طليقي الدكتور كاملة
طليقي الدكتور كاملة
بعد طلاقنا، خبيت حملي منه لحد يوم ولادتي.. ولما الدكتور نزل الكمامة كانت الصدمة!
الطلقة جات قوية لدرجة إنها حسيت إنها قسمت روحي نصين.
في ثانية كنت ماسكة بكل قوتي في حديد السرير في أوضة الولادة، بحاول أفتكر كلام الممرضة عن تنظيم النفس، وفي الثانية اللي بعدها حسيّت إن نار قادت في كل عضمة في جسمي. مابقتش مجرد ست نايمة على سرير مستشفى تحت إضاءة بيضا كئيبة.. أنا بقيت عبارة عن كتلة ألم، رعب، وصوت صريخي اللي شق سكون الأوضة.
“خدي نفس يا سلمى.. بالراحة.. بالراحة.”
حد كان ماسك كتفي بيطمني، وحد تاني بيظبط جهاز النبض على بطني، وصوت بيقول إن نبض الجنين كويس.
وفجأة.. باب الأوضة اتفتح ودخل الدكتور. عقم إيده، وشد الكمامة نزلها تحت دقنه عشان ياخد نفسه.. وهنا، أنا نسيت إزاي أتنفس أصلاً!
يوسف..
دكتور يوسف.. طليقي!
لثانية واحدة مرعبة، افتكرت إني بهلوس. يمكن وجع الولادة بيعمل كده. يمكن بعد 19 ساعة من الطلق والعذاب، عقلي بدأ يطلع أشباح الماضي من أضلم دراج الذاكرة. بس لأ.. كان حقيقي. نفس العيون السودا، نفس الملامح الحادة، نفس الجرح القديم الصغير اللي جنب دقنه من خناقة أيام الكلية واللي كان دايماً بيكابر ويقول إنها حاجة بسيطة. نفس الراجل اللي اعترفلي بحبه قدام كافتيريا الجامعة في يوم مطر، ووعدني وهو بيضحك إن حياتي معاه عمرها ما هتبقى مملة.
نفس الراجل اللي رمى عليا يمين الطلاق في المطبخ، وأنا بجهز تورتة عيد ميلاد والدته!
“سلمى؟!” قالها وصوته اتكسر وحروف اسمي بتترعش على شفايفه.
طلقة تانية ضربت في ضهري وقطعت كلامه. صرخت بكل قوتي وعصرت إيد الممرضة لدرجة إنها اتخضت وبصتلي بقلق، بس ماقدرتش أسيب إيدها. كنت باصة ليوسف من ورا دموعي وعرقي وقمة غضبي.
الممرضة بصت لنا إحنا الاتنين باستغراب، وقالت: “إنتوا تعرفوا بعض يا دكتور؟”
رديت أنا والكلمات بتطلع من بين سناني اللي بكز عليها من الوجع: “كنا متجوزين.. لحد ما طلقني عشان حماتي زعلت إني بطلب شوية خصوصية في بيتي!”
وش يوسف جاب ألوان، والدم هرب منه تماماً. “سلمى.. أنا..”
قاطعته وأنا باخد نفس كأنه بيجرح في صدري: “ماتتكلمش! ولدني وبس.. اعمل شغلك وبس!”
عينيه نزلت على بطني الكبيرة، ولأول مرة.. الحقيقة الكاملة نزلت عليه زي الصاعقة. شفته وهو بيستوعب، بيحسب الشهور والأيام في ثواني.. شفت الصدمة.. والانهيار في عينيه.
“إنتي.. إنتي كنتي حامل؟” همس بيها وكأنه بيكلم نفسه.
ضحكت، وطلعت ضحكة مكسورة مليانة قهر: “مبروك يا دكتور.. لسه بتعرف تحسب صح تحت الضغط.”
أخد خطوة لا إرادية ناحية السرير وهو بيقول بصوت مهزوز: “ليه مقولتليش؟!”
وجع الطلقة اللي بعدها بلع ردي. صرخت وعضيت على شفايفي من جوه لحد ما دقتها طعم الدم. الممرضة فضلت تهديني وتوجهني، في الوقت اللي يوسف اتحرك فيه بشكل آلي، غريزة الدكتور المهنية اتغلبت على الكارثة الشخصية اللي بيعيشها. بدأ يراجع الأجهزة وإيديه بتترعش.
ولما الوجع هدي شوية واداني فرصة أتكلم، بصيت في عينيه مباشرة وقولتله جملة واحدة:
“عشان إنت ماسألتش!”
وفجأة.. قبل ما يرد، صوت جهاز نبض الجنين اتغير وضرب إنذار مرعب، الممرضة صرخت بخضة: “يا دكتور، نبض الطفل بيقع بسرعة!”
يوسف بص للشاشة برعب، ومسك المشرط وهو بيبصلي بدموع وبيقولي بصوت بيترعش: “سلمى.. سامحيني على اللي هعمله دلوقتي…”
“سامحيني على اللي هعمله دلوقتي…”
قالها يوسف وعينيه مليانة دموع، بس إيده كانت ثابتة بثبات جراح عارف إن كل ثانية بتمر معناها حياة أو موت. الممرضة ناولته الأدوات بسرعة، وفي لحظة، حسيت بوجع بارد ومرعب.. شق سريع ومدروس عشان يوسع طريق الخروج للبيبي اللي نبضه بيفارق الحياة.
“بوش يا سلمى! ادفعي بكل قوتك دلوقتي! علشاني.. علشان خاطر ابننا!” صرخ يوسف بصوت هز جدران الأوضة، صوت مفيش فيه ذرة من هدوء وبرود الدكتور يوسف اللي أعرفه، ده كان صوت أب مرعوب بيستنجد.
معرفش جبت القوة منين، بس مع آخر طلقة، صرخت صرخة طلعت من أعماق روحي، صرخة حسيت إنها خدت معاها آخر ذرة طاقة وروح في جسمي.. وبعدها، فجأة.. الضغط الرهيب اختفى.
بس الأوضة غرقت في صمت مميت. صمت يوجع الودن.
مفيش صوت عياط.
رفعت راسي بضعف لا يوصف، الرؤية كانت مشوشة من العرق والدموع. شفت يوسف ماسك حتة لحمة صغيرة مزرقة، إيديه بتترعش وهو بيحاول ينضف مجرى التنفس بتاعه بسرعة جنونية. الممرضة بتجري تجيب جهاز الأكسجين الصغير.
“يلا.. يلا يا حبيبي.. اتنفس.. اتنفس عشان خاطر بابّا,” كان بيهمس بيها يوسف وهو بيعمله إنعاش خفيف. كان بيعيط.. دكتور يوسف، الراجل اللي عمره ما نزلت منه دمعة، كان بيبكي زي الأطفال.
ثانية.. اتنين.. عشرة.. الوقت كان بطيء كأنه دهر.
وبعدين.. طلعت صرخة ضعيفة.. كحتين.. وبعدها صرخة قوية شقت الصمت وردت الروح فينا كلنا.
عيطت.. عيطت بصوت عالي من الفرحة والانهيار. يوسف ضم الولد لصدره، وقفل عينيه وهو بياخد أطول نفس في حياته، وبعدين لفه في الفوطة البيضا وقرب مني.
نزل على ركبه جنب السرير في مستوى وشي، والولد بين إيديه. ملامح البيبي كانت نسخة مصغرة منه. نفس الشعر الأسود الكثيف.
“ولد يا سلمى..” قالها بصوت مبحوح والدموع بتغسل وشه. “ابننا.. نسخة مني ومنك. أنا آسف.. أنا حمار، أنا ضيعتكم بغبائي، بس وحياة ابني ده ما هسيبكم لحظة بعد كده، هعوضك عن كل وجع، أمي، عيلتي، أي حاجة في الدنيا تولع، المهم إنتي وهو.”
مديت إيدي المرتعشة عشان ألمس وش ابني.. ملمسه كان دافي وناعم. ابتسمت ابتسامة باهتة، بس فجأة.. حسيت بسخونة غريبة بتسحب من جسمي، الدنيا بدأت تلف بيا، وألوان الأوضة بدأت تبهت وتتحول لأبيض وأسود.
جهاز المراقبة اللي متوصل بيا أنا بدأ يدي إنذار متواصل ومزعج.
*طوووووووووووووط*
يوسف رفع عينه للشاشة، ووشه اللي كان لسه فيه شوية حياة، قلب بلون الرماد. بص بسرعة لتحت، وصرخ برعب: “نزيف! نزيف حاد بعد الولادة! نقل دم فصيلة O سالب فوراً!! الأوضة بتغرق دم!”
الممرضات دخلوا يجروا، يوسف حط الولد بسرعة في الحضّانة الصغيرة، ورجعلي وهو بيضغط بكل قوته عشان يوقف النزيف، إيديه كانت غرقانة بدمي.
“سلمى! خليكي معايا! بصيلي يا سلمى ماتقفليش عينكي!” كان بيصرخ كأنه مجنون.
بس أنا كنت حاسة إني خفيفة أوي، الوجع بيختفي، والصوت بيبعد. بصيتله بابتسامة أخيرة وقولتله بصوت يادوب مسموع: “خلي بالك منه يا يوسف.. وقوله إن ماما.. حبته أوي..”
غمضت عيني، وآخر حاجة سمعتها كانت صرخة يوسف اللي شقت المستشفى كلها: “لاااااااااااا!”
بس قبل ما أغطس في الضلمة التامة، باب الأوضة اتفتح بعنف، وصوت ست زعق بغضب شديد:
“يوسف!! إيه المهزلة دي؟ إنت سايب كتب كتابك على بنت خالتك تحت عشان تولد طليقتك؟!!”
👇 **ياترى سلمى هتموت والنزيف هيقضي عليها؟ ومين اللي دخلت الأوضة دي؟ إزاي يوسف كان بيكتب كتابه في نفس المستشفى ونفس اليوم؟!**
شوف الجزء الاخير بسرعه
“يوسف!! إيه المهزلة دي؟ إنت سايب كتب كتابك على بنت خالتك تحت عشان تولد طليقتك؟!!”
صوت حماتي (والدة يوسف) شق الأوضة زي الرعد، بس بالنسبة لي الصوت كان جاي من بعيد أوي، كأني تحت الماية. عيني كانت بتقفل غصب عني، بس كنت شايفة المشهد كأنه بالتصوير البطيء.
يوسف ماتلفتش وراه أصلاً، كأن صوت أمه ملوش أي وجود. إيديه كانت غرقانة بدمي وهو بيضغط بكل قوته عشان يوقف النزيف، وبيزعق في الممرضات: “أكياس الدم فين؟! هاتوا دكتور التخدير فوراً، لازم ندخل عمليات الأوضة دي بتعوم في الدم!”
حماته دخلت الأوضة بخطوات غاضبة، بس وقفت مكانها متسمرة لما شافت المنظر. الدم اللي مغرق السرير، والبيبي الصغير اللي بيعيط في الحضّانة، ويوسف اللي وشه عبارة عن كتلة رعب وانهيار.
“إيه الدم ده كله؟! ومين العيل ده؟!” قالتها بصوت مرعوب، بس الغرور لسه راكبها: “سيبها للممرضات وانزل، الناس تحت والمأذون بيكتب العقد، مش هفضح نفسي قدام العيلة عشان دي!”
هنا.. يوسف رفع راسه، وبصلها بنظرة عمري، في كل سنين جوازنا، ما شفتها في عينيه. نظرة واحد اتحول لوحش بيدافع عن روحه.
صرخ بأعلى صوت عنده، صرخة هزت جدران المستشفى: “اطلعي بررررره! المأذون اللي تحت ده تمشيه، والجوازة الزفت دي تتلغي! دي مراتي، وده ابني اللي من صلبي! ولو جرالها حاجة، أقسم بالله العظيم ما هعيش دقيقة بعدها ولا هتشوفي وشي ليوم الدين! اطلعي بره وسبيني أنقذ عيلتي اللي دمرتيها ودمرتيني معاها!”
الصدمة لجمت لسان أمه. رجعت لورا خطوتين وهي بتبص لابنها اللي لأول مرة في حياته يكسر كلمتها، ويقف في وشها عشان يحميني. بس أنا.. ماقدرتش أقاوم أكتر من كده، واستسلمت للضلمة التامة.
فتحت عيني ببطء شديد. ريحة المطهرات، إضاءة هادية، وصوت جهاز نبض منتظم. أنا لسه عايشة.
حركت راسي بوجع، لقيت يوسف قاعد على الكرسي جنبي، ماسك إيدي بين إيديه وساند راسه عليها ونايم من التعب. هدومه لسه عليها بقع من دمي، ووشه شاحب زي الأموات.
حركت صوابعي بضعف، فرفع راسه بخضة. عينيه كانت حمرا ومورمة من العياط. أول ما شافني مفتحة، قام وقف وباس راسي وإيدي وهو بيبكي: “الحمد لله.. الحمد لله إنك رجعتيلي. كنت هموت يا سلمى.. روحي كانت بتطلع مني وأنا شايفك بتروحي مني.”
صوتي كان يادوب طالع: “ابني.. فين؟”
ابتسم وسط دموعه: “زي الفل.. في الحضانة بيكمل وزنه، بس صحته ممتازة. حتة منك يا سلمى، أخد ملامحك الجميلة.”
سكت شوية، وسحبت إيدي من بين إيديه ببطء. بصلي بوجع وانكسار، وقال: “أنا لغيت كل حاجة يا سلمى. الجوازة اللي أمي كانت غاصبة عليا بيها عشان تقهرك وتقهرني اتلغت. أنا وقفت في وش الكل. أنا اشتريت بيت جديد، بعيد عنهم كلهم. مفيش حد هيدخل حياتنا ولا هيتدخل فيها تاني. أنا اتعلمت الدرس بأقسى طريقة ممكنة. أرجوكي.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني بقيت الراجل اللي يستاهلك ويستاهل يكون أب لابننا.”
بصيت في السقف وأخدت نفس عميق.. ورغم كل الضعف اللي في جسمي، كنت حاسة بقوة غريبة جوايا. قوة أم شافت الموت ورجعت عشان خاطر ابنها.
“يوسف..” قلتها بصوت هادي بس قاطع: “اللي اتكسر مش بيتصلح بكلمتين، ولا ببيت جديد. إنت خسرتني لما اخترت تسكت على إهانتي عشان ترضي والدتك. خسرتني لما خليت بيتنا مش أمان ليا. كونك وقفت في وشهم امبارح، ده رد فعل طبيعي لأي أب شاف ابنه ومراته بيموتوا.. بس هل ده هيكمل؟”
نزل راسه في الأرض، فكملت كلامي: “أنا مش هحرم ابني من أبوه، لأنك دكتور شاطر وأنقذت حياته وحياتي.. بس رجوعي ليك كزوجة مش هيبقى بالسهولة دي. أنا هرجع أعيش في بيتي اللي أنا أسسته، وإنت هتفضل بره لحد ما تثبتلي، وتثبت لنفسك قبلها، إنك بقيت راجل قادر يحط حدود صارمة لحياته، قادر يحميني أنا وابني من أي أذى، حتى لو كان الأذى ده من أقرب الناس ليك. الحب لوحده مش كفاية يا يوسف.. الاحترام والأمان هما اللي بيبنوا البيوت.”
رفع راسه وبصلي باحترام شديد، احترام ممزوج بحب حقيقي المرادي، وقال بتصميم: “موافق.. موافق على أي شرط. هبدأ معاكي من الصفر، لو هفضل أخطب ودك سنين، مش هتنازل عنك إنتي وابني أبداً.”
**(النهاية)**
**الخلاصة والمغزى:**
القصة دي بتعلمنا إن “الحدود” في العلاقات مش رفاهية، دي أساس أي بيت سوي. الزوج اللي مابيقدرش يحمي مساحة بيته ومراته من تدخلات الأهل، بيهد بيته بإيده. والأهم، إن الست القوية هي اللي بتعرف قيمة نفسها، ومابتقبلش ترجع لمجرد إن الراجل اعتذر، لكن بتطلب أفعال وتغيير حقيقي يضمن كرامتها ومستقبل ولادها. الحب من غير أمان وكرامة.. ملوش لازمة!
👇 **شاركوني برأيكم يا قمرات: هل سلمى صح في قرارها إنها ماترجعلوش بسهولة وتديله فرصة يثبت نفسه؟ ولا كان المفروض تسامحه فوراً عشان خاطر البيبي؟ مستنية رأيكم وتفاعلكم في الكومنتات!** 🔥


تعليقات
إرسال تعليق