر دا لوحده.
الشمس كانت مالية الصالة، وصوت الضحك رجع لحيطان البيت تاني. العمر فات منه كتير صح، وشعرنا شاب وصحتنا عجزت… بس النهاردة وأنا ببص لخالد، عرفت إن الحب مابيموتش بالمرض ولا بالعجز، الحب بيموت بالخوف والكدب… والنهاردة إحنا دافنا الخوف، وعشنا اللي باقي من عمرنا في النور.
*******
مرت الأيام بعد اليوم دا، والبيت اللي كان زي القبر بقاله تمنتاشر سنة، دبت فيه الروح من جديد.
مبقاش فيه بيننا صمت، بالعكس، بقيت بحس إننا بنعوض كل دقيقة سكتنا فيها. بقينا نصحى الصبح نعمل الفطار سوا، ونتخانق خناقات خفيفة على مين اللي هيغسل المواعين، ونضحك من قلبنا وأحنا بنفتكر أيام طنطا والشقا بتاع زمان. حتى ولادنا لما كانوا بيجوا يزورونا بأحفادنا، كانوا يستغربوا ويقولوا لبعض: “هو بابا وماما مالهم بقوا دافيين كده ليه مع بعض؟ دول كانوا زي الغربا!”… مكانوش يعرفوا إن الغُربة دي كانت سجن وهدمناه.
في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، كنا قاعدين في الصالة ومشغلين التلفزيون. الدنيا كانت بتمطر برا، والبيت دافي. خالد كان ساند ضهره على الكنبة، وباصص للفراغ بس ملامحه كانت هادية، مفيهاش العقدة اللي كانت في حاجبة طول السنين اللي فاتت.
بصلي فجأة وقال:
— “إيمان… أنا عايز أروح المدافن.”
اتعدلت في قعدتي وبصيت له بقلق:
— “المدافن يا خالد؟ دلوقتي؟ في البرد دا؟”
— “لأ مش دلوقتي… الصبح. عايز أروح لأمي.”
سكتت شوية، وحسيت بنغزة خفيفة في قلبي، بس هو كمل وهو بيمسح على إيدي:
— “عايزك تيجي معايا يا إيمان… لازم نروح سوا.”
تاني يوم الصبح، الساعية كانت تمانية، والجو كان فيه نسمة برد ساقعة بس الشمس كانت طالعة. وصلنا المقابر، ووقفنا قدام حوش عيلة خالد. وقفنا قدام قبر حماتي.
خالد وقف، رفع إيديه وقرأ الفاتحة، وأنا وقفت جمبه وقرأتها معاه ودعيتلها بالرحمة والمغفرة من كل قلبي. بعد ما خلصنا، خالد طبطب على الشاهد بتاع القبر، وبص لفوق وقال بصوت مليان شجن:
— “سامحينا يا أمي… أنا وإيمان جينا ليكي سوا. أنتي عند ربنا العدل الرحيم، وعارفة اللي في القلوب… أنا ظلمت نفسي وظلمت البنت دي سنين طويلة باسمك، والنهاردة جاي وجايبها معايا عشان نقفل الدفتر القديم دا خالص.”
لفيت وشي ليه، لاقيت عينيه بتلمع بالدموع، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة… كانت دموع راحة. أخدني في حضنه قدام القبر، وباس رأسي بطريقة حسيت فيها إن كل الوجع اللي فات اتبخر في الهوا.
وأحنا راجعين في الطريق، كنا ماشيين كبار في السن، خطوتنا بطيئة، ساندين على بعض. خالد بصلي وابتسم وقالي:
— “عارفة يا إيمان؟ الدكتور اللي في مصر الجديدة دا… أنا كنت فاكره زمان غريب وضيعلي هيبتي قدامك، بس النهاردة بسببه أنا حاسس إني اتولدت من جديد. ربنا بعتهولنا عشان يكسر السلسلة اللي كانت خنقانا.”
ابتسمت وضميت دراعه لكتفي وأنا ماشية معاه:
— “ربنا بيجيب كل حاجة في وقتها يا خالد… تمنتاشر سنة ضاعوا في الضلمة، بس الحمد لله إننا هنعيش اللي باقي لنا في النور.”
ورجعنا بيتنا، البيت اللي مبقاش فيه أوضة مقفولة، ومبقاش فيه سرير بارد… رجعنا وأحنا عارفين إن العمر مش بعدد السنين اللي عيشناها، العمر بيبدأ من اللحظة اللي بنقرر فيها نعيش بجد، بصدق، ومن غير خوف.
********
بعد ما رجعنا من المدافن، حسيت إن فيه حمل جبال انزاح من على كتافنا. الشقة اللي كانت زمان بتخنقني، بقت النهاردة أوسع وأجمل مكان في الدنيا.
فاتت شهور، ودخل علينا الصيف. وفي يوم جمعة، البيت اتملى بدوشة الأحفاد وصوت ولادنا وضحتكهم اللي كانت بترد الروح. كنا قاعدين كلنا حوالين طبلية الأكل في الصالة، وخالد قاعد على رأس التربيزة، وشه منور والضحكة مش مفارقاه. كان بيأكل الأحفاد بيده، ويهزر مع ابننا، ويناغش بنتنا.
ابني بص لنا وإحنا قاعدين جمب بعض، واستغرب وقال بنبرة كلها فرحة:
— “الله يا بابا… أنا أول مرة من سنين طويلة أشوفك بتضحك من قلبك كده، وأول مرة أشوفك أنت وماما متفقين ومش شايلين من بعض.”
خالد بصلي، وعينيه لمعت بنظرة حب وفخر عمري ما شوفتها زمان، وحط إيده فوق إيدي قدامهم كلهم وقال:
— “يا ابني، أمك دي شالت اللي ما تشيلوش جبال… عاشت صاينة بيتها وعيالها في عز الضلمة، والنهاردة جه الوقت اللي تعيش فيه ملكة في بيتها وبس.”
بنتنا دمعت من التأثر، والكل أمن على كلامه. في اللحظة دي، حسيت إن تمنتاشر سنة من العذاب اتمسحوا من سجلات حياتي، وكأن ربنا بيعوضني عن كل ثانية صبرتها في السكوت.
بالليل، بعد ما الولاد مشيوا والبيت رجع لهدوءه الدافي، دخلت المطبخ أعمل الشاي. لاقيت خالد دخل ورايا، سحب المج الأزرق بتاعه وقف جمبي. بصلي وقال بصوت حنين:
— “تفتكري يا إيمان… ربنا سامحني على السنين اللي ضيعتها من عمرك؟”
لفيت وشي ليه، وأخدت المج من إيده وحطيته على الرخامة، ومسكت إيديه الاتنين وقولتله بعيون مليانة دموع ورضا:
— “ربنا بيسامح يا خالد لما القلوب بتصفى… وإحنا قلوبنا صِفيت وخلاص قفلنا الدفاتر القديمة. المهم إننا سوا النهاردة.”
طلعنا قعدنا في البلكونة، والهوا الصيفي الخفيف كان بيطير طرف طرحتي. خالد شد الكرسي بتاعه وقعد جمبي بالظبط، لدرجة إن كتفه بقى لامس كتفي. أخدت مج الشاي بتاعي، وهو مسك المّج الأزرق، وبصينا للسما الليلة دي وهي مليانة نجوم.
مبقاش فيه خوف، ومبقاش فيه كدب، ومبقاش فيه سرير بارد وأوضة مقفولة. تمنتاشر سنة ضاعوا في الوهم، بس الليلة دي، وإحنا ساندين على بعض وشعرنا شايب، كنا بنشرب الشاي وأحنا عارفين إننا بنعيش أجمل وأصدق أيام عمرنا… في النور، ومن غير أشباح.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق